"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من أدب الرسائل: عمر جعفر السّوْري عن الأضحى ورحيل منح الصح والمزروعي
نشر في الراكوبة يوم 30 - 10 - 2014


السفير الصديق الاديب الاريب الاعز جمال،
سلام هو في الحقيقة وفي الأصل مثلما هو في الكلمات، لا ينقص حرف من حروفه الأربعة بل يُبنى عليها مجتمعة ثم تتمدد تلك المعاني حتى تبلغ مقاصدها في مهرجان هو السلم بعينه لا الخديعة التي تخفي ظلام الحروب وخناجر تقطر منها الدماء وراء الظهور كما يجري الان في غير مكان من حولنا.
ما استطعت أن اجيبك على ما أفاض به قلمك السيال ضحى الأضحى وذلك لعارض طارئ ألم بي، فحال بيني وبين لوحة المفاتيح، بل أبعدني حتى عن اليراع والكتاب. وبعض ذلك الاستنكاف -إن اردت الحق -ليس سقماً فحسب، بل كان سأماً أيضاً، مبعثه انكار لما نرى ونسمع عما يدور ويجري في ساحات العرب والمسلمين، وفي الغرب أيضاً، يعقبه ذهول من هول الذي نرى على الشاشات وما نسمع على السنة البعض من قبول لكل ذلك في حوارات ينقلها الاثير عبر المذياع، يتلوه ضيق يكتم الانفاس، ثم لفظ لكل المحيط بما فيه الكتاب والقلم والحبر والدواة، أكانت زجاجة تشي بلون محتواها أو معلبة في أسطوانات الطابعة العصرية. تحضرني اللحظة الابيات الأخيرة من قصيدة صلاح عبد الصبور "الظل والصليب"، بل تتدفق القصيدة كلها أمام عينيّ وتترى حتى يقف ناظري عند النهاية:
هذا زمن الحق الضائع
لا يعرف فيه مقتول من قاتله ومتى قتله
ورؤوس الناس على جثث الحيوانات
ورؤوس الحيوانات على جثث الناس
فتحسس رأسك
فتحسس رأسك!
نشر عبد الصبور ديوان "الناس في بلادي" الذي ضم بين دفتيه تلك القصيدة قبل خمسة عقود! فكيف تكون الكلمات اليوم والحال غير الحال عقب الاف الليالي من زماننا الضرير؟ نعيش نحن الان في قلب المحظور بعد أن كنا على مشارفه؛ نموت بعد أن نذوق لحظة الرعب المرير والتوقع المرير بلا انقطاع. نعم لقد مضغ الناس مرة تلو أخرى، تكراراُ ومراراً، بلا ملل ولا ندم بيت أحمد بن الحسين الذي أشرت اليه في رسالتك، بل حوره بعض المتأدبين والذين لا يحسنون القراءة ولا الاصغاء، الذين يلتقطون الاصداء فتتردد عند اسماعهم مشروخة، مكسورة، مهيضة: "عيد بأية حال عدت يا عيد؟" أعاد البعض ترتيب صدر البيت أو كله أو عجزه أو خلط بين هذا وذاك، فجاء جميعه غريباً، يستدعي الترحم على أبي الطيب، ويحمد الله من حفظ البيت أو القصيد ان المتنبي انتقل الى بارئه قبل أن تتناهى الى سمعه هذه الأصوات الصدئة التي عبثت بشعره! ومن كثرة تلك الروايات المستهجنة للبيت، لم نعد نعبأ بما يقال، ولا نحفل بالإجابة فنردد بلا قصد أحياناً ومن غير إدراك للمعنى في أحايين كثيرة: كل عام أنتم بخير، بصيغة الجمع، حتى لو كان المقصود فردا، رفع التكلف بيننا وبينه أو بينها منذ نعومة الاظفار. عادة ما يخطر ببالي ليلة العيد بيت المحجوب:
العيد وافى فأين البشر والطرب والناس تسأل أين الصارم الذرب
أتمثل صدر البيت، وغالباً ما أقف عنده: فقد بكى المصلى جبين الأنبياء به وغادر المنبر الصناجة الارب. نسي الناس عيدهم يوم فارقوا فروضه وسننه، وأغفلوا عن هدي الرسالة بعبادات أخر ادخلوها عنوة أو تدجيلاً أو غفلة أو تدليساً أو غير ذلك الى شعور الناس فمحوا تصديقهم وايمانهم بالواحد الاحد الذي أبان سواء السبيل في خطاب واضح كل الوضوح لا يحتاج الى تأويل ولا يستدعي تفسيراً أو سفسطة: "وما ارسلناك الا رحمة للعالمين." لكنهم انصرفوا الى ما زينته شياطينهم يستحثون الناس للقتل والذبح وشرب الدماء واكل الاكباد وشق صدور الضحايا والتمثيل بالجثث ونبش القبور وهدم ما بناه الاولون والاخرون. بئس القوم وما يصنعون. وغيرنا يرقى الى العُلا. أما أشار النور عثمان أبكر قبل أكثر من نصف قرن الى ذلك في قصيدته "المنفى والمملكة" إن أسعفتني الذاكرة؟:
قومي بسطاء
يحيون سفاحا
صلبوا منقذهم في وهلة ضعف
طردوا ينبوع التقديس وما ذاقوا ندما
يحيون ظهيرة موت الإحساس وما داخوا سأما
يحيون بلا امجاد تقبض رحم مساعيهم ويموتون هباء
والشعب الاخر ينحت صخر الأجيال قباب،
يبني بسواعد جيل الثورة والابداع
صبايا مدن العزة والمنعة.
هذا الذي يجري اليوم هو تكرار لإرث قديم أتت به جحافل المتأسلمين الجدد حينذاك (الذين دخلوا الي الدين الحنيف كارهين جلهم، وبعضهم راغبين، ثم أصبحوا مذاك والى اليوم المرجع في الفتيا والتفسير بعد طول سنين)؛ وقد انزلوا عقائدهم بين دفتي الكتاب ففصلوا بين آياته، فلم يبلغوا جوهر الكلم الطيب واستمسكوا بعراهم الفاسدة دون العروة الوثقى. وهو ايضاً من نهج الاعراب ومن صلب تقاليد البداوة، لهم في النحر وقطع الاعناق وبقر البطون وأكل الاكباد وشرب الدماء والسطو والنهب والسرقة والاعتداء على الحرمات ما يمشي في عروقهم وتنبض به قلوبهم، إن كانت لهم أفئدة! وللرحمن فيهم القول الفصل في كتابه المبين.
اليوم يأتون من الغرب عائدين القهقرى الى حيث بدأت هجرتهم منذ وقت ليس بالبعيد، سنوات قليلة مضت أو ربما عقود تعد على أصابع اليد. عادوا كقبائل الهون، برابرة لم تصقلهم نفحات المدنية التي تطل من نوافذ الحواضر والقرى والدساكر هناك، تنبثق من الأرياف كما المدائن في تلك القارات. في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت حينما كانت الثورة الفيتنامية تطبع ملامح سنين العقدين وايامهما، كان الالمان يرددون بسخرية لاذعة، في مقاهي برلين وكثير من مدن شرق المانيا حينما كانت تنقسم تلك البلاد الى قسمين متنافرين عقيدة ونظام حكم، رغم تمسكهما بالتقاليد والارث والروابط والأصول والمزاج والانضباط: "إن رأيت أضواء تنبعث من نوافذ المنازل بُعيد منتصف الليل فاعلم أن خلف كل نافذة من تلك النوافذ أحد اثنين؛ إما عربي أو أفريقي يمارس الجنس، أو فيتنامي يذاكر دروسه.) كانت جارحة تلك العبارة لمن كان يجدّ كغيره ممن أتى لينهل من حياض العلم والمعرفة، ولكنها كانت الحقيقة في الغالب الاعم، للأسف! اليوم لا يختلف الحال كثيراً سوى أنهم حينما يسأمون لذائذ الجسد ورغباته، لا يتوبون الى الله توبة نصوح، بل يتحولون الى وحوش ضارية، باسم الدين، تقتل وتروع في شوارع الغرب الذي أواهم وآمنهم من خوف، ومن بعد ذلك، أو ربما قبل ذلك، يأتون غزاة متعطشين للدماء في الأرض التي لفظتهم الى سواحل الشمال ومدن الصقيع. من صور ذلك ما قاله الطيب صالح في موسم الهجرة الى الشمال: "كانت عكسي تحن الى مناخات آسيوية وشموس قاسية وآفاق ارجوانية. كنت في عينيها رمزاً لكل هذا الحنين. وأنا من جنوب يحن الى الشمال والصقيع." أصبحوا يتسربلون أثواب الشر في أقبح صوره، إن كان للشر صورة واحدة مقبولة المعالم يتزين بها ثوب ملطخ بالدماء والاوحال؛ أكثرهم تحركه عن بعد أجهزة الاستخبارات في بلاد الفرنجة (دون أن يدروا). تأمرهم بالعودة خمسة عشر قرناً الى الوراء، بتقصير جلابيبهم، وإطلاق لحاهم وتبديل خطوهم لكي يبدوا كمن يمشي في شعاب مكة يصارع رمالها، وليس في أرض ممهدة بالأسفلت والطابوق. في هذه الأيام ذهب الغرب بعيداً في التعبير عن كرهه لنا، تارة بتطرف لا مثيل له كما حدث في النروج عندما ارتكب اندرس بيرنق بريفيك مذبحة تعصى على الفهم والادراك، وتارة أخرى شعراً وأدباُ ومسرحاُ كما عبرت –على سبيل المثال-عن ذلك كاتلين كالديما، الشاعرة الاديبة الاستونية السامقة، رئيس نادي القلم في بلادها، في قصيدة تصف فيها حبيبها الأوربي:
حبيبي الأوربي، ليس أوربيا قحاً
هو، في حقيقة الامر، من عامة اروبا
حبيبي الأوربي، يتحدر من سورية أو تركيا، من المغرب أو تونس، من اندونيسيا، أو من صربيا أو العراق
لا ماضي له، يفكر كيفما أفسحت له في العيش الحياة
ليس لحبيبي الأوربي تاريخ ميلاد
يوم ولد انقطع التيار الكهربائي عن انحاء البلاد
وانعدم الوقود، فما استطاعوا اسعاف أمه الى المشفى
فوضعته في كوخ بمساعدة أخيه الأكبر
إذ أن أباه قتل في حرب قبيل أن تلده أمه
حبيبي الأوربي يسكن في شقة مستأجرة في بلده الأوربي
ولديه بيت أو بيتان في موطنه الأصلي
هو لم يزل قلقاً على مصير شقيقاته العازبات
حينما ترحل امه عن الدنيا.
لما يقرأ حبيبي الأوربي خطوط كفي
يروي لي مصاعب الماضي التي حلت بي ويبشرني بمستقبل زاهر
فالحنان ندى يديه.
عندما نأوي الى الفراش، لا يغالبنا النوم.
اذ تتدفق لغتان معقدتان تثيران الاهتمام،
لغتان كالثعابين تتلويان،
وعند الصباح تبرز لغة جديدة،
لا يتحدث بها سوانا
منذ أن التقينا تلك الليلة في هذا البلد النضير
هو وانا فحسب.
حبيبي الأوربي وحش مخيف
يفزع الأطفال الصغار حينما يروا شعر صدره الكثيف
هو كأخيل في الإلياذة
لكنه لا يشكو مثل أخيل من نقطة ضعف في أوتاره
لأنه قادر على الركض بسرعة ونشاط
ولولا تلك القدرة لما استطاع أن ينجو من الموت حينما كان يهرب من النمور والأسود أو حتى من مطاردة الاخرين
الحياة عند حبيبي الأوربي بسيطة للغاية
فهي الموت أو المقدرة على الفرار
حبيبي الأوربي لا يشكو البتة
يحب بيته الجديد ويحب زوجه
يبحث عن أرقى المدارس لأطفاله
لا يستبد به القلق لأنه لم ينجب صبياً
يحب بناته كما هن
يهبهن كل ما يملك وفوق ما يستطيع
حبيبي الأوربي وحش مخلوق من الجنس
رغم انني غير متأكدة ان كنا قد مارسنا الجنس أبدا
فكلما دلفنا الى غرفة النوم لا نجد الا الحب
الذي لا ينقطع فيأخذنا
من قمم الى قمم
ومن الصعود الى السقوط
ومن الحضيض الى الأعالي
ومن هناك الى عنان السماء
نتبادل هذا الحب حيثما كنا
غدت الغرفة كلها حمراء
وكذلك المفارش والسرير والجدران
استحال احمراً كل ما في الغرفة من ألوان
لا اثم هنا
حيث ترفرف مخلوقات السماء.
حبيبي الأوربي الان شيء من الماضي بلا مراء
رجل، لشغفه الكبير بالمرأة،
مستعد لبذل كل ما لديه
في سبيل ليلة يقضيها في قصر الرياح.
إذا ما سألته يوما عن تاريخ ميلاده
لا تتعجب ان أجاب:
ولدت يوم أممت شركة البيبسي في إيران.
هو ذاك، أصبح الحبيب الأوربي في هذه الايام شيئا من الماضي، فتحول الى وحش من دين زائف ومعتقد مشوه، بعد ان كان وحشاً من الغرائز! لكن ليس كلهم آتين من وراء البحار، البذرة السامة من عندنا، من نبت هذه الأرض التي غفلنا عن استصلاحها ورعايتها وتشذيبها. القتل والموبقات الأخرى شيء، وسلب الامة لذاكرتها شيء آخر. في السنوات الاخيرة حل الدمار بالذاكرة والتاريخ كما لم يحدث في يوم من الأيام حتى حينما غزا التتار والمغول المنطقة. منذ العام 2003 لما دخل الامريكان بغداد-دار السلام، حُرقت المكتبات ومن بينها دار الكتب والمحفوظات الوطنية العراقية فضاعت ملايين المصنفات والنفائس والكتب القديمة ونهبت أثار العراق، وفي القاهرة حرقوا المجمع العلمي، ليطفئوا نورا كان يشع من جنباته على القريب والغريب، وفي تونس الخضراء أشعلوا النار في معهد الآداب العربية للأباء البيض (ايبلا) فتحولت كنوزه النادرة الى رماد، أما نفائس سورية، في صيدنايا ومعلولا وحلب والرقة والحصن والقائمة تطول وتطول، فحدث ولا حرج؛ ونحن هنا نجلس القرفصاء، كما قال نزار قباني. هذه ذاكرتنا. هذا ارثنا. هذا غيض من فيض. عن البشاعة نتحدث، عن المأساة، عن الكارثة، بل هو الهول بكل معانيه يتجسد أمامنا كل يوم حتى سئمنا النظر اليه، وانصرفنا الى شئون أخرى كأنه ليس شأننا. يا للهول!
غداة الأضحى انتابني فوق حزني، وزيادة على الكآبة التي يشعر بها المرء جراء حالنا الذي وصلنا اليه في السودان وغيره، ألم ممض على رحيل اثنين، عرفت أحدهما عن قرب، وإن باعدت بيننا الأيام مؤخراً. ترجل مُنح الصلح، مفكر عربي من طراز يختلف عن الاخرين. كانت رؤيته فيها نبوءة مبكرة لأحداث اليوم، ولذلك ما استساغه طلاب الأضواء ومتصدرو المنابر، لكنه كان يحضر غصباً عنهم وبدعوة. حينما القاه في مجتمع عربي، كان يجر قدميه جرا ليجلس الى جانبي فنرى في بعض المجتمعين التكلف والاصطناع. رأى هو بعض (التقدميين) من أهل الكويت وجوارها متبضعين يتسوقون الأفكار كما يتبضعون الساعات والجوخ والحرير والجواهر، البعض يرتدون والبعض يهدون والبعض الاخر يذهب الى الجوارير في الخزائن فيسقط الى عمق النسيان. هؤلاء لم يعرفوا الحرمان، ولا تذوقوا الفاقة، أو رأوها قرب أحيائهم، يقول همساً. يا لسخريتك المستشرفة، يا منح! رغم ذلك، كان يلتفتون يمنة ويسرى، بحثاً عنه حينما لا يكون. يدركون ان الجمع ناقص بدونه. أما الراحل الثاني فهو علي المزروعي. استقبله أهل اليسار في السودان بفيض من النقد، إن لم يكن الهجوم، يوم جاء الى السودان في العام 1967. ما رآه يومئذ في السودان كان نبوءة، ذلك ان ما يحدث اليوم، بل إن ما يجري لم يخطر حتى على بال هذا الموسوعي الذي رأى حياته كدرب طويل ومتصل من الجدل، وربما سيكون الامر كذلك بعد الممات أيضا. الذين يفضلون مشاهدة التلفاز على القراءة (كان المزروعي يملك قلما سيالاً) يتذكرون الحلقات التي قدمها تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية. كانت كل حلقة من الحلقات مثار جدل ومشروع خلاف واختلاف، حتى الذين مولوا الحلقات ووقفوا خلفها أصيبوا بالصدمة وسحب بعضهم اسمه من قائمة رعاة العمل. كانت حلقات برنامج (ثلاثية التراث الافريقي) هي رؤيته ورأيه وصنعه وقوله، وليست لسواه. أغضب الكثيرين، لكنه قال قولته تلك لا خائفا ولا وجلا ولا هيابا ومشى. حينما وصف كارل ماركس في حلقة من البرنامج بانه آخر انبياء اليهود، أذيعت العبارة في البي بي سي فأهاجت عاصفة، لكن المحطة الأميركية التي بثت البرنامج من بعد، حذفت العبارة، فكانت تلك الفعلة دليلا آخرا على وهم "حرية الرأي" في أميركا وكذبة "حرية التعبير" في (ارض الاحرار). الا ان عبارة أخرى وردت في احدى حلقات البرنامج مرت بسلام يومئذ، اذ لم يكن الغلاة في بلاد المسلمين قد تسيدوا المنابر ولم تكن أدوات الاتصال الاجتماعي قد اخترعت بعد. قال المزروعي، وهو المسلم المؤمن، ابن قاضي قضاة كينيا، ومن يفاخر بعقيدته ويستلهمها في عمله ودرسه و"مناكفاته": "لو بعث محمد بالرسالة في سيبيريا لما حرّم شرب الفودكا." كان المزروعي يصور تلك الحلقة في مكان قصي من شمال روسيا متزملا بأثقال من الملابس من قمة رأسه الى أخمص قدميه! ما أظن أن أحداً من الصيادين انتبه الى تلك العبارة والا للحقت المزروعي اللعنات وصدرت الفتاوى بقتله تعزيرا دونما استتابة!
لا أدري ان كنت سألحق بعيد آخر أو سيمر بي في عام قادم. العيد فات وفات البشر والطرب. لكم الامنيات بدوام الصحة والعافية. وسلام لكم وللأسرة أجمعين. عمر
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.