"العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    يكررون الأخطاء.. وينتظرون نتيجة مختلفة..!!    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    القبض على أمريكى هدد 8 مرات بقتل ترامب    إحالة رئيس الأركان السوداني للتقاعد بالمعاش    المذيعة تسابيح مبارك تعبر عن حزنها لإغتيال القيادي بحكومة تأسيس: (شاب هميم التقيته في نيروبي ويحمل جواز سفر أميركي ما يعني أن لديه فرصة أخرى في الحياة)    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    مفاجآت عمرو دياب لجمهوره التركى فى أول حفل له أغسطس المقبل    ريهام حجاج : كممثلة لا أهتم بالمظهر بقدر اهتمامى بصدق الشخصية    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    5 نصائح للوقاية من جرثومة المعدة    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النخبة السودانية و غياب مشروع النهضة

كتب الأستاذ أحمد خير المحامي في كتابه " كفاح جيل" ( إن خروج الانجليز من السودان، و قيام حكومة سودانية مستقلة تمام الاستقلال من النفوذ الخارجي أمنية حبية. يستولي بريقها علي المشاعر، و يخلب الألباب، بمقدار ما أضفي علي كلمة " الاستقلال" من جاذبية و سحر. بيد أنها ليست، و ينبغي ألا تكون الهدف الذي من أجله قامت الحركة الوطنية، و لتحقيقه تتجند الكفايات و تبذل التضحيات. و إنما الهدف و الغاية هو قيام الديمقراطية التي حددناها. الديمقراطية شيء و الاستقلال شيء آخر)
و يقول الفضل شلق عن قيادة النخبة في مقال له بعنوان " حول الوعي التاريخي" ( القيادة ليست فردا أو أفرادا " و ما أكثر الأفراد الأفذاذ في مجتمعنا" بل هي النخبة الملتزمة، بقضايا الأمة، التزاما يجعلها قادرة علي فهم قضاياها و استيعابها و صياغتها في " برنامج عمل" يعبر عن إجماع الأمة، أو عن جملة اجماعات، تتراكم في عملية تاريخية متطورة و متغيرة، حسب متطلبات كل مرحلة)
و هل النخبة السودانية في تطورها التاريخي، منذ بدأت الوعي و النضال من أجل الاستقلال، فكرت في صياغة مشروع وطني للنهضة، أم كانت شعارات التاريخ بالنسبة لها هي نفسها مشروع النهضة، دون أن تخوض في أي تفصيل، و هل كانت النخبة التي قادة النضال ضد الاستعمار كانت بالفعل مستوعبة لتركيبة المجتمع السوداني؟
و يقول ارنولد توينبي، إن الحضارات في التاريخ، تؤسس علي أسس التحديات التي تفرض علي المجتمع، و يتم الاستجابة لها من قبل النخبة المبدعة، و السودان دولة في طور التطور و النشوء و التوحد، باعتبارها كانت تجميع لمشيخات و دويلات متعددة، لذلك هي متنوعة في ثقافتها، و لغاتها، و تحتاج لحوار متواصل بين نخبتها، لتخلق قاعدة التقارب بين شعوبها، و لكن بالفعل لدينا نخبة مبدعة استطاعت أن تتصدي لهذا التحدي، أم إن العقل السياسي كان الغالب الذي صنع أدوات الإعاقة بهدف تعطيل مشروع النهضة.
إن الأزمات السياسية المتواصلة في السودان، منذ الاستقلال حتى اليوم، و التي يعانق رقاب بعضها البعض، تؤكد إن النخبة السودانية التي خاضت النضال ضد الاستعمار، لم يكن لديها مشروعا وطنيا لعملية بناء السودان عقب الاستقلال، و قد أهملت ذلك، هذا ما أشار إليه عبد الماجد أبو حسبو في مذكراته حيث قال ( ليس للأحزاب السياسية السودانية جميعا" بكل أسف" برامج مدروسة محددة تجمع الناس حولها، فقد كانت برامج الأحزاب قبل الاستقلال هي التحرر من الاستعمار، و هذا أمر مفروغ منه، إلا أن ألأحزاب ظلت حتى بعد فترة الاستقلال دون برامج مدروسة محددة. صحيح أن بعض الأحزاب قد صاغ برامج، و لكنها كلها لا تعدو أن تكون حبرا علي ورق) و كنت قد كتبت في مقال سابق بعنوان " الديمقراطية الليبرالية عند نخبة الاستقلال ( إن النخبة السودانية ألتي كانت تناضل من اجل الاستقلال، و كانت على معرفة بتوازنات القوة الاجتماعية، كانت تستفيد من هذه المعرفة في صراعها مع الاستعمار. كان الاستعمار يمثل أحد الأعمدة التي تقوم عليها توازنات القوة، و كان يتابع نشاطات نادي الخريجين، و من ثم مؤتمر الخريجين، و يضغط المؤسستين من اجل احترام اللوائح في المؤسستين، حتى لا تجنح نحو العمل السياسي، و المتابعة جعلت استمرارية العمل تتم وفقا للوائح، الأمر الذي جعل عضوية المؤسستين تحترم المبادئ الديمقراطية التي صاغتها، و لكن في تطور النضال تجاهلت قيادة مؤتمر الخريجين اللوائح بهدف تحقيق هدف وطني أكبر، و لكن بعد خروج الاستعمار، كان من المفترض أن تؤسس النخبة السودانية مؤسسات المجتمع المدني، و تستمر في عملية احترام اللوائح و القوانين، الذي يعد أحد الأعمدة الأساسية للديمقراطية، و لكنها أهملتها، ليس بسبب الجهل إنما إهمالا مقصودا، بهدف إبعاد أية سلطة رقابية على العمل السياسي، حتى و لو كان من قبل الحركة الجماهيرية، الأمر الذي اضعف الركائز التي تقوم عليها الديمقراطية، حتى برزت القوات المسلحة كقوى أخلت بتوازنات القوى الاجتماعية، و أضعفت البناء الديمقراطي رغم هشاشته) دخول القوات المسلحة علي العمل السياسي، كان له انعكاسات سالبة علي العمل السياسي، و حد من أي تطلع لحوار وطني يفض إلي مشروع للنهضة الوطنية، هذه التحولات السريعة في عملية النضال الوطني، و الوصول لنتائج، إن المستعمر سوف يغادر البلاد، أدي إلي تغيير في سلوكيات القيادات، أخل بمبدئية العمل الديمقراطي، الذي كان قد تأسس في مؤتمر الخريجين، كما إن القيادات جلها، لم تلتفت إلي مشروع نهضة وطني.
و بعض النخب السياسية، كانت مدركة إن هناك عقبات كانت تحول دون بروز مشروعا للنهضة السودانية، و كانت القوي السياسية المناط بها صناعة مشروع النهضة السودانية، كانت هي نفسها تمثل أكبر عائق له، عندما تكون السلطة بين يديها، و هذا ظهر في نخبة مؤتمر الخريجين، و النخب التي جاءت بعد ذلك، يقول الدكتور الشفيع خضر أحد قيادات الحزب الشيوعي في ورقة له بعنوان " الهوية الحضارية السودانية" ( إن الحركة السياسية السودانية تعاني من أزمة عدم التفاعل و التفاهم فيما بينها، علي صعيد البرامج، و الحوارات الفكرية، و قصر هذا التفاعل علي الإطار السياسي فقط المتعلقة بمسألة السلطة، حيث ظل الحوار السياسي هو الطاغي، باعتبار إن السياسي هو الحدث الساخن دائما، و الذي يفرز نتائج سريعة و ملموسة، و لكننا نضيف إن الاستسلام لهذا الواقع يعني الإقرار باستمرار الأزمة) فالحوار بين القوي السياسية بهدف إحداث تقارب لم يحدث، و هي قوي متنافرة، و كل منها يبحث عن طرق للوصول للسلطة، عبر شتي الطرق، دون سلك طريق الحوار الوطني، لذلك ما كانت مهمومة بقضية النهضة السودانية، فكانت كل واحدة، تريد أن تقصي الأخرى عن المسرح السياسي، و قد حدثت عبر الانقلابات المختلفة، التي شاركت فيها الأحزاب السياسية، هذا الإقصاء خلق هوة كبير بينهما و كرس لعدم الثقة.و هذا هو الذي أشار إليه الدكتور الشفيع خضر.
في لقاء صحفي، كانت قد أجرته جريدة الخرطوم في يونيو عام ،1994 مع المرحوم الخاتم عدلان، قال فيه ( إن قوي السودان الجديد، تملك تصورا لسودان جديد، بعلاقات جديدة مختلفة كليا عما ظل سائدا في بلادنا، منذ الاستقلال، و حتى الآن، و بالنسبة لنا، فإن التمايز حول مشروعين، مشروع تقليدي يحافظ علي كل ما هو موروث، خاصة فيما يتعلق بعلاقات القوة و السيطرة، و مشروع جديد ينسق كل هذا من أساسه لمصلحة أهل السودان) و تأكيد عدلان قد أصبح هناك مشروعان، تقليدي و جديد، هو تأكيد علي إن الصراع سيظل مستعرا، و لكنه لم يتحدث حول كيفية العلاقة بين المشروعين،و الأدوات التي تستخدم من أجل سيادة مشروع علي الأخر، هل هي علاقة حوار متواصل، أم هي علاقة إقصاء؟ أي أن يقصي أحدهم الأخر، فالعلاقة بين مختلفين لم تتبلور حتى اليوم، لعلاقة تواصل عبر الحوار، لكي يحدث نوع من التقارب، يفرض عليهم جميعا الالتقاء، من أجل الحوار لتأسيس مشروع النهضة السوداني.
إن الفشل المستمر للنخبة السودانية، لكي تجد طريقا للتواصل فيما بينها، و تغادر منصات الإقصاء، أطلق عليه الدكتور منصور خالد " نخبة الفشل" حيث يقول ( و لا مساغ لنكران الصفوة أو النخبة، من المتعلمين في صنع الأمجاد في تاريخ السودان، إلا إن هذه الصفوة، بنفس القدر، مسئولة عن كل ما أصاب السودان من بلاء و إرزاء، و ما أكثر ما تقاسمه أهل السودان، منذ أن أنعم الله عليهم بالاستقلال، من بلاء و ما أكثر ما تساهموه من ارزاء، و لا مساغ أيضا للإدعاء، بأن المسئولية عن كل هذه الارزاء، تقع علي النخبة القائدة من أهل السياسة وحدها، و نعني بذلك رجالات الأحزاب السياسية، أيا كانت تلك الأحزاب؛ التقليدية منها و المحدث؛ فالمسئولية عن ما لحق بالسودان من ارزاء، و إن كانت تقع في جانب منها علي هؤلاء) و يقول أيضا ( تعود الأزمة النخبوية، في جوانبها الفكرية، إلي تصدع الذات، الذي يقود بطبعها إلي فجوة، بين الفكر و الممارسة، بين ما يقول المرء، و ما يفعل بين التصالح مع الواقع السلبي في المجتمع، و الإدانة اللفظية لهذا الواقع) فالنخبة السودانية لها موقفان في مسيرتها التاريخية السياسية، فهي تقف في الجانب النقدي عندما تكون في المعارضة، و لا تري شيئا إيجابيا، يمكن أن تبني عليه، لكي تؤسس لحوار مع السلطة الحاكمة، و هي تستخدم المنهج التبريري عندما تكون في السلطة، و لا تري هناك ما يدفع بالنقد في الممارسة السياسية، لأنها هي التي تمتلك الحقيقة، و هي التي تصنع الحياة، و تعتقد كل شيء يسير علي ما يرام، ثم تبدأ في تحول كل الأجندة السياسية إلي أجندة أمنية، لكي تغلق أية منفذ للحوار، أو أن تخلق حالة من الإحباط في الجانب الأخر، هذا السلوك الذي ليس له علاقة بالديمقراطية، يسود و يشكل أهم عامل لإعاقة الحوار الوطني، و لا يصنع بيئة خصبة للتقارب لكي يتوجه الجميع، أو مشاركة الجميع في صناعة مشروع للنهضة السودانية.
الملاحظ إن القوي السياسية، فشلت في عقد حوارات وطنية بينها، حول مشروع للنهضة السودانية، و لكن نجد، هناك كتابات من نخبة سودانية، بدوافع فردية قد كانت تطالب الجميع أن يكرسوا طاقتهم من أجل الوصول لمشروع نهضة وطني،و يعتقد هؤلاء، إن المشروعات الوطنية، لا تتم إلا بخلق بيئة ديمقراطية، تساعد علي الحوار الوطني، و أيضا مساحات الحرية المتاحة تلعب دورا في ذلك،
في محاضرة الدكتور حسن عبد الله الترابي قبل المفاصلة في الولايات المتحدة قال ( مشكلتنا في السودان أننا لم نطور يوما نموذجا يصلح لأن نأتم به. كانت السياسة محكومة بالإستقطابات التقليدية فتراها تقتصر علي حشد الناس تأييدا لهذا الرفيق أو ذاك و دونما اعتبار للانتماءات السياسية الفردية. من هنا يأتي في اعتقادي رفض الناس للتعددية الحزبية. فهم يعرفون عن خبرة أن التعددية الحزبية لن تجري في مجري ديمقراطي، بل إنها ستحيل عاجلا أو آجلا إلي الاستقطابات التقليدية الموروثة أو ستكني عن تلك الاستقطابات ليس إلا) و حديث الدكتور التربي، يفرض علينا أن نلقي عليه سؤلا، هل الإنقاذ قبل المفاصلة قد كانت نبذت عملية حشد الناس، أم استخدمت كل إمكانيات الدولة و ما تزال تستخدمها من آجل هذا الحشد؟ و لكن الخطير في حديث الدكتور، أنه لم تكن في مخيلته عملية مشروع النهضة، بقدر ما كان يشغله كيفية الاستيلاء علي السلطة، و منع الآخرين منها، و في مراجعات كل أحاديث الدكتور و خطبه، لم تكن تشير لقضية النهضة الوطنية، أو قيام نظام ديمقراطي، الذي يعتبر القاعدة الأساسية للتوافق الوطني، الذي يحدد الخطوط العريضة للمشروع الوطني، و كما يقول أهل الفكر، إن النهضة هي نفسها فكرة، يتفق عليها الناس، و ينفذها المبدعون. و في جانب أخر نجد إن محمد علي جادين كتب في كتابه " مناقشات حول الديمقراطية و الوحدة الوطنية في السودان" ( تؤكد التجربة خلال العقود الخمسة الماضية، ارتباط قضية الديمقراطية بتفاعلات السياسة السودانية و تطوراتها الهامة، طوال فترة ما بعد الاستقلال، و تعاقب الأنظمة المدنية و الديكتاتورية العسكرية، خلال الفترة المذكورة، و محاولات الأنظمة العسكرية، ربط نفسها بديكور ديمقراطي شكلي، و أوعية شعبوية تحت مسميات عديدة, يعكس هذه الحقيقة و الدور الكبير الذي ظلت و لازالت تلعبه قضايا الحريات و الديمقراطية في حركة التطور الوطني، و ذلك دون التقليل من شأن العوامل الأخرى) إذن الأزمة ليست أزمة أحزاب فقط أنما هي أزمة نخبة، بكل مكوناتها في كل قطاعاتها المختلفة، أزمة حول الاتفاق علي مفاهيم، و أولويات، و مشكلة النخبة السودانية و خاصة التي قادة مرحلة الاستقلال و ما بعد الاستقلال إنها تأثرت بالثقافة المصرية، و الأحزاب المصرية التي مارست الديمقراطية بعد قانون 1923 ثم 1936 و لكنها لم تطور الديمقراطية، و تؤسس مؤسساتها لكي تمد جذورها في المجتمع بقوة، عندما قام انقلاب 1952 غير معالم اللعبة السياسية في مصر، و تأثرت النخبة السودانية بذلك، حيث أصبح لمصر نفوذ قوي في النخبة السودانية السياسية، الأمر الذي امتد للمؤسسة العسكرية السودانية عند وصولها للسلطة عام 1958، حيث استطاعت المؤسسة العسكرية في السودان أيضا أن تغير معالم اللعبة السياسية، و ما تزال حتى الآن، خاصة إن المجتمع المدني لم يستطيع أن يخلق معادلة توازن القوة في المجتمع، ليعيد الدور المدني للحياة السياسية.
إن الشعار الذي صنعته الحركة الاتحادية في مرحلة البناء الوطني عقب الاستقلال " تحرير لا تعمير" ظل كل النخب المتعاقبة تناضل من أجل التحرير من قبضة القوي الديكتاتورية، و الشعار كان خطأ كبير ارتكبته النخبة الاتحادية، لأن عملية التعمير هي الفكر التي من المفترض أن تقود لمشروع النهضة السوداني، و هي فترة بالفعل تحتاج لمراجعات نقدية بعيدا عن العواطف. كتب المفكر السوري برهان غليون في مقال بعنوان " العودة إلي أسس الوطنية الصحيحة" ( لم تولد الفكرة الوطنية بما تتضمنه من معاني الحرية، و المساواة و القانونية، و المشاركة في السلطة علي قدم المساواة، بين جميع الأفراد، و لا الأمم التي نشأت عنها من الفراغ، و لكنها بنيت بالجهد، و بالاستثمار التاريخي، لنخب استنبطت قيمها و مبادئها، و عملت علي تغيير شروط حياة الأفراد، النفسية و الثقافية و السياسية الاقتصادية و الاجتماعية و القانونية، بما يعمم هذه القيم و يحقق المبادئ، و ساعدت علي تغيير أنماط سلوكهم تجاه الدولة و القانون، الذي يمثلها و تجاه بعضهم بعضا، و في هذا السياق نشأت أشكال تضامن جديدة وطنية تتجاوز التضامنات العصبية الموروثة، الطائفية و القبلية، و تستلهم قيما إنسانية عمومية، لذلك لا توجد الوطنية، أي الرابطة السياسية النوعية، بمعزل عن سياسة ذات أهداف وطنية، تقوم بها النخب الحاكمة، وتكفلها الدولة، بوصفها التجسيد المباشر للسيادة الشعبية) هل بالفعل نخبنا السياسية التي حكمت من قبل و التي ما تزال تحكم لديها الإحساس ببناء اللحمة الوطنية، و هل بالفعل هي كانت تعمل من أجل الوطن، و بكل مكوناته، إن الأزمة السياسية المستمر حتى الآن، تدل علي إن النخب قد فشلت حتى في إثارة القضية علي مستواها الثقافي و الاجتماعي، و حالة الرهق التي تصيب الوطن بسب إن الشعب السوداني أما إنه يعاني من عدم وجود مفكرين، أو عدم وجود مبدعين علي كل المستويات، أو إنه شعب لا يتطلع للغد، الإشكالية ليست في النخبة فقط، إنما هي حالة من العجز تصيب الجميع، لذلك غابت فكرة مشروع النهضة السوداني، و الغريب، إن النخب الواعية، قد وصلت لقناعة تامة، إن السلطة الحاكمة تعاني من الضعف، و أيضا المعارضة، و ما تزال تنظر، دون أن تقدم أية مبادرات، للخروج من هذا النفق المظلم، نسأل الله الصبر.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.