طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    وزارة البنى التحتية والنقل تُطلق خدمة إلكترونية لإصدار شهادة عدم الممانعة للمستوردين    والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مدارس تدوين السنة المتعارضة
نشر في الراكوبة يوم 28 - 09 - 2016


:
اثار تعديل حد الزنا في القانون الجنائي السوداني كثيرا من الجدل الفقهي الذي ما من مخرج منه الا كتاب الله و (السنة الصحيحة) ومصطلح السنة الصحيحة يجب الا يؤخذ بحرفية ما كتب في مراجع السنة و انما يعني اخضاع السنة للمنهج العلمي من حيث أنها كتبت بأيدي بشر بعد أكثر من مائة عام من انتقال الرسول للرفيق الاعلي.
مدرستان متعارضتان : ( اهل الفقه والحديث ، واهل العقل ) من حيث النظر الي السنة هنالك
عرف المسلمون منذ القرن الثاني الهجري الخلاف بين المحافظين المتشددين والعقليين المتفتحين .. وتنامي هذا الخلاف من القرن الثالث الي ان انتهي بانتصار المحافظين في القرن الخامس الهجري ليدخل المسلمون مرحلة التقليد والجمود الي ان استيقظوا علي مدافع نابليون حين كان شيوخ الازهر يستعينون علي الفرنسيين بقراءة البخاري.
في البداية كانت مدرسة المدينة تمثل المحافظة والتقليد وتعيش في استرجاع امجاد عصر النبوة والخلافة الرشيدة حين كانت المدينة العاصمة الاولي للمسلمين قبل ان تنتقل عنها الاضواء للشام والعراق . ودارت الحركة العلمية في المدينة حول سيرة النبي ومغازيه وتخصصت في الاحاديث دون الرأي واعتمدت علي اهل المدينة مصدرا من مصادر التشريع ، ولأن الحياة الصحراوية تسير علي وتيرة واحدة فان التقليد يفرض نفسه ، ولكن اضيف عامل سياسي هو رغبة الامويين ثم العباسيين الاوائل في شغل ابناء واحفاد المهاجرين والانصار عن السياسة حتي لا تعود ثورات الحسين وعبد الله بن الزبير ومحمد النفس الزكية واخيه ابراهيم ، ولذلك تم اغراق المدينة بالجواري وشغل شبابها بالمتع الحسية ، وما يرويه الاصفهاني في كتابه الاغاني دليل علي حياة المدينة في القرن الثاني للهجرة ، وفي مقابل المجون انشغل اخرون من الفقهاء بالتطرف في الانكار علي الماجنين ، وكان الطريق الامثل لذلك هو اختراع احاديث الرجم للزاني المحصن التي بدأ بها الموطأ اقدم مصدر فقهي في تاريخ المسلمين.
وفي مقابل المدرسة المحافظة المتزمتة في المدينة اقام ابو حنيفة ( ت 150 ه ) مدرسة الرأي في العراق ، حيث جمع ابو حنيفة بين الفقه والفلسفة وعلم الكلام ، وحيث رفض الاسانيد التي يخترعها اقرانه من فقهاء الحديث والتقليد . وبعد مقتل ابي حنيفة بالسم انقسمت مدرسته الي ( 1 ) محافظين ) كان منهم محمد الشيباني راوي الموطأ وابو يوسف ، وكلاهما خدم قاضيا للدولة العباسية .
( 2) متطرفون في اسستعمال الرأي الفقهي , الي درجة اختراع فقه الحيل ، او التحايل علي الاحكام الشرعية بالاراء العقلية. ولكن بدخول الثقافات الاجنبية المترجمة الي العصر العباسي تأسست مدرسة جديدة للتجديد العقلي حاولت التوفيق بين الفلسفات اللاتينية ومدارسها في انطاكية والرها وجندياسبور - والثقافة الاسلامية ، واثمر هذا التلقيح عن بروز مدرسة المعتزلة او كما يسمون انفسهم اهل العدل والتوحيد . وادي ظهور هذه المدرسة العقلية الي توحيد الفقهاء جميعا في اتجاه واحد ضد هذه المدرسة العقلية الفكرية ، ولذلك انتقل الاتجاه المحافظ الي المذهب الحنفي ، وظهر الشافعي يمزج مدرستي الرأي والحديث معا لصالح التقليد ومدرسة الحديث ، وبتوالي القرون صار التجديد الفقهي داخل المذهب الحنفي يجري في اطار تقعيد الثوابت الفقهية التي ارساها مالك من قبل ، وهو زعيم المدرسة المحافظة ، وابرز ما يعبر عن ذلك هو الفقيه الحنفي علاء الدين الكاساني توفي سنة 587 ه ، في كتابه الفقهي الضخم ( بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع).
وبموت الشافعي سنة 204 كانت الفجوة قد اتسعت وتحكمت بين المدرسة العقلية التي اطلق عليها خصومها الفقهاء اسم
( المعتزلة ) وبين مدرسة الفقهاء والحديث التي اطلق عليها العقليون ( الحشوية ) أي الذين يحشون عقولهم بالنصوص دون تعقل او فهم . واغرم الخليفة المأمون بالمدرسة العقلية وناصرها في قضية خلق القرآن واضطهد من اجلهم المدرسة الفقهية المحافظة وكان زعيمها في ذلك الوقت احمد بن حنبل والمؤرخ محمد بن سعد ت 222 ه واستمر اضطهادهم طيلة عهد المعتصم ثم الواثق . .. ثم مات الخليفة الواثق فجأة سنة 232 اثر وصفة طبية خاطئة في علاج الضعف الجنسي ، وكان الذي يسيطر علي خلافته هو زعيم المعتزلة ابن الزيات الذي كان يضطهد ولي العهد الذي اصبح خليفته بسرعة تحت اسم المتوكل ، فانتقم من ابن الزيات وقتله بعد قصه هائلة من التعذيب ، وتحالف المتوكل مع اهل الفقه والحديث الذين اصبحول اصحاب السلطة في دولته ، وبعد ان كان لقبهم الحشوية اصبح لقبهم اهل السنة . وبتأثير نفوذهم اضطهد المتوكل المعتزلة والشيعة واهل الكتاب والصوفية ( أي كل الطوائف الاخري ) وتنوع الاضطهاد ليشمل القتل ومحاكمات التفتيش وهدم ضريح الحسين في كربلاء ، والزام اهل الكتاب بلباس معين للتحقير . وصارت تلك السياسة سنة متبعة فيما بعد . اذ استمر نفوذ اهل السنة ،. وقد تأكد التقليد بظهور الامام الغزالي توفي سنة 505 الذي وحد بين الصوفية والفقهاء في مواجهة الفلاسفة والمدرسة العقلية,
وادي هذا الانتصار للمدرسة الفقهية المحافظة الي تقديس الائمة من هذه المدرسة واعتبار احاديثهم ورواياتهم جزءا من الدين لا يستطيع احد مناقشتها مهما كان فيها من تناقض مع القرآن او مع العقل او مع بعضها . والدليل هو ما يحسه القارئ لما نكتبه في نقد مؤلفات تلك المدرسة المحافظة وتراثها الذي لا يزال مقدسا حتي الان في القرن الحادي والعشرين الميلادي . ويكفينا اننا نجد عسرا في اقناع القارئ بأكذوبة احاديث الرجم مع وضوح تناقضها مع القرآن الكريم .
منهجان مختلفان للمدرستين:
لم تعول المدرسة العقلية المعتزلية كثيرا علي روايات الاحاديث كما لم تركز علي الفقه ، واخذت اساسيات التشريع من القرآن ، لذلك كان رفضهم لحد الرجم الذي لا يوجد في القرن الكريم . وكانت لهم معاركهم الفكرية الكبري مع المدرسة المحافظة في القضايا العقيدية الخاصة بالله تعالي و القضاء والقدر والسمعيات والميتافيزيقيات . ونكتفي بدليل علي منهج هذه المدرسة بما ذكره الجاحظ المتوفي سنة 255 ه في رسالة القيان وهو يتحدث عن عدم تحريم النظر الي النساء يقول ( وكل شئ لم يوجد محرما في كتاب الله تعالي و سنة رسوله ( ص) فمباح مطلق ، وليس علي استقباح الناس واستحسانهم قياس ..) ثم استدل باخبار الصحابة والخلفاء دون ان يذكر اسنادا . ولا ينسي اثناء حديثه ان يتندر بأصحاب الحديث او كما يسميهم الحشوية فيقول ( وهذا الحديث وما قبله يبطلان ماروت الحشوية من ان النظر الاول حلال والثاني حرام )
وقد عاش البخاري في عصر الجاحظ ، اذ توفي البخاري سنة 256 ه . ومنهج لبخاري - ومدرسة الفقه والحديث – هو في صناعة رواية واسنادها الي النبي الذي مات قبلهم بقرنين من الزمان ، ويتم ذلك الاسناد عبر رواة ماتوا ايضا من قبل دون ان يعرفوا شيئا عما اسند اليهم البخاري من احاديثه ورواياته . و نعطي لذلك مثلا من احاديث الرجم ، وهو احدي الاحاديث المختلفة عن رجم من اسموه بماعز ، يقول البخاري ( حدثني عبد الله بن محمد الجعفي ، حدثنا وهيب بن جرير ، حدثنا ابي قال : سمعت يعلي بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما اتي ماعز بن مالك النبي ( ص) قال له : لعلك قبلت او غمزت او نظرت ، قال : لا يا رسول الله : قال : انكتها ؟ لا يكني ، قال فعند ذلك امر برجمه ) ونحن نعتذر اذ نضطر لذكر حديث البخاري بلفظه الذي يخدش الحياء ، ونعتقد ان النبي عليه السلام لا يمكن ان يقول هذا القول الفاحش لأنه عليه السلام ما كان سبابا ولا فحاشا . ولكن ناخذ من الحديث دليلا علي منهجية الاسناد لدي تلك المدرسة التقليدية ، فالبخاري يكتب انه سمع شفهيا ذلك الحديث من عبد الله بن محمد الجعفي الذي كان يعيش في عصر البخاري .. وان ذلك الجعفي كان قد سمع ذلك الحديث من وهيب بن جرير وهو من الجيل السابق علي جيل البخاري ، ثم ان وهيب بن جرير قد سمع ذلك الحديث شفهيا من ابيه جرير الذي عاش في اواخر العصر الاموي مثلا ، وابوه جرير يزعمون انه سمع ذلك الحديث شفهيا من عكرمة مولي ابن عباس ، ويزعمون ان عكرمة سمعه من سيده ابن عباس ، وابن عباس بزعمهم في هذه الرواية يقول انه شاهد وسمع هذه الواقعة وهو بجانب النبي عليه السلام.
والمعلوم ان ابن عباس لم ير النبي ولم يسلم الا بعد فتح مكة ، وبعدها رجع مع ابيه الي مكة ورجع النبي الي المدينة حيث توفي ، ولذلك يقول ابن القيم الجوزية في كتابه الوابل الصيب ص 77 ( وهذا عبد الله بن عباس مقدار ما سمع من النبي لم يبلغ العشرين حديثا .) وبغض النظر عن الاف الروايات المنسوبة لابن عباس في كتب الحديث ، فأن الاسناد الشفهي عبر رواة مختلفين في الزمان والمكان والظروف لا يستقيم مع المنهج العلمي ، اذ كيف نصدق رواية واحدة تنتقل بدون تحريف او نسيان عبر عشرات السنين وعبر عدة اجيال كل منهم يلقيها للاخر شفويا . ثم كيف نصدق عشرات ومئات الالوف من الروايات المتضاربة والمتناقضة والمنسوبة الي النبي بعد موته بقرون . وعبر اشخاص موتى لم يعلموا بما اسنده اليهم اللاحقون من روايات. ولكن المهم ان هذا الاسناد للنبي هو الجدار الذي احتمي به علماء الفقه والحديث ، والذي جعل لارائهم حصانة من النقد ، وهو الذي اضفي علي ارائهم قدسية ، وفي النهاية هو الذي جعلهم ينتصرون علي اصحاب المنهج العقلي الذين كانوا يسندون اراءهم الي انفسهم ولا يتمسحون بالنبي عليه السلام ولا يكذبون عليه .. ومن افظع الكذب علي النبي عليه السلام ان تنسب اليه تشريعات تخالف القرآن الكريم . وفي نفس الوقت ينسبون اليه الفاحش من القول . مثل هذا الحديث السالف.
التشكيك في القرآن:
وبين سطور احاديث الرجم نلمح تشكيكات في القرآن عبر ما نسبوه لعمر ( اياكم ان تهلكوا عن آية الرجم .. والذي نفسي بيده لولا ان يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها : الشيخ والشيخة اذا زنيا ... الخ ) ومعني هذا ان في الكتاب ايات لم يكتبها ولم يبلغها النبي عليه السلام ، وترك هذا لعمر ؟
أكذوبة الرجم في الاحاديث
جاء في موطأ مالك رواية محمد بن الحسن الشيباني بتعليق وتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف تحت عنوان باب الرجم ورقم 693 الحديث التالي ( : اخبرنا مالك ، حدثنا يحيى بن سعيد انه سمع سعيد بن المسيب يقول : لما صدر عمر بن الخطاب من منى اناخ بالابطح ، ثم كوم كومة من بطحاء ، ثم طرح عليها ثوبه ، ثم استلقي ومد يده الي السماء ، فقال : اللهم كبرت سني ، وضعفت قوتي ، وانتشرت رعيتي ، فأقبضني اليك غير مضيع ولا مفرط ، ثم قدم المدينة ، فخطب الناس ، فقال : يا ايها الناس: قد سننت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم علي الواضحة ، وصفق بأحدى يديه علي الاخري ، الا ان لا تضلوا بالناس يمينا وشمالا ، ثم اياكم ان تهلكوا عن اية الرجم ،ان يقول قائل : لا نجد حدين في كتاب الله ، فقد رجم الرسول ( ص) ورجمنا ، واني والذي نفسي بيده : لولا ان يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها : الشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما البتة ، فانا قد قرأناها ، قال سعيد : فما انسلخ ذو الحجة حتي قتل عمر .!! ) انتهي ( ص 241 من موطأ مالك . ط2 . المكتبة العلمية )
لنناقش هذا الحديث في روايته و سنده و محتواه.
من حيث الرواة:
مالك بن انس لم يكتب هذا الحديث ، لأن مالك لم يكتب الموطأ ، ولكن مالك كان يروي الاحاديث ويسمعها منه تلاميذه ، ثم يكتبونها ، ولذا تعددت روايات الموطأ حتي بلغت نحو عشرين نسخة مختلفه ، ومنها نسخة او رواية محمد بن الحسن الشيباني القاضي العباسي المتوفي سنة 189 . أي بعد مالك بعشر سنين ..و منهج محمد بن الحسن الشيباني في كتابه الموطأ ان يقول ( اخبرنا مالك ) ثم يذكر الرواة نقلا عن مالك ، كما جاء في حديث الرجم ( حدثنا مالك ، حدثنا يحيى بن سعيد ، انه سمع سعيد بن المسيب يقول ...)
بمعني اخر فان محمد بن الحسن الشيباني يزعم او يدعي ان مالك اخبره شفهيا بهذا الحديث بسنده ورواته ، وايضا بنصه ولفظه .. ثم بعدها قام بتسجيل هذه الرواية الشفهية كتابة ، والله تعالي هو وحده الاعلم اذا كان مالك قد حدثه فعلا بذلك ام لا
وبالتالي لابد ان يكون محمد بن حسن الشيباني صادقا وثقة حتي نصدقه في ان مالك قال تلك الاحاديث فعلا ومنها حديث الرجم ، فهل كان الشيباني يتمتع بالثقة والتصديق من علماء عصره ؟ . ان محقق كتاب الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني يدافع عن الشيباني ، وهذا منتظر منه بالطبع ، يقول ( وكل ما وجه من الطعون في محمد بن الحسن ( الشيباني ) مردود . وقد طعن ابن معين والعجلي في الشافعي : بأنه ليس ثقة . وابن عدى في ابي حنيفة ، وابو زرعة في البخاري : لقوله بخلق القرآن . ويحي بن سعيد في ابراهيم بن سعد ، والنسائي في احمد بن صالح ، واحمد بن صالح في حرملة ، ومالك في بن اسحاق ... وما من عالم من العلماء الا وقيل فيه شئ من ذلك ) ( مقدمة الموطأ ص 24 ) ونكتفي بهذا الاعتراف في اتهام ائمة الحديث والفقه لبعضهم البعض ، مما ينفي عنهم العصمة والتقديس التي اضافها عليهم المتأخرون في عصور التخلف.
ويبقي علينا ان نناقش موضوعيا حديث الرجم في الموطأ بعد ان عرفنا ان مالك لم يكتبه ، وانما رواه عنه الشيباني المتهم في صدقه ، والذي يحتاج للدفاع عنه بحجة ان غيره من كبار الائمة كانوا ايضا متهمين ، مع ان الخطأ لا يبرر الخطأ
نتابع الإسناد الذي يكتبه الشيباني يقول ( اخبرنا مالك ، حدثنا يحيى بن سعيد انه سمع سعيد بن المسيب يقول : لما صدر عمر بن الخطاب من منى .. الخ ..)اذن مالك اخبر الشيباني شفهيا بأنه سمع يحيى بن سعيد الذي توفى بعد ذلك يقول ان سعيد بن المسيب الذي توفي بعد مولد مالك بسنة واحدة يقول كذا وكذا عن عمر بن الخطاب في خلافته أي قبيل وفاة عمر بعام
ولكن ليس صحيحا ان يروي سعيد بن المسيب حديثا عن عمر بن الخطاب ، لأن سعيد بن المسيب كان عمره عامين حين قتل عمر بن الخطاب ، فكيف روى طفل صغير عن عمر ، وهذا ما اشار اليه المؤرخ ابن سعد في الطبقات الكبري ، وهي اكبر و اقدم مصدر تاريخي لدينا ، يقول ابن سعد في ترجمته الطويلة لسعيد بن المسيب ( روي انه سمع من عمر ، ولم ار اهل العلم يصححون ذلك ) ولذلك فان ابن سعد تجاهل حديث الرجم في ترجمته لسعيد بن المسيب ورواياته الفقهية ، وقد بلغت نحو عشرين صفحة من القطع الكبير (الطبقات الكبري 5/ 88: 106 )
ثم ان سعيد بن المسيب بسبب اضطهاده من خلفاء عصره فقد اشتهر بالاعتزال والابتعاد عن المشاكل ، وقد رفض عقوبة السكران ، اذ سئل عن السكران : هل يذهبون به الي السلطان – فقال ان استطعت ان تستره بثوبك فافعل . ثم مالبث ان جعلوا ( حدا ) للسكران ونسبوه الي عمر بن الخطاب ، بمثل ما فعلوا حدا للرجم ونسبوه ايضا الي عمر .. اذن يستحيل ان يكون سعيد بن المسيب راويا لهذا الحديث عن عمر.
يبقي السؤال الاخير .. اذا لم يكن تشريع الاسلام مصدر حد الرجم فمن اين جاء ؟
هنا ننقل عن البخاري من باب المناقب حديث رقم 3560 يقول " حدثنا نعيم بن حماد حدثنا هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم"
أي ان مجتمع القرود في الجاهلية سبق في تطبيق حد الرجم.
أمن التوراة ؟ هناك شك في ذلك نسبة لما دس في التوراة من كثير من التشريعات و الكتابات البشرية و قد جاء في القرآن ملخص لتشريعات التوراة (و كتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف و الأذن بالأذن و السن بالسن) ولم يرد فيها ذكر للرجم الا أن القرآن أورد في عدة مواضع أن غير المؤمنين من الامم الماضية كانوا يهددون المؤمنين بالرجم بالحجارة و أحيانا يرجمونهم فعلا.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.