المريخ في اختبار صعب أمام أمام روستيرو عصرا    دعم إفريقي واسع للهلال السوداني..سيكافا والرواندي في المقدمة واتحادات موريتانيا والسنغال والكاميرون تلوح في الأفق    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الفريق أول الركن ياسر عبدالرحمن حسن العطا رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحوار المدهش حول إنقلاب هاشم العطا في 19 يوليو 1971م (5– 6)
نشر في الراكوبة يوم 03 - 08 - 2017

عند إستعراضنا لهذا الحوار الممتد مع الملازم مدني علي مدني كشاهد علي عصر الإنقلاب وماقبله وكواحد من المنفذين والنافذين فيه ، بل وبوصفه كان المتهم الثالث في قضية الإغتيالات التي حدثت ببيت الضيافة لكبار الضباط الموالين للرئيس الأسبق جعفر نميري والتي تمت عقب الهجوم الإرتدادي حين كانوا متحجزين تحفظيا ببيت الضيافة ثم تم نقل بعضهم إلي مباني الأمن القومي في ذات المنطقة ، فإن ما أفاد به هذا الضابط يستوجب إعادة التوثيق لتلك الأحداث ، خاصة وأن بعض الزملاء الإعلاميين سبق أن اجروا حوارات عديدة مع الناجين من تلك المذبحة وعددهم أربعة ضباط ، حيث كانت إفاداتهم تختلف نوعا مع إفادات الملازم مدني علي مدني ، وبالتالي فإن في الأمر غموض ظل يكتنف تفاصيل الاحداث ، وسوف ندلو بملاحظاتنا حول هذا الحوار المطول بعد الإنتهاء من نشرالحلقات كلها ، خاصة وأن كل من الزميل الصحفي مؤيد شريف والملازم مدني علي مدني قد أعادا لحركة التوثيق للأحداث السياسية السودانية دفعة جديدة ظلت تتداولها الأوساط المهتمة بهذا الحدث نظرا لأن معظم منفذيه قد فارقوا الدنيا قبل أن تحاورهم وسائط الميديا الحديثة أو أجهزة الإعلام .
ولنترك الملازم مدني يواصل إفاداته حسب ما تم نشره قبل عشر سنوات تقريباً :-
حاول الرائد مامون أبو زيد عضو مجلس ثورة ميو بكل ما أوتي من نفوذ وقوة أن يساومنا أنا وعبد العظيم عوض سرور لكي نقول بأن صلاح عبد العال كان يأتي إلي القصر في فترة الثلاث أيام التي استولينا فيها علي القصر الجمهوري وكنا نعلم بأنه يرغب في التخلص منه ولم نعطيه الفرصة لذلك ، وعلمت مؤخراً بأن صلاح عبد العال هو من استولى علي الإذاعة إلا أن أحد أفرادنا في الإذاعة ويدعى احمد عثمان قام باعتقاله وسلمه لمستجد كان ينادى بحريقه وأمر حريقة بأن لا يتحرك صلاح عبد العال من أمامه حتى يري "صفق الشجر يتحته من هدير الدبابات" . وبعد ذلك ركب احمد عثمان العربة "الفلوكسواجن" التي كان يستغلها صلاح عبد العال نفسه وتوجه إلي اللواء الأول مظلات وسلم نفسه هناك . من المعروف لدينا أيضاً أن صلاح عبد العال وأبو الدهب كان لهم انقلاب أيضا ، وأيضا المجموعة التي جاءت لاحقاً واشتركت مع حسن قصيصة وهم حماد الاحيمر وغيره وكان لهم طموح السيطرة علي البلاد بدليل البيان الذي وجد في جيب أحدهم ويسمى أبو القاسم وعين فيه نفسه رئيساً لمجلس الثورة لأنه كانت له شهادة وسطى ! والرقيب أول حماد الاحيمر ، والذي اشترك في قصف القصر الجمهوري وهو الذي دمر البوابة الجنوبية وهو نفسه الذي كان يوجه نيرانه باتجاه الجزء الذي كان يتواجد به النميري ومن معه .
عين أب شيبة النقيب محمد خاطر حمودة حرساً علي النميري ومن معه وكان نقيباً في الحرس الجمهوري واذكر أننا اعترضنا علي الخطوة التي قام بها أب شيبة باعتبار أن خاطر لا يؤمن جانبه وليس جزءاً من التنظيم ، إلا أن أب شيبة قال : " خاطر هذا جبان وقدام عيني ما بيقدر يعمل حاجة " وأضاف بأن نميري ومن معه لا يحتاجون لحراسة بل مجرد إشراف . وخاطر ومن اجل أن يؤمن جانبه وهو لم يكن مشتركاً معنا في الأساس ، قام بفتح الأبواب وأخرج النميري والذي خرج بنفسه ولم يكترث لزملائه والذين كانوا لا يزالوا في أيدينا وخاطر كان يجر النميري من جلبابه محاولاً إخراجه من القصر ونميري كان يصرخ فيه قائلاً : " فك ..فك" ونميري خرج عبر البوابة الغربية ولم يحدث إطلاقا أن قاوم النميري تسعة من حراسه كما يشاع ، ولم يقفز فوق السور وكل تلك الأشياء هي مجرد أكاذيب لا أساس لها وحتى ما يقال عن مقابلته لسيد خليفة وخروجه معه من القصر كل تلك الروايات هي عارية من الصحة فالطريق القريب من القصر في تلك اللحظات لم يكن ممكنا أن يمر به حتى العسكريين بسبب الذخيرة الحية ناهيك عن المدنيين . بعد خروج النميري وصل إلي منطقة وزارة شؤون الخدمة والإصلاح الإداري ووجد هناك دبابة استغلها وأرتدي الذي العسكري خاصة الرقيب أول الذي كان يقود الدبابة وتوجه مباشرة إلي الشجرة . وزملائه الذين كانوا لا يزالوا في القصر أخرجوهم العساكر ولم يكترث النميري لهم ولا لمصيرهم من وراءه " هرب برقبتوا فقط ".
هل تستطيع أن تقدر عدد الضحايا من الجانبين في ذلك اليوم ؟
لم يمت منا أناس كثيرون ، وذلك بسبب أن تلسكوبات الدبابات لم تكن مضبوطة "مدافع غير منسقة" وذلك يؤكد أنهم أخرجوا الدبابات بعشوائية كبيرة والدليل علي ذلك أن أول قذيفة أطلقوها كانت قذيفة خاطئة تسببت في مقتل ملازم من نفس الدفعة التي انتمي لها يسمى محمد الحسن ساتي وكان "لبطشيا"ً في ذلك اليوم في سلاح المدرعات في الشجرة ولكنهم سحبوه أيضا من سلاح المدرعات بالشجرة حتى بيت الضيافة وادعوا أيضاً أنه قتل في بيت الضيافة واعتبروه من شهداء بيت الضيافة ومحمد الحسن ساتي لم يكن منتمياً لأي جهة بل كان يؤدي واجبه كلبطشي فقط . وقتل منا أيضا عثمان ادريس والرقيب ساعد عبد الله ساعد .
أثناء قصفهم لمباني القصر كانت هناك مقاومة شرسة من جانبنا فاعتقدوا ان لواءاً كاملاً موجوداً في داخل القصر في الوقت الذي كنا فيه أقلية .
كم كان عددكم في داخل القصر ؟
في حدود الثلاثينيات وذلك بعد هروب أعداد من منتسبي الشرطة العسكرية وغير المنتمين لنا
نميري كان بين أيديكم وجميع قادة نظامه ، فلماذا لم تساوموا؟ أو ساومتوا ؟
ما تفضلت به يؤكد وينفي عدم مسئوليتنا عن أحداث بيت الضيافة أو أحداث الأمن القومي أو أية أحداث أخرى ف " الدبيب ما بيكتلو الا من راسو " ، هناك أسئلة منطقية وعقلية يجب أن يسأل كل منا نفسه ، فلماذا نذهب أبعد من 15 كيلو إلي بيت الضيافة لنرتكب مجزرة حسب زعمهم في الوقت الذي نسيطر فيه علي رأس الدولة وكبار القادة في النظام ولماذا نعطي تعليمات بقتل ملازمين صغار في الأمن القومي خلف المطار ونترك رأس الحية ؟!! . اذا كنا دمويين كما يدعون فهل كنا سنحتفظ بكل هؤلاء القادة لمدة ثلاثة أيام ؟!! " عايزين نسمنم " فكان بإمكاننا ومنذ اليوم الأول أن ننتهي من أمرهم إن أردنا ، وإذا رجعت إلي تاريخ الانقلابات العسكرية لمنقستو هيلامريم ومنعدوب وتفرفينتي فكل هؤلاء وفي خمسة دقائق قتلوا ما يعادل ثلاثة حكومات وهذا ما لم نرده وحاولنا تجنبه .
إذا تنفي أي علاقة لكم بأحداث بيت الضيافة ومقتل الملازمين بالأمن الوطني ؟
نحن لم نقتل أحد في بيت الضيافة ولم نعطي تعليمات بضرب أي شخص في القصر الجمهوري أو الأمن القومي . وكل الذين تشدقوا بأنهم ساهموا في إعادة مايو للحكم وتحدثوا عن بطولات وهمية وورقية من أمثال صديق عبد العزيز وغيره كل هؤلاء لم يكن ليجرءوا علي الاقتراب من القصر الجمهوري وكل ما قالوه لا يخرج عن كونه أكاذيب وخزعبلات ، والذين تجرءوا ودخلوا القصر كانوا اثنين فقط أولهم المقدم يعقوب إسماعيل والذي تمرد فيما بعد في جبال النوبة وكان عائدا من موسكو مستقلا عربة بورمان مكتوب عليها خدمات جامعة الخرطوم وهي واحدة من العربات التي صادرها المايويين من جامعة الخرطوم بعد أحداث الشغب . كما وحاول الدخول الملازم ادم الريح واعتقله قاسم الخالق وكان في الداخلية وسلم نفسه هناك ومعه احمد الحسين الحسن .
حسن العماس في إفاداته قال بأن أحمد جبارة والحردلو هم من قتلوا وصفوا الضباط في بيت الضيافة فماذا تقول في ذلك ؟
وأين كان العماس نفسه ؟ العماس كان في الأمن القومي فكيف رآهم ؟ وبالمناسبة العماس لم يكن عضواً في تنظيم الضباط الأحرار ولم يشترك معنا في التنفيذ منذ البداية ، جاء ليلاً بصحبة الحردلو وبعد نجاح الانقلاب مستغلين طائرة من القضارف . عرض أن يتعاون معنا وهو صديق للحردلو ودفعته في القوات المسلحة وتوجه إلي الأمن القومي وعين هناك كحرس علي المعتقلين الذين رحلوا من بيت الضيافة وهذا هو دوره في الانقلاب وليس أكثر
ما هي الغاية من تحريك بعض المعتقلين من بيت الضيافة إلي الأمن القومي ؟
عند زيارة عبد القادر الهاموش لبيت الضيافة اشتكى له بعض كبار الضباط من اكتظاظ المكان. .
ولكنك أكدت لي أن المكان لم يكن مكتظاً!؟
بعد أنت اضطررنا لجلب سرائر أصبح المكان ضيقاً وبعض الرتب الكبيرة كانت تعاني من آلام في الظهر فاضطررنا أن نحضر لهم سرر واسعة كسيد احمد الحمودي وسعد بحر . وأمرني الهاموش بأن أدون الاحتياجات التي يحتاجها المعتقلون وان اجلبها لهم من منازلهم وبعد أن جمعت الأوراق التي كتبوها وجددت شيء غريب لفت نظري وهو مطالبتهم بملابس عسكرية نظيفة ولم أري مبرراً منطقياً لطلبهم هذا سوى معرفتهم بأن شيئاً ما سيحدث وكنا قد اعتقلنا اورتشي يوم 21 ليلاً ويبدو لي انه كان يعلم وجود خطة ما للارتداد علينا والرشيد نور الدين أيضا ، وحملت شكي هذا إلي أب شيبة بعد أن كنا قد رصدنا اجتماعات لمايويين في منطقة امبدة وبعد أن عرضت مخاوفي علي أب شيبة جاوبني قائلاً : " انتو شفقانين ساكت والعملية مقلقه بيكم لانكم انتو النفذتوها ، علي كل حال امشي الان أخد راحتك عشان بعد الساعة 2 بالليل حتاخد نميري وبعض الرتب الكبيرة وتوديهم مكان حنوريك ليهو بعدين" ، وبالفعل خلدت للنوم وأيقظني الرقيب محمد فضل الله مرجي وقال لي : " في صوت ضرب دبابات والقائد عايزك في المكتب" واشتدت المواجهات بعد ذلك .
قلت أن أحمد جبارة تعود علي معاملة أو بعض المعتقلين بقسوة في بيت الضيافة وانه كان له عداوات شخصية مع بعضهم ، فهل يمكن أن يكون قد شارك فعلاً في أي أحداث عنف ؟
احمد جبارة كان شرساً بطبعه منذ أيام الكلية ولكن ما استبعده أن يكون احمد جباره مشاركا في أحداث بيت الضيافة بسبب أن احمد جبارة اعتقل من أمام القصر الجمهوري وسلم نفسه للمقدم يعقوب إسماعيل ومعه النقيب محمد احمد المحجوب ومعه بعض ضباط الصف وكان ذلك عند الساعة الرابعة أو الرابعة والنصف . ولو أن احمد جبارة نفذ أحداث بيت الضيافة" فكان من باب أولى أن يخرج منها إلي الأمن القومي ويتم الناقصه" ، واذا افترضنا أن هناك أشخاص دخلوا إلي بيت الضيافة ونفذوا العملية فكان عليهم أن يتأكدوا من مقتل كل شخص علي حده وهذا ما لم يحدث ويؤكد فرضيتي بأن الرصاص الذي أطلق علي المعتقلين كان يأتي من خارج بيت الضيافة بشكل عشوائي وما ذكرته من التحليل الذي اجري للجثث وأكد نوعية الذخيرة حارق خارق التي وجدت في الجثث أيضاً يؤكد عدم مسئوليتنا عم الأحداث وأن طرفاً لا زال خافياً هو من نفذ الأحداث .
حسن العماس في إفاداته أكد أن أب شيبة أصدر له تعليمات عبر الهاتف بتصفية المعتقلين في الأمن القومي وأنه رفض التنفيذ وأبلغ المعتقلين بأنه لن يقدم علي قتلهم ، هل ترجح ذلك؟
كما سبق وذكرت لك ، حسن العماس لا ناقة له ولا جمل في يوليو ، ولم يكن يهمه إذا اعتقالنا أو قتلنا أو برئنا . والسؤال هو أن العماس كان موجوداً في القيادة العامة ولم يكن يعلم بالموقف العسكري في الخارج . وهل سأل نفسه عن ردة فعل أب شيبة اذا علم أنه لم ينفذ ما أوكل له من مهام ؟!!
هل يمكن أن يصدر أب شيبة تعليمات في غاية الضخامة كتصفية أشخاص الي شخص غير منتمي لتنظيمه ولماذا لم يكلف أحد المنتمين إذا ؟
إذا ما افترضنا أن أب شيبة أراد تصفية المعتقلين لكان أصدر أوامره لأحمد جبارة مثلاً وأمره بأن يصفي معتقلي بيت الضيافة ومن هناك يخرج إلي الأمن القومي "وينتهي منهم " كان بامكان اب شيبة أن يفعل ذلك . ثم ثانياً في هذه الأثناء لم يكن هناك أي هاتف يعمل في القيادة العامة ، وهذا يكذب ما ذهب إليه العماس ، فنحن كنا في القصر بعد استقبالنا لاتصال القوة الجوية بخمس دقائق نحاول الاتصال بالقيادة لمعرفة الأوضاع والموقف ولم نفلح في ذلك .
العماس أكد أن الاتصال أتاه من أب شيبة شخصيا ؟
لا ، هذا غير ممكن . ثم أن أب شيبة في تلك اللحظات لم يكن ليفكر في أشياء كهذه فقد كان منشغلاً ومعه العميد عبد الرحيم سعيد كبير "الياوران" للنميري ونحن جميعنا كنا منشغلين بحرق جميع البرقيات أو أوراق التكليف بالمهام أو أي أوراق أخرى ولو لم نفعل ذلك لوضعت مايو ثلاث أرباع الشعب السوداني في المعتقلات فرسائل التهنئة والبرقيات كانت بكميات مهولة كما وحرص أب شيبة علي حرق أوراق المهام التي كان يكلف بها الضباط الأحرار ويؤشر عليها عند تنفيذها " حرقه ونزله في السايفون "
خرجت إفادات من ضباط صف تؤكد بأن عملية الارتداد لم يشارك فيها أي ضابط وهم من نفذوها ، فهل يمكن أن نعتبر ذلك مؤشراً لضعف مقدرتكم وفعاليتكم العسكرية أم أن هناك عوامل أخري ؟
تنفيذ الانقلاب لا يحتاج إلي ضباط ودورات وشهادات أو أركان حرب . ولو كانت كذلك لما نجحت حروب الغوريلا "حروب العصابات " ضد الجيوش النظامية وهي حروب قد يقودها مدنيون فجيفارا كان مدنياً إلا أنه أرهق أميركا اللاتينية كلها . من أكبر الأخطاء التي ارتكبناها هي تسريح الضباط وضباط الصف والجنود من دون مسوغ أو مبرر ، واعتبر البعض منا أن المظلات والمدرعات تدينان بالولاء لمايو ولذلك لا بد من تسريح الجميع وتصفيتهما وهنا اغفلوا نقطة مهمة فنحن عندما أتينا لم نكن نريد أن نخلق ثورة جديدة بل قلنا أننا نريد أن نصحح أخطاء مايو وأن نعود بها لمبادئها التي أعلنتها في 25 مايو والتي رأينا أنها انحرفن عنها ، فكان علينا إقناع الضباط وضباط الصف والجنود بأننا مايو الحقيقة ، إلا أن الهاموش رحمه الله قام بتسريح اللواء الثاني دبابات وخاطبهم بكلمات قاسية من قبيل : " بوظوكم ناس احمد عبد الحليم وخسروكم ويالله امشوا بيوتكم " . بعد نجاح الانقلاب كلفت من أب شيبة بالمرور علي جميع النقاط التي سيطرنا عليها وعند مروري باللواء الأول مظلات في شمبات فوجئت بالمستجدين أمام البوابة وهم يرتدون لبس التربية وقالوا لي أن معاوية عبد الحي طردهم وعاتبت معاوية علي ذلك وكنت مأخوذاً بالغيرة علي وحدتي التي انتميت لها واعدتهم إلي عنابرهم فقد كانوا مجرد مستجدين لا ذنب لهم ولا يعلمون ما هي مايو ولا يوليو ، فالتسريح غير المبرر كان خطانا الأكبر ولو كنا نجحنا في استمالة المحايدين منهم لاستطعنا النوم قليلاً فنحن لم نذق طعم النوم خلال الثلاثة أيام التي استولينا فيها علي السلطة وكتيبة واحدة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسيطر علي عاصمة كاملة وهذه أخطاء حسبت علينا وهي أخطاء فردية وأخطاء عسكرية داخلية ومثال للأخطاء العسكرية الفردية ما فعله الضابط زهير عندما أمر بإطلاق سراح مصطفى خوجلي فقط فقام وبتصرف فردي منه بإطلاق سراح المعتقلين الشيوعيين وترك المعتقلين من الأحزاب السياسية الأخرى وهذا التصرف خلق لنا عداوة منذ اللحظات الأولى . وعند ذهابه إلي البوسطة سأل عن ماذا يحدث فأجاب : " الحكومة بقت زي ده " وأشار للبوري الأحمر الخاص بالمظلات ، أي أن الحكومة أصبحت شيوعية ، وفي وقت قصير امتلأت الساحات والشوارع باللافتات الشيوعية بسبب البيان الذي أذاعه هاشم العطا وهذا ما حاولنا تفاديه مراراً وتكراراً كما سبق وذكرت إلا أنهم لم يسمعوا لنا . فعقب بيان هاشم العطا مباشرة خرجت المسيرات وترددت شعارات شيوعية مثل : " سايرين.. سايرين في طريق لينين " ، " يا يمين يا جبان اليسار في الميدان " وبذلك أصبحت لنا عداوتان : عداوة في الشارع وأخري في الجيش بسبب تسريح الضباط وضباط الصف بدون مسوغ مما خلق لديهم غبينة ، ومن أخطر الأمور التي يمكن تصورها أن تجرد عسكرياً من سلاحه ثم يحصل عليه مرة أخري وعندها سيكون كالنمر الجريح ولا أحد يستطيع أن يوقفه أو يحتويه . والمسرحون التقوا في مجالسهم الخاصة وعبروا لبعضهم البعض عن امتعاضهم وسخطهم من تسريحهم غير المبرر خاصة غير المايويين منهم واتفقوا عناصر من المدرعات والمظلات علي التحرك وتنفيذ ارتداد يوم 22 ، وفيما بعد التقيت ببعض الزملاء ممن تم تسريحهم وكشفوا لي عن الاهانة والاستفزاز والشتائم التي تعرضوا لها من قبل عبد المنعم وود الزين رحمة الله عليه . كان في حراسة الدبابات الملازم حسين ضرار رحمه الله " حسن خرطوش" وكانت لديه تعليمات بعدم "تشوين" أبر الدبابات وعندما سمعت مجموعة مكونة من عمر وقيع الله وابشمة واخرين باعتقال فاروق حمد الله وبابكر النور بادروا بتشوين الدبابات وذهبوا للغداء " بالميز" وخلد حسين ضرار للنوم .
وبعد انتشار أخبار عن احتمالية وجود دور أجنبي أو تدخل أجنبي وشيك لإعادة السلطة إلي النميري عمل ضباط حركة يوليو علي إرجاع العناصر التي تم تسريحها قبلاً ، وفي حقيقة الأمر لم يكن هناك أي تدخل أجنبي والبيان الذي أذيع كان بياناً ملفقاً وله أهداف أخري !
هل كنتم تخشون القوات المصرية المرابضة في قاعدة ناصر بجبل أولياء ؟
القوات المصرية تم عزلها وهي مأمون جانبها تماماً ، وسبق أن أرسلنا أفراداً إلي هناك وتم تامين عدم خروجها ، أذا رصدنا أي تحركات من جانبهم كان يمكن التعامل معها بالطيران ولكننا لم نرصد أي تحركات مريبة منهم . واحتلال قاعدة ناصر تم بواسطة الضابط بشير عبد الرازق وقد كلفه بالمهمة محي الدين ساتي وبشير عبد الرازق لم يكن منتمياً للتنظيم بل هو من أبدى رغبته لمحي الدين ساتي بالمشاركة . وبعد وصوله واحتلاله لقاعدة ناصر أرتكب بشير عبد العزيز خطأً فادحاً حين قام بإفراغ إطارات السيارات الروسية علي ال"runway " فعطل عمل المطار تماماً وأصبح من غير الممكن صعود أو هبوط الطائرات .
نواصل نشر الحلقة السادسة والأخيرة قريباً ،،،
صلاح الباشا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.