يتقارب المشهد الفكري بين الإسلاميين في السودان وتيارات الفكر الإسلامي المعتدل في الصومال، ولعل أسباب التقارب ترجع لتشابه الأوضاع بين البلدين، فالحركة الإسلامية السودانية تقلّدت مقاليد الأمور نهاية الثمانينات، وبدأت فور تسلمها إدارة السودان إزالة رواسب اليسار. وهذا نفسه هو ما حدث في الصومال، فبعد انهيار حكومة سياد بري الشيوعي مطلع التسعينيات القرن الماضي، بدأ إسلاميو الصومال لملمة صفوفهم الداخلية وخدمة المنكوبين عن طريق الدعوة أو ما يمكن تسميته ب " نشر الصحوة" لكنهم مع ذلك فشلوا في تقديم نموذج حكم إسلامي ناجح، مقارنة بنجاحات الحركة الإسلامية السودانية ممثلة بالمؤتمر الوطني. بدايات أزمة الإسلاميين في الصومال: حتى لا تلتبس المفاهيم فالإسلاميون الذين نعني بهم في هذا المقال هم تيارات الإسلام السياسي من مدرسة الإخوان المسلمين، ومن نهج طريقهم في تطبيق النظريات إلى واقع سياسي معايش كالذي جرى في السودان وتركيا وغيرهما من الدول. وأزمة الحركة الإسلامية الصومالية (الإخوان المسلمون) لا تدور حول خلافات في طريقة حكم البلاد بقدر ما نشأت في أمور ثانوية تغذيها المشاكل الاجتماعية كالقبلية، أو تحركها مطامع آنية كالصراع مثلا: حول إدارة المؤسسات الخيرية والخدمية، كالجامعات والهيئات التي تحولت إلى مؤسسات شخصية يديرها البعض وفق منطق الشارع الصومالي عن طريق توظيف أقاربهم، كجمعية التضامن الاجتماعي في مناطق بونتلاند (شمال شرق الصومال) والتي أصبحت مؤسسة لتقويض العمل الإسلامي في المناطق المذكورة كما قالها محمود إسماعيل في حوار له منشور في موقع الشاهد الإلكتروني. الخلافات التي ذكرها القيادي الشاب لا ترقى لمستوى التحدي، كان المنتظر من حركة الإصلاح الإخوانية تقديم نماذج حضارية ومشاريع فكرية لإدارة مؤسسات الدولة، وعدم التقوقع والانكفاء تحولت بمرور الوقت إلى ما يشبه جمعية خيرية ليس لها علاقة بالعمل السياسي، على عكس الإسلاميين في السودان فقد نجحوا – على الأقل – في حكم السودان ما يقارب عقدين ونيف من الزمن. وهناك مشكلة أخرى واجهتها حركة الإصلاح الصومالية وهي كثرة الانشقاقات والتصدعات المتكررة، فمنذ عام 1983 تواجه حركة الإصلاح حالة من النزيف الداخلي، حيث تضطر الكوادر إلى ترك العمل الإسلامي بسبب تصرفات من وصفهم الهندي عز الدين في عموده في جريدة المجهر السياسي ب ( جدادة الخلاء الطردت جدادة البيت) المشهد الصومالي يتقارب إلى حد ما الحالة السودانية، فمؤسسو الحركة الإسلامية في الصومال يشتكون من تصرفات بعض الغرباء على جسم الكيان الحركي في الصومال، وقد ما تناول الدكتور محمد يوسف – خريج الجامعة الإسلامية في المدينةالمنورة وأحد مؤسسي حركة الإصلاح- في مقال له منشور في موقع " الإصلاح اليوم" مشكلة الغرباء الذين أزاحوا عن المشهد البدريين القدامى، وقال بالحرف الواحد " إن هناك شخص أفسد الحركة الإسلامية الصومالية، ودون أيَّ مقدمات تسلق السلم الإداري وطرد كوادر إسلامية في وضح النهار". والشيخ محمد نور غريري- وهو رجل تسعيني من مؤسسي حركة الإصلاح في الصومال وخريج الجامعة الإسلامية في المدينةالمنورة – قال في مقابلة له مع إذاعة "صوت أميركا" إن هناك شخصيات معينة تؤجج الصراعات الداخلية، وذكر على سبيل المثال د. علي الشيخ – رئيس جامعة مقديشو وخريج الجامعة الإسلامية في المدينةالمنورة- ومصطفى عبد الله، وهما شخصيتان وصفهما الشيخ غريري "عملاء يعملون لصالح جهات مشبوهة"! صراع الحركة الإسلامية الصومالية مرّ على محطات مختلفة تبدأ في ثمانينات القرن الماضي مروراً بمشكلة المحاكم الإسلامية، حيث انقسم الإصلاح إلى " دم جديد" ومعظمهم من الكوادر الوسطى، واصطفوا خلف المحاكم الإسلامية بهدف طرد الغزو الأجنبي الإيثوبي من الصومال، وجناح آخر يُطلق عليه ب " الدم القديم" وهم الحرس القديم ومؤسسو الحركة والذين كان لهم لهم ارتباط مع التنظيم الدولي للإخوان في مصر. ثم تطورت خلافات الإصلاح إلى الحد الذي انقسم فيه الدم القديم نفسه في الرابع من رمضان الموافق أغسطس من عام 2011، حيث قام أربعة من مؤسسي الحركة – وهم بمثابة أصحاب المذكرة العشرة عند السودانيين في الرابع من رمضان عام 2001- بتأسيس كيان حركي جديد، وجمدوا عضوية الدكتور علي الشيخ أحمد خامس المؤسسين لحركة الإصلاح في العاصمة السعودية الرياض عام 1978، وما أشبه الليلة بالبارحة، وأشبه حالة الإسلام السياسي السوداني بالصومالي. حالة الانقسامات في الحركة الإسلامية الصومالية أشبه ما تكون – نوعاً ما- إلى حالة الانقسام الداخلي في صفوف الحركة الإسلامية السودانية، رغم الفارق الكبير في الحالتين، فالحالة السودانية الخلافات بادية حول أساليب ونمط الحكم، مع وجود رموز فكرية تقود كلا التيارين الشعبي والوطني، أما الحالة الصومالية فهي فريدة كونها تنطلق من أسباب واهية ونابعة من مشاكل اجتماعية داخلية تستعصي معها جميع الحلول، ويكرّس خلافاتهم أصحاب المصالح أو ( المشائين بالنميمة) على حد وصف الكاتب السوداني أحمد يوسف التاي في مقاله المعنون ب" عودة تحالف العسكر والشيخ هل ستطيح بالرؤوس الكبيرة"؟ المنشور في العدد (2679) في جريدة الانتباهة السودانية بتاريخ 29 أغطس عام 2013. التقارب: قبل أيام اجتمع في العاصمة الصومالية مقديشو جناحان من حركة الإصلاح (الإخوان المسلمين) وهما جناح " الدم الجديد" و " الدم القديم" لطيَ صفحة من الخلافات الداخلية دامت ست سنوات، واختاروا في هذا اللقاء الدكتور محمد حاجي ( المحاضر بجامعة أفريقيا العالمية في السودان سابقا) مراقبا عاماً للإصلاح في ظل غياب الجناح الثالث بقيادة علي باشا، والجناح الثالث يشهد ضموراً وتراجعا فكرياً واضحاً بسبب هجرة الكوادر والعقول، على الرغم من اتصالاته الوثيقة مع مكتب الإرشاد، وهذه إحدى مشكلات التنظيمات ذات الأيدلوجيا العابر للقارات، لا تعطي الاعتبار للبُعد الجغرافي ولا الواقع السياسي المغاير – تماماً- بما يحدث في مصر على سبيل المثال. يأتي هذا الحدث في ظل بروز مؤشرات لتقارب بين وجهتيْ نظر المؤتمر الشعبي والوطني، أو ما يحلو للصحافة السودانية تسميته ب " عودة تحالف العسكر والشيخ" أو " لقاء القصر والمنشية" والمنشية هي الضاحية التي يسكنها الدكتور حسن الترابي من الخرطوم، والتحالف الأخير أشبه ما يكون كالذي حدث في الصومال مؤخراً، أربعة من مؤسسي الحركة ومعهم قطاعات عريضة من الدعاة والقيادات وشباب الحركة ارتموا في أحضان " الدم الجديد" في سابقة هي الأولى من نوعها في منطقة القرن الأفريقي بعد خلافات عصفت بالعمل الإسلامي برمته ودامت سنوات عديدة. وبصورة أخرى يمكن القول إن تيار " الدم القديم" تصالحوا مع القصر الرئاسي (فيلا صوماليا) وهم تيار (الدم الجديد) المسيطرين حالياً على مفاصل الحكومة الصومالية الفدرالية منذ عام 2012، هذا الوفاق سيكون بداية مشوار جيد نحو إعادة تأسيس الكيان الحركي بعد تعرضه لأزمة الانشقاقات المتكررة منذ اربعة عقود مضت من تاريخ تأسيس الإصلاح في الصومال. وبهذا يمكننا القول إن الحركة الإسلامية الصومالية سبقت الحركة الإسلامية السودانية في تنزيل الأشواق إلى واقع عملي ملموس، فالوحدة عمل نبيل، لكن التخطيط وتنفيذ مشروعاتها يتطلب وقتا وجهداً كبيرين ! مستقبل الوحدة: لا يمكن التكهن فيما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل، الكيانات الفكرية الصومالية سريعة التداخل، يجمعها خيط فكري عريض في معظم الأحيان، وسرعان ما تتنتهي مشاريعهم بالفشل؛ نظراً لغياب دراسة إستراتيجية واضحة لتفعيل ما تمّ الاتفاق عليه مسبقاً. ومن أجل وحدة مستقبلية مثمرة وتأسيس حركة على غرار الحركة الإسلامية السودانية – لابد – من بحث بقية الأجنحة كجناح حركة التجمع الإسلامي (آل الشيخ) وآل الشيخ هم تيار إخواني محلي أسّسها الشيخ محمد معلم – رحمه الله- ويُعتبر المعلم أحد أشهر علماء الدين الصوماليين في القرن الماضي. هذا التيار رغم تقلص دوره الدعوي وانحسار تأثيره في معظم أقاليم الصومال؛ إلا أنه تيار فكري لا يُستهان، وله كوادر ورموز كالشيخ شريف شيخ أحمد الرئيس الصومالي السابق، وعبد الكريم حسن وزير الإعلام في حكومة الشيخ شريف وغيرهما كُثر. وإذا نجح الإصلاح في ضمّ حركة التجمع الإسلامي (آل الشيخ) إلى صفوفهم فإن مستقبل الإسلام السياسي في منطقة القرن الأفريقي سيكون واعداً، مع إمكانية التعاون بين تيارات الإسلام السياسي في منطقة شرق أفريقيا.، وهذه الرؤية – بنظري- تحتاج إلى التفعيل والبحث عن المشتركات الكلية التي تجمع الإسلاميين الوسطيين جنبا إلى جنب مع تصاعد دور الإسلام السلفي في المنطقة، وفي النهاية مساحة التلاقي بين تيارات الفكر الإسلامي ستكون ممهدة. الشاهد