سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجذور السياسية للمشكلة الاقتصادية في السودان. لن تحل المشكلة الاقتصادية ما لم تحل المشكلة السياسية.
نشر في الراكوبة يوم 31 - 08 - 2014


بسم الله الرحمن الرحيم
د. أحمد حموده حامد
مقدمة:
الخبراء الاقتصاديون السودانيون فشلوا حتى الآن في حل المشكلة الاقتصادية السودانية , ليس لعجز منهم او نقص في مقدراتهم وعلمهم ومؤهلاتهم – فهم مشهود لهم بالخبرة والعلم والدراية - ولكن بسبب خطأ في تشخص المشكلة وفي تصويب الهدف ولذلك فمن البديهي ان تأتي المعالجات والوصفات خاطئة هي الأخرى . فغالب معالجات الخبراء الاقتصاديين ظلت تستهدف المشكلة باعتبارها مشكلة اقتصادية بحتة , وغفلت عن الجذور السياسية الحقيقية التي خلقت المشكلة الاقتصادية في الأساس , فجانبت معالجاتهم الهدف Beside the Point . الخبراء الاقتصاديون الذين بنوا تحليلاتهم على هدى علم الاقتصاد البحت Pure Economics يغفلون العلاقة العضوية بين الاقتصاد والسياسة كما في أدبيات الاقتصاد السياسي Political Economy . أي تحليل يغفل الجذور السياسية للنشاط الاقتصادي سوف لن يصل للحلول الصائبة . المشكلة الاقتصادية السودانية هي عرض فقط من اعراض مرض المشكلة السياسية المستعصية , وسوف لن تحل المشكلة الاقتصادية ما لم نحل المشكلة السياسية في السودان.
الاعراض الاقتصادية:
الغلاء الفاحش وانفلات الاسعار وضيق العيش على الاسر وجموح السوق والتضخم
تدني القيمة الشرائية للأجور والمرتبات وعدم ايفائها بأبسط متطلبات الحياة.
تدهور قيمة العملة الوطنية – الفروقات بين السعر الرسمي والموازي للعملات الصعبة
اختلال الميزان التجاري ومؤشر النمو الاقتصادي الى السالب (الدولة الوحيدة في القارة الافريقية تسجل مؤشر نمو بالسالب)
ضعف الانتاج وضمور القطاعات المنتجة وانكماش القاعدة الانتاجية
الحصار والعزلة الاقتصادية عن المؤسسات المالية العالمية وعن النظام المصرفي
بروز الطبقات الطفيلية التي أثرت من عرق وجوع الشعب
الفساد المالي والاداري وهروب رأس المال الوطني والأجنبي
سياسات التحرير – بيع المؤسسات العامة لمنسوبي النظام
لا اجراءات وقائية لحماية الشرائح الضعيفة safety nets.
ظلت هذه المشكلات الخطيرة تراوح مكانها على مدى ربع قرن ويزيد , بل تفاقمت حدتها مئات الاضعاف على مدى سني حكم الانقاذ , رغم الكم الهائل من المؤتمرات والفعاليات الاقتصادية وتوصيات الخبراء والمساعدات الدولية والقروض والمنح والمعونات من الدول الصديقة , ولا زالت الازمة تتفاقم يوماً بعد يوم , حتى كاد الناس أن يهلكوا من الجوع والفقر والمرض وضنك العيش . ما يعني أن المشكلة في جوهرها ليست اقتصادية , بل سياسية بامتياز , يجب أن ينصب الاهتمام في ايجاد حلول للمشكلة السياسية وسوف تحل المشكلة الاقتصادية تلقائياً .
نظام الحكم:
التوصيات والمعالجات التي اجتهد الخبراء في الدفع بها للحكومة لتتبناها كحلول للمشكلة الاقتصادية تفترض أول ما تفترض ان يكون نظام الحكم القائم نظاماَ راشداً ذا شرعية وتفويض من الشعب يعمل لصالح الشعب بكل قطاعاته وفئاته ومكوناته , ودولة ذات مؤسسات تعمل بكل حيدة وتجرد يقف امامها المواطنون جميعهم سواسيا في الحقوق والواجبات فتنصفهم . وان تهيئ الدولة ومؤسساتها الظروف المواتية لكي تعمل آليات السوق بسلاسة حسب قوانين العرض والطلب . هذه بعض من أبسط وأهم مرتكزات النشاط الاقتصادي كما يراها فلاسفة علم الاقتصاد . لا أعتقد ان آدم اسميث او أي فيلسوف آخر من فلاسفة علم الاقتصاد سوف يوصي بعمل آليات السوق اذا كان نظام الحكم القائم يسيطر عليه التجار أصلاً كما هو نظام الحكم القائم الآن في السودان . في مثل هذه الحال نصح الخبير الاقتصادي يجعل حاميها حراميها : بمعنى ان التاجر هو الحاكم , وسوف يسخر كل امكانات الدولة لتحقيق ارباحه كتاجر , وليذهب الشعب الى الجحيم , وهو بالضبط ما نشاهده اليوم من تداعيات النشاط الاقتصادي في السودان الذي يسيطر عليه بالكامل متنفذى الدولة .
نظام حكم التجار والرأسماليين Syndicates & Synarchists:
أس المشكلة يكمن في نظام الحكم القائم . فنظام الحكم القائم في السودان - كما في الكثير من بلدان العالم الثالث التي كانت مستعمرة – هو نظام حكم يسيطر عليه التجار والرأسماليون , ورَثهم المستعمر الحكم لكن ربطهم بمصالح تجارية مشتركة تشبع طموحاتهم في الثراء والجاه والسلطان , لكن تعمل لمصلحة الاقتصاد الاستعماري وعلى حساب الشعوب . ظلت مصالح الحكام التجار مرتبطة بالاقتصاد الاستعماري الام , يحكمون بلدانهم ليس لمصلحة شعوبهم , بل لمصالح الاقتصاد الاستعماري وتلبية طموحاتهم هم في الزعامة والثروة والجاه والسلطان. ولذلك لا غرو ان افراد النخب الحاكمة كانوا – وما زلوا - يجدون الراحة وهدوء البال في مقارهم في خارج الوطن – في لندن وباريس والقاهرة ودبي . السودان بالنسبة لهم هو مكان فقط "لخم المال" والسودانيون ما هم الا رعاع مسخرة لطموحاتهم ورغباتهم في الحياة المنعمة والمرفهة , لم يكن هم الحكام التجار في يوم من الايام هو اسعاد المواطن السوداني ورفعة السودان وكرامة انسانه , بل كان همهم على الدوام هو جمع المال للتمتع بملذات الدنيا في المنتجعات البعيدة على حساب الفقراء . خذ مثلاً الاحتجاجات العالية التي يطلقها هذه الايام نواب البرلمان محتجين على حرمانهم من السفر الى الخارج للتمتع باجازاتهم . مثال آخر ولد الوزير اليافع الذي قبض عليه بمطار دبي وبحوزته ملايين الدولارات مهربة في طريقه الى أمريكا . مثال آخر زوجة الوزير التي قالت ان ابنها يدرس بالخارج ب 40 الف دولار هم يدفعون 20 الف والحكومة تدفع 20 الف , متمنية ان يصير ابنها مثل جده الاقتصادي الضليع الاستاذ المرحوم مامون بحيري أول محافظ لبنك السودان بعيد الاستقلال . مثال آخر الأميرة التي قيل – حسب الرواية – أنها صرخت في وجه أحدهم في لندن قائلة له بكل انفة الأميرات حين يغضبن " I'm of the Royal Family of Sudan; Who Are You?? " . وليس أبلغ دليلاً على ذلك من أن السيد الميرغني نائب الرئيس يقضي جل وقته متنقلاً بين لندن والقاهرة . هذا بينما نجد منذ الاستقلال وحتى اليوم ان حياة غالب السودانيين تسير من سيء الى أسوأ حتى بلغت نسبة الفقر بينهم 95% بينما اثرت النخبة الحاكمة التي تمثل 5% فقط , وصاروا من أثرى أثرياء العالم حتى أن احصاءات دبي للعقارات تشير إلى أن أثرياء السودان من بين أكبر وأهم المستثمرين فيها .
الحكمة من كل ذلك أن التاجر حين يصير هو الحاكم , يحكم بعقلية التاجر. واليوم كل بل أن130% من مسؤولي الدولة السودانية هم تجار (ال 30% دي أولادهم ونسابتهم) , يتاجرون في السيخ والأسمنت , في العقارات (عمارة "ذات العماد" كمثال) , وفي المواد الغذائية , في الثروة الحيوانية , وفي المولات كعفراء مول , في الاراضي , في البنوك والصرافات , في المحصولات والمواصلات والنقل – يتاجرون في كل شيئ ويسيطرون على كامل النشاط الاقتصادي للدولة . حسب تقديرات للاقتصادي الاستاذ كبج أن اكثر من 87% من النشاط الاقتصادي في السودان تسيطر عليه شركات تابعة لجهاز الامن , ونعلم أن جهاز الامن هو الحكومة نفسها . وهذه الأنشطة الاقتصادية تمتد من الطبلية في شارع السبيل إلى ناقلات البترول في عرض المحيطات يسيطر عليها اجهزة الدولة ومنسوبيها.
التاجر حين يصبح هو الحاكم يحكم بعقلية التاجر: حكام السودان هم في جوهرهم تجار الله أكبر – وشعارهم دوماً هو: الله أكبر – في ذبح أفراد الشعب السوداني بما يحقق لهم أكبر قدر من الأرباح التي يكدسونها ثم يهربونها لحساباتهم في دبي وهونج كونج وماليزيا وسويسرا ولندن. و مادام الحكام هم التجار فليس أمام الشعب السوداني إلا أن يكتوي بنيران الاسعار المحرقة في الأسواق اليوم أو الموت الذؤام . فلمن يشتكي المواطن؟ أيشتكي للحاكم الذي هو ايضاً التاجر؟ هو الخصم والحكم , القاضي والجلاد . ليس هناك من جهة يلجأ اليها المواطنون في محنة غلاء السلع حين يصير الحكام هم التجار الذين يبيعونها لرعاياهم . ولذلك جاءت حكمة الشارع في تحريم العمل التجاري على الحاكم , وقد نبه ابن خلدون في مقدمته الى خطورة اشتغال الحاكم بالتجارة لأن في ذلك مفسدة لمصالح العامة وتعطل الانتاج وذهاب ريح الأمة . وقد حرمت الدول الحديثة على مسؤولي الدولة الاشتغال بالتجارة لما فيه من تضارب بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة بما يعرف ب Conflict of Interests
هروب رأس المال من السودان:
حين يحكم التجار يكون هدفهم هو تحقيق أكبر ربح ممكن , ولا شغل لهم بالشعب وهموم المواطنين . ولأنهم يعلمون انه لا شرعية لهم بل اتوا للحكم غصباً , ولقناعتهم أنهم "لا يستحقون" أن يكونوا حكاماً على الأمة لافتقارهم للملكات اللازمة , فهم في هلع دائم من انفلات الاوضاع بسبب عدم الأمان من العامة المطحونة , لذلك يلجأون الى تهريب ثرواتهم التي جمعوها بالباطل إلى خارج البلاد شعارهم في ذلك "أخبط واجر Hit 'n Run" . ولذلك تتعطل عجلة الاقتصاد وتتوقف عن الدوران , ويكون الركود والتدهور الاقتصادي لأن المال اللازم لتحريك عجلة الاقتصاد يكون قد تم تهريبه للخارج . capital flight تقدر رؤوس الاموال الهاربة من السودان بمئات المليارات من الدولارات – كافية ان تجعل الاقتصاد السوداني من أقوى الاقتصاديات في المنطقة (حسب ورقة علمية قدمها قوردون براون رئيس الوزراء البريطاني الأسبق).
حراسة النظام الرأسمالي الطفيلي بالقوة:
نظام حكم الرأسمالية الطفيلية يقوم على امتصاص فائض العمل من الطبقات المنتجة Surplus Production ولا يدخل في النشاطات الاقتصادية المنتجة لما فيها من مخاطر, بل انه يمتص فائض الانتاج من القطاعات المنتجة ويوجهها لمنفعته الذاتية في الاستهلاك البذخي ولا يدخلها في دائرة الاقتصاد . ينتج عن ذلك ضغوط متزايدة على القطاعات المنتجة ما يقود الى انكماش طبقة الانتاج وتآكل مقدراتها نسبة لتدهور البيئة الانتاجية والتحفيزية نتيجة الاهمال من قبل الدولة للمنتجين الحقيقيين في الريف , مما يضطرهم اما لترك الانتاج الذي لا يوفر لهم أبسط مقومات الحياة ميممين شطر الهجرة إلى خارج البلاد , أو ينزحون إلى المدن حيث يشكلون طبقة فقراء المدن العريضة بما يسمونه في الخرطوم "بالحزام الأسود" الذي يطوق العاصمة , تتأفف منهم نخبة الخرطوم الذين هم السبب الرئيس في هجرة هؤلاء المواطنين من الريف إلى المدينة بسبب توجيه عائد انتاجهم إلى بذخ واستهلاك ورفاهية نخبة المدن الحاكمة . وفي أسوأ الأحوال يضطرون لحمل السلاح والتمرد على سلطة الدولة الظالمة مطالبين بحقوقهم حيث تقابلهم الدولة بالقوة الغاشمة ما نراه في الحروب الدائرة اليوم في كل ركن من السودان تحاول حكومة التجار في الخرطوم جاهدة صد جحافل المظلومين الزاحفين على مركز السلطة مطالبين بنصيبهم في السلطة والثروة , بينما تحشد نخبة المركز كل امكانات الدولة الاقتصادية والمادية والبشرية والعسكرية للحيلولة دون مشاركة الآخرين في التمتع بثروات البلاد ونيل الشرف في تولي المناصب والاسهام في بناء الوطن .
مشكلة الاقتصاد السوداني اليوم ومنذ الاستقلال هي تحديداً توجيه كامل الاقتصاد لاقتصاد حرب موجه لحماية حكومة الراسمالية الطفيلية من السقوط في ايدي عامة الشعب . ومن المهم جداً هنا التأكيد على أن حكومة التجار الرأسماليين تتفق مصالحها تماماً مع مصالح القوى الامبريالية العالمية . وهذا يفسر لماذا ظلت هذه القوى الامبريالية تغض الطرف عن كل الانتهاكات الجسيمة التي ظلت تقترفها حكومة الخرطوم , بل صرحت هذه القوى علانية انها لا تريد اسقاط هذا النظام , بل باركت نتائج الانتخابات الماضية رغم علمها التام بعدم نزاهة تلك الانتخابات وعدم مشروعية النظام الذي بنيت عليه . وسوف تسعى هذه الدول الامبريالية لدعم هذا النظام ليفوز مرة أخرى في الانتخابات القادمة في 2015 . التفسير للدعم الذي تلقاه مثل هذه الحكومة من القوى الامبريالية هو ببساطة أن الرفاهية العالية التي تتمتع بها شعوب الدول الامبريالية تأتي خصماً من ثروات الشعوب المقهورة بواسطة نظم الحكم الفاسدة كنظام الخرطوم , ما يسمح لشركات هذه الدول نهب ثروات الشعوب المقهورة بتواطؤ تام مع الحكام الفاسدين . ولذلك تحرص هذه الدول ايما حرص ان يكون على سدة الحكم هم الفاسدون , وأن أكثر ما يقلقها هو ان يأتي الى الحكم الوطنيون الغيورون على مصلحة الوطن والمواطنين , لأنه في هذه الحالة سوف تفقد هذه الدول الثروات الضخمة التي كانت تجنيها بسبب فساد الحكومات والتي تسهم في رفاهية شعوبهم واستتباب الأمن والرخاء , ورضاء الناخبين على أداء الحكومة ما يضمن لهم ثقة الناخبين للفوز في صناديق الاقتراع والاستمرار في الحكم .
سياسة الافقار المنهجي:
كنا قد بينا في مقالات سابقة أن نظام حكم الرأسمالية الطفيلية يسعى جاهداً لإفقار أكبر قطاع ممكن من الشعب السوداني بقصد تطويعه وترويضه والسيطرة عليه عن طريق سياسة "جر الناس من بطونهم". السودان ليس بلداً فقيراً , بل يتمتع بكل الثروات والمقومات التي تجعله من أقوى الاقتصاديات في العالم . لكن يتم إفقار الشعب على نحو مقصود ومدروس لأهداف سياسية . سياسة التجويع والافقار المنهجي تتيح للحكومة حشد جيوش جرارة من العطالة الفقراء ليكونوا أدوات حراسة تحميهم وتحمي مكتسباتهم من غضبة الجماهير المهضومة . سياسة الإفقار المنهجي التي تنتهجها الحكومة الرأسمالية الطفيلية توفر للتجار الحكام جيوس جرارة من الحراس – بعد ما تم تجويعهم وذاقوا مرارة الجوع الكافر – لينخرطوا في كوادر الأمن والجيش والشرطة تصرف عليهم من خزانة الدولة ليس لحماية الوطن والمواطنين بل لحماية الحكام التجار من غضبة الشعب المسحوق.
لا غرو أن الدولة تصرف ما يفوق 85% من الموازنة العامة على الأمن – لحراسة النظام – فكيف لاقتصاد مهما كانت قوته أن يحتمل ذهاب 85% منه لقطاعات الأمن والجيش وهي قطاعات غير منتجة كما هو معروف. بل اتت الأخبار مؤخراً لتؤكد موافقة الجهاز التشريعي على زيادة مخصصات الجيش والضباط بحد أدنى 4 مليون جنيه للضابط , أي ما يعادل مرتب ثلاثة أو أربعة من أساتذة الجامعات .
الصرف على الحروب الأهلية: اقتصاد حرب لستين عاماً:
ظل الاقتصاد السوداني في حالة اقتصاد حرب يصرف على الحروب الأهلية التي بدأت منذ فجر الاستقلال سنة 1955م في أول تمرد للجنوبيين في توريت. السبب هو أن نخبة المركز الحاكمة , لكي تحافظ على امتيازاتها في الحكم والسيادة والجاه والمال لم تكن ترغب في إشراك هذه الامتيازات مع آخرين من أبناء الوطن , جنوباً وشمالاً, شرقاً وغرباً . استعصمت نخبة تجار المركز الحاكمة بالشدة في التعامل مع المطالب الآتية من أبناء الأقاليم , ما قاد إلى تذمر أبناء الجنوب في توريت عام 1955م . ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم لا زالت نخبة المركز الحاكمة توجه الاقتصاد كاقتصاد حرب موجه في الأصل للدفاع عن نظام الحكم القائم في الخرطوم , تصرف على آلة الحرب, وعلى إعداد ومخصصات الجيوش , وعلى أجهزة الأمن وميليشيات الدفاع عن النظام. يدفع المواطنون تكلفة هذه الحروب العبثية طيلة الستين عاماً المنصرمة تتكلف مئات الملايين من الدولات كل يوم تطلع فيه الشمس على مدى ستين عاماً منذ الاستقلال وحتى اليوم . اقتصاد السودان ظل هو اقتصاد حرب منذ الاستقلال لحماية نظام الخرطوم ضد غضب جماهير الشعب السوداني , يوجه طاقات الاقتصاد للحشد العسكري والأمني والمليشيات للدفاع عن نظام حكم الرأسمالية الطفيلية في صد جموع المواطنين العريضة التي تطالب بالعدالة وبحقوقها المشروعة.
كيف لاقتصاد ظل هو اقتصاد حرب - موجه للصرف على آلة الحرب والخراب والدمار وليس على النمو والاعمار – كيف له أن ينهض وقد انهكته الحرب على مدى 60 عاماً؟ الحقيقة أنه من عجائب الامور أن يستمر الاقتصاد السوداني حياً وكان الأوفق أن ينهار تماماً منذ وقت بعيد . ستون عاماً والاقتصاد اقتصاد حرب , لم يسمع به في التاريخ القديم والحديث . كون الاقتصاد السوداني لم ينهار رغم كل ذلك , لهو الدليل الساطع على قوة ومتانة القاعدة الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد : الموارد الطبيعية والبشرية والثروات الهائلة الضخمة من بترول وذهب ومعادن وخيرات في باطن الأرض وظاهرها ظلت ترفد الاقتصاد وتمنعه من الانهيار التام . لكن هذه الثروات تم تبديدها بين قوتين شريرتين: نخبة الرأسماليين الطفيلية الحاكمة السودانية وبين شركائهم من قوى الرأسمالية العالمية في العواصم الامبريالية الكبرى في أوربا وآسيا وامريكا والشرق .
كل هذه الثروات التي هي ملك حر للشعب السوداني ليعيش حياة كريمة مستحقة , حرم منها السودانيون الذين يرهقهم لآن الجوع والمرض وشظف العيش , بينما تجد ثروات بلادهم طريقها الى الخارج لرفاهية شعوب أخرى في الصين وإيران وسوريا واروبا وامريكا ومصر . ثروات السودان التي يسيل لها لعاب كل القوى في العالم التي تسعى لرفاهية شعوبها يبددها حكامنا التجار الذين لا يهمهم الوطن ولا المواطن , بل تهمهم ارباحهم وشركاتهم وحساباتهم المتضخمة في الخارج .
خاتمة :
خلاصة القول أن المشكلة الاقتصادية في السودان تنبع اساساً من المشكلة السياسية : نظام الحكم في السودان هو نظام حكم فاقد للشرعية يسيطر عليه التجار والرأسمالية الطفيلية, وأن 130% من مسؤولي الدولة هم تجار في السوق يسيطرون على كامل الانشطة الاقتصادية , وأن نظام حكم التجار أفقر 95% من الشعب السوداني , وأجبر غالبيتهم على الهجرة خارج الوطن أو الانخراط في صفوف الجيش والأمن والمليشيات للدفاع عن النظام بعد أن تم إفقارهم وتجويعهم , وحين حمل بقية الشعب السلاح للمطالبة بحقوقهم , واجههم النظام بقوة السلاح والآلة القمعية التي يصرف عليها 87% من الميزانية العامة. وقد ظل الاقتصاد السوداني اقتصاد حرب موجه لإخماد الثورات الأهلية الداخلية منذ الاستقلال وعلى مدى 60 عاما ً, الاقتصاد موجه لتغذية الآلة الحربية القمعية وللخراب والدمار, بدلاً عن توجيهه للبناء والإعمار . فكيف لاقتصاد بكل هذا الارث المثقل بالسوء والحيف والظلم أن ينهض , بل كان من الطبيعي أن ينهار منذ أمد بعيد . الاخوة الخبراء الاقتصاديون مهما بلغوا من علم , ومهما أجادوا في الوصفات العلاجية , سوف لن يتعافى الاقتصاد السوداني ما لم تحل المشكلات السياسية الحقيقية التي توجه الاقتصاد للصرف على القطاعات غير المنتجة وعلى آلة الحرب للحفاظ على نظام حكم الرأسمالية الطفيلية . حين تحل مشكلة الحكم السياسية , سوف توجه ال87% من الميزانية التي تخصص الآن للأمن ستذهب للقطاعات المنتجة . وحين تأتي حكومة يكون همها الوطن والمواطنين ولا يكون همها التجارة والاحتكار والمنافسة في الأسواق , سوف تنعدل الأسواق وتكون المنافسة بين المنتجين فتنخفض الاسعار . وحين تكون هناك حكومة شرعية لا تحتاج لكل هذه الجيوش الجرارة من منتسبي الأمن والميليشيات التي جيء بها لحراسة النظام والصرف عليها من عرق وقوت الشعب . وحين يكون هناك حكم شرعي سوف تنتفي أسباب الحصار الاقتصادي ويعود السوادان في منظومة الدول المحترمة ذات النظم المصرفية الشفافة لا يمارس غسيل الأموال والجرائم المالية الأخري . وحين يستتب الأمن والأمان سوف لن يضطر ذوي الثروات لتهريب ثرواتهم الى خارج الوطن بل تدخل في عجلة الاقتصاد انتاجاً وفرص عمل للخريجين والعاطلين . وحين تتجه الحكومة للصرف على الخدمات في الريف من صحه وتعليم ومياه سوف يعود المنتجون من المدن إلى قراهم وينخرطوا في الإنتاج وحين تحفزهم بالخدمات والقروض والتسعيرة المجزية لمنتجاتهم سوف يضاعفون في الانتاج . حينئذ فقط يمكن للاقتصاد السوداني أن يدخل دورة التعافي . وإلا إذا لم تحل المشكلة السياسية , فمن المؤكد أنه لا سبيل الى إصلاح الاقتصاد مهما اجتهد الخبراء الاقتصاديون ومهما أجادوا في الوصفات.
د. أحمد حموده حامد
دكتوراة الاقتصاد السياسي – المملكة المتحدة
السبت 4 ذو الحجة 1435ه الموافق 30 اغسطس 2014 م


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.