شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    رويترز: صور أقمار صناعية تكشف عن معسكرٍ خطير تبنيه إثيوبيا لتدريب ميليشيا الدعم السريع    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    تعادل الهلال والإتحاد يؤكد تأهل الرابطة لدورى النخبة ويشعل المنافسة على البطاقتين الأولى والثانية    الأهلي شندي يُسمّي جهازه الفني الجديد بقيادة علم الدين موسى وإسلام الفاضل    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    سفير السودان بالنمسا يدعو الاتحاد الأوروبي لممارسة الضغط على مليشيا الدعم السريع المتمردة وداعميها    مدير السكة الحديد: استئناف رحلات قطار عطبرة – الخرطوم خطوة في مسار التعافي الاقتصادي    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    وزير الشباب والرياضة يلتقي وكيل جامعة الدلنج ويبحث أوضاع كلية التربية الرياضية    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبدالرحمن علي طه(1901-...) نحو فلسفة تربوية وطنية حديثة (الحلقة الثانية)
نشر في الراكوبة يوم 17 - 01 - 2015

مثلت إعادة غزو السودان وتوقيع اتفاقية الحكم الثنائي عام1898م مرحلة جديدة ادخلته في اقتصاديات السوق العالمية وكشفته للعالم ليتأثر به ولو بقدر محدود.فلقد أنجز البريطانيون عملية إعادة احتلال السودان بنجاح.ولكن المسألة التي سرعان ما حيرتهم ،وظلت دون حل هي:ماذا يٌعمل به ؟ ودارت نقاشات حول الجدوى الاقتصادية والاستراتيجية،ويبدو أن جدواها الاستراتيجية كانت أكبر من الاقتصادية. وكان من البديهي أنه لن يترك لحاله لأن ذلك سيظهر ان الحملة والنجاح الذي حققته كان ضربا من العبث .كما كان سيترك مصر مرة اخري بدون حماية وفي خطر اولا من ناحية أمن حدودها الجنوبية، وثانيا من عدم تأمين احتياجاتها المائية التي لا يمكن ان تعيش بدونها،وربما ادي ذلك لاحتمال اعادة غزو السودان مستقبلا.ولكن في أول تقرير كتشنر1899 يقول:- "إن ما قام به الدراويش من استئصال كلي لنظام الحكم القديم قد هيأ الفرصة لبدء إدارة جديدة أكثر انسجاما مع حاجات السودان".وهذا يعني أن بعض البريطانيين، رأوا في السودان صفحة بيضاء يمكن أن يخطوا عليها التجارب التي يريدون.ولكن حسب (بيتر وودوارد):"...الامبريالية خلقت دولة بمعني جهاز حكومي،ولكنها جعلتها أيضا أقل من دولة لأنها مستعمرة،أي تابعة بشكل كلي لسلطة أخرى- وفي نفس الوقت هي ليست دولة/ امة بأي معنى،والتي تعني في مفهومها الفضفاض،الدولة الأكثر تطورية وبالتالي الأكثر مقبولية..بدلا من ذلك هي دولة مفروضة واجنبية،ونسبيا هي بناء تم بطريقة فجائية..بناء مصطنع في أساسه،علي الأقل من وجهة نظر المجتمع المحلي".(كتاب:السودان- الدولة المضطربة 1898-1989.ترجمة محمد علي جادين،جامعة أم درمان الأهلية،2002:12(.
يسمي(محمد المكي إبراهيم)في تصنيفه لاجيال تلك الفترة:المهزمون،ورثة الهزيمة،واحفاد الهزيمة.ولكن الهزيمة العسكرية تركت أثريين حضاريين أو ثقافيين هامين الأول أنها وضعت:"نهاية مفاجئة للتأثير المهدوي علي الثقافة السودانية، ذلك التأثير الذي يبدو كأنما وقف قبل الأوان،،وقبل أن تتبلور انجازاته في شكل حضاري متميز السمات". أما الأثر الآخر الهام:" هو انفتاح أبواب السودان للحضارة الغربية والحماس الذي قوبلت به من أنصارها وأعدائها في جيل المهدويين المهزومين،ولكن الأثر الباقي والأهم هو الانبهار الذي هبط علي الجماهير السودانية".( الفكر السوداني أصوله وتطوره.الخرطوم،1989:40).
كانت هذه بداية المعركة بين الحداثة أو بالأصح التحديث مع التقليدية والمحافظة،والتي لم تتوقف حتي اليوم.وهي بلغة اجتماعية-اقتصادية ،قد أخذت في السودان شكل الصراع بين نخبة الافندية أو المصطلح السياسي لها :القوى الحديثة؛مقابل الطائفية،رجال الدين،والإدارة الأهلية، وسكان الريف،والبدو، أوالقوى التقليدية.وهي صورة تكررت في العالم العربي في شكل الصراع بين العلماء أو الفقهاء والافندية.وقد تعثرت كل محاولات دمج المؤسسة الدينية ضمن القوى الحديثة،لفك الاشتباك.فقد تعثرت دعوات الإصلاح الديني،وأخيرا خطوات تجديد الخطاب الديني. وفي هذا السياق يمكن فهم فلسفة الاستاذ(عبدالرحمن علي طه)التربويةومواقفه من التعليم.فقد رأي في تربية حديثه،وتعليم متطور في مناهجة،وطرائقه،وأغراضه.وكان مثل هذا التعليم يمثل قطيعة مع تعليم الخلوة التقليدي القائم علي الحفظ والتلقين والعقوبة(ليك اللحم ولينا العضم).وكان التحدي الذي واجه الاستاذ كيف يلج عالم الحداثة دون أن يكون ذلك علي حساب التقاليد والعادات والتي صارت في أحوال كثيرة مترادفة مع العقيدة والأخلاق؟كانت هذه مقاربة فلسفته التربوية،وسبب ميله للريف وتجربة بخت الرضا.وقد كانت تجربة بكرا منحته القدرة علي الحركة والتجريب والحرية.وقد وقاه هذا الاختيار شرور الدوقمائية والتعصب والجمود والتقليد الأعمي،فكسب نفسه في النهاية.فقد كانت بالفعل كما يقول عنوان مقال لأحد أبنائها المخلصين د.محمد خير عثمان:"بخت الرضا..تربية بلا حدود".وهي فعلا بلا حدود:لا حدود بين النظرية والتطبيق،أو بين الفكرة والممارسة أو بين القناعة والسلوك..لاحدود بين المدرسة والمجتمع ،لا حدود بين التربية المؤقتة والتربية المستمرة،أو التربية المبرمجة والمخططة مقابل التربية العفوية والتلقائية". ويكتب في مناسبة أخرى، أن بخت الرضا ليست تربية رافضة بل كانت تجربة توفيقية.رغم أنها رفضت طرق الخلوة من حيث التركيز علي الحفظ والتلقين والاستظهار بينما انطلقت بخت الرضا من شعار التعليم بالعمل والخبرة والتحليل والاستنباط.ويقول بأن بخت الرضا لم تكن لها نظرية تربوية بالمعنى الضيق لهذا المصطلح وإنما كانت لها "توجهات تربوية" تقوم علي مبدأ واقعي، وكانت البيئة الريفية السودانية هي مرجعيتها.(محاضرة في عيد الاستقلال قدمه في النادي السوداني بمسقط،يناير1994).وهو يقصد لم يكن لها نمودجا ثابتا تقلده،لأن هذه التوجهات التي ذكرها تمثل في حد ذاتها نظرية متكاملة.
يشير الاستاذ في ورقة علمية قدمها لجامعة كولمبيا بنيويورك عام1949 إلي فلسفته التربوية التي تفتح الامكانيات لانتاج النفوس العظيمة والقادة الحكماء،يقول:" أنن ندرك أن شعبنا يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلي قادة حكماء يتحلون بالنزاهة والشجاعة.أننا لا نقدر علي اقامة نظام لانتاج النفوس العظيمة.ولكن بإمكاننا ابتداع نظام يتيح للعظمة الظهور ويشجعها علي ذلك، ولا يكبلها بالضيق المميت منهج سيء الإعداد.هل أنا علي حق؟ أم هل يجب أن نتوسع في انتشار التعليم بالرغم من ان فقرنا سيجعل هذا التوسع ضئيلا؟ هل يجب تحريك الخط الوسط بين الكم والكيف في اتجاه الكم أكثر مما اقترحه أنا؟"(أوراق...ص54).
كان(قريفث)و الاستاذ منفتحين علي تجارب العالم التربوبة بوعى وانتقائية عملية ونقدية.ففي رد ل(قريفث) علي بعض النقد الخاص بأنهم نقلوا تجارب الآخرين،يقول:"لم لا نقتبس من غيرنا ونوفر المال الذي ننفقه علي التجارب ليصرف علي زيادة عدد المدارس؟ونحن نأخذ المادة والطرقة من غيرنا ونستفيد من خبرتهم وأبحاثهم في علم النفس واختبار الذكاء وطرق التدريس وفروع المعرفة المختلفة والأفكار الجديدة.وهذا شئ طبيعي لأن المبادئ التربوية عالمية تصلح لكل زمان ومكان".واضاف انه ما من أمة تريد تنشئة جيل قوي وثاب تنقل ما عند الآخرين من فنون التربية بلا وعى متجاهلة اختلاف المحيط الطبيعي والاجتماعي،فاختلاف ظروف كل قطر يجعل الاختلاف علي التفاصيل أمرا لابد منه.(فدوى...،ص124).وهذه فكرة الاصل والعصر او التراث والمعاصرة، تأتينا من خواجة وعمليا.وهذا ما قاله الاستاذ في خطاب لوزير التربية والتعليم(حسن عوض الله) ردا علي دعوة للمشاركة في مؤتمر لتطوير المناهج:" وما من شك أن إعادة النظر في مناهج الدراسة من حين لآخر،تأخذ به جميع الدول وخاصة الناشئة منها، فهي لا تدخر وسعا في الانتساب للمؤتمرات العالمية، وفي زيارة الأقطار الأخرى للتعرف علي مناهج الدراسة المستعملة في مدارسها، والوقوف علي كل ما يمت بصلة لتطبيق تلك المناهج كطرق التدريس،والكتب المقررة لكل مادة، والكتب المعدة للتلاميذ، والاهتمام بتخريج المدرسين والعناية بأمرهم بعد التخرج في متلبعة نشاطهم بالفرق التجديدية".(أوراق..،ص188).وفي نفس الخطاب يذكره "أن العلم لا يعرف وطنا".
طرح الاستاذ الموجهات العامة لنظريته التربوية ، وهي كما قال عنها:"الاهداف والأغراض التي ترمي لتحقيقها مناهج التعليم الأولي هي نفس الأغراض والأهداف العالمية الثابتة".وقد لخصها فيما يلي:-
1- استعمال الفكر وترك الاستظهار الذي يميت العقل والقلب معا.
2- التربية الخُلقية بطريقة عملية.
3- التربية الوطنية بطريقة عملية.
4- الاستفادة من علم النفس في تطبيق الأصول المتقدمة بالطرق التي تتمشي مع ميول الطفل وغرائزه: التفسير القصصي،التمثيل،الزيارات الفعلية، تدوين الملاحظات...الخ.
5- ومن ثم إثارة الاهتمام بالدرس والتحصيل.(المصدر السابق،ص189).
نلاحظ تكرار وتأكيد مقولة"طريقة عملية" ويقصد بها العلم النافع.وكان الرسول الكريم يقول دائما أنه يخشي علي أمته من علم لا ينفع أو من عالم يضلها بعلمه.ومن هنا جاء اختلاف الاستاذ عن "الحداثيين"المرتكزين علي الإيديولوجيات والتنظير المجرد،وفي نفس الوقت – طبعا - مع المحافظين والتقليديين الحريصين علي استمرار الأمر الواقع مخلدا.فقد تميز الاستاذ علي كثير من اليساريين والشيوعيين والتقدميين ،الداعين للتغيير بل الثورة.فقد ظل هؤلاء مدينيين أو حضرين،ميالين لحياة البورجوازية الصغيرة في المدن رغم الشعارات التي تعلن الإنحياز للطبقات الكادحة.ولكنهم اهتموا بالنواحي التنظيمية مثل تكوين الاتحادات والنقابات.وهو هدف مطلوب في عملية التغيير،ولكنها غالبا ما تركز علي النضال السياسوي والمطلبي.وقد قام الاستاذ "الليبرالي"بمهام أصحاب الإيديولولوجيات الكبري حين اهتم بحملات محو الامية،وتعليم الكبار"كل واحد يعلم واحد"،وبالتعليم المرتبط بالعمل الزراعي،وتحسين أحوال الريف. فقد أراد "مركسة" الواقع، فالماركسية الحقيقية هي دراسة الواقع الفعلي،وفهمه جيدا، ثم الخروج بقوانين اجتماعية نابعة منه نفسه وليس من أذهاننا.وهذا ما فعله الاستاذ متفوقا علي اليساريين والتقدميين والذين عكسوا الأمر تماما.فقد حاولوا إدخال الواقع في الإيديولوجيا الجاهزة مكتفين بكبسولة المراحل التاريخية الخمس لتحليل التاريخ والمجتمع. فحملة محو الامية كان الأجدر أن يتبناها اليساريون والتقدميون في الخمسينيات والستينيات، ولكنهم كانوا مشغولين بنظريات الصراع الطبقي، والمجادلة حول وضعية البورجوازية الصغيرة والكبيرة.مثل هذه الحملة كانت ستقف سدا منيعا أمام الفكر الظلامي في الريف ،وبالتالي استحالة أن تفرض نخبة إسلاموية مشروعها المتخلف.وقد كان (عبدالرحمن علي طه)يستخدم بعفوية نفس لغتنا التي نستعرض بها تقدميتنا، ونستخدمها بتقعر وافتعال.ففي حديث له عن التدريب الخلقي،يقول:" لم يكن من الصعب التفكير في أنشطة في مدارسنا تتيح فرصا لتطور الشخصية،وإن كان ابتكار هذه الانشطة يبدو صعبا أحيانا.وقد مضي بعض الوقت قبل أن ندرك الصفات الأخلاقية اللازمة إذا كان لبلادنا أن تصبح حديثة وديمقراطية."(أوراق...ص57).
تفوق الاستاذ علي الفكر والتنظيم الإسلامويين في السودان، واللذان اختلفا حول أولوية السلطة أم التربية سابقة عليها في تغيير المجتمع؟فقد كانت نظريته قائمة علي التربية أولا مع التركيز علي التدريب الخلقي.وقد إنحاز الاسلامويون للسلطة أولا ثم تقوم هي بفرض التربية والأخلاق التي تقررها سياسيا.وكان(الترابي)يزجر من يقول بأولوية التربية:" كذلك لا مجال في سيلق دين التوحيد للمراء البعيد في خيار تقديم التربية الأخلاقية الاجتماعية بسياسة الدعوة أو الإصلاح التنفيذي المباشر بقوة السلطان،متي تمكنت منها حركة الإسلام.أما أكثر الذين ينادون بالتربية دون القانون بحجة التمهيد والتوفيق فانما يريدون تجريد حافز القرآن من الاستنصار بوازع السلطان وعزل الدين عن الحكم،ولا خير في تربية مزعومة تعطل الحكم بما أنزل الله".(كتاب:نظرات في الفقه السياسي.الناشر الشركة العالمية لخدمات الإعلام(بدون تاريخ )ص56).وكانت النتيجة أنهم أقاموا سلطة ثيوقراطية شمولية، فاغرقوا البلاد في الفساد والضلالة والانحلال:دولة اضاعت الأخلاق والتربية ومعهما الدين،رغم الارهاب والقطع من خلاف وجلد الفتيات في الاماكن العامة.وبقي لنا مشروع دولة بلا أخلاق ولا دين، وفيها يمكن التحلل من كل شئ مع سيادة فقه الضرورة.
من ناحية أخرى، أجمع الأفندية باختلاف إيديولوجياتهم علي رفض ارتباط التعليم الأولي بالريف والقرية، من منطلقات متباينة.بينما كان مؤسسو بخت الرضا يؤمنون بأن المدرسين يجب أن يتدربوا في وسط ريفي يبعث فيهم الاهتمام بالحياة الريفية وهي الحياة التي تحياها الأغلبية العظمى من سكان السودان.(فيصل عبدالرحمن،أوراق...،ص22).ومن جملة النقد الموجه لبخت الرضا أن إنشاء المعهد علي أسس ريفية بحتة لا ينظر الي المستقبل الذي يمكن أن يتطور إليه السودان وبعضهم قال بلغة أخري أن الاتجاه الريفي هو فخ استعماري يصرف السودان عن الاتجاه نحو الصناعة! ورأي رجال المعهد العلمي أن بخت الرضا تريد القضاء علي الخلاوي.(فدوى...،ص125).وقد تعرض المعلم(جوليوس نايريري)في تنزانيا لنفس المحنة،فكتب :" ولمّا كان الريف هو مجتمع الناس حيث يعيشون ويعملون، فإنه يتحتم علينا بترقية الحياة فيه ولكن هذا لا يعني أنه لن تقوم لنا صناعات في المستقبل القريب، ففي تنزانيا اليوم بعض الصناعات وسوف تشهد هذه الصناعات مزيدا من التوسع في المستقبل.ولكننا نجافي الواقع كثيرا لو خيل لنا أن أكثر من نسبة ضئيلة من المواطنين ستعيش في مدن تتوافر لهم فيها فرص العمل في منشئات صناعية حديثة.ومن هنا يتحتم علينا أن نجعل من القرى مواقع أفضل للحياة، تتهيأ فيها للجماهير الفرص لتحقيق ما تنشده من رفاهية وهناء".(التربية من أجل الاعتماد علي النفس.ترجمة علي النصري حمزة.الخرطوم،دار نشر جامعة الخرطوم،1978:17).فقد كان يري في الاهتمام بالريف أساس أي تنمية حقيقية في الدول حديثة الاستقلال،ولذلك طالب بأن يكون التعليم ريفيا وحديثا واشتراكيا في آن واحد.
ويورد أحد التربويين ملاحظة هامة ذات مدلولات عدة حين يكتب :" وعلي الرغم من أن أغلب الطلاب كانوا من بيئة ريفية مجاورة،فإنه لم يكن من اليسير ادخال وتعميم أهداف التربية الريفية.ذلك لأن معظم المدرسين السودانيين لم يكونوا ميالين للحياة الريفية،وذلك فضلا عن أن الرأي العام السوداني لم يحبذ اتجاه التعليم في هذا المنحى"(محمد عمر بشير ص200).ومرة أخرى يكتب(نايريري)عن هذه الظاهرة بصورة أعمق،مذكرا بأن:" تلاميذنا إنما يتعلمون الاستخفاف حتي علي آبائهم بدعوى أنهم جهلاء وغير عصريين وما ذلك إلا لأن نظامنا التعليمي الراهن يخلو مما يمكن أن يوحي للتلاميذ بأنهم يستطيعون أن يتعلموا من كبارهم شيئا ذا أهمية في الزراعة.ولهذا فإن هؤلاء الصغار يتشربون من ذويهم قبل أن يذهبوا للمدرسة معتقدات السحر ولا يتعلمون منهم خواص الاعشاب المحلية.ويتشربون التابو ولا يتعلمون طرق طهي الوجبات التقليدية ذات القيمة الغذائية،فإذا ما ذهبوا للمدرسة تعلموا فيها معارف عديمة الصلة بالحياة الزراعية- إنهم في الواقع، يتلقون أسوأ ما في النظامين".(مصدر سابق،ص25). ويقول(قريفث)في وداع الاستاذ(عثمان محجوب)الذي كلف بافتتاح فرع لمعهد التربية في الدلنج:"...ليس من الخدمة الفريدة في نوعها التي اسداها عثمان أفندي محجوب-هي تدريب أجيال طريقة الحساب(في إمكان آخرين أن يفعلوا ذلك)ولكن هي شغفه بالزراعة وبالحياة الريفية في وقت كان كل المدرسين تقريبا بلا استثناء منغمسين في العمل داخل الفصول،ومشغولين بمسرات المدينة".(فدوى،ص134).
كان(قريفث) يعرف صديقه جيدا، ويقرأ دواخله،ويعطيه قيمته الحقيقية،لذلك أدرك كيف يفكر الاستاذ.فكتب في وداعه:" وإذا كان لابد من اختيار شيء بارز في مساهمته فأني أحسب أن الفترة التي كانت فيها مسألة الحرية في المدرسة مضطربة من حيث تفهم النظام والسلوك،فإن عبدالرحمن افندي استطاع- بفكر ثاقب يحسن التوازن-أن يؤثر بشكل ملحوظ في أجيال متتالية من مدرسي المدارس الأولية في طور خطير من تدريبهم وبدء حياتهم العملية،وسيزداد تقديرنا لكل ذلك بمرور الزمن حين يضطلع هؤلاء المدرسون بمراكز ذات مسؤولية".(فدوى...،مصدر سابق،ص13).وهنا التقط الفكرة المفتاحية في فلسفة الأستاذ: مسألة الحرية.ثم أدرك الأستاذ التناقض الجوهري بين الحرية والجهل. ولذلك علق( الوزير عبدالرحمن علي طه)-بذكاء وحكمة نادرين- عندما هم بقص الشريط التقليدي في افتتاح مدرسة (خورطقت)الثانوية في 28 يناير 1950، لوح بالمقص ثم قال:" اليوم أقص رقبة الجهل في غرب السودان".(أوراق...،ص91)وهو سعيد فقد أكرمه القدر ولم يعش حتي يري الجهل والتعصب وهو يقص رقاب أهل غرب السودان.
(نواصل)
[email protected]
ملحوظة:
لم أقصد في المقال السابق التقليل من قيمة ابداع خليل فرح وتوفيق صالح جبريل الذي لا أمل سماع رائعته كل لتبعدني عن أي ضجر غادر.ولكن أفرق بين مستويين:بين إبداع رائع جماليا وفنيا(استطيقيا) فقط،وبين أن تتحول المعاني التي يخلقها الابداع إلي نمط حياة وثقافة قعدات ورؤية.وقد أضر هذا النمط ومازال يضر بمبدعي السودان ويقضي عليهم فيزيقييا أو روحيا- مبكرا.وقد كان (توفيق)نفسه أبرز هؤلاء الضحايا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.