الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ارتفاع الدولار.. القصة الكاملة لمعاناة الجنيه..؟!!!.. سمسار دولار: الحكومة عارفة كل شيء لكنها لا تسطيع إصلاح شيء .. مؤسسات الدولة تشتري الدولار من التجار
نشر في الراكوبة يوم 29 - 09 - 2015

المتتبع لمسيرة الجنيه السوداني يجده يخرج يومياً من غرفة عناية إلى عناية أخرى مكثفة، وفشلت كل محاولات أطباء الاقتصاد في إيجاد وصفة لاستئصال الداء من جذورة، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي لشعب ظل يعاني من كل شيء. وظلت سياسات إنقاذ الجنيه التي تبذلها الجهات ذات الصلة تتسبب في أمراض أخرى بالإضافة إلى المرض الحقيقي المتمثل في تضخم الاقتصاد وارتفاع الأسعار إلى مدى لا يعلمه إلا الله.
إذا ما هي الخفايا والأسرار التي تتسبب في هبوط العملة المحلية (الجنيه) مقابل الدولار في السوق الموازي والسوق الحر، ولماذا يهلل القائمين على أمر الدولة بحضور الودائع الخليجية لتسهم في ارتفاع سعر العملة المحلي؟، وكيف لتصريحات إعلامية فقط أن تتسبب في ارتفاع سعر الدولار، وهم ديناصورات الدولار الذين يعبثون حتى (بقدرة فول) المواطن المسكين، وهل ما يقوم به الأمن الاقتصادي وحده يكفي لمحاربة هؤلاء.. كل هذه الاستفهامات وضعتها (الصيحة)، في محل التقصي، والتحقيق مع الخبراء المعنين، فهذه الأيام بلغ الدولار الأمريكي قمة لم يبلغها من قبل في السوق الأسود، حيث وصل بحسب استطلاع أجرته (الصيحة) وسط سماسرة العملة المنتشرين وسط السوق العربي بالخرطوم والذين يسبحون بعبارة (صرف صرف) ملوحين بمبالغ مالية على أيدهم أو يشيرون إليك بأطراف أصابعهم، مع عبارة صرف صرف، وعلمت (الصيحة) منهم أن سعر الجنيه مقابل الدولار بلغ (10,10) للشراء و(10) للبيع في سابقة انفخاض للجنيه لم يشهدها الاقتصاد السوداني من قبل.
مصطلح (الكلب)
انخفاض سعر العملة المحلية يبدو أنه أصاب مصطلح الجنيه بالضعف والهوان، وأصبح يكنى له عند العامية بلفظة (الكلب)، (جيب كلب، وداير منك كلبين) بمعنى أديني جنيه أو جنيهين، بالصدفة طلبت امرأة ذات وزن كبير من الكمساري أن يمدها (بفكة) خمسين جنيها، فقال لها(ابداً ما عندى فكة بقرة) اندهشت حينها وتوقعت أنه يقصد المرأة (ثمينة كالبقراء)، وليس ورقة الخمسين جنيها، وحتى المرأة نفسها لم تأخد في نفسها، ففهمت على الفور أن الكمساري يسمي الورقة فئة الخمسين جنيهاً بقرة.
فسألته بماذا تسمون الجنيه وهو أصغر وحدة، فقال أنه يسمي (كلب) فلما شرح لى الأمر قال إن البقرة يمكن أن تحل أزمات كبيرة، فسألته عن الجنيه الكلب؟ فأجاب قائلاً (الكلب لا يأتي إلا بثلاث (رغيفات) والثلاث لا تشبع الكلب.
فمن هنا قررت (الصيحة) أن تبحث عن الأسباب والمسببات التي جعلت الجنيه في مقام الكلب بعد أن كان الجنيه الواحد يساوي كذا دولار في الوقت القريب، وستحاول (الصيحة) في سلسلة من التحقيقات، أن تجاوب على المسببات مع الأكاديميين، وخبراء الاقتصاد، المسؤولين السابقين، وأن تتجول في أزقة السوق العربي لاستطلاع تجار وسماسرة العملة، ومعرفة النتائج التي حققها الأمن الاقتصادي في حربه على تجار العملة.
كان وصل (12) جنيهاً
فلنبدأ سلسلة التحقيقات من مقولة مشهورة أطلقها في بدايات الإنقاذ العميد صلاح كرار المشهور (بصلاح دولار)، والذي كان حينها رئيساً للقطاع الاقتصادي بالمؤتمر الوطني وهي عبارة (إن لم تأت الإنقاذ لوصل الدولار إلى 12 جنيهاً)، وحينها كان الدولار يساوي جنيهين فقط، بدأت مسيرة التدهور منذ ذلك الوقت إلى أن بلغ اليوم أكثر من (10) جنيهات، علماً بأن الجنيه نفسه تعرض إلى هجرة نحو الدينار بعد أن تم ضربه في عشرة، وعاد جنيهاً مرة أخرى مضروباً أيضاً في عشرة أخرى، وتبقى القيمة الحقيقية للجنيه السوادني الأن تساوي مائة جنيه قبل ربع قرن من الزمان.
خمسة وعشرين عاماً فشلت فيها لدولة في تأسيس نظم أو قاعدة اقتصادية منضبطة تحكم بها التوافق ما بين امكانيات البلد وقدراتها الاقتصادية وما بين الامكانيات والاحتياجات حتى لا يختل ميزان المدفوعات ومن ثم الحاجة إلى طباعة العملة والتي أدت بدورها إلى التضخم الحالي.
ثلاث مراحل للتدهور
من يصدق بأن الجنيه وقبل أن يتدهور كان يساوى (2) جنيه أسترليني و(3) دولارات أمريكية، وعشرة ريالات سعودية، ومنذ ذلك الوقت مرت الجنيه بثلاث مراحل للتدهور، كما وثقها الخبير الاقتصادي النعمان حسن فكانت المرحلة الأولى قبل إنقلاب مايو، والتي بدأت فيها نسبة الانخفاض ترتفع منذ ذلك الوقت، وذلك عقب قرار صادر عن وزير المالية حينها بدر الدين سليمان عندما ألغى الرقابة على النقد، وعمل بذلك على تعويم سعر العملة (بمعنى أن الجنيه هو الذي يحدد قيمته في السوق مقابل العملات الأخرى وليس سياسة الدولة)، وكان من المفترض أن يقابل ذلك القرار إرتفاع في مصادر الإيرادات، حتى تظهر القوة الحقيقية للجنيه بالحفاظ على قيمته.
المرحلة الثانية وصفها خبراء الاقتصاد بمرحلة (إعدام الجنيه أو ذبحه).
وشهد فيها الجنيه هبوطاً قياسياً في عهد الإنقاذ، وذلك عندما أعلن في تسعينيات القرن الماضي، وزير المالية عبد الرحيم حمدي عن سياسة التحرير الاقتصادي، وهي تعني رفع الرقابة عن السوق، ودخلت البلاد في مرحلة السوق الحر الذي فتح الباب واسعاً أمام الاستيراد للسلع الكمالية.
أما المرحلة الأخيرة فهي مرحلة انفصال الجنوب، التي أعقبت مرحلة انهيار المشروعات الزراعية وتدني الإنتاج الزراعي، والصناعي، وأعلنت حينها الدولة قرار رفع الدعم عن المحروقات، ليصل الجنيه مرحلة أن ينقل إلى البنوك بواسطة (شوالات خيش).
مضاربات الحكومة
فلنبدأ في هذه الحلقة بالمضاربات التي تحدث في سوق الدولار فتخفت حينها (الصيحة) للتعرف على كيف تمضي تجارة الدولار داخل مبنى برج البركة المشهور بتجارة الموبايل والأجهزة الإلكترونية، وبرج الدهب في وسط الخرطوم جنوب وشرق المسجد الكبير.
في مساء الاثنين الماضي أوقفت العربة بالقرب من مسجد الخرطوم الكبير فالتف حولها ثلاثة من الشباب الذين يصطفون على جنبات بداية شارع البلدية في انتظار زبائن العملة من الدولار والريال السعودي، فقلت لهم كم سعر الدولار اليوم يا شباب، فقال: أحدهم في العقد الثالث من عمره، أسمر اللون يرتدي نظارة داكنة من الصعب أن تتعرف على لون عينيه من خارج الفريم، فقال لي (كدي أطلع من الشارع) أوقفت العربة جانباً فدخل إلى العربة فقال: لي بائع أم مشترى قلت له مشترى قال لي (جداً) (بديك سعر كويس معاك)، داير قدر كم قلت له (200) دولار فقط فقال لي الدولار يساوي عشرة فاصل عشرة، ولو تأخرت إلى غدٍ لن تجد هذا السعر فالدولار في زيادة هذه الإيام.
قلت له أين الدولار، فقال لي موجود في المكتب، المعلم هناك نحن (سماسرة ساي)، نزلنا من العربة، فأخذني إلى مكتب داخل شقة في عمارة برج البركة، الشقة مفروشة في عدد من المكاتب، تبدوا كمكاتب سماسرة العربات في دلالة الصحافة، الكتب مكون من طقم كراسي جلوس وطربيزة، كبيرة مع كرسي متحرك، وخزنة قروش يمكن أن تحمل في باطنها جوالين عيش أو أكثر، وذلك لكبر حجمها.
سلمني مبلغ 200 دولار مقابل (2) مليون أي ألفي جنيه، وهو المبلغ الذي رست عليه المفاصلة، فحينها شعرت أن الشاب بإمكانه أن يتحدث أكثر بعد أن تأكد بأنني ليس من الأمن الاقتصادي، عرفت أنهم يميزون بين الأمن والزبائن، بحاسة أمنية غريبة، على كل استفاض الشاب معي في الحديث حول أسباب ارتفاع الدولار، وجدته ليس مجرد سمسار وإنما أقرب بكثير إلى كونه الخبير الاقتصادي وذلك عندما قال لي (ياخ معقولة في زول ما عارف أسباب ارتفاع الدولار في البلد دي)، قلت له أشرح لي كيف تبقى المضاربة في هذا السوق فقال (هم حوالى خمسة أو ستة تجار يتعاملون مع الحكومة نفسها وهي المسؤول الأول عن ارتفاع الدولار، ونحن مجرد سماسرة فقط نتحصل على مبالغ بسيطة لتجارة الدولار ونأخذ هامش فائدة قلت له من أي تتحصلون على الدولار فقال (المضاربات الكبيرة تتم مع المعلمين أنفسهم وهي في الغالب تكون فيها شركات ومؤسسات حكومية تطلب مبالغ كبيرة من التجار وهم يوفرونها بالإسعار التي تروق لهم أما نحن يستخدموننا فقط لجمع مبالغ على شالكة موظفين منظمات أو أمم متحدة وبعض المغتربين، وهي في الغالب لا تتعدي خلال اليوم حوالى عشرة آلاف دولار إلى عشرين ألف وهذا مبلغ بسيط مع التعاملات التي تتم هاتفياً ما بين المؤسسات والتجار الكبار باخصتار يا شيخنا (الحكومة عارفة كل شيء لكنها لا تسطيع إصلاح شيء..).
سؤال طيب كيف تتم المضاربة؟. فقال : المضاربة تتم كالآتي مجموعة من التجار يشترون كميات كبيرة من الدولارات التي لا تتوفر حتى لدى الحكومة، وبعد فترة وجيزة يتفقون على تحديد سعر جديد أن أرادوا تحقيق ارتفاع الأسعار أو انخفاضها.
انتهى حواري مع سمسار الدولار فقلت له أنا صحفي ومحتاج لتلك المعلومات في سلسلة تحقيقات عن الدولار.. فما رأيك؟ هل تستطيع أن تسمح لي بنشر اسمك كمصدر فقال (إنت جادي البلد دي هبايبها قايمة، الجماعة ديل أسي طلعوا من هنا تقول لي اسمك اكتب أي شيء إلا اسمي ده)، ضحكت وعرفت أن الأمن الاقتصادي عامل عمايلو في الجماعة، يواصل الليل بالنهار لأجل محاربة تجارة العملة.
على كل خرجت من المكتب السمسار وفي يدي ورقتين فقط من فئية الماية دولار موضوع عليها صورة جورج واشنطن، ودفعت مقابله هاتين الورقتين عملة ورقية فئة عشرة جنيهات، كنت أحملها في كيس، مضمدة بلستك قروش حتى لا تتبعر من كثرتها، فقلت في نفسي الفرق شاسع بين (جورج) والجنيه، وعبارة جورك لدى سماسرته، تعني الدولار.
حتى قدرة الفول
علاقة ارتفاع الدولار بقدرة الفول أصبحت معلومة حتى لدى الباعة المتجولين والذين أصبحوا يرفعون أسعار السلعة التي في أيديهم مجرد سماع أن الدولار ارتفع، فثبت جلياً أن عجلة الاقتصاد في السودان تسيرها أمور لا علاقة لها بميزان المدفوعات ولا المديونية ولا أسعار الصرف، وإنما مسائل أخرى تتعلق بمرابحات أو مضاربات في سوق العملة.
ولاحظت (الصيحة) أن وصول الدولار الى أكثر من عشرة جنيهات انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، ووصل هذا الارتفاع حتى (قدرة الفول)، وأعلنت شركة دال قبل يومين فقط من كتابة هذه السطور عن ارتفاع أسعار المشروبات الغازية بنسبة كبيرة، وارتفعت أسعار مشتقات الألبان المعلبة وحتى (كاسة الزبادي)، وكل ذلك له علاقة مباشرة بارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه.
هذه الحلقة ستجيب على مسببات ارتفاع الدولار مقابل الجنيه. وقصدت (الصيحة) عدداً من الأكاديميين وخبراء الاقتصاد وطرحت عليهم استفهاماً على شاكلة لماذا يرتفع الدولار مقابل الجنيه بطريقة غير منطقية؟. وما هي الآليات التي يمكن تطبيقها لحفظ توازن الجنيه أمام العملات الأجنبية؟
على كل حال، فإن نسبة التضخم بحسب إحصائيات وزارة المالية أنها بلغت (11%) بينما تشير الإحصائيات إلى أن النسبة الحقيقية أكبر من ذلك بكثير، لأن معدل التضخم بحسب علماء الاقتصاد يقاس بالارتفاع المتزايد لاسعار السلع اليومية.
ولاحظت (الصيحة) من خلال متابعتها لمعدلات التضخم في الشهور المالية وبحسب نشرة صادرة من الجهاز المركزي للإحصاء، أن معدل التضخم واصل الانخفاض للشهر الثامن على التوالي، وسجل لشهر أغسطس 2015، 11,31 مقارنة ب 14,1 لشهر يوليو الماضي 2015،ان نسبة تراجع بلغت 19,73%..
الدينار لا يبيض
"الدجاجة تبيض، ولكن الدينار لا يبض" هذه النظرية مقولة شهيرة استعان بها القذافي فى كتابه الأخضر وأراد، القذافى أن يوضح طريقته في حل أزمة الاقتصاد العالمي إلى جانب نظريات أخرى.
وتكمن رؤية القذافي باختصار شديد في أن الدينار الليبي لا يبيض إذا ما تركته في المنزل، وحث الشعبي الليبي أن يشتري دجاجة ويستثمر في بيضها لأن الدجاج يبيض وأن الدينار لا يبيض.
الفكرة ربما قصد من خلالها القذافي تشجيع الشعب الليبي على الإنتاج وعدم الاعتماد على ما يتقاضونه من رواتب حكومية. وهذه النظرية ربما أشبه بكثير للأوضاع الاقتصادية التي تعيشها البلاد، فقد تعطلت كافة أدوات الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعى، وهو من الأسباب المباشرة في تدني سعر العملة المحلية مقابل الدولار.نظرية الدينار لا بييض ربما يتفق معها كافة خبراء الاقتصاد أن لم يكن أغلبهم.
د. حسن عبد الحميد خبير اقتصادي وأستاذ بمعهدة الدراسات الإنمائية بجامعة الخرطوم، أعاد الاستفهام نفسه ل(الصيحة) قبل أن يجيب عليه بعبارة فيها شيء من الحسرة على الوضع الاقتصادي، (البمنع الدولار يرتفع شنو؟). عبد الحميد ألقى باللائمة على السياسات الاقتصادية التي طالت البلاد منذ مجيء الإنقاذ قبل أكثر من ربع قرن، وقال في حديثه ل(الصيحة) إنه يتوقع أن يصل الدولار إلى أقصى حد، وليس هناك ما يشير إلى احتمالية تحسن على المدى القريب، وحصر المسببات في أن خللاً هيكلياً أصاب الاقتصاد منذ وقت ليس بالقريب، واسترسل قائلاً (الخلل الهيكلي، وضعف الإنتاج وسياسات سعر الصرف، وشروط الاستثمار، جميعها تكالبت على الجنيه، وأردف قائلاً: (ليس من المعقول أن نفتح الباب لاستيراد جميع السلع وأشياء يمكن أن تصنع بالداخل)، ولم ينس عبد الحميد الحديث عن المقاطعة الأمريكية وانعكاساتها السالبة على التحويلات، وعدم الاستفادة من الدعم الخارجي والمساعدات الأخرى.
وأشار إلى أن استمرار الحرب في عدد من المناطق ساهم بقدر كبير في خروج مناطق الزراعة عن دائرة الإنتاج، علاوة على الإنفاق الأمني والعسكري الذي ظل يستنزف الميزانية العامة.
رزق اليوم باليوم
وحول الحلول المطلوبة لإنقاذ الجنيه من الضياع، طالب عبد الحميد بضرورة مراجعة إدارة العملية الاقتصادية في البلاد برمتها، مشيراً الى أن الأجهزة المعنية تعاني من أزمات كبيرة، سواء في بنك السودان، أو وزارة المالية، ودعا لوضع سياسات اقتصادية، تعمل على معالجة الخلل الواضح في الاقتصاد، وزاد( الخلل يبدو متمثلاً في الأشخاص الذين يديرون العملية في جوانبها التقنية والفنية.
ولفت إلى أن الإصلاح فيما يتعلق بالبناء المؤسسي يحتاج إلى عمل كثير مذكراً بأنه غير فاعل فيما يختص بإدارة الشأن العام، وتقديم الخدمات، خاصة وأن الأزمة متكاملة، ملاحظاً أن الأمور الاقتصادية تدار بسياسة (رزق اليوم باليوم)، وليس هناك تخطيط إستراتيجي، منادياً بعملية إصلاح جذري إن أراد الناس العودة بالجنيه لسيرته الأولى.
التضخم.. أنواع.. أسباب.. علاج
التضخم عبارة متداولة من قبل المواطن البسيط في مفردة الغلاء، ولكن الكثير من الناس لا يعرفون المعنى الحقيقي للتضخم، وإن كان هو الأزمة الحقيقية، التي يعاني منها المواطن بطريقة مباشرة في مأكله ومشربه ومسكنه، ويعرف علماء الاقتصاد التضخم بأنه الزيادة المتواصلة لأسعار السلع والخدمات بمعنى(عندما يذهب الفرد إلى السوق ليجد أن وزن أو عدد ما يشتريه اليوم من سلعة ما يقل عن وزن أو عدد ما كان يشتريه بالأمس بنفس المقدار من النقود، فهذا مؤشر خطير على تطور اقتصادي سلبي يلتهم قيمة النقود، ويجعلها تفقد قيمتها، بمعنى آخر أنك تذهب بأموال كثيرة لتأتي بأشياء تحمل على اليد فقط). هذا باختصار شديد تعريف الظاهرة الخطيرة المسماة بالتضخم، والتي يعرفها العامة باسم "الغلاء، وعن مسببات التضخم يشير خبراء الاقتصاد بأنه ليس له مسبب واحد بل أسباب عدة منها تضخم ناتج عن التكاليف وينشأ بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، المتمثلة في زيادة الرواتب والأجور، وآخر ناتج عن زيادة الطلب على النقد والذي يصاحبه زيادة عرض السلع والخدمات مما يعني ندرة السلع وارتفاع ثمنها، أما الأخير وهو الذي يعنى بتضخم تشوهات الاقتصاد حيث تكون الأسعار قابلة للارتفاع وغير قابلة للانخفاض كما في حالة الوضع الآن في البلاد، وتشير المقارنة أعلاه إلى أن كافة مسميات التضخم متجسدة تماماً في واقع الاقتصاد الحالي وإن بحث علماء الاقتصاد لمصطلح آخر لدخلت حالة السودان في هذا المصطلح الأمر الذي يشير الى أن الأزمة أزمة خلل هيكلي وليس خللاً طارئاً تتم معالجته بين يوم وليلة أو شهر وشهرين.
المعالجة تتم حين تتخذ الدول الرأسمالية ذات الاقتصاد القوي معدل الفائدة وسيلة للحد من التضخم، فتتعامل بمعدل الفائدة بالزيادة أو النقصان لكي تعالج التضخم، فعندما تكون هناك علامات تضخم بدأت في الظهور، فإن البنك المركزي يعمل على زيادة نسبة الفائدة، فيسحب الأموال من السوق ويوجهها إلى عملية ادخار أو استثمار (الادخار = الاستثمار)، فعندما تكون أسعار الفائدة عالية فإن الإغراء في الاستثمار سيرتفع لكبر الفائدة العائدة على المستثمر.
أما في دول كوضعية السودان فلا يمكن علاجه من دون زيادة الإنتاج على حساب الاستيراد، وتشجيع الاستثمار..
تشوهات في الاقتصاد
تشوهات الاقتصاد عبارة استخدمها الخبير الاقتصادي د. محمد الناير تشبيهاً لحالة التضخم والرقم الذي ضربه الدولار مقابل الجنيه المحلي وأشار الناير في حديثه ل(الصيحة) أن وصول الدولار لأكثر من عشرة جنيهات فيه فارق كبير ينم عن حدوث تشوهات في الاقتصاد إذا ما واصل الجنيه الانخفاض مشيراً الى أن الفارق كبير ما بين السعرين في السوق الموازي والسوق الأسود.
وأضاف الناير قائلاً (إن السوق الموازي أصبح يؤثر تأثيراً كبيراً على السلع والخدمات، ولكن إذا طرحنا ما هي الأسباب نجد أن الأسباب تكمن في حدوث مضاربة على الدولار وامتهان جهات كبيرة تجارة العملة غير المشروعة، وقال إن ذلك سيؤثر تأثيراً مباشراً على شرائج المجتمع في عيشهم وحياتهم.
وطالب الناير الجهات القائمة على محاربة تجارة العملة غير المشروعة بإنزال أقصى العقوبات، على المتلاعبين باقتصاد البلاد، مشيراً إلى أن هؤلاء يعملون على تدمير الاقتصاد الوطني. ويستحقون توقيع أقصى العقوبات مقابل ذلك.
الغريب في الأمر
هل يعقل بأن تساهم واقعة سياسية في ارتفاع الدولار، أو أن ينخفض الجنيه مقابل الدولار لمجرد شائعات دخول وديعة معينة إلى بنك السودان، أو يرتفع بصورة كبيرة مجرد اندلاع حرب ما بين الحكومة والتمرد في منطقة معينة.
كل تلك المسببات تستطيع أن ترفع سعر الدولار مقابل الجنيه الأمر الذي يشير إلى أن الاقتصاد لا يستند على إنتانج زراعي أو صناعي، وأصبح الاقتصاد قابلاً للتأثر بكل الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية، وحتى الرياضية، إنشاء فقط، وكل ذلك ينتج من خلال المضاربات التي تتحكم في السوق.
ويقول أحد تجار العملة الذين التقتهم (الصيحة) بالسوق العربي في جولتها الميدانية فضل حجب اسمه، إن الحالة المزاجية للتجار يمكن أن تسهم في ارتفاع الدولار، وشرح القصة كالآتي: (إن مجموعة من التجار يتفقون على شراء كميات كبيرة من الدولار ويرفضون بيعها لفترة من الزمن فتضطر مؤسسات الدولة المعنية بشراء واستيراد حاجياتها من الخارج الى شراء حاجتها من هؤلاء التجار أنفسهم بأسعار يحددونها وليس المؤسسات ليصبح هذا السعر هو السعر الجاري والمتداول وربما يقوم هؤلاء التجار بخفض السعر بعد التخلص من كميات كبيرة من دولاراتهم).
معلومة لابد منها
1 آخر معلومة فقط للمقارنة بوضعية الاقتصاد القومي مع أكبر خمس دول في العالم فتأتي المقارنة كالآتي كما تحصلت عليها من مواقع اقتصادية متخصصة فالناتج القومي لخمس دول بالترتيب 2014م هو: أمريكا 15.7 ترليون دولار- الصين 8.2 ترليون- اليابان 6 ترليونات- ألمانيا3.4 ترليون- فرنسا 2.6 ترليون (الترليون ألف بليون أو مليار).. ثم السودان 0.60 ترليون دولار- (أي 60 مليارا)- أي أن الناتج القومي الأمريكي أكبر من السودان ب261 ضعفاً أو النتاتج القومي السوداني يساوي 0.4% من الأمريكي أقل من نصف في المائة.
هذه المقارنة قصد منها فقط التنويه الى حجم الاقتصاد المحلي مقارنة بالعالمي ولا ننسى أننا مرتبطون بمنظمة تجارة دولية تطلب وضعية اقتصادية معينة للانضمام إليها لذا أن المقارنة لم تأت من فراغ. وليعلم القراء أن سعر الصرف هو الفرق ما بين الجنيه والعملة الأجنبية الدولار.
التيار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.