إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كيف تنجح الثورة..(2)الظروف مقابل المهارات
نشر في الراكوبة يوم 09 - 10 - 2015

مرًة أخرى..ما الذي يجعل حركات المقاومة المدنية اللاعنفيًة فعالة أكثر من العسكريًة؟ إذا نظرنا إلى التاريخ، سنجد الكثير من التفسيرات المختلفة...، معظمها تركز على الأوضاع الهيكلية و العوامل المكانيًة و الزًمانيًة و ظروفها المختلفة ، يركز المحللون عادةً على (1) في معسكر الخصم: مدى استعداده و جاهزيًته لاستخدام آلة القمع و العوامل المؤثرة في قوًته كالموارد المادية و البشرية و المعلومات ....، (2) ظروف معسكر المقاومة مثل مستويات التعليم و الدخل، واستخدام التكنولوجيا، ومجموعة عوامل متنوعة متعلقة بالسكان من النواحي الثقافية والاجتماعيًة و الدينيًة...و (3) الارتباطات التاريخية و الاقتصادية للمجتمع ، والنظام الاقتصادي، ومستوى الفساد، .. و(4) الظروف الدولية، ودور القوى الخارجية في التأثير على الطرفين.
كل هذه العوامل تركز على ظروف فرضت نفسها يمكننا أن ننظر إليها و نحللها.. ،لكن هنالك مجموعة من العوامل الأهم غالبا ما يتم التركيز عليها بصورة أقل تتمثل في المهارات و الإستراتيجية لحركة المقاومة..فبدلا من النظر إلى ما لا يمكن التحكم فيه يجب على المقاومة النظر إلى ما يمكنها التحكم به من خلال المهارات والخيارات، و هذه نقاط قوًة حاسمة .. ، دراسات الحالة (تجارب النجاح في مناطق أخرى) و البحث يساعدان في التغلب على الظروف الصعبة الهيكلية، وأيضا استغلال و الاستفادة من الفرص المتاحة في بيئة الصراع... ، فبدراستنا تجارب حركات المقاومة الناجحة يمكننا أن نقف على الاستراتيجيات التي استخدموها، والتكتيكات التي اختاروها..، وكيفية تسلسلها.. ، وأنواع الرسائل والاتصالات التي انتهجوها لتوحيد الناس معا، والتواصل مع الجهات الدولية الفاعلة و الأطراف المحايدة، وحتى على مستوى أنصار النظام....، لذلك منذ المقال السابق خصصنا جانباً كبيراً لدراسة الحالات..، ستلاحظون أنً حركات المقاومة المدنيًة التي نجحت في بلوغ أهدافها كثيرة ، و إن أردنا دراستها جميعاً سنجد أنًنا نحتاج لدراسة أكثر من 60 حالة مختلفة....، لذلك و بدءاً من المقال السابق نرفق حالتان على الأقل للدراسة حيث نكون قد درسنا قرابة ال10 حالات عندما ننتهي من هذا المبحث، و لتبسيط المسألة نظراً لضعف الانترنت في السودان، و حتى يستفيد الجميع سيكون تركيزنا على ثلاثة عوامل مشتركة ستلاحظونها بوضوح في جميع الحركات الناجحة و هى (1)الاتحاد (2) التخطيط و(3) الانضباط اللاعنفي.
الاتحاد:
بلوغ الوحدة يمثل أكبر التحديات التي تواجهنا و هي العقبة الكأداء التي أقعدتنا طويلاً..و ستكون التحدي الرئيسي الذي يواجهنا لذلك من المهم التحسب له ووضع إستراتيجية للعمل عليه..، نعترف للنظام بأنًه بارع جدا في التقسيم و التفتيت و شراء الذمم ، و تغذية الانقسامات بصورة مباشرة، أو عن طريق خلق أسباب الانقسامات بين الناس في محاولة لمنعهم من التوحد... ومع ذلك، حركات المقاومة المدنية النًاجحة تغلبت على هذه المشكلة ، كان سر نجاحها في تنويع المشاركة بالاعتماد على أنواع مختلفة من الناس... واستطاعت الاعتماد في بلوغ أهدافها على جلب فئات متنوعة من الناس معاً... الناس الذين تطغى عليهم الخلافات و تتعارض أولوياتهم..و لم يتم التواصل بينهم لفترات طويلة لأنه قد تم تقسيمهم ..هم أنفسهم من غيروا و أسقطوا أسوأ الديكتاتوريًات على مرً التًاريخ منها على سبيل المثال نظام مليسوفيتش في صربيا ، نظام بينوشيه في تشيلي و نظام الشًاه في إيران.
أحد الجوانب الرئيسية لبناء الوحدة يكون بالاستماع.. الأمر قد يبدو بسيطا، ولكن من المهم أن نتذكر .. في حركة المقاومة المدنية اللاعنفية تكون المشاركة طوعية... الناس يخرجون و يشاركون ليس لأننا نطالبهم أن يفعلوا ..، ولكن لأنهم يعتقدون أن مشاركتهم في حركة مهما كانت صغيرة تمثلهم، وهذا يعكس ما يحتاجون إليه و ما يؤمنون به...، لذلك الاستماع لما يهمً النًاس يجب أن يكون أولويًة في الصدارة...، تعلم مهارة الاستماع لمختلف الفئات لا بد منه للقيادات و الناشطين ...، فأنت تحتاج أن تستمع إلى وجهة نظر مختلف الفئات داخل المجتمع لمعرفة تطلعاتهم... مظالمهم على وجه الخصوص و بصفة عامًة..،ما الذي يمكنهم الاستغناء أو التنازل عنه؟ ماذا يأملون ؟ ما هي قيمهم؟.. إن علمنا الإجابة الصحيحة عندها يمكن أن نخطط لحملاتنا بناءاً على الواقع و نضمن أكبر مشاركة ممكنة ..(سأعود لذلك في مقال مخصص لمهارات الاستماع والتفاوض)....بعد الإدراك يمكننا أن نصيغ خطاب المقاومة و حملاتها التي تعبر عن تطلعاتهم و آمالهم و الجوانب الأساسية من حياتهم اليوميًة وقضاياهم الجوهريًة التي تمسهم و تكون أكثر إلحاحاً بالنسبة لهم من وجهة نظرهم الشخصيًة لا وجهة نظر فوقيُة أو نخبويًة قاصرة عن معرفة ما يحرك النًاس، و بالمناسبة هذا هو السبب الرئيسي و الإجابة على السؤال لماذا ظل النظام موجوداً رغم ضعفه البائن.. ، فالشارع يحتاج قيادة تعبر عنه فعلاً نابعة من معاناته و مشاكله..لذلك تحتاج الحركة أن تجمع المصالح المتنوعة، والمظالم، والتطلعات، والقيم، و تنسج الرؤى و التوجهات و التطلعات(vision, mission, and core value) ..و هذه ببساطة لا تتم إلا من خلال الاستماع لجميع أصحاب المصلحة على اختلافهم و فهم اهتمامات كل منهم و ما يعبر عنهم..
جانب آخر من جوانب بناء والحفاظ على الوحدة يكمن في ضرورة وجود هيكل القيادة داخل إطار صنع القرار حتًى يكتسب المشروعيًة.. لأن المقاومة حركة طوعيًة ( ومرة أخرى يخرج الناس لأنهم يعتقدون أن الحركة تستمع إليهم وتمثلهم و تعبر عنهم... ) عندما تكبر الحركة و تتنوع وتبدأ العمل على أساس قومي..، ستواجه بتحدي كيفية اتخاذ القرارات ، عندما يكون لدينا مجموعات محلية ، إقليمية ، و مجموعات أقليًات..و قوميًة... كيف تتفاعل؟ كيف تنفذ القرارات؟ من الذي يقرر ماذا؟ ..اتخاذ القرارات في هذه الحالة سيكون من الصعوبة بمكان لدرجة أنًه من الوارد أن يعصف بكل شئ....فالحركة تحتاج إلى اتخاذ قرار بالعمل لامركزياً حتًى تضمن استمراريتها عند اعتقال المؤسسين البارزين (تجربة صربيا)..، كيف يتم صنع قرارها... .. مثلاً في حالات و مستويات معينه نحتاج الدمج بين المركزية و اللامركزية ، قد تعني المركزية جانباً من الانضباط ، أو قد يكون من الحكمة التحول على مدار الصراع اعتمادا على الفرص المتاحة للحركة ومستوى القمع وعوامل أخرى....، لذلك تحتاج الحركة أن تمتلك المقدرة على الاتفاق بشأن معايير اختيار المؤسسين ثمً القيادات، و طريقة صنع القرار وهيكل القيادة بحيث تسمح لها بالحفاظ على الوحدة، التي تسمح للكل بالعمل معاً باستمرار، و يجب أن تكون مرنة بحيث تستوعب النمو والتوسع، وتتكيف مع الظروف المفروضة عليها..(هنالك الكثير حول هذا سأتحدث عنه في الفصل الثالث).
التخطيط:
توجد الكثير من الخيارات....ففي الأزمات المعقدة كما هو حالنا يكون من الصعب تحديد العوامل الأكثر أهمية ، و سنكون مضطرين لعدم النظر في العديد من الفرص المتاحة...أن نقرر عدم اختيار فرصة علينا تحمل تكلفة الفرصة البديلة ، و ما يترتب عن اتخاذ قرار بعدم الدخول في فرص متوفرة يمكن أن يكون خياراً يصعب التخلي عنه بنظر البعض...، لذلك تأتي أهمية التخطيط الاستراتيجي لأنًه يوفر طريقة واحدة، مجموعة متكاملة من الأدوات، إطار واحد لفهم الفرص و التحديات ، وأهمً من ذلك تبيان السبب و الحكمة و التأكد من أنً النًاس يتفهًمون هذا الأمر..
تبدأ عملية التخطيط بتحليل مفصل للظروف التي نعمل فيها... تحدثنا في البداية عن أنواع الظروف و المجموعات المختلفة من الناس، و معرفة الأشياء الدقيقة التي تحرك الناس للمشاركة..، هذه يجب التركيز عليها و التخطيط لها...، فعندما ننظر للنظام من الحكمة أن لا نتعامل معه على أساس أنًه كتلة واحدة...، نريد تحديد المجموعات التي يسهل تخليها عنه ، و تحديد نقاط ضعفه القاتلة من خلال تحليل ركائز الدعم نفسها و النخب المكونة لها و الأفراد ....، كذلك من المهم أن نطرح نفس الأسئلة على أنفسنا و نجيب و نحل المشكلات....، تحديد الأطراف المحتمل لعبهم دوراً مؤثراً و الاستماع لرأيهم و تحليله...و كذلك الأطراف المحايدة لتحديد أسباب حيادهم.. (سواء كانت الأطراف داخلية أو خارجية) .. كيف و من أين نكسب حلفاء جدد ، ما هي مصلحتهم، وكيف نلفت انتباههم..أو نطمئنهم بشأن مصالحهم التي بسببها دعموا عدونا..، الملاحظ هنا أنً التحليل الاستراتيجي لبيئة الصراع غالبا ما يخرج تهديدات معينة ولكن أيضا يخلق الكثير من الفرص و التحديات التي تساعد المقاومة على تحديد أولوياتها والتفكير استراتيجياً حول ما نريد القيام به وكيف سيكون تسلسل حملاتنا.
هناك نموذج بسيط عبارة عن مثلث مقسم على ثلاثة أجزاء... في الجزء العلوي رؤية الحركة التي تحدثنا عنها..،و هذا يحدد و يجيب على السؤال ما هي حركتنا بالاعتماد على القيم والتطلعات والآمال والتظلمات من مجموعة واسعة من الجمهور...
المستوى التالي هو مستوى الحملة.... الحملات مراحل رئيسية في مسيرة المقاومة لتحقيق أهداف وسيطة لذلك تصبح الحملة نقطة محورية للكثير من التكتيكات المختلفة اللاحقة..، يتم اختيار حملات عندما تقرر الحركة أن هدفاً محدداً يمكن تحقيقه من الحملة، ..لن يتم اختيار الحملة عشوائياً..تحديد الحملة و الهدف يكون على أساس التخطيط الاستراتيجي و العمل المدروس و ليس مجرد التخمين و التجربة و الخطأ..
في المستوى السفلي من المثلث منطقة التكتيكات ، عندما نفكر في تكتيكات المقاومة المدنية، الكثير من الناس يفكرون في المظاهرات و الاحتجاجات.. هذه هي الصورة التي تتبادر لأذهان غالبيًة الناس العاديين..، و هي نفس الصورة لدى وسائل الإعلام المستقلة للحديث عن حركات المقاومة المدنية... ، في حين أنً الاحتجاج هو في الحقيقة مجرد واحدة من مئات الأساليب المختلفة المتاحة لحركة المقاومة المدنية اللاعنفية، و أكثرها مخاطرة ، لدينا الدليل في هبًة سبتمبر..، الأمر الذي يقودنا للعديد من التساؤلات : إذا كان هناك مئات من الأساليب المتاحة، أي منها ينبغي أن نختار؟ على أي أساس؟ كيف سيكون تسلسل الأساليب التي حددنا اختيارها؟ كيف يتم عملها ؟ هل ستعمل بالتزامن أم التسلسل؟ على أي واحد سنركز..أي الفئات تستبعد و أيها تكون أساسيًة لأسلوب محدد؟ ... حتى الاحتجاجات نفسها يمكن أن تكون قصيرة، يمكن أن تستمر طويلاً.. ، من هم المستهدفون بالمشاركة فيها ؟..يمكن أن تحدث في يوم معين، يمكن أن تستهدف مجموعة معينة، وهكذا.. حتى ضمن التكتيك هناك الكثير من الأسئلة المختلفة حول كيفية أداء تكتيك محدًد ، بخلاف النظر في مجموعة أوسع من التكتيكات...
تساعد عملية التخطيط الاستراتيجي في توفير خطوط الدعم اللازمة لاستمرار المقاومة و تحديد منهج العمل..، عندما ننظر إلى المثلث، ونرى أن التكتيكات ضمن النموذج، فمن المفترض أنها تبرز عمل الحملات لوسائل الإعلام والتي من المفترض أن تعزز هذه الرؤية... الطريقة التي يعمل بها النموذج يجب تصميمها بحيث تساهم في دفع الحركة إلى الأمام وتحقيق أهدافها ورؤيتها.....
الالتزام بنهج اللاعنف:
إستراتيجية وخطط الحركة تكون أكثر فعالية بمراحل إذا تم عملها وتنفيذها بطريقة منضبطة، واحدة من أكبر المخاطر التي تهدد عمل المقاومة المدنية هى الانزلاق إلى العنف...، لماذا؟ ..العنف والمقاومة المدنية الناجحة لا يعملان معاً على الإطلاق...، واحدة من أهم العوامل في نجاح حركات المقاومة المدنية تتمثل في المشاركة واسعة النطاق و هذه لن تتحقق دون الانضباط بنهج اللاعنف، .. من البديهي و بمجرد ممارسة العنف ستنخفض المشاركة بشكل كبير جدا... عندما نتحدث عن المشاركة، فإننا نتحدث عن الناس من مختلف مناحي الحياة، الرجال والنساء، والشيوخ، والشباب، والناس في منتصف العمر، المرضى و ذوو الاحتياجات الخاصة..، من طبقات اجتماعية واقتصادية مختلفة...، عند استخدام العنف سنفقد مشاركة الغالبيًة التي تمتلك التأثير الحاسم على فرصة النجاح.
العنف أيضا يعني المزيد من القمع و التنكيل ضد الحركة.و يعطي مبررا لخلق عداء للحركة من أطراف محايدة..،كذلك بالتجربة ثبت أنً النظام سيجد الفرصة سانحة لممارسة التخريب و العنف و محاولة الصاقه بالمقاومة، و كذلك يقلل من التكلفة على الخصم...( خلال هبة سبتمبر قام مرتزقة النظام بحرق خرد البصات المتكدسة في مواقف الولاية و حرقوا طلمبات بنزين اويليبيا و خربوا الكثير من الممتلكات و اتهموا المتظاهرين بذلك ليجدوا مبرراً لقتل النًاس"الخطًة ب التي زعمها رئيس النظام").. واحدة من عناصر قوًة حركات المقاومة المدنية هو أنها تزيد من احتماليًة أن يعود القمع بنتائج عكسية على الخصم ..و فتح فرصة كبيرة لها لتسويق عنف الخصم لصالحها.. و تعزيز المشاركة... مما يعني فرض التكلفة الحقيقية على الخصم، لكن عندما تصبح الحركة عنيفة، ينظر إليها باعتبار أنًها تشكل تهديدا للسلامة الشخصية و العامة ، و هنا يكون حدوث نتائج عكسية على الخصم أقل احتمالا.
حين تكون المقاومة غير عنيفة، تكون أكثر حظا للفوز بحلفاء جدد وخلق تحولات في الولاء بين أطراف محايدة ..سيكون أنصار الخصم على وجه التحديد أكثر عرضة للانفضاض من حوله عندما تظل الحركة لاعنفية. ..أمًا عندما تمارس العنف فهذا يزيد من تماسك معسكر الخصم ... لماذا ؟ عندما تمارس الحركة العنف،فإنً أنصار الخصم يشعرون بالتهديد الذي لا يميز بينهم، ستزداد مخاوفهم بأنًهم أكثر عرضة للخطر، لذلك لا خيار آخر أمامهم سوى التوحد معا في محاولة لمواجهة هذا التهديد.
السؤال المهم.. كيف يتم تحقيق الانضباط غير العنيف؟ مجموعات مختلفة وبطرق مختلفة مغبونون و كل منهم لديه ثأر يريد أن يأخذ به..، لذلك مرًة أخرى.. التدريب جزء مهم جدا، حيث يتم التأكد من الأعضاء الرئيسيين في الحركة (أنشط المشاركين في البداية، ومن ثم المشاركين الآخرين)... التدريب حتًى يتسنى لهم فهم المنطق و الأساس المنطقي لعمل اللاعنف، يجب أن يفهموا دراسات الحالات التاريخية،ماذا عملت و كيف نجحت..و كيف أنً العنف يمثل تهديدا كبيرا (ليس العنف من قبل الخصم، ولكن العنف من قبل الحركة نفسها).
ثمً أنً اللجوء إلى العنف يحصر الخيارات التكتيكية. هناك الكثير من التكتيكات قوية جدا لا تحدث فيها مواجهات.. لا توجد فيها مخاطرة كبيرة مثل الاحتجاج العام و التظاهرات. .. فمثلاً التكتيكات اللامركزية مثل المقاطعة يكون من الصعب جدا على النظام قمعها بالعنف .. كما أنها تقلل من احتمالات أن تصبح الحركة نفسها عنيفة لأن التكتيك اللامركزي لا يعرض للمخاطر..، فمن يقاطع مؤسسة أو شركة أو متجر بعينه لا خطر عليه، و من يجلس في داره عاصياً لا خطر عليه..، ومن يتوقًف عن ممارسة عمله مضرباً لا يستطيع أحد إرغامه على العودة..، و من يجلس في ميدان عام معتصماً ليس كمن يتظاهر من حيث حجم المخاطر التي يواجهها..و هكذا.
جانب آخر مهم من جوانب بناء والحفاظ على الانضباط اللاعنفي ..منذ البداية ينبغي بناء ثقافة عامًة ضمن قواعد الحركة في كيفية اتخاذ القرارات، وكيف تتم الإجراءات، وكيف يحدث التخطيط...و لأنً المقاومة أمر طوعي.. في نهاية المطاف ، ليس هناك قيادة تستطيع السيطرة على كل شئ، فالناس لا ينفذون تعليمات عسكريًة.، لا يوجد زعيم يمكنه السيطرة على كل فرد في الحركة، إنًما أقرانهم الذين يكون تأثيرهم مهم جدا في إبقاء الناس في إطار إستراتيجية المقاومة دون اللجوء للعنف.
عدسة الحركة، أخلاقيات تنظيم المجتمع ، و إستراتيجية العمل
تحتاج حركة المقاومة المدنية لثلاث أمور أساسيًة تشمل الإستراتيجية الرئيسية و تقوم بإعدادها فرق القيادة ، وطريقة اتخاذ القرارات،و الالتزام بأخلاقيات اللاعنف، ورؤية الغد... لذلك من الضروري أن تمتلك الحركة عدسة تستطيع أن تنظر من خلالها للمستقبل، فالناس العاديون يرون جبلاً منتصباً يحول دون تحقيق أحلامهم، لكنهم لا يدركون أنً خلف هذا الجبل تقع أحلامهم و ما يفصلهم منها فقط اجتياز الجبل..، أمًا النشطاء و منظمي الحركة فهم أكثر إدراكاً لهذه الحقيقة، لذلك يحتاجون أن ينقلوا هذه الرؤية للناس، فعدسة الحركة تعني المستقبل و مساعدة الناس ليكونوا أكثر ادراكاً للهدف المشترك و الطريق إليه.
الأمر الثاني:أخلاقيًات تنظيم المجتمع غاية في الأهمية لحركة المقاومة الناجحة ..تمكين الآخرين من أسلحة النضال اللاعنفي، مما يخلق المزيد من الموارد، المزيد من المهارات، والمزيد من الأساليب التي يمكن استخدامها لبناء واستخدام القوة... لذلك، تنظيم المجتمع أمر ضروري والقيادة أمر ضروري لبناء القدرات القيادية، وهو أمر ضروري للبناء النهائي لمنظمات مجتمع مدني و مؤسسات ديمقراطيًة مستدامة تستطيع أن تسد الفراغ في السلطة و الحيلولة دون الفوضى المحتملة من جانب الجماعات الفوضويًة التي يوجدها النظام بعد استشعاره للسقوط الوشيك و بعد سقوطه..(سنخصص الفصل السادس و الأخير كاملاً للحديث عن هذا الأمر).
ثالثاً: إستراتيجية العمل.. الحملات هي الطريقة التي تبني الإستراتيجية و هذا يعني أنك تقوم بإنشاء طرق للناس ليسلكوها وصولاً للهدف... عدسة الحركة، أخلاقيًات تنظيم المجتمع، والحملات و الإجراءات هي مكونات أساسيًة في أي حركة مقاومة ناجحة... من المهم أن تبنى لها القواعد اللازمة لعملها.
الفيديو أدناه دراسة حالتان في غاية الأهميًة.. النصف الأول منه يتحدث عن مقاومة الدنماركيون للغزو النازي إبان الحرب العالميًة الثانية و كيف تمكنوا من تنظيم أنفسهم و تنفيذ اضرابات و الدخول في اعتصامات حتًى التحرر، أمًا النصف الثاني فهو الأهم و يتطابق في كثير من الأحيان مع واقعنا إذ يحكي عن المقاومة التشيليًة لنظام بينوشيه و كيف تضرر الثوار في البداية من الانزلاق للعنف، ثم كيف أنًهم تمكنوا من إسقاطه في النهاية عن طريق انتهاج اللاعنف، أيضاً يعطي دروس عن خطورة الخلط بين العنف و اللاعنف، كذلك يجيب على سؤال مهم: كيف يمكننا عدم تعريض حياة الناس للخطر و في نفس الوقت نقاوم النظام..أترككم مع الفيديو.
.
تطبيق عملي : إدراك طريقة عمل ركائز الدعم:
تحدثنا في المقال السابق عن ركائز الدعم...إذا علمنا بأنً "ركائز الدعم" الرئيسية هي: الجيش ، الخدمة المدنيًة ، النقابات و الاتحادات العمالية ،المؤسسات المالية، والمؤسسات الدينية والثقافية، النظام التعليمي ووسائل الإعلام والشرطة وقوات الأمن...، بالتفكير في بنية السلطة التي تؤثر في حياتك اليومية ، والمكان الذي تعمل فيه،و أسرتك.. هل تعتبر نفسك جزءا منها ؟ إذا كانت الإجابة بنعم..ما هو مدى تأثيرك في دعم النظام كفرد من أفراد ركيزتك؟ ماذا تتصور أن يحدث إن توقف 30% منكم عن المشاركة فيما تقدمه ركيزتك من دعم للنظام؟ ماذا إن توقف 50% منهم؟ و ما هو دورك أنت في حدوث ذلك؟الغرض من السؤال هو تحديد إجابتك التي تعكس مدى رؤية أو فهم الانتماء الخاص بك ، و تعميمه على باقي الركائز ، هذا أيضاً يساعد على كشف طبيعة العادات والأعراف وأنماط السلوك التي تحتاجها الحركات اللاعنفية من أجل الاستماع للناس و تحفيز التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ...، بالإمكان أن يعمل من يعرفون بعضهم خلال مجموعات سواء كانت على الأرض أو اسفيريًة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.