الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدكتور الجزولي دفع الله ومسئولية انفصال جنوب السودان
نشر في الراكوبة يوم 24 - 02 - 2016


1
أجرى الأستاذ أبوبكر صالح حميدي (صحيفة الصيحة) مقابلةً مع الدكتور الجزولي دفع الله رئيس وزراء حكومة انتفاضة أبريل عام 1985. وقد أعادتْ بعضُ الصحف الالكترونية، ومن بينها صحيفةُ الراكوبة، نشرَ المقابلة يومي الخميس 18 فبراير والجمعة 19 فبراير عام 2016. تناولتْ المقابلةُ عدّةَ موضوعاتٍ شملت الحوار الوطني، والوضع في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وعلاقة حكومة السودان بحكومة السيسي وبالأخوان المسلمين في مصر، وانفصال جنوب السودان.
2
عن انفصال جنوب السودان كان السؤالُ الرئيسي وردُّ الدكتور الجزولي دفع الله عليه كالآتي:
" كيف تنظر لعلاقة السودان مع دولة جنوب السودان؟
دعني أرجع للوراء قليلاً نحن لم نفعل ما ينبغي ليظل الجنوب في الوحدة، ومثلاً لما حدث الاستفتاء في اسكتلندا الإنجليز كلهم ذهبوا من سياسيين وقيادات رأي عام والتقوا بالناخب الإسكتلندي ولم يكتفوا بالنخب وطالبوهم بالاستمرار في الوحدة ومجلة "الأنوكومست" طلعت على غلافها شخصاً يبكي، وكتبت تحته "رجاءً لا تغادروا" ونحن قلنا للجنوبيين عايزين الانفصال هاكم اتفضلوا. يعني ما في سياسي واحد من الحكومة أو المعارضة مشى استقر في الجنوب ليرغبهم في البقاء مع الوحدة مع أنه حتى أصحاب الآيدولوجيات والأحزاب الأخرى أفضل لها تنفيذ أفكارها في السودان الكبير وليس المُجزأ. نعم هنالك ضغائن سببتها الحروب، لكن نقاط الالتقاء كثيرة حتى الآن اللغة المشتركة للجنوبيين هي عربي جوبا، وليست اللهجات المحلية أو الإنجليزية، وكل هذا كان يجب توظيفه لصالح الوحدة. أنا لا أستبعد تأثير مثقفي الجنوب على نتيجة الانفصال لأن لهم شكوكاً دائمة في الشمال، وهنالك أيضاً جهات خارجية كان من مصلحتها أن ينفصل الجنوب، ولعبت دوراً في ذلك باعتبار أن شمال السودان مسلم ويسعى لأسلمة الجنوب، وكذلك هنالك إسلاميون داخل الحركة الإسلامية يرون أن الجنوب عبء عليهم وإذا انفصل يستطيعون تطبيق مشروعهم الإسلامي دون ضغوط من أحد." (انتهى الاقتباس).
3
كنتُ قد افتتحتُ مقالي الذي قمتُ فيه بالرد على مقال الدكتور غازي العتباني عن انفصال جنوب السودان واستنساخ نيفاشا (27 مايو عام 2012) بالآتي: "من التوجيهات المبدئية والأولية التي يتلقّاها طلّاب دراسة علم التاريخ هي توخّي الحذر والحيطة في كتابات الأشخاص الذين هم طرفٌ في الأحداث موضوع المقال أو الكِتاب. فهؤلاء الكُتّاب قد يرتكبون واحداً أو أكثر من ثلاثة أخطاء هي: أولاً تضخيم دورهم الإيجابي، وثانياً عدم ذكر أيٍ من الأخطاء التي وقعت، أو التعرض لها بصورةٍ غير متكاملة، وثالثاً تقديم التبريرات غير السليمة أو الصحيحة للأخطاء، إذا تمّ التعرض لها."
وهذا ما حدث فعلاً في إفادات الدكتور الجزولي دفع الله في المقابلة آنفة الذكر. فقد تجاهل الدكتور الجزولي تجاهلاً تاماً ما قامت به حكومته من دور في تصعيد مشكلة الجنوب عندما كان رئيس الوزراء، وألقى بالمسئولية على المثقفين الجنوبيين والجهات الخارجية. ثم تحدّث عن الإسلاميين الذين "يرون أن الجنوب عبء عليهم وإذا انفصل يستطيعون تطبيق مشروعهم الإسلامي" دون الإشارة إلى دوره كإسلامي، ودور حكومته، خلال الفترة من أبريل عام 1985، وحتى أبريل عام 1986. ولا بدَّ من التذكير أن المطلبين الأساسيين لانتفاضة أبريل التي خرجتْ من رحمها حكومة الدكتور الجزولي دفع الله كانا إلغاء قوانين سبتمبر والحل السلمي لمشكلة الجنوب.
سوف نقوم في هذا المقال بتسليط الضوء على دور ومسئولية حكومة انتفاضة أبريل في تعقيد وتصعيد مشكلة جنوب السودان. وقد كان الدكتور الجزولي دفع الله (كما ذكّرنا أعلاه) رئيس وزراء تلك الحكومة، بينما ترأّس الفريق عبد الرحمن سوار الذهب المجلس العسكري الانتقالي الذي شغل منصب رأس الدولة خلال تلك الفترة.
4
بدأت الاتصالات بين الحكومة الجديدة الانتقالية التي ترأّسها الدكتور الجزولي دفع الله مع الدكتور جون قرنق بعد أسابيع قليلة من تشكيل الحكومة في شهر أبريل عام 1985. فقد كتب اللواء عثمان عبد الله وزير الدفاع في الحكومة الانتقالية في 27 مايو عام 1985 رسالةً إلى الدكتور جون قرنق خاطبه فيها بكلمتي "صديقي جون." وقد ابتدر الرسالة بقوله إنه يتوقّع أن يتفهّم الدكتور قرنق الدوافع الوطنية لكتابة تلك الرسالة له. وقد ذكّرتْ الرسالةُ الدكتور جون قرنق بالانقسامات التي تعاني منها البلاد وبالمعاناة التي يعيشها الشعب السوداني، وأوضحت أن انتفاضة أبريل التي أطاحت بالنظام الدكتاتوري لم تحقّق أهدافها بعد بسبب نزيف جروح الحرب في جنوب السودان. أضافت الرسالة أن البلاد كانت تتوقّع عودة الدكتور جون قرنق للسودان مباشرةً بعد نجاح الانتفاضة ليساهم في التحوّلات الجديدة في البلاد بعد سنوات الحرب والدمار، لأنها لا تعتقد أن الدكتور قرنق يحارب كمتمردٍ، بل من أجل تحقيق الوحدة الوطنية وتحسين أوضاع السودانيين في الشمال والجنوب. اختتم اللواء عثمان عبد الله الرسالة بعرضه مقابلة الدكتور قرنق في أيِّ مكان وزمان لمناقشة مسائل أمن واستقرار البلاد، موضّحاً أن ما يجمع الشعب السوداني في شطري البلاد هو أكثر مما يفرقهما.
5
يُلاحظ أن أول رسالة لدكتور قرنق من الحكومة الجديدة جاءت من وزير الدفاع، وليس من رئيس المجلس العسكري الانتقالي، أو حتى من رئيس الوزراء. كما أن الرسالة لم توضّح لدكتور جون قرنق إن كان اللواء عثمان عبد الله يتحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي أو مجلس الوزراء، وكانت الرسالة أشبه بمبادرةٍ شخصية بدلاً من أن تكون عرضاً رسمياً من الحكومة الجديدة. كما أن الرسالة لم تعرض أيَّ خطوطٍ عريضة لبرنامج الحكومة الجديدة لحل مشكلة الجنوب يمكن مناقشته خلال اللقاء الذي اقترحه اللواء عثمان عبد الله.
6
تلتْ تلك الرسالة بعد أقل من أسبوع رسالةٌ أخرى في الفاتح من يونيو عام 1985 من السيد رئيس الوزراء الدكتور الجزولي دفع الله إلى الدكتور جون قرنق. يبدو أن الغرض من الرسالة الثانية التي تمّ إرسالها قبل أن يصل الردّ على الرسالة الأولى من الدكتور قرنق هو معالجة الأخطاء والنواقص التي تضمّنتها الرسالة الأولى. وربما كانت تلك الرسالة انعكاساً للصراع بين المدنيين والعسكريين في الحكومة، أو محاولة لاختطاف الإسلاميين زمام المبادرة في التفاوض مع الحركة الشعبية.
تحدّثت الرسالة الثانية عن انتفاضة أبريل وكيف تدخّل الجيش السوداني في اللحظات الحرجة من الانتفاضة ليقف بجانب الشعب مما ساهم في نجاح الانتفاضة، وأوضحت أن من المهام العاجلة والملحّة للحكومة الجديدة هي حلُّ مشكلة الجنوب. تضمّنت الرسالة ما أسمته أفكاراً للنقاش وشملت عرضاً بالعودة إلى اتفاقية أديس أبابا للحكم الذاتي للجنوب لعام 1972، وأشارت إلى الخلافات الثقافية والعرقية واللغوية بين شطري البلاد، وفي درجة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وضرورة وضع برنامج تنمية متكامل للجنوب.
7
وكأن هذه العموميات ومحاولة بثّ الحياة في روح اتفاقية أديس أبابا لم تكن كافيةً لإثارة الدكتور قرنق، فقد مضت الرسالة لتقول إنه على الرغم من أن مشكلة الجنوب لم تبدأ بالقوانين الإسلامية، إلّا أن السيد رئيس الوزراء يُقدّر آثارها، ويعتقد أنه إذا تمّ الاتفاق على المسائل الأخرى فإن مسألة القوانين الإسلامية لن تكون حجر عثرة في طريق الاتفاق، وأنه يمكن الوصول إلى حلٍ لأن هذه القوانين هي موضع نقاش. الأسوأ من هذا أن السيد رئيس الوزراء ذكّر الدكتور جون قرنق أن الشعب في جنوب السودان يعاني من نقصٍ في المواد الغذائية، وأن أعداداً من المواطنين هناك يموتون من الجوع، وأنه من الضروري وقف القتال حتى يصل العون الإنساني إلى من يحتاجونه. في نهاية الرسالة أوضح السيد رئيس الوزراء أنه مستعد لإرسال وفدٍ لمقابلة الدكتور قرنق في أيِّ مكان لبدء حوارٍ جاد لأنه ستكون هناك مأساة إذا ضاعت هذه الظروف المواتية للحوار بسب الظنون السابقة والمواقف الجامدة.
8
من الواضح أن هذه الرسالة لم تكن موفّقةً البتّة. فقد واصلتْ الحديث عن مشكلة جنوب السودان وعرضتْ العودةَ إلى اتفاقية أديس أبابا بينما كانت الحركة الشعبية قد أعلنت برنامجها في يوليو عام 1983، أي قبل حوالي العامين من الرسالة، موضحةً أن المشكلة لم تعد مشكلة جنوب السودان، بل هي مشكلة السودان ككل. كما أن ميثاق الحركة الشعبية كان قد أعلن موت اتفاقية أديس أبابا، وإحلالها بالسودان الجديد. تعرّضت الرسالة إلى مسألة الدين والدولة بصورةٍ فيها الكثير من التقليل، إن لم نقل الاستخفاف، بالدور الذي لعبته مسألة الدين والدولة في مشكلة جنوب السودان، وكان هناك الكثير من التعميم والمراوغة في مواجهتها. كما أن إخطار دكتور قرنق بالمجاعة في الجنوب، والتضرّع إليه بوقف القتال حتى يصل العون الإنساني إلى شعب الجنوب، الذي يحارب الدكتور قرنق وجيشه من أجلهم، لا بد أن تكون قد أعطت الانطباع أن الحكومة في الخرطوم تحاول أن تبدو مهتمةً بأحوال المواطنين الجنوبيين أكثر من الحركة الشعبية لتحرير السودان التي قامت وتحارب من أجلهم. ولا بُدَّ أن دكتور قرنق قد قرأ هذه الفقرة من رسالة رئيس الوزراء كإهانةٍ شخصيةٍ له.
كان غريباً أن تأتي رسالة السيد رئيس الوزراء للدكتور قرنق بعد أربعة أيامٍ فقط من رسالة اللواء عثمان عبد الله وزير الدفاع. كما أن الرسالتين لا بد أن تكونا قد أثارتا السؤال عن لماذا لم تأتِ هذه الرسائل من الفريق سوار الذهب رئيس المجلس العسكري الانتقالي؟ كما يُلاحظ أن السيد رئيس الوزراء قد عرض إرسال وفدٍ لمقابلة الدكتور قرنق في أيِّ مكان لبدء حوارٍ جاد، بدلاً من أن يعرض عليه مقابلته هو شخصياً.
9
كان ردُّ الدكتور قرنق، كما هو متوقّع، حاداً وغاضباً، وكان تاريخ خطابه الفاتح من سبتمبر عام 1985، أي بعد ثلاثة أشهر من رسالة السيد رئيس الوزراء. أوضح رد الدكتور قرنق أن رسالة رئيس الوزراء وصلته في 25 يونيو، أي بعد قرابة الشهر من إرسالها، وأن الرسالة كان يجب دراستها قبل الرد عليها بواسطة مكتب القيادة السياسية والعسكرية العليا للحركة الشعبية التي أصدرتْ عدّة قرارات. لكنه ذكر أنه قبل التطرّق لهذه القرارات لا بد من توضيح وتصحيح الكثير من النقاط التي تمّ تشويشها أو لم تُؤخذ بجدية. أوضح ردّ الدكتور قرنق أنه على العكس من دعاية وادعاءات المجلس العسكري الانتقالي فإن الحركة الشعبية كانت دائماً تدعو للحوار. وانطلاقاً من هذه النقطة فقد شنّ الردُّ هجوماً عنيفاً على المجلس العسكري الانتقالي، ووصفه بأنه امتدادٌ لنظام نميري، واتهمه بتصعيد الحرب والدمار والموت في الجنوب في نفس الوقت الذي كان المجلس يتحدّث عن التفاوض. وأشار الرد إلى عدّة حوادث اعتداءات وقعت في الجنوب في الأسابيع التي سبقت رسالة السيد رئيس الوزراء. ذكّر ردُّ الدكتور قرنق أن جنرالات المجلس العسكري الانتقالي هم الذين أداروا الحرب في الجنوب وصعّدوها منذ عام 1983، ولا يمكن أن يقودوا السودان ويتحدثوا عن السلام. وطالب الردُّ بتسليم المجلس لصلاحياته إلى المدنيين الذين قادوا الانتفاضة على نظام نميري وحربه الغاشمة في جنوب البلاد.
طالب ردُّ الدكتور قرنق بضرورة أن تلتزم الحكومة السودانية علناً بمناقشة مشكلة السودان، وليس مشكلة جنوب السودان، في مؤتمرٍ وطنيٍ جامع يناقش نظام الحكم في الخرطوم وأقاليم السودان. لكن الدكتور قرنق اشترط الاستجابة لمجموعة من المطالب قبل عقد هذا المؤتمر منها رفع حالة الطوارئ، وإلغاء قوانين سبتمبر، واتفاقيتي الدفاع المشترك مع مصر وليبيا. اختتم الدكتور جون قرنق رسالته بتأكيده أن الحركة على استعداد لحضور هذا المؤتمر الوطني حال الاستجابة لهذه الشروط الثلاثة.
10
قام رئيس الوزراء الدكتور الجزولي دفع الله بالرد على رسالة الدكتور جون قرنق في 10 نوفمبر عام 1985، أي بعد أكثر من شهرين من تاريخ الرسالة، موضحاً أن المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء قد تمّ تشكيلهما بعد إجماعٍ عريض من القوى السياسية التي قادت الانتفاضة ووقّعت على الميثاق الوطني (التجمع الوطني لإنقاذ الوطن). أوضحت الرسالة استعداد الحكومة للنظر في مسألة رفع حالة الطوارئ قبل انعقاد المؤتمر. غير أن الرسالة تعثّرت وارتبكت في مطلب إلغاء قوانين سبتمبر. فقد أشارت الرسالة إلى أن هذا المطلب يمكن مناقشته في المؤتمر الوطني المقترح.
ويُلاحظ أن نفس هذا التعثّر والارتباك شملته رسالة السيد سر الختم الخليفة، رئيس وزراء حكومة أكتوبر الأولى، في ردِّه على رسالة حزب سانو بتاريخ 9 نوفمبر عام 1964، والتي طالبت بالنظام الفيدرالي. فقد أشارت رسالة السيد سر الختم الخليفة إلى أن هذه المسألة يجب أن تُترك لمؤتمر المائدة المستديرة.
لم يقم الدكتور قرنق بالرد على تلك الرسالة، وتوقّفت الاتصالات بعد ذلك بين الحكومة والحركة الشعبية. كان واضحاً أن المسافة التي تفصل الطرفين صارت كبيرة، والأمور العالقة معقّدة، والمواقف متباينة. وقد زاد من ذلك التعقيد والتياين صدور دستور السودان خلال فترة تبادل الرسائل.
11
في تلك الأثناء كان دستور السودان الانتقالي قد تمّ إعداده والموافقة عليه بواسطة مجلس الوزراء، ثم تمّ اعتماده بعد ذلك بواسطة المجلس العسكري الانتقالي. وقد وقّع كل أعضاء المجلس العسكري على الدستور في 10 أكتوبر عام 1985، ودخل الدستور حيز النفاذ في نفس ذلك اليوم. ولم يكن هناك أي دورٍ للتجمع الوطني في هذه المهمة.
وقد نصّت المادة 4 من الدستور على أن "الشريعة الإسلامية والعرف مصدران أساسيان للتشريع، والأحوال الشخصية لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم." وقد أكّدت تلك المادة ورسّخت بقاء قوانين سبتمبر التي كانت انتفاضة أبريل قد طالبت بإلغائها، وطالبت بإلغائها أيضاً رسالة الدكتور جون قرنق. وقد سَمّى الدستور في عدّة مواد الانتفاضة التي أطاحت بحكومة نميري "ثورة رجب" وليس "انتفاضة أبريل"، ليؤكّد التوجّه الإسلامي للحكومة الانتقالية.
12
كما نصّت المادة 16 من الدستور على الآتي: "يقوم نظام الحكم الذاتي الإقليمي في الإقليم الجنوبي على أساس السودان الموحّد وفقاً لقانون الحكم الذاتي الإقليمي للمديريات الجنوبية لسنة 1972م أو أيّة تعديلات يجيزها ثلثا أعضاء المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء في اجتماع مشترك، على أن يخضع أيُّ تعديل رغم تنفيذه، للاستفتاء المشار إليه في قانون الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي متى ما كان ذلك ممكنا."
وهكذا قرّرت حكومة الدكتور الجزولي دفع الله إعادة الحياة لاتفاقية أديس أبابا لعام 1972، من جانبٍ واحد. كان قرار إحياء اتفاقية أديس أبابا قراراً أحادياً من حكومة السودان، رفضته الحركة الشعبية صراحةً في رسالة الدكتور جون قرنق إلى السيد رئيس الوزراء التي أوضح فيها أن المشكلة هي مشكلة السودان وليست مشكلة جنوب السودان.
كما لا بُدّ من ملاحظة التعديل الخفي لاتفاقية أديس أبابا بواسطة الدستور الانتقالي. فبينما نصّت الاتفاقية بوضوح على أن تعديل الاتفاقية يحتاج إلى موافقة ثلثي مواطني الجنوب في استفتاء عام يُجرى في المديريات الجنوبية الثلاثة للسودان، أشار الدستور إلى عقد الاستفتاء "متى كان ذلك ممكناً." وهذا بالطبع يجعل من الاستفتاء أمراً تقديرياً تقرّر الحكومة وحدها إمكانية عقده أو عدم عقده، ولم يعد ضرورةً قانونية. ومن الواضح أن هذا تعديلٌ جوهريٌ لاتفاقية أديس أبابا، تمّ اعتماده بواسطة مجلس الوزراء والمجلس العسكري الانتقالي، ودون اتباع الإجراءات التي نصّت عليها الاتفاقية نفسها للقيام بمثل ذلك التعديل. وهذا مثالٌ آخر للاستخفاف بالاتفاقيات التي كانت تعقدها حكومات الخرطوم مع الحركات والتنظيمات الجنوبية، ثم تنقضها بسهولةٍ ودون تردّدٍ أو تحفّظ.
13
وقد أوضحتْ موادُ الدستور تلك، وطريقةُ وكيفية إعداده، هيمنةَ جبهة الميثاق الإسلامي على الحكومة والمجلس العسكري الانتقالي، وانتهاء، دور التجمّع الوطني الذي قاد انتفاضة أبريل.
كما أصبح واضحاً أن إصدار دستور عام 1985 في 10 أكتوبر من ذلك العام، متضمّناً تلك المواد عن الشريعة الإسلامية وقضية الجنوب، كان السبب الرئيسي لعدم ردِّ الدكتور قرنق على رسالة السيد رئيس الوزراء المؤرخة 10 نوفمبر عام 1985. فالدستور قد صدر، ووضعَ وأطّرَ أسسَ حكم البلاد، بما فيها جنوب السودان. وقد جعل الدستور من هذه الأسس الدستورية أمراً واقعاً، دون نقاشٍ أو اتفاقٍ مع الحركة الشعبية، فما الذي تبقّى للمؤتمر المقترح؟ كما يُلاحظ أن السيد رئيس الوزراء قام بالردِّ على رسالة الدكتور قرنق بعد شهرٍ من صدور الدستور، وبعد شهرين من تاريخ الرسالة. أي أن رئيس الوزراء قد انتظر صدور الدستور ثم قام بالرد على الدكتور قرنق بعد ذلك.
وكان الدكتور قرنق قد أدلى بعدّة تصريحاتٍ بعد توقّف الرسائل مع رئيس الوزراء أعلن فيها أن السيدين رئيس المجلس العسكري الانتقالي ورئيس الوزراء كليهما من اتباع جبهة الميثاق الإسلامي.
كما أن الحرب التي قامت انتفاضة أبريل من أجل إنهائها زادت استعاراً، ووصلت أصوات المدافع وطلقات البنادق وقصف الطائرات المدن الكبرى في جنوب السودان. وزاد الجفافُ الذي كان قد عمّ شرق أفريقيا الوضعَ الغذائي الهشّ في جنوب السودان سوءاً. وفَرَّ بسبب الحرب والجوع مئاتُ الآلف من أبناء وبنات وأطفال الجنوب إلى الدول المجاورة، وإلى شمال السودان. حدث ذلك الجوع والموت والفرار رغم عملية شريان الحياة التي موّلتها ونفذتها الدول الغربية، والتي ساهمتْ كثيراً في التخفيف من آثار ذلك الوضع الكارثي في جنوب السودان.
14
وهكذا بدّدت حكومة انتفاضة أبريل التي ترأسها الدكتور الجزولي دفع الله، في أقل من ثمانية أشهر، أحلام وآمال ومطالب انتفاضة أبريل بحلِّ مشكة جنوب السودان سلمياً. وتواصل سيرُ البلاد في بقية فترة الحكم المدني الثالثة في اتجاه انقلاب 30 يونيو عام 1989. وقد اكمل الانقلابُ مشوارَ انفصال جنوب السودان، وأوصله إلى نهايته الحتميّة. وهذا ما سنواصل توضيحه بالتفصيل والوثائق في الأسابيع القادمة.
[email protected]
www.salmanmasalman.org


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.