كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مكاء الترابي وتصديته..!ا
نشر في الراكوبة يوم 14 - 06 - 2011

لا غرو أن اهتمت الصحافة الورقية والإلكترونية بمحاضرة د. حسن الترابي بمركز شباب الدَّوحة، نهاية مايو/ أيار المنصرم، حول (ربيع الثورات العربية: المتطلبات والمأمول)، فالمحاضر هو الزعيم المطلق لأهم حركات الإسلام السياسي في السودان، وقد أمسك، طوال تسعينات القرن الماضي، بدفة السلطة في دولة "إسلامية" أقامها بقوة انقلاب 1989م، وأقصى منها خصومه، وقصر (الحرية) فيها على أتباعه، وأدار حرباً دينية ضد غير المسلمين في جنوب البلاد، قبل أن يقصيه تلاميذه عن سدة الحكم، ويكرروا اعتقاله إدارياً، حيث أفرج عنه، آخر مرة، أوائل مايو/ أيار المنصرم.
(1)
قرعت المحاضرة في الأذهان، ولا بُدَّ، ذكرى محاضرة أخرى سبق للترابي نفسه أن قدَّمها بالدَّوحة، عام 1981م، بعنوان (خواطر في الفقه السِّياسي لدولة إسلاميَّة معاصرة)، وقد تعهَّدتها دار (عالم العلانيَّة) بالخرطوم، لاحقاً، بالتنقيح والإضافة، لتخرجها بين دفتي كتاب، بنفس العنوان، عام 2000م. لكن، كما في غالب تناول الترابي لقضيَّة (الحرِّيَّة)، بلغت كلتا المحاضرتين نتيجة مختلفة باختلاف (الظروف).
فعلى أيَّام المحاضرة الأولى كان الزعيم الإسلاموي متحالفاً مع الدكتاتور نميري، ومدافعاً عن نظامه الشُّمولي، قبل أن تطيح به انتفاضة أبريل 1985م. لذا لم يكن أمامه سوى اتقاء حرج الفقه الذي يحتوش موقفه إزاء قضيَّة الحرِّيَّة بفقه مضاد، خصوصاً وأن بعض رموز الإسلام السِّياسي في المنطقة بدؤوا يصدرون عن موقف متقدِّم، كراشد الغنوشي الذي لخَّص الأمر بقوله إن "النضال من أجل (الحرِّيَّة) هو من جوهر النضال من أجل الإسلام، وإذا اعتبرت الحركة الإسلاميَّة أن (الحريَّة) ليست قضيَّة جوهريَّة فذلك سقوط رهيب! والذي أخشاه أن تكون (الحريَّة) قضية (ظرفيَّة) بالنسبة لنا، نطالب بها عندما يكون (الظرف) غير مناسب لنا. وهنا يكون السقوط الرهيب. إننا نطالب ب (الحريَّة) للإنسان أياً كان" (محاور إسلاميَّة، بيت المعرفة، الخرطوم 1989م، ص 143)؛ علماً بأن الغنوشي أطلق طرحه هذا، ابتداءً، مطلع الثمانينات، ضمن الموسم الثقافي لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم.
إذن، فقد تطلع الترابي، وقتها، إلى تقدير واسع ل (فقه الأحكام السُّلطانيَّة)، ولو لتحقيق أغراض سياسيَّة ضيِّقة، حيث احتاج الرَّجل إلى كلمة حقٍّ توفر لباطل تحالفه مع الشُّموليَّة تبريراً دينيَّاً يقلل من أثر الفقه الرَّافض، إطلاقاً، لقمع الحرِّيَّة!
(2)
هكذا انطلقت محاضرة 1981م من إقرار صحيح، أساساً، بأن الفقه استند، تاريخيَّاً، إلى فهوم الفقهاء الخاضعة ل (ظروف) الزمان والمكان، لتؤكد، ضمناً، على ثنائيَّة الأصول الثابتة، والفروع المتغيِّرة، ناسبة قضايا السِّياسة، بحق، إلى هذه الفروع، وواصفة فقهها بأنه كسب المسلمين في فهم الإسلام، وتطبيقه في كلِّ واقع، لا سيَّما أنْ قد تبدَّلت ظروف الحياة، وبالتالي "لا بُدَّ من تنظيم تقديرات الحُريَّة! .. وسائر الشؤون السُّلطانيَّة، بتوخِّي أحكام فقهيَّة جديدة" (خواطر في الفقه السياسي ..، ط 1، 2000م، ص 3 - 4).
لكن ثبت أن معيار (جدَّة الأحكام الفقهيَّة) لدى الرَّجل أبعد ما يكون عن المعيار الذي يُنتظر، عادة، من الأئمة المجدِّدين؛ فبعد أقلِّ من عقد من محاضرة 1981م، ثمَّ على مدى عقد آخر (1989م 1999م)، تكشَّف، عمليَّاً، أن دلالة هذا المعيار هي (فقه الضَّرورة)، حيث (الظروف) هي الكلمة المفتاحيَّة فيه، و(معيارها) هو التكأة التي يستند إليها كلما احتاج لتغيير (الفقه)، ولو بالمصادمة لثوابت الدين، فإذا ب (الحرِّيَّة) مجرَّد قضيَّة (ظرفيَّة)، وإذا بالحديث المتناقض عنها، بين الموسم والآخر، محض مكاءٍ وتصدية!
تأكد ذلك، أكثر، ليس، فقط، بإقرار الترابي بأن الدَّولة الإسلاميَّة الأولى "لن تكون، روحاً وصورة، إلا كالمثال الأعلى للحكم" (خواطر في الفقه السياسي ..، ص 3 - 4)، وإنما فى الخلاصة (الخاطئة) التى استخلصها، للعجب، من هذا الحكم (الصائب)، بقوله: "نبدأ اليوم من (واقع) مثقل ب (العجز) .. فلا بُدَّ من أن ننسب الحديث عن النظام السّياسي الإسلامي إلى (الواقع) حتى يكون (هادياً) في حركة حياة المسلمين" (المصدر).
(واقع العجز)، إذن، وليس (المثال الأعلى) هو ما يريد له الترابي أن يكون (الهادي) لحياة المسلمين، فتأمَّل!
وللرَّجل عودة مستفيضة إلى مكانة (الظروف) من إشكاليَّة (المثال والواقع)، حيث أكد أن حركته انتقلت من (المجرَّد) إلى (الواقعي)، "وبدأ الفقه لديها، بعد التنطع النظري، .. يتصوَّب نحو الأوضاع الراهنة .. ويتكيَّف حسب وجوه تطوُّراتها، ووقائع تقلباتها .. (و) اكتسب صفة .. البيان الذي يشرح ليَهدي" (الحركة الإسلاميَّة في السودان، ط 2، بيت المعرفة، الخرطوم 1992م، ص 218 - 219 - 220).
أما الإستراتيجية الشَّاملة فيحدِّدها الترابي بأنها "إدراج المجتمع كله في الحركة؛ فقد أخذت الجَّماعة تتحوَّل، بطبيعتها، نحو أن تكون المجتمع" (المصدر، ص 35). ولا تقتصر هذه الذهنيَّة على مفاوضة المجتمع لإقناعه بجدوى تمكينها منه، بل تجعل من مهمَّة تذويبه، بأسره، في ذاتها، غاية سلطويَّة تتصوَّب نحوها باعتبارها (الجَّماعة الهادية) التي "ينبغي أن تسعى .. للتمكن في مجتمعها، تدرُّجاً، حتى تستنفد جدوى تميُّزها عنه بصفٍّ وصورة"، وبالنتيجة "تصبح هي المجتمع الجديد القائم بالدين" (المصدر، ص 130).
إحالة المجتمع، هنا، طوعاً أو كرهاً، إلى (مرجعيَّة الجَّماعة)، أجهرُ من أن تعتمها غلالة الدَّعوة الناعمة لاستنفاد الجَّماعة لجدوى تميُّزها عن هذا المجتمع؛ مثلما أن مشروع تأسيس المجتمع القائم ب (الدّين)، في هذه الحالة، لا يبرح كونه محض غطاء لمشروع المجتمع المحكوم ب (الدَّولة الدّينيَّة)!
ولعلَّ أظهر ما يكون ذلك في قول الترابي، ضمن محاضرة 1981م، بأن "الشَّريعة (الواحدة) .. هي ضمان (الوحدة) بين كلّ (واحد) من الرعيَّة وبين كلِّ (واحد) من ولاة الأمر" (خواطر في الفقه السِّياسي ..، ص 8). وقوله، كذلك، بأن (الوحدة) تنبثق عن معاني (التوحيد) "إذ ما دام الربُّ (واحداً)، وما دام الشَّرع .. (واحداً)، فالناس على طريق (الوحدة) سائرون" (المصدر، ص 13).
هكذا يسحب الترابي، منذ محاضرة 1981م، مقولة (الوحدانيَّة والتوحيد) من حقل (الإيمان) إلى حقل (السِّياسة)، فليست (الوحدانيَّة) صفة مقصورة، لديه، على حقيقة الوجود الإلهي المطلقة، المحكومة بمعايير (الإيمان والكفر)، إنما اختلطت بمفاهيم (السِّياسة) حالة كونها بعض تدبير العقل البشري المحكوم بمعايير (الصواب والخطأ)!
أمَّا (التعدُّديَّة) فقيمة مدَّخرة للممارسة داخل (الجَّماعة) وحدها، والتي ".. عرفت التعدُّد وجوداً، كما عرفت التوحُّد وجوباً، لكنها لم تبلغ بعد أن .. تطوِّر تصوُّرات التعدُّد في سياق مجتمع إسلامي متمكن ذي سلطان سياسي متوحِّد" (المصدر، ص 115 116)؛ وأما (الحرِّيَّة) فقضيَّة (ظرفيَّة) ينظر الرَّجل إليها من زاوية المصلحة الحزبيَّة فقط. فالجَّماعة، حين نالت، دون باقي الشَّعب، هامشاً من (الحرِّيَّة)، بناءً على صفقة أبرمتها مع النميري، ".. توخَّت رخصة تلك (الحرِّيَّة) لتبنى قاعدتها وقوَّتها .. فقدْرٌ من (الحريَّة) ل (الأعضاء) .. ضمانٌ ل (تديُّن) أوسع" (المصدر، ص 34 ، 78).
(3)
تجلت، أكثر مِمَّا في أطروحاته الفقهوفكريَّة، خصائص الدّلالة المعياريَّة ل (جدَّة الأحكام الفقهيَّة) لدى الترابي، من خلال عشرة المواطنين مع الهيكلة والمنهج اللذين اعتمدهما لدولته، ونظامه، وحزبه الحاكم، منذ إطاحته، عام 1989م، بالنظام الديمقراطي، وبحكومة السَّيِّد الصَّادق المهدي المنتخبة، عبر انقلاب عسكري خطط له بنفسه، وأوكل قيادته إلى العميد عمر البشير، حيث فرض، بالقوَّة المادِّيَّة، دولة إسلاميَّة أنكر فيها على خصومه مشروعيَّة المشاركة في العمليَّة السِّياسيَّة؛ وأعدم، وعذب، واعتقل، ولاحق، وشرَّد الآلاف من كوادر المعارضة، بل ومن المواطنين العاديين، في سجون علنيَّة وسرِّيَّة.
ونفذ، فضلاً عن كلِّ ذلك، برامج شيطانيَّة لقطع الأرزاق لا تقلُّ بشاعة عن قطع الأعناق، من خلال عمليَّات واسعة للإقصاء والإحلال شملت كلَّ المؤسَّسات المدنيَّة والعسكريَّة، وراح ضحيَّتها عشرات الآلاف من المشتبه في ولائهم، بينما تكسَّب منها أهل الولاء للنظام وحزبه، مِمَّا دفع بالملايين لهجر البلاد إلى شتات المهارب في قِبَل الأرض الأربع، وأصقاعها كافة، مثلما شنَّ، إلى ذلك كله، حرباً دينيَّة غير مسبوقة ضدَّ الأغلبيَّة غير المسلمة في جنوب البلاد.
مع ذلك، وفي مشهد شكسبيري نادر، انقلب تلاميذ الرَّجل عليه، ما بين خواتيم 1999م ومطالع 2000م، ليقصوه عن سدة الحكم، وليعتقلوه إداريَّاً، المرَّة تلو المرَّة، بلا محاكمة أو حتى تهمة محدَّدة، ليس تعبيراً عن موقف رافض للشُّموليَّة، وإلا لانعكس ذلك في سياسات مغايرة؛ وإنما تعبيراً، فحسب، عن الأثرة وشُحِّ النفس بين أبناء التنظيم الباطني، وتصفية الحسابات المعقدة بشأن سؤال (السُّلطة) الدُّنيوي الأزلي: من يحكم؟!
(4)
كان ممكناً، بالطبع، تلقي كلِّ ذلك كمحض اجتهاد بشري حول سياسة الدُّنيا، لو لم يؤثر الترابي ردَّه إلى (التديُّن بالسِّياسة) أو (توبة الدولة إلى الدِّين)، وفق الشائع من مسكوكاته الاصطلاحيَّة.
وبالنظر لمحاضرة 1981م، وما سبقها وتبعها من أطروحات، فضلاً عمَّا تجسَّد من أبنية أقامها الرَّجل لدولته وحزبه، في عقابيل انقلاب 1989م، حقَّ لبعض المصادر أن تشير لمحاضرة شباب الدَّوحة، مؤخَّراً، بأن ذلكم هو "الترابي في نسخته الجَّديدة" (سودان تريبيون، 2/6/2011م)، كناية عن الدَّهشة إزاء تباين طرحه (الجَّديد) عن السَّابق! مع ذلك لم تستطع هذه الدَّهشة إخفاء تعبير هذا التباين عن أزمة (تناقض) الفكر، لا (تطوُّره)، إذ من شروط (تطويره) تأسيسه على (مراجعة) واضحة، و(نقد ذاتي) مستقيم، وهو ما ظلَّ الترابي يتحاشاه بعناد ومكابرة.
لقد عبَّر، مثلاً، قبل عام واحد من انقلابه، عن بَرَم واضح ب (المُساكنة) المتنوّعة في نسق البنية الهيكليَّة لعلاقات الثقافة والسِّياسة في السُّودان، بقوله: ".. كان قدرنا .. أن (نبتلى) ببلد مركب معقد البناء يكاد يمثل كل الشُّعوب الأفريقيَّة بلغاتها وسحناتها وأعراقها وأعرافها" (م/الصياد، ع/مايو، بيروت 1988م).
لكنه عاد، في محاضرة الدَّوحة الأخيرة، ليجزم بأن "التنوع العرقي والديني لا يشكل خطراً على مستقبل السودان"، متمثلاً بخبرة أميركا التي تضمُّ أعراقاً مختلفة لم تنتظم، بعد، لكنها تساهم في تقدُّم البلد"، ومؤكداً أن "الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة تدعو للاتفاق والائتلاف، ويمكن في ظلها أن يسهم الكلُّ بما عنده" (الراية، 2/6/2011م).
أزمة فكر الترابي ليست في تناقض أطروحاته بين حاضرها وماضيها، فحسب، بل وفي تناقضها الدَّاخلي أوان الحيِّز الزَّمني ذاته. وبما أننا بصدد معالجاته لإشكاليَّات الإسلام السِّياسي، فسنغضُّ الطرف عن تناقض تحذيره، في المحاضرة الأخيرة، من إغفال الثورات الاستعداد لما بعدها (المصدر)، مع دعوته، قبل أيَّام من ذلك، لإسقاط النظام، أوَّلاً، ثم البحث عن البديل (موقع "آخر لحظة" على الشَّبكة، 12/5/2011م)، وذلك كي نركز على إبراز أهمِّ تلك المعالجات.
في هذا الإطار شرح الرَّجل صدراً، في محاضرته الأخيرة، بالثورات العربيَّة الباحثة عن (الحريَّة)، ناسباً فضل ربيعها، بلا حيثيَّات مقنعة، إلى ما أسماه (المدَّ الإسلامي)، قائلاً إنه الوحيد الذي يفرض الشِّعارات على الشارع العربي، وإذا ما قامت ثورة في السُّودان فسيكون المدُّ الإسلامي الأكثر حضوراً (المصدر)؛ وأن الغربيين يدركون أن الإسلام قادم للحكم بنمط غير الذي يخيفهم، وقد بدؤوا يتفاعلون مع الحركات الإسلاميَّة لأن "بعض الإسلاميين القادمين متعلمون في الغرب" (الرَّاية، 2/6/2011م)؛ لكنه ما لبث أن عاد، أوَّلاً، ليصم عموم المسلمين بأنهم أبعدوا السِّياسة عن الدِّين منذ الخلافة الراشدة، وثانياً ليقرَّ بفشل تجربة الحكم الإسلامي، بنموذجيها السُّنى في السُّودان، والشِّيعى في إيران، وما (ثقة) الناس في حكم الإسلاميين في طهران والخرطوم إلا لجهلهم بتاريخ الشُّعوب، خصوصا تاريخ الإسلام، حيث من يتسلم السلطة يتشبث بها، وينقلب على أقرب الناس إليه؛ ورغم حكمه بفشل التجربة السُّودانيَّة إلا أنه عدَّد إنجازات حركته هناك، والتي تتجاوز تحرير المرأة إلى نشر لغة الضاد "لأن السودان على ثغر من جغرافيا العرب" (الرَّاية، 2/6/2011م)، فتأمَّل!
وثالثاً ليحمِّل الفقه الإسلامي مسؤوليَّة تردِّي الممارسة السِّياسيَّة في المنطقة كونه "نصب علينا خليفة وحرَّم علينا الخروج"؛ ورابعاً ليصف الثقافة الإسلاميَّة بالجمود كونها رهنت الناس للانتماء المذهبي حتى في النحو، حيث الانقسام بين البصريين والكوفيين (المصدر)؛ وخامساً لينبِّه إلى أن الغرب يفضِّل الحكام العرب على الإسلاميين، رغم أنه يعلم عن فسادهم أكثر مما تعلم شعوبهم (العرب، 2/6/2011م) .. فأعجب لعصيدة لبيكة كهذه من تناقضات بلا عدٍّ ولا حد!
(5)
ما كان أغنى الترابي عن كل هذا التناقض لو لم تتعاور أداءه موجبات (التمكين)، ومقتضيات (الكسب) السُّلطاني، في وسط سياسي غير مُواتٍ، وبيئة شديدة الفرادة، تعدُّداً وتنوُّعاً. ومن المفارقات الباكرة لهذه الموجبات والمقتضيات أن الترابي كان قد أثنى على (حركته)، مطلع التسعينات، ضمن كتابه (الحركة الإسلاميَّة في السودان)، قائلاً إنها "أحاطت .. بالمجتمع .. وتأهلت لأن توحِّده كله في إطارها، وتتمكن فيه بنمطها من التديُّن الأتمِّ، والولاء الأرشد .. (و) أخذ توجُّهها .. يتزكى .. نحو صفّ مطهَّر في كيفه، مقدَّر في كمِّه" (ص 44 - 50 - 51).
لكن الرَّجل عاد، آخر التسعينات، ليصبَّ جام غضبه على حركته التي انقلبت عليه، بقوله عن حزبها، المؤتمر الوطني، إنه "مجهول الهويَّة .. اختلطت فيه رابطة الدِّين برابطة السُّلطان .. وضعف فيه متوسط التديُّن والتربية .. وضعفت أمانة السِّر، وأمانة المال .. وغابت الشُّورى .. وماتت خطة الحركة لإقامة دولة إسلاميَّة .. والاقتصاد "خرج من الدِّين .. وإن بعضاً ممَّا جرَّه ذلك .. انحطاط أخلاق بعض الذين دخلوا السُّوق!" (الرأي العام، 11/2/2000م) .. وكفى بذلك مكاءً وتصدية!
المصدر: الجزيرة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.