والي جنوب دارفور يقف على أضرار السيول والأمطار بعد الفرسان    الواثق البرير: اى شخص شارك فى النظام السابق لاوجود له بالحزب    الجزائر تدخل على خط أزمة سد النهضة وتعرض الوساطة    في اولمبياد طوكيو اسراء وحنين ينهون مشاركاتهم وصدام يشارك غدا في 400 متر    محاولات لعناصر موالية للنظام السابق لاجهاض العدالة وطمس الحقائق    الاقتصاد السودانى: كيفية الخروج من المأزق الماثل…    التغير المناخي: لماذا يقترب عصر محطات الوقود من نهايته؟    ضربتان لترامب بيوم واحد.. ما أخفاه سيظهر وفضيحة شهادة الزور    والي نهر النيل :قضية المناصير ضمنت في اتفاق جوبا    دبابيس ود الشريف    زهير السراج يكتب سِيد البلد !    المصالحة مع " الإسلاميين".. عبور النهر القديم ب"شراع" مثقوب !!    السودان.. محاولات إخوانية لإجهاض العدالة وطمس أدلة القتل    الكورونا … تحديات العصر    السعودية تفتح ابوابها لحاملى التأشيرات السياحية    الهلال يواصل إعداده لهلال الساحل    منقستو وياسر تمتام.. أزلية علاقة الكفر والوتر    النيل الأزرق يقترب من منسوب الفيضان .. الدفاع المدني: الوضع تحت السيطرة    السودان يرأس الاجتماع الوزاري لدول الإيقاد حول المرأة والأرض    في أول إطلالة له على الزرقاء عادل حسن يتحول من عازف إلى مغنٍّ    الهند تبحث فرص الاستثمار بشمال كردفان    وزير التجارة: استقرارٌ وشيكٌ لأسعار السلع    مِنْقَيَا أَبَا ..    وزير الزراعة يترأس وفد السودان بالقمة التمهيدية للغذاء العالمي    وزير الطاقة لمصادر: انتهاء برمجة القطوعات    سعر الدولار في السودان اليوم السبت 31 يوليو 2021    مبارك عبد الوهاب.. الشاعر المنسي في ذاكرة (قصب السكر)!!    أثبت حضوراً فاعلاً في الآونة الأخيرة محمود الجيلي.. شاعر جيل!!    لاول مرة في السودان.. راديو البنات ... إذاعة نسوية متخصصة وصوت متفرد للسودانيات    اتفاقية لتأهيل محطة توليد الكهرباء بسنار    تماسيح وثعابين قاتلة تُهدِّد حياة مواطني الخرطوم منع حركة المواعين النهرية داخل مياه النيل    السودان.. محاولات إخوانية لإجهاض العدالة وطمس أدلة القتل    المريخ يحدد السبت لعموميته رسمياً    النسيمات تواصل عروضها الجميلة وتتخطي الرهيب في الوسيط    طبيب يكشف المواد الغذائية المسببة لتكون حصى الكلى    دونالد ترامب: وزارة العدل الأمريكية تأمر بتسليم السجلات الضريبية للرئيس السابق إلى الكونغرس    بالفيديو: ردود أفعال ساخرة في مواجهة كمال آفرو بعد تصريحه (أنا بصرف في اليوم 10 مليون فمايجيني واحد مفلس يقول لي عايز بتك)    تحرير ( 6 ) أشخاص من ضحايا الاتجار بالبشر بالقضارف    ضبط شبكة اجرامية متخصصة في سرقة المشاريع الزراعية بالولاية الشمالية    شاهد.. انفجار حافلة فريق كرة قدم في الصومال    إلهام شاهين تبكي على الهواء لهذا السبب    أمازون: غرامة ضخمة بمئات الملايين من الدولارات على عملاق التجارة الإلكترونية    يمكنها أن توازن نفسها والتحكم بها عن بعد.. دراجة شركة "دافنشي" الغريبة والمخيفة    صحتنا الرقمية.. هذه الأدوات تساعدك على "الصيام الرقمي"    نكات ونوادر    مصرع طالب وطالبة غرقاً بالخرطوم    تقاسيم تقاسيم    تسريب وثيقة أميركية يكشف عن فيروس جديد والسبب"شراسة سلالة دلتا"    أنت بالروح.. لا بالجسد إنسان!    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    جيب تطلق أول سيارة كهربائية صغيرة    نصائح لتبريد المنزل من دون جهاز تكييف    ماذا يحدث للعين عند الإفراط في شرب القهوة؟    دافع عنه معجبوه هجوم شرس على الفنان سامي المغربي بسبب هواتف التعاقدات    تحرير (21) شخصاً من ضحايا الاتجار بالبشر بالقضارف    ضبط أكثر من 4 مليون جنيه سوداني بمطار الخرطوم مهربة إلى الخارج بحوزة راكبة مصرية    شاهد بالفيديو: (جديد القونات) بعد ظهورها بملابس غريبة ومثيرة هاجر كباشي تخلق ضجة إسفيرية كبيرة عبر مواقع التواصل    هل يجوز الدعاء لمن انتحر وهل يغفر الله له ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مُكَاءُ التُّرَابِي وتَصْدِيَتِهِ!
نشر في حريات يوم 17 - 09 - 2011

إهتمَّت الصَّحافة الورقيَّة والإليكترونيَّة العربيَّة بمحاضرة د. حسن الترابي بمركز شباب الدَّوحة، نهاية مايو الماضي، حول (ربيع الثورات العربيَّة: المتطلبات والمأمول)، ولا غرو؛ فالمحاضر هو الزعيم المطلق، اتفق الناس أم اختلفوا، لأهمِّ حركات الاسلام السِّياسي في السُّودان، وقد أمسك، طوال تسعينات القرن الماضي، بدفة السُّلطة في دولة (إسلاميَّة) أقامها بقوَّة انقلاب 1989م، وأقصى منها خصومه، وقصر (الحرِّيَّة) فيها على أتباعه، وأدار حرباً دينيَّة ضدَّ غير المسلمين في جنوب البلاد، قبل أن يقصيه تلاميذه عن سدة الحكم، ويكرِّروا اعتقاله إداريَّاً، حيث أفرج عنه، آخر مرَّة، قبيل محاضرته المشار إليها بأسابيع.
(1)
قرعت المحاضرة في الأذهان، ولا بُدَّ، ذكرى محاضرة أخرى سبق للترابي نفسه أن قدَّمها بالدَّوحة، عام 1981م، بعنوان (خواطر في الفقه السِّياسي لدولة إسلاميَّة معاصرة)، وقد تعهَّدتها دار (عالم العلانيَّة) بالخرطوم، لاحقاً، بالتنقيح والإضافة، لتخرجها بين دفتي كتاب، بنفس العنوان، عام 2000م. لكن، كما في غالب تناول الترابي لقضيَّة (الحرِّيَّة)، بلغت كلتا المحاضرتين نتيجة مختلفة باختلاف (الظروف). فعلى أيَّام المحاضرة الأولى كان الزعيم الاسلاموي متحالفاً مع الدكتاتور نميري، ومدافعاً عن نظامه الشُّمولي، قبل أن تطيح به انتفاضة أبريل 1985م. لذا لم يكن أمامه سوى اتقاء حرج (الفقه) الذي يحتوش موقفه إزاء قضيَّة (الحرِّيَّة) ب (فقه) مضاد، خصوصاً وأن بعض رموز الاسلام السِّياسي في المنطقة بدأوا يصدرون عن موقف متقدِّم، كراشد الغنوشي الذي لخَّص الأمر بقوله إن “النضال من أجل (الحرِّيَّة) هو من جوهر النضال من أجل الإسلام، وإذا اعتبرت الحركة الإسلاميَّة أن (الحريَّة) ليست قضيَّة جوهريَّة فذلك سقوط رهيب! والذي أخشاه أن تكون (الحريَّة) قضية (ظرفيَّة) بالنسبة لنا، نطالب بها عندما يكون (الظرف) غير مناسب لنا. وهنا يكون السقوط الرهيب. إننا نطالب ب (الحريَّة) للإنسان أياً كان” (محاور إسلاميَّة، بيت المعرفة، الخرطوم 1989م، ص 143)؛ علماً بأن الغنوشي أطلق طرحه هذا، ابتداءً، مطلع الثمانينات، ضمن الموسم الثقافي لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم الذي كان، أوان ذاك، في قبضة الاسلامويين، مثلما كانت الحركة الاسلامويَّة كلها شريكة في السُّلطة.
إذن، فقد كان الترابي يتطلع، وقتها، إلى تقدير (واسع) ل (فقه الأحكام السُّلطانيَّة)، ولو لتحقيق أغراض سياسيَّة (ضيِّقة)، حيث احتاج الرَّجل إلى (كلمة حقٍّ) توفر ل (باطل) تحالفه مع الشُّموليَّة تبريراً دينيَّاً يقلل من أثر (الفقه) الرَّافض، إطلاقاً، لقمع (الحرِّيَّة)!
(2)
هكذا انطلقت محاضرة 1981م من إقرار صحيح، أساساً، بأن (الفقه) استند، تاريخيَّاً، إلى فهوم الفقهاء الخاضعة ل (ظروف) الزمان والمكان، لتؤكد، ضمناً، على ثنائيَّة (الأصول) الثابتة، و(الفروع) المتغيِّرة، ناسبة قضايا (السِّياسة)، بحق، إلى هذه (الفروع)، وواصفة (فقهها) بأنه كسب المسلمين في فهم الإسلام، وتطبيقه في كلِّ واقع، لا سيَّما أنْ قد تبدَّلت (ظروف) الحياة، وبالتالي “لا بُدَّ من تنظيم تقديرات (الحُريَّة!) .. وسائر الشئون السُّلطانيَّة، بتوخِّي أحكام فقهيَّة جديدة” (خواطر في الفقه السياسي ..، ط 1، 2000م، ص 3 4).
مربط الفرس، هنا، وما كان يهمُّ الترابي أكثر من غيره، هو رخصة هذه “الأحكام الفقهيَّة الجَّديدة”. لكن، عند التطبيق، ثبت أن معيار (الجدَّة) لدى الرَّجل أبعد ما يكون عن المعيار الذي يُنتظر، عادة، من الأئمة (المجدِّدين)؛ فبعد أقلِّ من عقد من محاضرة 1981م، ثمَّ على مدى عقد آخر (1989م 1999م)، تكشَّف، عمليَّاً، أن دلالة هذا المعيار هي أقصى ما يمكن أن يبلغه (فقه الضَّرورة) من طلاقة وتحلل وتفلت من أيِّ ضابط أو رابط، حيث (الظروف) هي الكلمة المفتاحيَّة، والتكأة التي يستند إليها الترابي كلما احتاج لتغيير اتجاه (الفقه)، ولو بالمصادمة لثوابت الدين، فإذا ب (الحرِّيَّة)، لديه، مجرَّد قضيَّة (ظرفيَّة)، وإذا بحديثه الموسمي عنها محض مكاءٍ وتصدية!
تأكد ذلك، أكثر، ليس، فقط، بإقرار الترابي بأن الدَّولة الإسلاميَّة الأولى “لن تكون، روحاً وصورة، إلا كالمثال الأعلى للحكم” (خواطر في الفقه السياسي ..، ص 3 4)، وإنما فى الخلاصة (الخاطئة) التى استخلصها، للعجب، من هذا الحكم (الصائب)، بقوله: “نبدأ اليوم من (واقع) مثقل ب (العجز) .. فلا بُدَّ من أن ننسب الحديث عن النظام السّياسي الإسلامي إلى (الواقع) حتى يكون (هادياً) في حركة حياة المسلمين” (المصدر).
(واقع العجز)، إذن، وليس (المثال الأعلى) هو ما يريد له الترابي أن يكون (الهادي) لحياة المسلمين، فتأمَّل!
وللرَّجل عودة مستفيضة إلى مكانة (الظروف) من إشكاليَّة (المثال والواقع)، حيث أكد أن حركته انتقلت من (المجرَّد) إلى (الواقعي)، “وبدأ الفقه لديها، بعد التنطع النظري، .. يتصوَّب نحو الأوضاع الراهنة .. ويتكيَّف حسب وجوه تطوُّراتها، ووقائع تقلباتها .. (و) اكتسب صفة .. البيان الذي يشرح ليَهدي” (الحركة الإسلاميَّة في السودان، ط 2، بيت المعرفة، الخرطوم 1992م، ص 218 219 220). أما الاستراتيجيَّة الشَّاملة فيحدِّدها الترابي بأنها “إدراج المجتمع كله في الحركة؛ فقد أخذت الجَّماعة تتحوَّل، بطبيعتها، نحو أن تكون المجتمع” (المصدر، ص 35). ولا تقتصر هذه الذهنيَّة على مفاوضة المجتمع لإقناعه بجدوى تمكينها منه، بل تجعل من مهمَّة تذويبه، بأسره، في ذاتها، غاية سلطويَّة تتصوَّب نحوها باعتبارها (الجَّماعة الهادية) التي “ينبغي أن تسعى .. للتمكن في مجتمعها، تدرُّجاً، حتى تستنفد جدوى تميُّزها عنه بصفٍّ وصورة”، وبالنتيجة “تصبح هي المجتمع الجديد القائم بالدين” (المصدر، ص 130).
إحالة المجتمع، هنا، طوعاً أو كرهاً، إلى (مرجعيَّة الجَّماعة)، أجهرُ من أن تعتمها غلالة الدَّعوة الناعمة لاستنفاد الجَّماعة لجدوى تميُّزها عن هذا المجتمع؛ مثلما أن مشروع تأسيس المجتمع القائم ب (الدّين)، في هذه الحالة، لا يبرح كونه محض غطاء لمشروع المجتمع المحكوم ب (الدَّولة الدّينيَّة)! ولعلَّ أظهر ما يكون ذلك في قول الترابي، ضمن محاضرة 1981م، بأن “الشَّريعة (الواحدة) .. هي ضمان (الوحدة) بين كلّ (واحد) من الرعيَّة وبين كلِّ (واحد) من ولاة الأمر” (خواطر في الفقه السِّياسي ..، ص 8). وقوله، كذلك، بأن (الوحدة) تنبثق عن معاني (التوحيد) “إذ ما دام الربُّ (واحداً)، وما دام الشَّرع .. (واحداً)، فالناس على طريق (الوحدة) سائرون” (المصدر، ص 13).
هكذا يسحب الترابي، منذ محاضرة 1981م، مقولة (الوحدانيَّة والتوحيد) من حقل (الإيمان) إلى حقل (السِّياسة)، فليست (الوحدانيَّة) صفة مقصورة، لديه، على حقيقة الوجود الإلهي المطلقة، المحكومة بمعايير (الإيمان والكفر)، إنما اختلطت بمفاهيم (السِّياسة) حالة كونها بعض تدابير العقل البشري المحكومة بمعايير (الصواب والخطأ)!
أمَّا (التعدُّديَّة) فقيمة مدَّخرة للممارسة داخل (الجَّماعة) وحدها، والتي “.. عرفت التعدُّد وجوداً، كما عرفت التوحُّد وجوباً، لكنها لم تبلغ بعد أن .. تطوِّر تصوُّرات التعدُّد في سياق مجتمع إسلامي متمكن ذي سلطان سياسي متوحِّد” (المصدر، ص 115 116)؛ وأما (الحرِّيَّة) فقضيَّة (ظرفيَّة) ينظر الرَّجل إليها من زاوية المصلحة الحزبيَّة فقط. فالجَّماعة، حين نالت، دون باقي الشَّعب، هامشاً من (الحرِّيَّة)، بناءً على صفقتها مع النميري، “.. توخَّت رخصة تلك (الحرِّيَّة) لتبنى قاعدتها وقوَّتها .. فقدْرٌ من (الحريَّة) ل (الأعضاء) .. ضمانٌ ل (تديُّن) أوسع” (المصدر، ص 34 ، 78).
(3)
تجلت، أكثر مِمَّا في أطروحاته الفقهوفكريَّة، خصائص الدّلالة المعياريَّة ل (جدَّة الأحكام الفقهيَّة) لدى الترابي، من خلال عشرة المواطنين مع الهيكلة والمنهج اللذين اعتمدهما لدولته، ونظامه، وحزبه الحاكم، منذ إطاحته، عام 1989م، بالنظام الدِّيموقراطي، وبحكومة السَّيِّد الصَّادق المهدي المنتخبة، عبر انقلاب عسكري خطط له بنفسه، وأوكل قيادته إلى العميد، آنذاك، عمر البشير، حيث فرض، بالقوَّة المادِّيَّة، دولة إسلاميَّة أنكر فيها على خصومه مشروعيَّة المشاركة في العمليَّة السِّياسيَّة؛ وأعدم، وعذب، واعتقل، ولاحق، وشرَّد الآلاف من كوادر المعارضة، بل ومن المواطنين العاديين، في سجون علنيَّة وسرِّيَّة؛ ونفذ، فضلاً عن كلِّ ذلك، برامج شيطانيَّة لقطع الأرزاق لا تقلُّ بشاعة عن قطع الأعناق، من خلال عمليَّات واسعة للإقصاء والإحلال شملت كلَّ المؤسَّسات المدنيَّة والعسكريَّة، وراح ضحيَّتها عشرات الآلاف من المشتبه في ولائهم، بينما تكسَّب منها أهل الولاء للنظام وحزبه، مِمَّا دفع بالملايين لهجر البلاد إلى شتات المهارب في قِبَل الأرض الأربع، وأصقاعها كافة، مثلما شنَّ، إلى ذلك كله، حرباً دينيَّة غير مسبوقة ضدَّ الأغلبيَّة غير المسلمة في جنوب البلاد.
مع ذلك، وفي مشهد شكسبيري شديد الندرة، انقلب تلاميذ الرَّجل عليه، ما بين خواتيم 1999م ومطالع 2000م، ليقصوه عن سدة الحكم، وليستهدفوه بالاعتقال الإداري، المرَّة تلو المرَّة، بلا محاكمة أو حتى تهمة محدَّدة، ليس تعبيراً عن موقف رافض للشُّموليَّة والاستبداد، وإلا لكان ذلك قد انعكس في سياسات مغايرة؛ وإنما تعبيراً، فحسب، عن الأثرة وشُحِّ النفس حين تفشو بين أبناء التنظيم الباطني الواحد المغلق، وعن تصفية الحسابات المعقدة بشأن (السُّلطة)، وقسمة كراسيِّها، وإجابة سؤالها الأزلي: من يحكم؟!
(4)
كان ممكناً، بطبيعة الحال، تلقي كلِّ ذلك كمحض اجتهاد بشري حول سياسة الحياة الدُّنيا، لو لم يؤثِر الترابي أن يردَّه إلى (التديُّن بالسِّياسة)، أو (توبة الدولة إلى الدِّين)، أو ما إلى ذلك من شائع مسكوكاته الاصطلاحيَّة.
مهما يكن من شئ، فبالنظر لمحاضرة 1981م، وما سبقها وتبعها من أطروحات، فضلاً عن الأبنية التي أقامها الرَّجل لدولته وحزبه، في عقابيل انقلاب 1989م، حقَّ لبعض المصادر أن تشير لمحاضرة مركز شباب الدَّوحة، مؤخَّراً، بأن ذلكم هو “الترابي في نسخته الجَّديدة” (سودان تريبيون، 2/6/2011م)، كناية عن الدَّهشة إزاء تباين طرحه (الجَّديد) عن السَّابق! مع ذلك لم تستطع هذه الدَّهشة إخفاء تعبير هذا التباين عن أزمة فكر الترابي، في (تناقضه)، لا في (تطوُّره)، إذ من شروط (التطوُّر) أن يتأسَّس على (مراجعة) واضحة، و(نقد ذاتي) مستقيم، وهو ما ظلَّ الزعيم الإسلاموي يتحاشاه، طوال السَّنوات الماضية، بعناد ومكابرة، مطلقاً قولته الشهيرة: “أتوب إلى الله، لا إلى البشر”، مع أن من المعلوم أن الله قد يغفر التعدِّي على حدوده، لكنه، بالقطع، لا يغفر التعدِّي على حقوق البشر، إلا إذا عفوا هم.
لقد عبَّر، مثلاً، قبل عام واحد من انقلابه، عن بَرَم واضح ب (المُساكنة) المتنوّعة في نسق البنية الهيكليَّة لعلاقات الثقافة والسِّياسة في السُّودان، بقوله: “.. كان قدرنا .. أن (نبتلى) ببلد مركب معقد البناء يكاد يمثل كل الشُّعوب الأفريقيَّة بلغاتها وسحناتها وأعراقها وأعرافها” (م/الصَّياد، ع/مايو، بيروت 1988م). لكنه عاد، في محاضرة الدَّوحة الأخيرة، ليجزم بأن “التنوع العرقي والدِّيني لا يشكل خطراً على مستقبل السُّودان”، متمثلاً بخبرة أمريكا التي “ضمُّ أعراقاً مختلفة لم تنتظم، بعد، لكنها تساهم في تقدُّم البلد”، ومؤكداً على أن “الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة تدعو للاتفاق والائتلاف، ويمكن في ظلها أن يسهم الكلُّ بما عنده” (الرَّاية، 2/6/2011م).
أزمة فكر الترابي ليست في تناقض أطروحاته بين حاضرها وماضيها، فحسب، بل وفي تناقضها الدَّاخلي أوان ذات الحيِّز الزَّمني لتقديمها. وبما أننا بصدد معالجاته لإشكاليَّات الإسلام السِّياسي، فسنغضُّ الطرف عن تناقض تحذيره، في المحاضرة الأخيرة، من إغفال الثورات الاستعداد لما بعدها (المصدر)، مع دعوته، قبل أيَّام من ذلك، لإسقاط النظام، أوَّلاً، ثم البحث عن البديل (موقع “آخر لحظة” على الشَّبكة، 12/5/2011م)، وذلك كي نركز على إبراز أهمِّ تلك المعالجات.
في هذا الإطار شرح الرَّجل صدراً، في محاضرته الأخيرة، بالثورات العربيَّة الباحثة عن (الحريَّة)، ناسباً فضل ربيعها، بلا حيثيَّات مقنعة، إلى ما أسماه (المدَّ الإسلامي)، قائلاً إنه “الوحيد الذي يفرض الشِّعارات على الشَّارع العربي، وإذا ما قامت ثورة في السُّودان فسيكون المدُّ الإسلامي الأكثر حضوراً” (المصدر)؛ وإن الغربيين يدركون أن الإسلام قادم للحكم بنمط غير الذي يخيفهم، وقد بدأوا يتفاعلون مع الحركات الإسلاميَّة لأن “بعض الإسلاميين القادمين متعلمون في الغرب!” (الرَّاية، 2/6/2011م). وربَّما لا نجد تفسيراً لما ينضح به هذا التقدير الأخير من سذاجة غير معتادة في الرَّجل إلا بكونه مهجوساً بإسقاط ذاتي معلوم المصدر (!) أما المفارقة الكبرى فتتمثل، هنا، في كون معظم (إسلامويي القاعدة) الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر لم يكتفوا بالتعلم في الغرب، فحسب، وإنما حملوا جنسيَّته، كمواطنين فيه، أيضاً!
غير أن الترابي ما لبث، على أيَّة حال، أن عاد، أوَّلاً، ليصم عموم المسلمين، الذين يبشِّرهم بمستقبل باهر، بأنهم أبعدوا السِّياسة عن الدِّين منذ الخلافة الراشدة، وثانياً ليقرَّ بفشل تجربة الحكم الإسلامي، بنموذجيها السُّنى في السُّودان، والشِّيعى في إيران، وما (ثقة) الناس في حكم الإسلاميين في طهران والخرطوم “إلا لجهلهم بتاريخ الشُّعوب، خصوصا تاريخ الإسلام، حيث من يتسلم السلطة يتشبث بها، وينقلب على أقرب الناس إليه” (الرَّاية، 2/6/2011م)؛ ورغم حكمه بفشل التجربة السُّودانيَّة إلا أنه عدَّد إنجازات حركته هناك، والتي تتجاوز تحرير المرأة إلى نشر لغة الضاد “لأن السودان على ثغر من جغرافيا العرب” (المصدر) .. حركة الإسلام السِّياسي في السُّودان، تحت قيادة الترابي، هي التي “حرَّرت المرأة”، و”نشرت اللغة العربيَّة”.. فتأمَّل! وثالثاً ليحمِّل الفقه الإسلامي مسئوليَّة تردِّي الممارسة السِّياسيَّة في المنطقة كونه “نصب علينا خليفة وحرَّم علينا الخروج” (المصدر)؛ ورابعاً ليصف الثقافة الإسلاميَّة بالجمود كونها رهنت الناس للانتماء المذهبي حتى في النحو، حيث الانقسام بين البصريين والكوفيين (المصدر)؛ وخامساً لينبِّه إلى أن الغرب يفضِّل الحكام العرب على الإسلاميين، رغم أنه يعلم عن فسادهم أكثر مما تعلم شعوبهم (العرب، 2/6/2011م) .. فاعجب، كيف شئت، لهذه العصيدة اللبيكة من التناقضات!
(5)
ما كان أغنى الترابي عن كل هذا التناقض لو لم تتعاور أداءه موجبات (التمكين)، ومقتضيات (الكسب) السُّلطاني، في وسط سياسي غير مُواتٍ، وبيئة شديدة الفرادة، تعدُّداً وتنوُّعاً.
ولعلَّ من أكثر المفارقات الباكرة لهذه الموجبات والمقتضيات جلاءً أن الترابي كان قد أثنى على (حركته)، مطلع تسعينات القرن الماضي، ضمن كتابه (الحركة الإسلاميَّة في السودان)، قائلاً إنها “أحاطت .. بالمجتمع .. وتأهلت لأن توحِّده كله في إطارها، وتتمكن فيه بنمطها من التديُّن الأتمِّ، والولاء الأرشد .. (و) أخذ توجُّهها .. يتزكى .. نحو صفّ مطهَّر في كيفه، مقدَّر في كمِّه” (ص 44 50 51).
لكنه سرعان ما اضطر لأن يعود، آخر تلك التسعينات ذاتها، ليصبَّ جام غضبه على حركته التي انقلبت عليه، في جحود مشهود، وأقصته من سلطتها، بقوله عن حزبها، المؤتمر الوطني، إنه “مجهول الهويَّة .. اختلطت فيه رابطة الدِّين برابطة السُّلطان .. وضعف فيه متوسط التديُّن والتربية .. وضعفت أمانة السِّر، وأمانة المال .. وغابت الشُّورى .. وماتت خطة الحركة لإقامة دولة إسلاميَّة .. والاقتصاد خرج من الدِّين .. وإن بعضاً ممَّا جرَّه ذلك .. انحطاط أخلاق بعض الذين دخلوا السُّوق!” (الرأى العام، 11/2/2000م) .. وكفى بذلك مكاءً وتصدية!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.