ما حقيقة أسر العميد محمد منصور قائد اللواء 16 مشاة بالكرمك؟    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    القنصل حازم مصطفى يجتمع بلاعبي سيد الأتيام بالمنتخب في جدة    جان كلود يُسجّل هدفًا رائعًا ويقود بوروندي لانتصار ثمين أمام تشاد في تصفيات أمم إفريقيا    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    توضيح لجنة المنشآت بنادي المريخ : دورنا فني فى ملف المنشآت واللجنة القانونية تتولى اجراءات الاخلاء    تقارير تكشف عن تحرّكات كبيرة للجيش السوداني    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    مسؤول الطيران المدني يعلن جاهزية مطار الخرطوم لاستقبال الرحلات الإقليمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر "تجاني كارتا" يزور الفنانة مروة الدولية في منزلها ويطالبها بالعدول عن قرار الاعتزال: (لن أتزوج ولن أكمل ديني لو ما غنيتي في عرسي)    ترامب ينهى تقليدا عمره 165 عاما متعلقا بالدولار.. ما القصة؟    الكرمك: ليس حدثاً عابراً    ماذا قال العميد طارق كجاب بعد إحالته المفاجئة للمعاش؟؟    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    حتى لا نخسر ما كسبناه    الأهلي يُعيد النظر في رواتب اللاعبين لإنهاء "فتنة أوضة اللبس"    هدف واحد يفصل مبابى عن لقب الهداف التاريخى لمنتخب فرنسا    اتفرج واتمتع.. جميع أهداف محمد صلاح ال50 في دوري أبطال أوروبا    إيلون ماسك يطعن في حكم تغريمه 2.5 مليار دولار في قضية "تويتر"    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    شاهد بالفيديو.. سودانية تطلب الطلاق من زوجها على الهواء: (لو راجل كنت منعتني من الظهور في "تيك توك" واللواء ستاير أحسن منك ياريت لو أتزوجته بدلاً عنك)    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد انتشار ظاهرة "حق الملاح".. ناشطة سودانية تحصل على آلاف "الدولارات" هدية من زوجها    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سلام هنداوي: القصص الانسانية تفضح الانظمة... والمقاتلون يعطونك معلومات أكثر صحة من السياسيين
نشر في الراكوبة يوم 21 - 10 - 2011

ما كابده شعب فلسطين من الاحتلال الإسرائلي يصعب تصوره والتعبير عنه في كلمات، لكن معاناة المرأة الفلسطينية كان مضاعفا. ومن هنا اكتسبت الفتاة الفلسطينية شخصية صلبة متماسكة ومزايا خاصة تتقدم فيها على بنات جيلها في باقي البلاد العربية.
ولقاؤنا اليوم مع إعلامية شابة من فلسطين كانت مراسلة لقناة الآن في جبهات القتال لنقل أخبار الثوار في ليبيا. إنها سلام هنداوي الشابة النشيطة والمراسلة الإعلامية الوحيدة إلى جانب زملائها الشباب من خط النار في الثورة الليبية. وإذا كانت مشاعر الخوف في أجواء الحروب من طبيعة الإنسان، فإن سلام تؤكد أن الشيء الوحيد الذي تعلمته من الاحتلال هو أن لا تخاف لأنها تعودت كما تعود أبناء شعبها جميعا على مواجهة جنود العدو وسماع الرصاص والقصف من خلال العمليات العدوانية اليومية التي تمارسها قوات الاحتلال في فلسطين.
أنت تؤمنين بالقومية العربية، وما لها من تأثير في بلاد الشام وسائر البلاد العربية، كيف تنظرين أنت، كمثقفة وإعلامية ومن جيل الشباب، إلى هذه القضية؟
* 'أنا بالنسبة لي أومن جدا بالقومية العربية وأشعر أن الشاب العربي اليوم يخطو خطوات كبيرة باتجاه إعادة توحيد الوطن العربي ككل، ليس من منطلق أن نرسم الحدود على الورق وانتهى الموضوع، إن ما أراه اليوم وفي ظل الربيع العربي، الشباب العربي يعبر عن كلمته بصدق. صحيح فرقتنا الحدود، صحيح كل منا يحمل جواز سفر مختلف، لكن كلنا يجمعنا هم وقضية واحدة ، هي أننا نحتاج التغيير في مجتمعاتنا العربية، والشباب العربي قادر على ذلك، وللأسف حكامنا العرب على مدى سنوات كثيرة وطويلة جدا قادونا كمجتمعات عربية باتجاه التفرقة، باتجاه أن لكل بلد جنسيته، وأن كل بلاد تختلف عن غيرها. لكن اليوم وفي ظل الثورات والربيع العربي والوعي الشبابي الذي ظهر في كل دولة من هذه الدول سواء كان فيها ثورات أو سوف يحدث فيها ثورات أو ربما المستقبل يحمل لها ثورات، أنا باعتقادي أننا كمجتمع عربي وكشباب كلنا نطمح إلى أن نكون وحدة عربية حتى نستطيع أن نواجه ما تواجهه بلداننا من تحديات. وهنا سؤال مطروح: هل ما بعد الربيع العربي سيعمل على الوحدة العربية؟ طبعا أنا لا أقصد أن تكون كلها دولة واحدة، لكن أنا كفلسطينية أنتقل على أي بلاد عربية أخرى بسهولة وعدم إجراءات قانونية على الحدود معقدة. أطمح أن يصلنا هذا الربيع لنصبح مثل الاتحاد الأوربي نسافر لأي بلد دون تعقيدات، مع أن أوربا يتحدثون بلغات مختلفة، نحن تجمعنا لغة واحدة العربية، لكن للأسف لا نشعر أننا في بلد واحد، فإن توحدنا نستطيع أن نواجه التحديات، وأن نبني مجتمعا متكاملا وموحدا'.
مع أنك تجيدين اللغة الإنكليزية بشكل جيد، لكنك في المؤتمر الصحفي كنت تسألين بالعربية، مع العلم أن الأغلبية من الإعلاميين العرب كانوا يسألون بالإنكليزية، هل كنت تريدين أن ترسلي رسالة أن المؤتمر في بلد عربي ويجب على المتحدثين أن يتكلموا بلغتهم الأم؟
* 'أنا أعتقد أننا كعرب في بعض الأحيان تخلينا عن هويتنا من أجل أن نتكلم بلغة أخرى. طبعا، أي لغة نتعلمها شيء جيد، لكني أعتقد بما أني موجودة في بلد عربي وهويتي عربية يفترض أن أتكلم العربية، وأكثر ما يزعجني مرات عديدة أن نكون في بلد ومؤتمر عربي، وأراهم يسألون ويقدمون باللغة الإنكليزية. ومن المتعارف عليه في كل بلاد العالم أن كل بلد يقدم بلغته وتتم الترجمة للغات الأخرى إلا نحن. أنا دائما أفضل أن أحكي باللغة العربية وأن أشير إلى أني عربية وأفتخر بحرف الضاد، وفي اللقاءات سواء مع أمريكان أو أوربيين أشير أنني عربية من فلسطين وأفتخر بذلك. أنا عشت جزءا كبيرا من حياتي بفلسطين في مدينة الخليل ورام الله، وشفت الاحتلال وتمارس علي وعلى عائلتي وأصدقائي وأبناء شعبي كل سياسات الاحتلال اللاإنسانية، أكثر شيء كان يستفزني الجندي الإسرائيلي يحكي معنا بأي لغة أجنبية، وكان إصرارنا دائما أنا وأصدقائي بأن نتحدث بالعربية، كان مجرد يسألنا بالعبرية أو الإنكليزية شو اسمك؟ طبعا أنا أفهم عليه، لكن دائما نرد عليه بالعربي. يقول: ليش ما عما تحكي بالعبري أو الإنكليزي؟ أرد عليه: ليش ما أنت تحكي بالعربي؟ أنت موجود في الضفة الغربية، وأنت على أرض عربية ليش ما أنت تحكي عربي؟ كنا دائما نواجه مثل هذه المشاكل عندما نتنقل من الأردن إلى فلسطين عندما يستجوبنا الجنود الإسرائيليون، لما نحن نصر على الحديث بلغتنا أمام الجندي المحتل يعني ذلك أننا نرسخ بذهنه أنه أنت على أرض عربية، أنت محتل لأرضي ولغتك دخيلة علينا ولا يمكن لك البقاء لأن اللغة هي الهوية'.
تقدم القضية الفلسطينية على الجمعية العمومية للأمم المتحدة، كشابة وإعلامية فلسطينية كيف تنظرين للقرار بالنسبة للقضية الفلسطينية وهل هناك من أمل لأن يتم اعتراف والإعلان عن دولة فلسطين على أرضها؟
* 'أنا أنظر لهذه الخطوة أو للقرار إذا ما صدر، الخطوة جميلة أن نحن كفلسطينيين عبر القيادة الفلسطينية بأن نتحدى القرار الأمريكي بعدم الذهاب إلى مجلس الأمن، أعتقد أنه مورس ضغوط كبيرة على الفلسطينيين لعدم القيام بهذه الخطوة، وبعد 18 سنة من المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لأول مرة أرى القيادة الفلسطينية تصمد عند موقف يصب في صالح كرامة المواطن الفلسطيني، أنا كفلسطينية شعرت بالفخر وشعرت أن كرامتي رجعت لي كفلسطينية، لأني كنت أينما رحت أتعرض للنقد كوني جزءا من الشعب الفلسطيني بسبب المفاوضات الطويلة والغير مجدية. والمواطن الفلسطيني كل هذه السنين وهو يواجه الاحتلال لوحده، والعالم العربي في بعض الأحيان يتظاهر، وفي بعض الأحيان الحكومات العربية أصلا تمنعه من التظاهر، والفلسطيني كان وحيدا لكنه موحد في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، أعتقد أن هذه الخطوة هي عززت الموقف الفلسطيني، وأكدت أن الأمريكيين ليسوا الوحيدين الذين يشرفون على هذه المفاوضات، هذه الخطوة جعلت بأن يكون هناك مجتمع دولي مشرف على المفاوضات إذا ما حدثت. الخطوة التي تخوفني أنني كلما سمعت الحديث عن حدود ال 67 يكاد قلبي يتقطع لأني أتذكر حيفا، أتذكر عكا، أتذكر اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وسوريا المشتتين في أوربا وأمريكا وغيرها، أشعر بتأنيب الضمير، لكن أرجع أقول ممكن اليوم 67 يمكن بعدين أن نكمل طموحنا وأحلامنا وتدريجيا ممكن أن نحصل على حقنا. لكن بما يخص القرار القادم أكاد أخاف ويشغلني هذا الخوف أنه دائما يوجد فيتو أمريكي لحماية إسرائيل، أعتقد لن تنحرج الإدارة الأمريكية إذا رفعت فيتو في وجه الدول العربية والقيادة الفلسطينية لمنع حصولنا على دولة على حدود 67 لأنها دائما تستخدم الفيتو لحماية إسرائيل والتعتيم على ما يحدث في الأراضي الفلسطينية. أعتقد اليوم اختلفت المعايير، وإن كانت إسرائيل تظل تحتمي بأميركا، لكن أنا سعيدة وفخورة بأن جزءا من كرامتي رجعت لي بعد مدة طويلة من المفاوضات العقيمة وعدم تحقيق أي شيء فيها، اليوم نحن نقف في الأمم المحتدة ونعلن: ننحن من فلسطين ورقم دولتي 194 بمجلس الأمن، لكن بنفس الوقت أنا متخوفة جدا على مستقبل اللاجئين الفلسطينيين، على حقوقنا بأرضنا'.
ثورة الشباب والربيع العربي، البعض يصفها بمخاض وليس ثورة، أنت كشابة ومن موقعك كإعلامية، كيف تنظرين لها، خاصة أنك غطيت من الميدان أخبار ثورة ليبيا؟
* 'مع بداية الثورة من تونس لم يكن أحد يتوقع ثورة ربيع عربي، كذلك مصر وقبل سنتين كانت تمر بتظاهرات وكانت تواجه وتقمع، لكن ربيع الثورات العربية كتب التاريخ من جديد للبلدان العربية التي غاب عنها ولسنوات طويلة أن يكتب فيها شيء تاريخي مهم بحق المواطن العربي، كنا في سبات عميق سببه القيادات العربية، مصر كانت كدولة عظيمة بتاريخها حولها النظام إلى دولة عاجزة غير قادرة على إطعام مواطنيها وتعاني البطالة والفقر ويحكمها مجموعة من اللصوص، كذلك تونس وانتصار ثورتها، ولكن غيرها ما زال يعاني. لذلك نظرتي لهذه الثورات أنها كتابة تاريخ جديد لكرامة المواطن والإنسان المظلوم. لكن السؤال هل هذه الثورات سوف تجني ثمارها؟ باعتقادي أن هناك تحديات كبيرة بين دولة وأخرى. في تونس ومصر إلى الآن لم يحدث أي تغير يذكر، وأعتقد أن نحكم على نجاح أو فشل هذه الثورات ظالم وسابق لأوانه أن نتكلم عن ذلك في هذه المرحلة، لأن الذين استطاعوا أن يقيموا ثورات ويغيروا النظام باستطاعتهم أن يديروا شؤون البلد، هذا أحدث التغير لمصلحة المواطن العربي. أنا ذهبت إلى ليبيا كموفدة أخبار لمدة شهرين، فعلا ما لمسته أن ليبيا تعمل وتخطو باتجاه إعادة بناء الوطن، وتبين لي أن المجتمع الليبي عاش في مرحلة جهل وقهر ومرحلة ظالمة جدا، أكثر ما لفت انتباهي أنه لا توجد مؤسسات حقوق إنسان كانت قائمة، لا توجد جمعيات مدنية، لا يوجد أي بنية تدل على وجود دولة ومجتمع وحياة تليق بالناس، فعلا تشعرين بأن الشعب كان على مدار 42 سنة يتعرض للاضطهاد، اليوم أعتقد بأن أي ثورة شبابها قاموا فيها سوف يحمونها لكي تتمكن من تحقيق أهدافها، وإذا لم تستطع تحقيق الأهداف فهي تعتبر موجة من الاحتجاجات اختلفت فيها وجوه الحكم وعادت وجوه أخرى تمارس نفس ما مارسه السابقون، عندها نبقى كمواطنين عرب في دائرة واحدة مغلقة نلف فيها. أنا أخشى أن تكون الثورات العربية مثل رش الرماد في العيون وينتهي الموضوع، وبعد صفاء الرؤية أرجو أن لا نرى أن السلطة التي حكمتنا عشرات السنين ترجع، لكن بوجوه أخرى!
هل مواكبة الإعلام لأحداث الثورات كانت منصفة برأيك أو أن المواقف تختلف من ثورة بلد إلى آخر؟
* 'أعتقد أن الإعلام، بشكل عام، كان مشتتا حسب الجهة الإعلامية التي تقوم بتغطية الحدث من قنوات إخبارية كبيرة، حتى صياغة الخبر من قناة لأخرى كان يختلف لأنه يتبع الخطة التي وضعتها القناة التي يعمل لديها كل مراسل، وليس البحث وراء المصداقية. كانت أهداف التغطيات الإعلامية واضحة بأجندات سياسة لكل محطة، بعض الإعلام كان قويا وقد استطاع أن يغطي ويحقق المطلوب، والبعض الآخر ونتيجة سياسته جعل نفسه غائبا أو مغيبا كأنه أصم لا يسمع ولا يتكلم، فقط اكتفى بعرض صور لمتظاهرين وناس يقتلون ولم يستطع تقديم الفائدة المرجوة للمشاهدين'.
هناك من وصف ما يقدم على الفضائيات بفوضى إعلامية وهناك من شبه بعض القنوات بغرف عمليات حربية، مما أدى لتغيرات في بعض الكوادر من مسؤليين أو مقدمين، وهناك من قدموا استقالاتهم لأسباب مختلفة، هل تغيير الأشخاص يمكن أن يغير اتجاه المحطة أو أن تغيير الوجوه ليس مهما برأيك؟
* أي تغييرات صارت بأي مكان فيه أخبار أو يطال غرفة تحرير ليس لها أي تأثير، كما أعتقد لأن سياسة المحطة دائما ثابتة. المراهنة أن قناة ما ستغير سياستها غير صحيح، لأن كل مؤسسة إعلامية لها سياسية معينة منذ إنشائها. المحطة هي التي تفرض السياسة على موظفيها وعلى قلم الصحفيين فيها. أما ما ينقله الإعلام من مكان الحدث فهو متعلق بما يحدث على الأرض، فمثلا في ليبيا ما تزال المعارك مستمرة، بينما معالم ما يحدث في سوريا غير واضحة لأن المكان غير مفتوح للإعلام المستقل، ومن يقول هل ما يحدث في سوريا ثورة إلى الآن غير واضحة المعالم لأن المعارضة لم تستطع إلى الآن أن ترتب صفوفها إلى جانب الشباب المتواجدين في الشارع. هل ستستمر في مظاهرات سلمية؟ هل ستتحول إلى ثورة مسلحة؟ إلى الآن لا يمكن التكهن بما هو قادم. كذلك اليمن رغم أن لها مدة طويلة، لكنهم لم يستطيعوا إحراز ما يريدونه من ثورتهم. كذلك في تونس لم يتغير شيء رغم أن الوجوه تغيرت. وفي آخر زيارة لي لتونس جلست وتحدثت مع أشخاص هناك سألتهم هل شعرتم بأي تغيير كان للأسف الجواب أنه تغيرت الوجوه الكبيرة، لكن أتباع النظام السابق ما زالوا يصولون ويجولون. إذاً، الثورات استطاعت تغيير الوجوه وأن تفرض نفسها على العالم، لكن إلى الآن لم يحصل التغيير. الإعلام ساحة كبيرة ومهمة استطاع بأن يوصل رسالة المتظاهرين والمحتجين والثوار إلى العالم. وفعلا بعض الفضائيات استطاعت أن تكون عبارة عن غرفة عمليات، لكن أنا أعتقد الأهم هو الحصول على الخبر المتميز والحصري الذي يقدم مصداقية ويؤثر في العالم. لكن ذهاب أشخاص وقدوم آخرين هذا لا يغير بسياسة أي محطة. في النهاية نحن صحفيون ولكل ما يراه، أنا أرى أن أتقرب من الشارع وأنقل معاناة الناس من أطفال أو شباب أو كبار وما يتعرضون له خاصة في هذه الأيام أفضل من أن ألتقي أي مسؤول أو أمير لأحصل منه على تصريح'.
بعض الفضائيات الأجنبية حازت على ثقة الشارع العربي في تغطيتها للثورات العربية أكثر من الفضائيات العربية التي كانت تدعي أنها بمستوى عالمي، المهم المصداقية في تقديم الخبر والصورة؟
* 'أنا إعلامية متواضعة، لكني إذا عدت إلى تاريخ الإعلام نحن إلى الآن كمؤسسات إعلامية ليس لنا في هذا المجال باع طويل ولا وقت طويل، هذا يؤخذ على إعلامنا المرئي والمقروء. مثلا، تقرئين أكثر من جريدة فتجدين أنها كلها نشرت نفس المواضيع ونفس الأخبار، كأنما تمارس عليها رقابة عالية، كلها تغني وتطبل وتزمر للأنظمة القائمة في أي بلد من هذه البلدان. نحن إلى اليوم لا نستطيع أن نقول إننا نمتلك الإعلام فعلا الذي يحمل بنية عصرية قوية. عندنا عدد لا بأس به من القنوات والمؤسسات الإعلامية لكن لا نستطيع مقارنة تاريخها مع تاريخ القناة الفرنسية، أو بي بي سي، مثلا. الإعلام العربي وليد جديد دائما خاضع للرقابة والقمع والتوجيه وفق ما تحتاجه الأنظمة العربية، وهذا يحد من قدرة الكاتب والصحفي الذي يعمل في هذه المؤسسات، يحد من الإبداع والابتكار. الإعلامي دائما يشعر نفسه كأنه مقيد لأنه غير مسموح له أن يقول ما يمليه عليه ضميره وواجبه، يشعر بأنه يعمل وفق ما تريده متطلبات القناة التي يعمل بها، وأي صحفي فعلا تحدده سياسة المحطة. لأن الإعلامي يعمل في باب رزق له لذلك لا يمكن أن يعارض محطة يعمل فيها إذا اكتشف حقيقة معينة وكانت لا تصب في مصلحة القناة، الصحفي الأجنبي يعرض وجهات نظر ما بين هذه الجهة وتلك الجهة، ويجمع ما بينهما لصالح الإنسان العادي، لأن القصة الصحفية موجودة مع الناس البسطاء هنا نجد القصص الإنسانية التي تحكي وتفضح الأنظمة وتفضح الإعلام الغير محايد، وإن كان بالأصل لا يوجد إعلام محايد. هنا القصص التي يجب أن تعمل مع الثورات والمعاناة في الشارع، ومتابعة ما يحدث في الشارع، الاهتمام بقضايا الناس العادية وليس البحث وراء رئيس أو مسؤول هنا وهناك، المهم كسب ثقة الناس العاديين'.
في ليبيا ومن منطقة البريقة، وراء خطوط القتال، كيف كنت تأخذين احتياطاتك في الصراع القائم بين الثوار وكتائب القذافي والمرتزقة، كيف كنتم كإعلاميين تحتاطون؟
* 'أنا سافرت من دبي إلى مصر وبعدها وصلت بنغازي، بقيت فيها لوقت معين، لكن كنت أطلع على مناطق أخرى أشتغل على قصص إنسانية. انتقلت إلى طبرق، درنة.. وغيرها، كما كنت أطلع من بنغازي باتجاه البريقة حتى أقوم بتغطية ما يحدث فيها، في ذلك الوقت كان الثوار بعدهم في خط 40 قبل أن يصلوا إلى المدنية، لكن أكثر ما يسبب مضايقة للصحفي في الميدان هو تدخل الأشخاص الذين ليس لهم علاقة بالإعلام بأن يعطوه توجيهات، هذا يقتل الإعلامي وتغطيته، وهذا ما كنت أواجهه مع الصحفيين الآخرين. لم يكن هناك قيادة موحدة للثوار. مثلا: كان شخص يقول لنا صور بهذا الاتجاه، بينما آخر يشير لنا وعلى نفس الاتجاه أنه ممنوع التصوير هنا، فعلا كنا كإعلاميين أحيانا نقف متسائلين: إذا كان ممنوع التصوير بهذا أو ذاك الاتجاه، كيف سأحصل على المادة التي يجب أن نحصل عليها؟ كنا ندخل في نقاشات مع الثوار نقول لهم نحن جئنا لنعمل لصالحكم حتى نرسل البث من عندكم على خط 40 بعدها في خط آخر بعدها في النار الحمراء، جئنا لنرسل عن أعمال الثوار. فعلا أنا كنت أصدم بأعمار الثوار، أكثرهم أعمارهم صغيرة لكنهم يقاتلون لحد الموت من أجل الحرية. طبعا وضع الإعلامي لا يضمن سلامته في مثل هذه الأحداث وتبادل إطلاق النار والقذائف، والطيران الحربي يرمي أهدافا، كنا نرى مثلا السيارة فيها مجموعة من الشباب لكنهم كانوا يضحكون رغم أن بينهم مصابين ومنهم من بترت رجله أو يده وبعضهم عندهم إصابات حرجة، لأن البريقة كانت كتائب القذافي زرعتها ألغام. ولما كنت أسأل أحدهم عن شعوره يقول: كنا نشعر بالسعادة حتى الموت في سبيل الحرية، المهم النصر هو طلبنا. فعلا مشهد رائع وأنا أرى الشباب يتقدمون رغم معرفتهم بأن الأرض مزروعة بالألغام من تحتهم والقذائف من فوق رؤوسهم، مع ذلك يقاتلون ويتقدمون. وكنت قبل فترة قد التقيت بشاب صغير من مدينة البيضا اسمه محمد عند خط 40 وأجريت معه لقاء، وبعد مدة اتصلت به وسألته وقتها كيف الوضع في البريقة؟ كيف معنويات الشباب؟ قال لي: أنا انفجر بي لغم وأنا في مستشفى بنغازي. أنا وقتها تحركت لزيارته ليس إعلاميا بقدر ما هو إنساني، لما وصلت كنت أتوقع أن أرى شابا بنفسية صعبة، وإلا هو وثلاثة مصابين معه وكلهم يتحدثون بروح ومعنويات عالية وقالوا: 'للحرية ثمن ونحن نسعى إلى الحرية'، وأخبروني أنهم سيعودون إلى القتال بين الثوار عندما يستطيعون ذلك، وأكدوا: 'إننا نبحث عن الحرية من أجل أولادنا، لأننا نحن عشنا بالخوف طول حياتنا ولا نريد لأولادنا أن يعيشوا بالخوف والذل مثلنا'. فعلا وجدت عند هؤلاء الشباب هذه الجرأة وكأن الظلم والقهر الذي عاشه الشباب أدى إلى الانفجار وطرد الخوف من القلوب، وقد شعرت بتوحد الشعب الليبي وهو يطلب الحرية'.
ألم تشعري بالخوف في جبهة القتال؟ وهل يزول عنصر الخوف عند المراسل الحربي ويصبح كثائر؟
* 'أنا كإعلامية كنت أغطي الأحداث في الميدان ما كنت أحس بالخوف ورهبة الجو، لكن الفرق بين الشجاعة والجبن، هو أن الشجاع يسيطر على مشاعره بينما الجبان لا يستطيع ذلك. تصوري كنت أصل إلى الجبهة وأنا الفتاة الوحيدة بين مجموعة كبيرة من الشباب، وكانوا يتعجبون مني لأنهم كانوا عند سماع صوت المدفع ينزلون وراء السواتر، بينما أنا أبقى أراقب فيقولون: 'هاي فلسطينية معتادة ما عندها مشكلة وما فيه عتب عليها'! ويمكن أكثر شيء كان يساعدني في الميدان هو أني كفلسطينية تعودت على سماع صوت الرصاص والمدفع خلال الانتفاضة والاجتياحات الإسرائيلية وما كنت أخاف، وفي ميدان القتال كان كل همي أن لا يفوتني شيء وأن أقوم بعملي بدقة ونجاح وأن أقدم تقريري بشكل كامل عن كل ما يجري أمامي على الأرض، وكنت أسيطر على مشاعر الخوف. ويمكن أن تكون هذه هي الحسنة الوحيدة التي علمنا إياها الاحتلال، وعندما صرت أطلع بمهمات إلى جبهات أخرى كنت أسيطر على نفسي بتلك المناطق وما يشغلني غير عملي بعيدا عن الخوف'.
طبعا كنت ترسلين الأخبار وزرت مستشفيات وشاهدت وجود ألغام، وخاصة ألغام مزدوجة، سؤالي هو حول مصداقية الخبر: كيف كنت تتأكدين من المصداقية في عدد القتلى، مثلا؟ هل تأخذين الخبر مكتوبا أو تزورين المستشفيات وترين القتلى والمصابين لترسلي الخبر، خاصة وأن هناك أخطاء عديدة ارتكبتها طائرات الأطلسي؟
* 'في ليبيا كنا فعلا نواجه هذه المشكلة، والصعوبة كانت كبيرة من أين نحصل على مصدر الخبر، ومصادرك تكون موجودة أحيانا في نفس المكان لكن كل شخص يعطيك إياها بطريقة مختلفة. في بعض الأحيان لما كنت بالبريقة، كنت أسألهم: كيف الأوضاع؟ فيأتي قائد ويقول من باب رفع المعنويات: القتال لمصلحتنا ونحن نتقدم. ولكن أعود فأسأله عن وضع الإصابات وأنا أرى سيارات الإسعاف تروح وتجيء، فيقول: كلها إصابات بسيطة. وهذا يثير الشك، خاصة إذا علمت بوجود لغم للدروع انفجر، وأنا فعلا دخلت المنطقة وكنت حذرة من وجود بعض الألغام التي ما أزالوها بعد، وشفت لغمين مزروعين معا بحيث لما يتم فك اللغم الأول ينفجر الثاني ويسبب ضحايا. ولما كنت موجودة بمنطقة البريقة كانت خاضعة لقوات كتائب القذافي، والثوار كانوا يحاولون دخولها والإصابات التي تحدث كانوا ينقلونها إلى مستشفى أجدابيا، وبعد إجراء الفحوص والإسعافات الأولية كان يتم نقلهم إلى بنغازي. وفي بعض الأحيان يمكن أن تأخذي الخبر من الشخص الذي كان فعلا على خط النار. وأحيانا أقف عند المستشفى الميداني، وإذا جاءت سيارة إسعاف أكون جاهزة لمعرفة ما تحمل من شهداء أو إصابات، وكنت أسأل الناس العاديين الذين لا يفكرون بالأبعاد النفسية والسياسية وإنما يخبرون بما شاهدوه فعلا بلا مبالغة أو تخفيف. وحين أسألهم مباشرة: كيف الوضع؟ كانوا يقولون: كانت النار حامية، ونحن كنا متقدمين ولكن اضطررنا للتراجع، والثوار حاولوا أن يقوموا بالالتفاف لكن صار عليهم التفاف. وفي مرات عديدة كنت أعتمد على هذه المصادر أكثر من الاعتماد على مصادر المستشفيات. كما أن المقاتلين العائدين من خط النار يعطونك جوابا كافيا وحقيقيا أكثر من السياسيين أو المشرفين من بعيد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.