لجنة أمن ولاية الجزيرة تقف على ضبط 1880 قندول بنقو    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الحكومة تؤكد عودتها الكاملة إلى الخرطوم.. ولقاء حاشد للإعيسر مع الجالية السودانية بالكويت يعكس التفافاً وطنياً واسعاً    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: البغلة في إبريق (شيخ اللمين)    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هالة البدري بعد صدور روايتها 'مطر على بغداد': الالتزام لا يتناقض مع الفن وجيل السبعينيات تم إقصاؤه
نشر في الراكوبة يوم 03 - 02 - 2012

القاصة والروائية هالة البدري واحدة من كاتبات جيل الوسط في مصر، أو ما يطلق عليه جيل السبعينات. قدمها يوسف إدريس منذ بداية الثمانينات واعدا قراءها بميلاد كاتبة مهمة.
وها هي البدري تواصل مسيرتها بدأب. فقبل عدة أشهر أصدرت روايتها الأخيرة 'مطر على بغداد'.
الرواية الجديدة للبدري تمثل حصادا لست سنوات قضتها الكاتبة في عاصمة الرشيد كمراسلة صحافية لمجلة روز اليوسف التي كانت تعمل بها بداية حياتها الصحافية، كان ذلك في الفترة من 1975 الى 1980، غير أن بقاء الرواية في صدر كاتبتها طيلة هذه السنين يعني الكثير.
فالرواية التي تقوم في جزء كبير منها على الجانب التاريخي والمعرفي لاسيما فيما يتعلق بتاريخ العراق الحديث تعكس تحولا وتطورا ملفتا في مفهوم البناء الروائي لدى البدري، وهو مفهوم يبدو مغايرا بدرجة واسعة لرواية السيرة الذاتية التي يلاقي رواجا في أيامنا.
غير أنه يمكننا التأكيد على أن الأبنية المعرفية التي تسربت في أجواء الرواية لم تنل من انطلاقاتها السردية أو من بنائها الفني وقيمها الجمالية، ومن ثم فهي تمثل إضافة حقيقية لمشروع هالة البدري الروائي.
وفي هذا الحوار تتحدث البدري عن رواياتها الجديدة والقديمة، لاسيما روايتها ' امرأة ما' باعتبارها علامة في مشوارها الإبداعي وكذلك باعتبارها كانت نبوءة بروايتها الجديدة على ما سنرى في هذا الحوار، كما تتحدث عن جيل السبعينات الذي تنتمي إليه وعن كتابة المرأة، ودور المؤسسة الثقافية في مصر، وعملها الصحافي الذي ما زالت تمارسه حتى الآن حيث تشغل منصب نائب رئيس تحرير مجلة 'الإذاعة والتلفزيون'
حول هذه القضايا وقضايا أخرى مختلفة تتحدث صاحبة 'مطر على بغداد'..
وهنا الحوار:
*كيف تنظرين الى شكل السرد في روايتيك 'امرأة ما' و'مطر على بغداد' هل ثمة علاقة، فالشكل في الروايتين جاء وفيا الى حد كبير للشكل التقليدي الراسخ رغم عدم وجود مركزية للحدث؟
*كل رواية تختار شكلها وأحيانا أثناء الكتابة تطرح عدة أشكال. بالنسبة لرواية 'مطر على بغداد' فقد عشت في العراق حوالى ست سنوات وشهدت هذه الفترة تطوراً واسعا على عدة مستويات المعرفية والاجتماعية والسياسية، وكانت جاذبة للمثقفين والراغبين في العمل بسبب الأحداث السياسية في معظم الدول العربية والتي كانت سبباً في هجرة واسعة إلى دول عربية أخرى. لذلك شعرت بأهمية تقديم هذه الفترة في عمل روائي خاصة أن معرفتي بهذا العالم ستساعدني على تقديم صورة واقعية لهذه الحقبة الزمنية في دولة شديدة الأهمية، ومع ذلك لم أقدم سيرتي الذاتية لكنني منحت تجربتي الصحافية لنورا بطلة الرواية وهو أمر طبيعي. أما على مستوى البناء فقد قدمت معلومات كثيرة في النص لأن الرواية الحديثة لم تعد سرداً لقصة حب أو حادثة مر بها البطل، وإنما صارت فناً معقداً جداً ويعكس حياتنا اليومية بشكل فني، ولكن تبقى مسؤولية الكاتب الأساسية هي تقديم عمل أدبي، ومن المستحيل أن يترك رغبته في تقديم معلومة على حساب السرد في النص الأدبي لأن الأولوية للفن وليس للمعلومة. أنا لم أقدم المعلومة على حساب الفن بل سعيت لتقديم بناء سردي مختلف تماماً ولم يقدم على الإطلاق في أي رواية وقدمت قدر ما أستطيع نوعاً من الفن أنا راضية عنه.
لكن رواية 'امرأة ما' طرحت شكلها منذ البداية والغريب انه اثناء الكتابة لاحظت انني حين اكتب عن ناهد وعمر بطلي الرواية تختار الكتابة شكلا محددا يبدأ بالفعل المضارع، في حين انني عندما اكتب عن علاقة البطلين بأبطال آخرين، تختار الكتابة الفعل الماضي والاسترسال في حين ان الشكل كان مقاطع قصيرة، كأنها ارادت ان يكون كل ما له علاقة بناهد وعمر هو متمرد حتى على الشكل، في حين ان العلاقات الاخرى كلاسيكية حتى في الشكل.
وهو ما يعني ان الدراما تختار الشكل الانسب لها حسب درجة الحركة والتداعيات، وهنا لا يمكن الحديث عن شكل قديم او جديد، فقط يمكن الحديث عن ملاءمة الشكل للمضمون.
*وكيف تفسرين الارتباك الفادح في علاقة بطلي الرواية ناهد وعمر، هل هو جزء من التطرف السياسي المرتبك الذي ساد حقبة السبعينات؟
*هذا يرجع للتركيب النفسي لناهد وعمر المتردد بين الثابت والاصلي والمتمرد بين السكون والثورة، المتردد في اهم قرارات حياته، وهذا يرجع لضغط العامل الزمني السريع الطلقات ولتشبث الاخرين بالقواعد العامة بغض النظر عن صلاحيتها وصدقها، فستجد ان ناهد وعمر على علاقة حب رغم ان كلاهما لديه اسرة والحياة مستمرة وهما لا يستطيعان ان يأخذا قرارا بالانفصال او الاتصال واقامة حياة متوازنة وطبيعية، هذا يحدث في ظل ظروف اجتماعية ضاغطة عليهما سواء كان متعلقا بالظرف السياسي العام او بالنسبة للوضع العائلي والاجتماعي.
*هل تعتقدين ان اختلاف المعالجة في دراما الرواية يرجع لكون الكاتبة انثى، وهل كان سيتغير الوضع لو كان الكاتب رجلا؟
*لا اعتقد ان اختلاف المعالجة يرجع لكون الكاتبة انثى رغم ان بعض النقاد اشاروا الى هذا، لكنني ارى ان الاختلاف يأتي من اختلاف الكاتب نفسه ومرجعيته الثقافية ومستوى موهبته، وماذا يريد من الكتابة. واتصور ان الفكرة في حد ذاتها وهي مشكلة الحب في العلاقة بين المرأة والرجل قد تمت معالجتها مئات المرات منذ عرف الانسان كيف يعبر عن الحب ابداعيا، وكان امامي ان اختار الحب العصري الآن، وكيف يكون وسيلة للتعبير عن الانفصام الذي يعيشه المثقف العربي في ظل التغيرات الدولية والوطنية من حوله، لان الحب هو اقرب الاشياء التي تكشف جوهر هذا الانسان الذي رأيت انه يعيش انفصاما بين رغباته الخفية وامكانيات اعلانها ويضطر في معظم الاحيان لان يعيش على نظام وطرق حياة هو يرفضها كلية ويتواطأ في السكوت على مضارها، كما حدث مع عمر في تكبيل امكانياته، في اعلان المعلومات التي وصلته عن عاصفة الصحراء وعن ضرب العراق باليورانيوم المنضب واضطراره لترجمة مقال لروبرت فيسك مراسل 'الاندبندنت' البريطانية بما فيه من معلومات عن فداحة نتائج ضرب العراق باليورانيوم المنضب وبذلك يهرب من مطاردة الرقابة له باعتباره رأيا شخصيا. في هذه الواقعة استطاع عمر التحايل في حين انه عندما اوشك على اكمال روايته المتاهة صدم في موقف الناس والشارع المصري تجاه قضية وليمة لاعشاب البحر وكان عليه ان يختار بين حريته في الكتابة وارضاء الجميع من اجل النشر فاختار حريته، وهذا هو الموقف الثوري الوحيد، ان يكتب بحرية ويؤجل قضية النشر لحين حل المسألة في مصر او غيرها لكنه لم يستطع هو او ناهد ان يحلا هذا الانفصام في حياتهما الشخصية.
واعتقد ان هذه المرحلة من تاريخ مصر والامة العربية لم تغط فنيا بشكل كاف وهذا الجيل وهو جيل السبعينات الذي هو جيلي، كان يقف على الحافة بين الرومانسيين او الحالمين الثوريين الذين ولدوا في مناخ الثورة والموجة الكاسحة التي هدمت كل شيء بعدها. هذا الجيل قدر له ان يتم عزله وتهميشه لان ادواته لم تكن قد هيئت للنظام القادم. لهذا يا سيدي ستجد ان الجيل التالي، حتي في الابداع، يعرف طريقه جيدا للوصول الى هدفه بشروط العصر. بالطبع اثر هذا الجيل في مسار التجربة المصرية التي رأيتها بعيني ولكن يتم اخفاء هذا بكل السبل. انظر حولك لن تجد ابناء السبعينات في اي موقع قيادي، ستجد الذي سبقهم والذي يليهم واتصور ان هذا متعمد، لان طريقة التفكير لا تناسب ما يحدث الان، حتى في الدراسات الاجتماعية يتم القفز على هذه الفترة، ربما لم يولدوا بعد !
واستطيع القول إن أبناء هذا الجيل مسؤولون مسؤولية مباشرة عن هذا الوضع، فلم يفرزوا منظرين ونقادا لقراءة اعمالهم على كل المستويات. وأحيانا اشعر انهم استسلموا مبكرا، وربما كانت الموجة اقوى من احتمالهم.. لا اعرف.
*هل ما زلت تعتقدين بأهمية مفهوم الالتزام والدور الذي يمكن ان ينهض به النص الادبي؟
*ما زلت مقتنعة بمفهوم الالتزام، والالتزام هنا بانسانية الانسان والعدالة الاجتماعية الذي لا يتناقض مع الفن للفن، بمعنى انه ايا كان الموضوع الذي يطرحه الكاتب في الحب او في الحرب هو لتمجيد الانسانية وكرامة الحياة بواسطة انسان حر، كيف يتمكن الكاتب من ارسال هذه الرسائل من اعلى مستوى فني؟ هذه قضيته لانه صاحب رسالة ولانه يحب ان يضيف شيئا جماليا لما يقدمه، والا فما ضرورة ما يقدمه. وانا من الذين يؤمنون بالاستمتاع من الطرفين الكاتب والقارئ. هذا ما يمكن ان تطلق عليه الصنعة. فلا بد ان يتمتع الكاتب بالحرفية اللازمة لتوصيل مشروعه بالصورة اللائقة التي نجذب القارئ أيا كانت وسيلة الجذب حتى لا يلقي القارئ بالكتاب جانبا.
*وهل يمكننا تفسير التركيز على الرواية لدى الكتاب والناشرين والقراء ان هذا هو زمنها.. وما هو دور الفنون الاخرى اذن؟
*هذه مرحلة استطاع فيها فن الرواية الذي يجمع كل فنون الكتابة ان يعبر عن الصراع العميق سواء بين الفرد ونفسه او بين الفرد ومجتمعه الاصغر فالاكبر فالاكبر، واستطاعت الرواية التي لم تنته الى شكل محدد بعد اختراع انماط من البيئة واللغة تتنوع بحسب الحاجة الى الكتابة مما اعطاها مرونة مطلقة جعلت الكاتب يطوعها لارادته وبالتالي امكنه ان يجاري ويلاحق سرعة التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من حوله. هذا ما جعل للرواية الريادة الان لكن هذا لا يمنع الحاجة الى كل الفنون الاخرى ولكن دفعها الى محاولة تطوير اجبارية لكي تواكب بنفس السرعة امكانيات العصر.
اما بالنسبة للمستقبل اعتقد ان الامر سيتوقف على امكانية الكتاب في ابتكار اشكال جديدة تناسب المفاجآت القادمة للبشر، اما السوق فله آلياته التي تعتمد على العرض والطلب لأننا لا نستطيع ان ننكر عنصر التجارة وراء النشر وان ما يطلبه السوق هو الذي سينعش احد الفنون. الان وللأسف الشديد لا يستطيع الشاعر الفرنسي ان يطبع ديوانا من ألف نسخة بل مئات توزع باليد في معظم الاحيان في حين ان الرواية يمكن ان تطبع في ملايين النسخ.
*وكيف تنظرين الى الكتاب الجدد الذين يتحدثون عن رواية وكتابة بلا ماض، وبلا أب، وكيف ترين المنجز الروائي العربي الراهن؟
*انا لا اصدق ان ينشأ في الرواية او في اي إبداع كائن بلا جذور وبلا أب. كل ما نكتبه هو حصيلة تاريخ وسأضرب لك مثلا بما اعرف عن نفسي. لقد استفدت من كل ما قرأت سواء اعجبني او لم يعجبني وربما أكون استفدت اكثر مما لم يعجبني لانني تأملت هذا طويلا وكل مشهد لأي كاتب دخل في نسيج التفكير ولا يمكن عزله عني اثناء الكتابة، لان عملية الخلق والإبداع تتم في بوتقة تنصهر فيها كل العناصر والتي تلعب المرجعيات الثقافية فيها دورا أساسيا. ولهذا ارى في تفاصيل يوميات هيمنغواي وأرى شتاين بك ايضا رغم اتساع الهوة بينهما. اين اذن جيمس جويس أليس هو أب هذه التفاصيل. لم اقرأ للان اهتماما باليومي قدر عوليس ولم يبتعد هذا في جانب آخر عن الشيئيين وعن مدرسة آلان روب غرييه التي تم رفضها بعد ذلك التي استطاع ادباء امريكا اللاتينية بتجاوزها ان يغزوا العالم في حين توقف الأدباء الفرنسيون عند مرحلة معينة لعدم القدرة على التخلص من فكرة انها النظرية التي طورت الرواية ويجب الحفاظ على تقديم خطوة في نفس الطريق، وهو ما جعلنا لا نقرأ رواية فرنسية عظيمة تنافس ادب امريكا اللاتينية.
اما الكاتب المصري والعربي الان فيقدم مشهدا متنوعا شديد الثراء ولا اكون متعصبة اذا قلت لك وانا اتابع بشدة ما ينتج في العالم كله ان الكاتب العربي موجود بقوة في المشهد العالمي بما يقدمه من تنوع وثراء في اللغة. وسأضرب لك امثلة كثيرة من المغرب العربي مثل بن سالم حميش، الميلودي شغموم ويوسف فاضل، ولا نستطيع ان ننسى محمد شكري ومحمد برادة، وفي الجيل الجديد شعيب حليفي ومن الجزائر واسيني الاعرج، ورشيد بوجدرة، ورزاق بغطاش والحبيب السالمي وابراهيم الكوني وصالح السنوسي الى جانب المشرق العربي وتجاربه المعروفة. واعتقد ان الشكل الروائي في مصر ليس قاصرا على منجز ولا شكل بعينه، فأين يمكن ان نضع ادوار الخراط وابراهيم عبد المجيد وبهاء طاهر ومصطفى ذكري وسلوى بكر وعبد الحكيم حيدر وجميعهم اصحاب تجارب مختلفة ومتباينة وهناك عشرات الامثلة.
*جيل السبعينات وانت واحدة منه، كيف ترين موقعه بين جيل الستينات الباذخ والكتابة اللاحقة عليه. هل تعتقدين ان ثمة وجودا لهذا الجيل؟
*جيل السبعينات هو المنتج الفعلي في اعلى مستويات الاداء في اللحظة الراهنة. فجيل الستينات قدم معظم انتاجه وقد يفاجئنا بعضهم بتحول ما من حين الى حين ولكن هذا التحول في عمومه نادر لان كلا منهم يوشك على اكمال مشروعه، في حين ان جيل السبعينات هو الذي يفاجئنا في العدد الاكبر من الاعمال بالتحولات المفاجئة بمعنى انك لا تستطيع ان تتنبأ بشكل وموضوع الرواية القادم عند كل من ابراهيم عبد المجيد، عبده جبير، سلوى بكر، هالة البدري، يوسف ابو رية وغيرهم هذا بالاضافة الى غزارة الانتاج لانهم في عنفوان العمر بعد اكتساب تجربة طويلة في الكتابة والحياة. لذلك فهم ما زالوا يتمتعون بروح المغامرة. ورغم الصعوبة التي واجهوها بين مطرقة جيل الستينات الذي يسيطر على جميع المناصب الإدارية في الحياة الثقافية وسندان جيل التسعينات المساعد لجيل الستينات، ورغم هذا إلا أن إنتاجهم قد فرض وجوده على الرغم ان الاعترافات بذلك أحيانا كانت تأتي عبر الناقد العربي والأجنبي قبل الناقد المصري، أقول هذا رغم أنني قوبلت باهتمام نقدي كبير وتقدير عال ولكني أتحدث عن المشهد العام.
*انت صحافية حتى الان، ما الذي قدمته لك الصحافة، وما الذي نالته منك، وما الذي يمكن ان تقوليه للكتاب الذين يعملون بالصحافة؟
*ما زلت اعمل بالصحافة ولكني قلصت دورها كثيرا حتى وصل الى كتابة عمود اسبوعي في مجلة 'الاذاعة والتلفزيون' التي اشغل فيها منصب نائب رئيس تحرير، وقد كنت احد كتاب جريدة 'القدس العربي' وما حدث في عام 1994 حين اعتذرت عن الكتابة لكي اتفرغ للكتابة الابداعية وانهي روايتي 'منتهى' على ان اعود بعد انتهائها وهذا ما لم يحدث حتى الان، اذ فضلت التفرغ بإدراك ان الركض وراء عشرة ارانب لن يجعلني امسك بواحد منها. اعطتني الصحافة حرية الحركة ذلك ان المرأة العربية مهما اتسع مجتمعها وانفتحت تجاربها فهي في النهاية محدودة، لكن عالم الصحافة قدم لي الدنيا بأسرها، الناس والفكر وهو اهم ما قدمت لي الصحافة ولكنها اخذت مني الوقت وهو ما جعلني في لحظة اقف لكي احدد لها وجودا في حياتي. التناقض بين حياة الاديب الذي يحتاج الى كهف وحياة الصحافي الذي يحتاج الى العراء واضحة وكان علي ان اختار، فاخترت الخروج الى العراء في اوقات محددة والعودة سريعا الى الكهف ليكون هو عالمي.
واستطيع ان اقول للكتاب الذين يعملون بالصحافة عليكم ادراك ان الصحافة لا تقبل شريكا وان تختاروا الوقت المناسب لتحديد سيطرتها عليكم حتى لا يضيع الوقت لان الكاتب يحتاج الى زمن طويل لكي ينضج ابداعيا وتتكامل ادواته والكتابة الابداعية هي جهد اكبر والموهبة تكملها.
وقد تعلمت من الصحافة ان ادرس موضوع روايتي ومناخها واماكن تحرك الابطال وشخصياتها بشكل بحثي يساعد على ارساء قواعد وارضية ثابتة وعميقة لكي اطرح عليها الافكار، يظهر هذا في رواية 'منتهى' التي استمر بحثي قبل بدايتها عشر سنوات كاملة وكذلك في ليس الان التي اخترت فيها موضوع الصراع العربي الاسرائيلي بما فيه من حروب تقتضي معرفة فنية عسكرية بالاضافة الى الاحداث التاريخية بالطبع.
القدس العربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.