أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الروائي السوداني أمير تاج السر: الرواية بيت شاسع يتسع لكل الفنون الكتابية
نشر في الراكوبة يوم 19 - 03 - 2013

أمير تاج السر، مبدع تدرج في مراقي الكتابة ليصبح أسيرا للرواية، بدأ شاعرا يكتب بالعامية قصائد تغنى بها المغنون، وكان يطبع نصوصه بنفسه ويوزعها على أصدقائه ممن أصابتهم لوثة الشعر، واستمر معه الشعر بتمثلاته المختلفة إلى حدود 1985، حيث نضجت نصوصه الشعرية، وبدأ شعره ينشر في كبريات المجلات الأدبية.
وتوج مساره بديوان شعري 'أحزان كبيرة'، لكنه سيفاجئ الجميع حينما سيصدر روايته الأولى 'كرمكول' سنة 1987، تلك الرواية التي كلفته رهن ساعته النفيسة، ويبرر الكاتب انتقاله من الشعر إلى الرواية باعتباره مصادفة محضة، أي أنه لم يخطط لكي يصبح روائيا، حيث لاحظ أصدقاء المبدع أنه يكتب بنفس سردي عميق، ليرتحل الكاتب إلى بيت الرواية ويقيم فيه، لكن الكاتب سيتوقف عن الكتابة لمدة فاقت ست سنوات، وهي المدة التي جعلته يفكر مليا في أنساق رواياته.
وتمثل مرحلة الاستقرار في الدوحة، المرحلة الأكثر عطاء وانتاجا، حيث سيقرر سنة 1993 السفر إلى قطر ليستقر هناك، ليبدأ سفره نحو عوالم الرواية، ففي سنة 1996 سينشر روايته الثانية 'سماء بلون الياقوت' ثم رواية 'نار الزغاريد' و'مرايا ساحلية' و'سيرة الوجع' و'صيد الحضرمية' و'عيون المهاجر' و'إيبولا76' و'توترات القبطي' و'مهر الصياح' و'زحف النمل' و'صائد اليرقات'.. إنه متن روائي غني يفوق 18 رواية، وهي روايات غنية ومتنوعة في أشكالها الجمالية وأنساقها البنائية، حيث يوظف الكاتب في أعماله التاريخ باعتباره متخيلا، والمعرفة الشعبية والطبية وغيرها من المعارف، كما يلون الأحداث بأبعاد شعرية تزيد من قوة درامية العمل الروائي.
إن أمير تاج السر حالة إبداعية فريدة من نوعها، معه كانت لنا هذه الفسحة، حيث مكننا من السفر في بداياته وتحولاته ونضجه، في هذا الحوار يعبر الكاتب عن قضايا آنية منها ما هو إبداعي ومنها ما هو اجتماعي ومنها ما هو سياسي.
*قضيت زهاء سبع سنوات وأنت محتجز في مختبرات طنطا، تبحث في تخصصات دقيقة: أمراض القلب والجهاز الهضمي والغدد والهرمونات.. وحينما تخرجت طبيبا للأمراض الباطنية، بدأ نتاجك الروائي يطوف العالم، ما علاقة هذه الأمراض التي درستها بالدهشة والمفارقة والتعالي والبطل الإشكالي والعجائبي والمكان..، ما علاقة هذا التخصص الدقيق بجنس أدبي يتيح لك مساحة شاسعة للبوح؟
*ظاهريا لا توجد علاقة مباشرة بين الدراسة الأكاديمية، والكتابة الإبداعية، التخصصات العلمية يمكن مواصلتها ونيل شهاداتها بالصبر والاجتهاد فقط، ولا تحتاج لموهبة صغيرة أو كبيرة. ربما تحتاج إلى حب، وقد أحببتها وأخلصت لها وما زلت أتعلم كل يوم وأعمل في مجال تخصصي. على عكس الإبداع الذي يولد به الإنسان، هنا لا بد من موهبة تظهر في الصغر وتنمو بعد ذلك بنمو الإنسان، وقد كنت منذ صغري أحب الآداب وعلمني والدي القراءة مبكرا وبالتالي نشأ حب القراءة معي، وما زلت أذكر الكتاب الأسبوعي الذي كان يحضره صاحب مكتبة في مدينة بورتسودان، كان يتعامل مع والدي اسمه رفعت ضرار، ويلقيه من فوق حائط البيت، ونتسابق أنا وإخوتي للحصول عليه أولا، من كتب رفعت إلى النبش في المكتبات بعد ذلك، توطدت العلاقة بيني وبين القراءة، وبدأت أكتب قصصا بوليسية وأنا في المرحلة الابتدائية، ثم طرقت الشعر في المرحلة الإعدادية واستمررت معه سنوات طويلة قبل أن أتحول لكتابة الرواية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي. إذن كانت الموهبة أولا ثم حب القراءة، ثم الصبر الذي احتجت إليه في الدراسة وفي الكتابة.
*بدأت مسارك الإبداعي شاعرا يحلو له أن يقتنص الاستعارات، وتوجت هذا المسار بديوان غارق في الرومانسية 'أحزان كبيرة'، ثم سرعان ما غيرت بوصلتك الإبداعية نحو الرواية، كيف حصل هذا التحول؟ ما هي مبرراته؟ أيعود ذلك إلى تراجع قوة الشعر لصالح الرواية أم أن الشعر لم يسعفك في بناء متخيل مغاير كما هو الحال في رواياتك؟
*نعم بدأت بالشعر، ولكن ليس 'أحزان كبيرة'، فقد كتبت قصائد بالعامية أو أغنيات تغنى بها عدد من المطربين، و'أحزان كبيرة' جزء من حصيلة قصائد كتبتها وأنا في الجامعة وما زلت أملك قصائد تصنع عدة مجموعات شعرية. لقد كان لجوئي للرواية، مصادفة بحتة، حين لاحظت ولاحظ أصدقاء لي أنني أكتب قصيدة مليئة بالحكي، وشجعوني على طرق الرواية، وفعلا كتبت رواية اسمها كرمكول، صدرت عن دار الغد التي كان يملكها الشاعر الراحل كمال عبد الحليم، وأظنني ذكرت مسألة رهني لساعتي الرولكس من أجل نشرها، كثيرا، وبعد أن نجحت كرمكول، لم أكرر المحاولة إلا بعد ست سنوات، ثم وجدت نفسي مع الرواية وإنها بالفعل بيت شاسع المساحة يمكن أن يؤوي كل الفنون الكتابية، وها أنا ذا كما تعرفني.
*لم تشف من الشعر بدليل عبوره إلى رواياتك، حيث اهتديت إلى لغة يتقاسمها السردي والشعري، وكأنك تصر أن تكون شاعر الرواية الذي يكتب بذهنية شعرية، وهذا الاختيار يجعلك تفكر في خلق معجم شعري يحمل الدلالات التي تود إيصالها للقارئ، ويحضر الشعر كذلك في نصوصك باعتباره موضوعة كما هو الحال في رواية 'زحف النمل' التي عمدت فيها إلى تكسير رتابة السرد بمقطوعات غنائية هي من إبداعك، ألا تخاف وأنت القادم من حقل غامض هو حقل الشعر أن تشوش على قارئ قد لا يجتهد في فهم استعاراتك؟
*كانت ذهنية الشعر سائدة في البدايات، بها كتبت 'كرمكول' و'سماء بلون الياقوت' و'نار الزغاريد'، و'صيد الحضرمية'، لكني وصلت لتلك المصالحة الكبرى بين الشعر والسرد وأسلوبي لم يعد يزعج أحدا، هناك من يحبه وهناك من لا يحبه، لكنه أسلوب واضح، رأيي أن الكتابة بلغة جيدة، تشد القارئ كثيرا، وأنا تناسبني اللغة اشعرية لكن الواضحة، وليست مجرد نزيف وصور بلا دلالات، ومؤخرا أعدت كتابة روايتي 'صيد الحضرمية'، المنشورة من قبل مرتين، وأعتقد أنها سابقة لم تحدث وهي أن يقوم أحد بإعادة كتابة نص منشور، لقد كتبتها بأسلوبي الحالي وسأنشرها مؤخرا، ولا أخشى من المقارنة بين النصين.
*إلى جانب الشعر، نجدك تعزف في أعمالك الروائية على قيثارة التاريخ كما هو الحال في رواية 'توترات القبطي'، وتعزف على إيقاع الحكاية الشعبية وموروثها كما في رواية 'مهر الصباح'، وتعزف على المعرفة الطبية كما في رواية 'إيبولا 76'، ثم نلمس في هذه الأعمال وغيرها اشتغالا قويا على العواطف والمشاعر. وأنت تفتح رواياتك على حقول معرفية متنوعة، ألا تخشى السقوط في فخ التاريخ، أو الأنثروبولوجيا أو المعرفة الطبية.. وعوض أن تكون روائيا، ستصبح مؤرخا أو أنثروبولوجيا أو عالما، أم أنك تهدف إلى تحصين أعمالك بمعرفة مؤطرة؟ لماذا هذا الاشتغال على مجالات وحقول معرفية تبدو بعيدة عن مجال الرواية باعتبارها متخيلا؟
*كتابة الرواية التاريخية، أعشقها، لكني لا أكتب تاريخا يحتاج إلى أدلة ووثائق، أنا أكتب تاريخا متخيلا، بمعنى أنني أدرس فترة ما من التاريخ، بكل ما فيها مثلا: الحكم الذي كان موجودا، المجتمع، شكل العمران، الأكل والشرب، المواصلات، ثم أقوم بزرع شخصياتي في تلك الفترة، وهذا حدث في 'توترات القبطي'، و'رعشات الجنوب'، و'مهر الصياح'، بالنسبة للموروث فهذا شيء مشروع أن يكتب داخل نص متخيل، وبالنسبة للعلم، فلا مانع من كتابة رواية عن مرض. هنا أشير لأعراض المرض ومضاعفاته، ولكني أكتب شخصيات ومجتمع وعلاقات إنسانية، من دون أن أتدخل كثيرا بمعرفتي الطبية، وأزعم أنني فعلت ذلك في رواية إيبولا، هنا لم أرد أن أزهو بمعرفتي الطبية، ولم تظهر بصمتي كطبيب كثيرا في الرواية، وسعيد أن إيبولا قد نجحت، وحتى الذين أحسوا بالقشعريرة وهم يقرأونها، لم ينكروا أنهم استمتعوا بالحكاية. ترى إن كتابة الرواية ليست عملا سهلا، إنه عمل مضن للغاية.
*في رواياتك نلمس احتفاء بالمهمش الذي تختزله في المكان، فمنذ روايتك الأولى 'كرملول' مكان الولادة والنشأة مرورا برواية 'سماء بلون الياقوت' التي تحكي قصة قرية مهمشة هي قرية 'الشكينات' شمال السودان، ورواية 'أبيولا 76' التي تحتفي بجروح حي كرتوني في منطقة 'أنزارا' جنوب السودان، وصولا إلى 'رعشات الجنوب' والصراع حول الأرض (شمال/ جنوب) إلى جانب أعمال أخرى تتنوع فيها حكاية المكان.. ربع قرن والمكان يسافر في حقيبتك، يصر أن يسكن ذاكرتك، لنقل إن تاريخك هو تاريخ الأمكنة بتنوعاتها. ماذا تمثل لك هذه الأمكنة؟ وكيف تتعامل معها، أ باعتبارها امتدادا جغرافيا يحمل تاريخا أم باعتبارها إشكالا وجوديا؟ ألم تنه حسابك مع الأمكنة التي تسكنك؟
*أكتب عن تلك الأمكنة لأنني خبرتها، فأنا برغم اغترابي الطويل ما زلت كاتبا سودانيا، وما زال المكان حتى في أعمالي التاريخية، مكانا سودانيا، لقد كتبت عن شمال السودان باستحياء، لأنني لم أعش فيه ولم أخبره جيدا، وكتبت عن شرق السودان لأنني نشأت فيه، وكتبت عن الجنوب بعد أبحاث مضنية. المكان هنا هو بيت الرواية، والأمكنة تسكن الكاتب ما دام قد عشقها، لكنني لا أقع غالبا في فخ انجراف النص نحو المكان المحلي فقط، أكتب شخصيات من العالم كله، داخل المكان المحلي. بالنسبة للمهمشين والفقراء، هؤلاء أصدقائي، عشت بينهم وعالجتهم من الأمراض، وكانت عياداتي التي أنشأتها في السودان، في أحياء فقيرة للغاية، لذلك تجدني أنجذب نحو تلك الشخصيات في الغالب بحكم معرفتي لها، ومعظم الشخصيات التي وردت في رواياتي، مستوحاة من شخصيات حقيقية، مثل شخصية علي جرجار في 'العطر الفرنسي'، وعبد الله فرفار في 'صائد اليرقات'.
*شكل 'الربيع العربي' مادة خصبة تحولت تدريجيا إلى فعل إبداعي، حيث انخرط الروائي العربي في الحدث، وحاول أن يلامس خطوطه العريضة، قصد بناء عمل روائي يتوزع بين التخييلي والواقعي، هكذا اعتنق موجة الكتابة عن الربيع العربي عدد من الروائيين منهم واسيني الأعرج وابراهيم الكوني والطاهر بن جلون وغيرهم، وهناك من النقاد من اتهم هذه الكتابة بالتسرع، واعتبرها غير قادرة على فهم ما يجري في الواقع في ظل غياب معطيات دقيقة، مما يؤجل تأسيس موقف صحيح. ألم تغريك الكتابة عن الربيع العربي؟ وهل ترى أن دور المبدع هو التفاعل مع قضاياه الإقليمية والقطرية أم أن دوره هو فتح المجال لكتابته نحو الإنسانية؟ ألا ترى أن الكتابة عن الربيع العربي تقتضي البحث عن صيغ ملائمة للتعبير حتى لا يسقط في التأريخ الفج؟
*لقد قلت رأيي كثيرا في الكتابة عن الربيع العربي، وأنا نفسي كتبت شيئا من ذلك في روايتي 'تعاطف' الصادرة العام الماضي. رأيي الذي أكرره هو أن نتريث جميعا قبل تأثيث كتابة تخص هذا الحدث الكبير، نحن ما زلنا لم نستوعب الحدث جيدا، ولم نصل للاستقرار الذي يعطي قراءة صحيحة، وكل ما يكتب الآن، أعتبره استثمارا متعجلا لحقول ما زال نباتها بذورا. كل ما أخافه، هو انتشار الأعمال التي يظن كتابها أنها أعمال جيدة، لمجرد أنها تحدثت عن الربيع العربي، ما زالت الرواية التي كتبت عن الأزمات السابقة، هي الأجود في رأيي.
*انضممت إلى الموقع الاجتماعي الفايسبوك بتاريخ 17 أكتوبر 2007، لكن حسابك ظل معطلا لسنوات، وفعلته في ديسمبر 2010، لماذا انتظرت كل هذا الوقت لتفعل حسابك؟ هل الأمر متعلق بموقف تحول مع مرور الزمن أم أن عوالم رواياتك جذبتك ولم تتح لك الفرصة لتساير الفايسبوك علما أن هذا الأخير يستنزف الوقت والطاقة؟ هل تتابع أدب الفايسبوك؟ وما رأيك فيه؟
*في البداية كانت المسألة، تلبية لدعوة من الناشرة الصديقة فاطمة البودي، ولم أكن أعرف ما هو الفيسبوك، بعد ذلك سنوات قمت بتنشيط حسابي، وكنت مستمتعا بلقاء الأصدقاء، والتواصل مع بعض الذين قرأوا لي أعمالا، الآن أصبح الأمر صعبا للغاية، أصبح مزعجا جدا من ناحية سهولة العثور علي لدى من يريدني، وبذلك ازدادت أعبائي، فكثير من الكتاب يرسلون لي روايات مخطوطة، وقصصا، وأنا لا أملك الوقت لتقييم كل شيء، كما أنني أواجه بأشخاص وأمزجة وطوائف من كل نوع، وصعب علي التأقلم معها، وفكرت كثيرا في تركه أو الإقلال من الظهور، أنت ذكرت أنه يستنزف الوقت، وأنا ليس لدي أي وقت حقيقة.
*في تغريدتك الأخيرة على الفايسبوك قلت: 'أظنني اجتهدت كثيرا لأصبح عاشقا، حتى أكتب هذه الرواية، لأحس ما كان يحسه المرحوم وهو يكتب رسائله إلى حبيبته أسماء. وأقول بصدق أنني عشقت أسماء التي تخيلتها وكتبتها، كما كان سيكتبها هو. وحين انتهيت منها، وقرأت الألم داخلها، تمنيت لو لم أكتبها أبدا. وعنونت روايتك برقم هو '366'، والرواية ستصدر مطلع السنة المقبلة. روايتك الجديدة ستتخذ منحا عاطفيا، فليس من السهل أن تستنطق مشاعر الشخصيات، وستوظف فيها تقنية الرسائل.هل يمكن إحاطتنا بظروف هذه التجربة؟ ما دلالة رقم '366' الذي جعلته عنوانا لروايتك؟ وهل كتابة الرواية تتم عن وعي أم عن غير وعي، خصوصا أنك تتمنى لو لم تكن كاتب هذا العمل؟
*هي رواية عاطفية بالفعل، لكنها تشتمل على نواح أخرى لا علاقة لها بالعاطفة إلا في توليدها للألم. هي رواية متخيلة بالطبع، والواقعي فيها، هي عثوري مع عدد من زملائي الطلاب في المرحلة الثانوية بمدينة بورتسودان على حزمة من الرسائل مكتوبة بحبر أخضر، ومعنونة برسائل المرحوم إلى حبيبته أسماء، كان ذلك منذ وقت طويل، قرأنا تلك الرسائل وعشقنا أسماء، وتعاطفنا مع كاتبها كثيرا، وبعد ذلك ضاعت الرسائل، ثم فجأة تذكرتها منذ عدة شهور وكتبت ذلك في الفيس بوك لأفاجأ بضغط كبير من الأصدقاء يصرون على كتابتها رواية. في الحقيقة أنا لا أكتب تحت الضغط، ولا قسريا، ولكن عندما تأتيني فكرة أكتبها، وحين جاءت بداية ملائمة للكتابة، كتبتها، وأيضا بعد أن قرأت كثيرا عن العشق. الرواية صدرت بالفعل، وعليها طلب كبير، ربما نوعا من الفضول، وربما أن الناس ما زالوا يهتمون بروايات العواطف التي دائما هي الأعلى مبيعا، ولديك مثال الروائية الأمريكية جانيت إيفانوفيتش التي تكتب الروايات الرومانسية، وتحقق أرقاما فلكية في المبيعات.
*يطرح المبدع دائما سؤال النقد الذي لا يواكب إبداعاته، وتتحول الشكوى إلى امتعاض وأحيانا إلى اتهام متبادل بين المبدع والناقد، وهو ما يوتر العلاقة بينهما، باعتبارك روائيا أصدر حوالي 17 عملا روائيا، هل ترى أن النقد العربي باتجاهاته قد أنصف تجربتك وأعطاها المكانة التي تستحقها؟
*أولا على الكاتب أن يكتب من دون أن يلقي بأنظاره على النقد، لقد كان النقد متخلفا عن تجربة جيلي كله، وبدأ مؤخرا ينبش تجربتي، الناقد معذور حين لا يواكب، لأن الكم الكتابي أكبر من طاقة النقد، وعموما مع ثورة الاتصالات الحديثة، أصبح القارئ متمكنا بشدة، ولم يعد ينتظر الناقد الذي ينير له الطريق.
*تقيم في قطر منذ 18 سنة، ولعل إقامتك في الخليج مكنتك من متابعة الرواية الخليجية، وفي العشرية الأخيرة بدأ الخليج بمماليكه ينتج روايات تتراوح فيها القيمة الجمالية والمعرفية، هل ترى أن الرواية الخليجية صحت من سباتها؟ كيف تقيم الرواية الخليجية؟ أين تكمن نقط القوة والضعف في تجربتها؟ ما الذي تحتاجه هذه التجربة لكي تتطور؟
*الخليج العربي مثل كل الأمكنة، فيه مبدعون حقيقيون، وقد ظلمت هذه المنطقة كثيرا، لكنني سعيد أن الأنظار اتجهت إليها مؤخرا. نعم توجد رواية متمكنة في كل بلدان الخليج، وحيث أقيم في قطر يوجد كتاب متميزون، ولا ينقصهم شيء، وأيضا توجد قاعدة قرائية كبرى، والدليل أن معارض الكتب في الخليج، هي الأكبر مساحة والأكثف جمهورا.
*قضيت سنوات وأنت تبحث في ذاكرتك ومذكراتك ومشاهداتك وتجاربك.. لتنتج رواية، فهل كتبت النص الذي حلمت بها دوما؟
*لن أقول بأنني لم أكتب ما حلمت به، أقول لك بكل طمأنينة بأنني كتبت كل ما تخيلته، وقد قارب مشروعي على الانتهاء بعد كل هذه السنوات، وبعد أن أصبح لي قراء ومعجبون بنصوصي بلغات أخرى، ربما أتوقف قريبا لأنني تعبت.
القدس العربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.