إثيوبيا تعلن نزوح (100) ألف في إقليم عفر بسبب توغل جبهة تيغراي    وزيرة الخارجية تبحث مع نظيرها الجزائري تطورات سد النهضة    مطالبات بإشراك المجموعات الثقافية في تأبين القدال    سودانية (24) والتسعة الطويلة    شرطة محلية الخرطوم توقف شبكة إجرامية    الدفاع المدني: منسوب النيل الأزرق وصل مرحلة الفيضان    مصر تعزّي تركيا في ضحايا حرائق الغابات    قائمة انتظار تصل ل10 أسابيع لكي تتذوق "أغلى بطاطس مقلية بالعالم"    نتيجة صادمة.. خبراء ألمان يختبرون الساعات الذكية وأساور اللياقة البدنية    تظاهرت بالموت والدم يملأ فمها لتنجو.. زوجة رئيس هايتي تكشف تفاصيل ليلة اغتياله    وزير الطاقة يعلن انتهاء برمجة قطوعات التيار الكهربائي    مصرع ثلاثة أشخاص غرقا بولاية الحزيرة    تحديث .. سعر بيع وشراء الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم السبت 31 يوليو 2021 في السوق السوداء    ونالد ترامب: وزارة العدل الأمريكية تأمر بتسليم السجلات الضريبية للرئيس السابق إلى الكونغرس    "حاميها حراميها".. الشرطة تكتشف المذنب في مقرها الرئيسي    المجدفة إسراء خوجلي تحتل المرتبة 32    السودان ينتج 30 طن ذهب خلال 6 أشهر    غرب كردفان.. مسؤول يؤكد استقرار الحالة الأمنية وعودة الحياة لطبيعتها بالنهود    الكوادر الصحية بمستشفى كوستي تضرب عن العمل لأغرب سبب    تفكيك شبكة إجرامية متخصصة في توزيع وتجارة العملة الأجنبية المزيفة بالنيل الابيض    لجنة أمن شمال دارفور تكشف ملابسات الاعتداء المسلح على قسم شرطة الفاشر    الولايات المتحدة تبدأ ترحيل عدد من العائلات المهاجرة سراً    وزير التجارة : استقرارٌ وشيكٌ لأسعار السلع    «راديو البنات»… إذاعة نسوية متخصصة وصوت متفرد للسودانيات    الأسماء الحقيقية لبعض الفنانين.. بعيداً عن الألقاب    حصل على عقد كبير غارزيتو في الخرطوم اليوم    جمعية عمومية ولقاء تفاكري بنادي المريخ اليوم    احباط تهريب ذهب زنة 7.544 كيلو بمحلية ابو حمد بولاية نهر النيل    سعر الدولار التأشيري في بنك السودان المركزي اليوم السبت 31 يوليو 2021    شاكيرا مهددة بالسجن… بسبب 16مليون دولار    الحكومة ترفض مقترح منبر الشرق وتتمسك بالمسار مسار الشرق.. استمرار الجدل!    الأمين العام لحزب الأمة القومي: الإمام لم يترك وصايا ولم يحدد أي نوع من الخلافة    مذكرة أميركية تؤكد تغير الحرب على كوفيد وتحذر من دلتا    باب التقديم مفتوح.. "تويتر" يطلق مسابقة جائزتها 3500 دولار    الإفراط في تناول المسكنات يؤدي إلى الإصابة بالسرطان    النائب العام: اكتشاف مقابر يُرجّح أنّها لضحايا المخلوع    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (17) سبيكة ذهب تزن (935، 83) كيلو جرام بحوزة متهمان    السعودية.. السماح بدخول حاملي التأشيرات السياحية من الدول المسموح القدوم منها بشرط التحصين الكامل    محاولات لعناصر موالية للنظام السابق لاجهاض العدالة وطمس الحقائق    الكورونا … تحديات العصر    زهير السراج يكتب سِيد البلد !    الاقتصاد السودانى: كيفية الخروج من المأزق الماثل…    دبابيس ود الشريف    السعودية تفتح ابوابها لحاملى التأشيرات السياحية    في أول إطلالة له على الزرقاء عادل حسن يتحول من عازف إلى مغنٍّ    الهلال يواصل إعداده لهلال الساحل    الهند تبحث فرص الاستثمار بشمال كردفان    أثبت حضوراً فاعلاً في الآونة الأخيرة محمود الجيلي.. شاعر جيل!!    وزير الزراعة يترأس وفد السودان بالقمة التمهيدية للغذاء العالمي    مبارك عبد الوهاب.. الشاعر المنسي في ذاكرة (قصب السكر)!!    الشرطة يواصل التحضيرات والجهاز الفني يكثف العمل التكتيكي    طبيب يكشف المواد الغذائية المسببة لتكون حصى الكلى    بالفيديو: ردود أفعال ساخرة في مواجهة كمال آفرو بعد تصريحه (أنا بصرف في اليوم 10 مليون فمايجيني واحد مفلس يقول لي عايز بتك)    نكات ونوادر    مصرع طالب وطالبة غرقاً بالخرطوم    أنت بالروح.. لا بالجسد إنسان!    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    هل يجوز الدعاء لمن انتحر وهل يغفر الله له ؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مسرح النكتة ومن الذى بإمكانه أن يضحك ؟!
نشر في الصحافة يوم 17 - 08 - 2010

لأن مسرح النكتة ، الذى يمثل دورة البداية لحركة تطور العرض المسرحى فى صورتها التكرارية ، بإختلاف المرحلة التاريخية والإجتماعية التى تتعنّون من خلالها وظيفته ودوره التنويرى والتربوى ، ليتم تسويقه على أساس جديد فيمايشبه (خصخصة الضحك ) لمن يدفع مقابل كل ذلك ، لتكون وظيفته الكبرى هى (الترفيه وتزجية الوقت ) فى مناسبات خاصة ومغلقة ، فأصبح بمثابة (الفن المرتهن لحالة الطلب والعرض ) ودخل فى شكلانية (العادة المستحبة ) وصار له رموز ومسميات وتغير كل شىء فيه ، إلا الإحساس بالمسؤولية المهنية والأخلاقية تجاه المجتمع وقضاياه ، ومن هنا يبدأ رفضنا للفكرة برمتها تنظيرا وتطبيقا ، والسؤال المركزى : من أين يستقى (مرتجلو ) مسرح النكتة موضوعاتهم ، وماهى التيمات الإجتماعية والإنسانية التى تشكل (نوآة) هذه المحكيات الشفاهية ؟!.
تحول إجتماعى وفن بلامرجعية معرفية
فى مطلع تسعينيات القرن الماضى شهدت حركة المسرح فى هذا البلد توقفا قطعيا على مستوى الفرق والجماعات التى كانت تقوم بعرض أعمالها فى ذروة تطورها الكيفى والكمى فى الفترة الممتدة من 1979م حتى 1988م ، وكان ذلك بنزول أسماء جديدة ضخت فى شرايين حركة المسرح دما جديدا من طلاب وخريجى المعهد العالى للموسيقى والمسرح ، وكان التطور على ثلاثة مستويات فى العملية الفنية للمسرح وإنتاجه الظاهر ، مستوى الكتابة المسرحية ، والتطور التقنى على مستوى الإخراج والتمثيل والعرض ، ومستوى التلقى الإجتماعى ، بتبادل المواقع مابين النص بموضوعه المرتبط دلاليا بالمجتمع وحالة التلقى وردة الفعل من قبل جمهور يملك من الوقت وسعة الذهن مايمكنه من إستيعاب وتحمل عرض مايدور على خشبة المسرح ، بإعتبار أن هناك (مثقفين : ميسرة السراج ، خالد أبوالروس ، إسماعيل خورشيد ، الفاضل سعيد ، محمود سراج أب قبورة ، وصولا لأجيال شابة أمثال محمد شريف على وهاشم صديق وعادل إبراهيم محمد خير ) حتى منتصف الثمانينيات ، ودارت محاور نصوص عشرات المسرحيات مابين (مشكلات الحياة اليومية ومسألة التكيف على الوضع الإقتصادى والإجتماعى المتغير ) وإن كانت لاتخلو من (التفكير السياسى المؤدلج ) المباشر فى بعض الحالات ، إلا أنها كانت موجودة وفاعلة فى الوعى الشعبى ، ولخصوصية المراحل التاريخية التى كتب فيها هؤلاء الرواد مسرحياتهم ، كانت الثقافة والمعرفة الموسوعية مابين الفلسفة والتاريخ والسياسة والإجتماع قد وجدت الطريق إلى نصوصهم ? بالرغم من أن عددا كبيرا منهم لم يكونوا قد تلقوا تعليما عالى من أى نوع ? إلا أن إرادة التغيير الإجتماعى فى دواخلهم وتمثلهم لدور الريادة فى طرح قضايا شعبهم والتصدى لها كان حافزا قويا لخلق ذلك الحراك الثقافى ، والذى تدفق من خلال المنافسة والملاحقة اليومية لمايستجد ويتغير فى كار المسرح وخاصة من (نافذة الشقيقة مصر) التى ذهب للدراسة فيها عددا كبيرا من طلاب الدراما السودانيين .
سقوط الأيدلوجيا لصالح الأحادية القطبية
فى مطلع التسعينيات تغيرت أحوال الدراما والدراميين تبعا لتغير الشرط الإجتماعى الذى شهد تحولا غير متوقعا أو بالأحرى تغييرا إضطراريا على مستوى التفكير السياسى ، ولايمكن فهمه إلا بتشغيل عناصر السياسة والإجتماع وعلاقتهما بالتفكير الإبداعى ، لاتقوم حركة الدراما كواحد من الفنون الإبداعية على رؤى خارجية تسطيحية لمايدور فى داخل المجتمع ، الذى حدث فى السودان إبان فترة الديمقراطية الثالثة أن الدراما كانت تحفر فى جذور الممارسة الديمقراطية من جذورها وبقراءة إسترجاعية لنص مسرحية (إمبراطورية الدجاج ) لقاسم أبوزيد موسم 87-1988م يمكن ملاحظة ذلك ، ولأن الحرية فى التعبير فى تلك الفترة التى لم تتجاوز الثلاثة أعوام لم تكن كافية لأن تتبلور هذه الرؤى السياسية الناقدة والتى تحمل فى بعض محمولاتها بدائلا فكرية (للممارسة السياسية من زاوية المجتمع ) ، ولطبيعة إتكالية تبعية لمايدور فى الغرب والشرق (إنتهت الحرب الباردة بخروج الدب الروسى من رقعة الشطرنج الكونية ) ، فتوقفت حركة اليسار الذى كان يلوك (نصوص البرسترويكا ) ولم يستطيع بلعها فى محاولة لإنقاذ مايمكن إنقاذه ، ليكون السقوط المريع لها قد تجلى فى هذه المرآيا الكاشفة ( تبديد سيطرة اليساريين على حركة الإنتاج المسرحى من بوابة المعهد العالى للموسيقى والمسرح ) وتوجهه غير المتدرج أو الإحتمالى الترجيحى لحالة التحاور الأيدلوجى مع القوى السياسية الصاعدة بالبلاد آنذاك وخصوصا الإسلاميين ، إنتقل الصراع من كونه حروب على مستوى الخطابات الفكرية (مايسرده بعمق الأستاذ حسين خوجلى والأستاذ الشاعر صديق المجتبى ? قصيدة بطاقتى ? وفترة صعود نجم السياسى الفذ الخاتم عدلان وأخرين) ، لتتواجه تلك الفئات بإطباق الإسلاميين على الأفق السياسى فى البلد فى الفترة المذكورة ، ولم تتفرغ تلك الحمولات السياسية التى بدأت فى التكوين فى الديمقراطية الثالثة بسبب التوقف الصميمى للتفكير السياسى جراء صعود المنتصرين الأمريكيين برأسماليتهم المتوحشة ، ليواجه العقل العربى فى نفس الفترة بسؤال (حرب العشيرة : العراق الذى إجتاحت قواته الكويت ) ، وسقوط حركة فتح فى فخ (إتفاقية أوسلو ) ، إختصارا حتى لاتأخذ السياسة فكرتنا الجوهرية عن (علاقة التفكير الإبداعى لمنتجى الدراما كتابة وإخراجا وتمثيلا بمتغير تراجع دور اليساريين فى رفد حركة المسرح ) ، لتصبح البلد على واقع سياسى جديد مرتبط بتغيرات جذرية على مستوى التفكير السياسى مع إشتعال الحرب فى جنوب البلاد ، ولطبيعة خاصة (بكتاب الدراما المحسوبين على الأحزاب والأيدلوجيا ) كان قد كفوا عن الدخول إلى معترك الإنتاج لإفتقاد عنصر الإستمرارية ومقابل الإنتاج على المستوى الإقتصادى ، فحدث الفراغ العريض على ساحة الدراما الشعبية ودخلنا فى مرحلة البيات الشتوى الطويل حتى ظهور جماعات مسرح النكتة على إستحياء من خلال (مسارح الجامعة ) و(فترات رمضان المفتوحة فى التلفزيون بشكلها التوقيعى السريع ) ، ثم ظاهرة (الخيام الرمضانية وصالات الفنادق ) حتى 2001م ، وهنا يبدأ تحليلنا لهذه الممارسة الإبداعية من زاوية (رسالية الدراما والكتابة لها ) وعلاقتها بالمجتمع وإنشطاراته الفكرية والنفسية الجمعية وهزائمه وإنتصاراته البسيطة .
نصوص مسالمة لجمهور وديع ومنتشى
ربما نضحك للحظات مع (محمد موسى وذاكر وجنكيز والتجانى الفكى ) أو (محمد شيلا ومجموعته ) حتى إلتحاق (عبدالسلام جلود ومحمد صالحين ) بمجموعة الهيلاهوب فى تلك (التسجيلات التلفزيونية ) للقصائد التى يكتبها ويلحنها ? بإبداع طارق الأمين ? من قبيل (العولمة جات ، الموية حبيبتى الموية ، نقناقة تنقنقى ) وغيرها وتختلف عن مقاييس مسرح النكتة فى توظيفها الفكرى الواعى ، لكننا لانفكر كثيرا فى الذى سيحدث بعد ذلك ، وحدث الإنشطار الفكرى والنفسى الكبير على مستوى الكتابة الإبداعية حيث أننا نتفرج بإنتقائية على (أفكار ونصوص مسالمة يتم تصويرها لجمهور لايرغب فى غير ذلك ) ، وبالمقابل كانت تجربة الفنان المسرحى الراحل (مجدى النور ) رحمه الله ، هى الأكثر موضوعية وقدرة على التعبير عن إرادة مثقف حقيقى إقتحم جوهر الأزمة الإجتماعية وبحث عن (متلقى مأزوم أصلا ) فى أعمال مثل (الأقدام الحافية ) كمسلسل تم توقيفه بتلفزيون السودان بعد بث حلقتين منه ، ومسرحية (تاجوج فى الخرطوم) بالرغم الظروف الإنتاجية الصعبة مع المخرج قاسم أبوزيد ، لتملأ هذه الجماعات (تيراب ، الهيلاهوب ، تاتيبا لاحقا وهمبريب ) وغيرها ذلك الفراغ الذى خلفته فرق الرواد بإستثناء (مجموعات : الاستاذ الفاضل سعيد (وهذا لسبب جوهرى نذكره : يملك رؤية فكرية لقضايا التحول الإجتماعى بادئة من فهم عميق لدور المثقف وطبيعة تعامله مع السلطة بحيث لاتتقاطع خطوط تفكيره الدرامى مع محظورات السلطة لوجوده باحثا بمعول حفر حاد فى الأزمة الإجتماعية بواقعية طبيب جراح تمكن من تشخيص الجزء الذى يجب إستئصاله من الجسد الفكرى الموضوع على طاولة التشريح ) ، محمد شريف على ، محمد نعيم سعد ومصطفى أحمد الخليفة ، والدور البارز والقوى لجمال حسن سعيد فى عدد من مسرحياته وهو الأكثر حضورا فى هذا المقام ) ، الذى حدث أن جماعات مسرح النكتة ? بفعل السياسة التليفزيونية القائمة على تقديم المنوعات الترفيهية على حساب التفكير الإبداعى بموسمية رمضان وحقوق الرعاية من الشركات الخارجة من جبة الخصخصة فى بداياتها فى الجزء الأخير من التسعينيات ? إنفرط عقد (المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع ) فى أن أصبحت (الدراما الجادة ) مستهجنة ? بفهم تجارى إستهلاكى ? ويمكن قراءة بعض نصوص وأعمال أخرجها المخرج عبدالحكيم عامر لملاحظة الفرق والإختلاف بين مستويات (الحرفية والمهنية فى الكتابة الدرامية التى تغوص فى القضية الإجتماعية بحيث يمكن : تبين خطوط التقدم لدى مخرج يفكر مستصحبا المجتمع الذى هو الهم العام فى رؤيته الإخراجية ) ، وتلك (المضامين المخزية ) لمسرح النكتة فى هذه النقاط :-
1. تخصص بعض ممثلى مسرح النكتة فى تقليد الفنانين (فكرة ناقلة عن مسرح المدارس الثانوية والجمعية الأدبية ) ، إنقطعت عندها الصلة بين (قسم الدراما بالمعهد وقصر الشباب ) فى شكله المدرسى المتراكم بخبرات أكاديميين على درجة عالية من الكفاءة (بدءا من عمر الطيب الدوش وهاشم صديق وسعد يوسف وعبدالحكيم الطاهر وأخرين ) ، لتكون نظريات الدراما ومناهج الإخراج وتقنيات الخشبة عملا أكاديميا بحتا غير قابل للتطبيق ..لماذا ؟!.. لأن مسرح النكتة لايتحرك إبداعيا لمافوق مرحلة المدرسة الثانوية ? وللمفارقة المؤسفة : أن الممثلين فى الحالة المذكورة يمتلكوا مواهب تمثيلية جيدة كانت تبحث عن هذا التأسيس العلمى ? فكانت المحاكاة بشكلها الأرسطى قد عادت لتنسخ أى تقدم كان قد حدث فى حقل الدراما السودانية التى قدمت من خلال مجموعة السديم مسرحية (أربعة رجال وحبل ) بمستواها التمثيلى والإخراجى الرفيع ، ونصوص أخرى لمبدعين مثل مكى سنادة ، لنقول : بأن الذى الأثر الكارثى الذى نتج من ذلك - وفق رؤيتنا التى ليست مثل رؤية رجل البروف عثمان جمال الدين أو السر السيد بخبرته الواسعة والعريضة ? فى أن تحكمت (طريقة تفكير فردية لقواد جماعات مسرح النكتة والتى تقوم فى أحيان كثيرة على فكرة شخص واحد ) فى تحديد سقف التفكير الإبداعى للمجموعة برمتها فى أن قدمت فنها الإعتذارى تحت ظل واقع إقتصادى حر إستأثرت فيه الفئة المحظوظة بالتواجد فى الخيام الرمضانية والإحتفالات الخاصة (بالضحك المعافى ) مرتين: مرة بمباشرة الفعل الدرامى ? تقليد الفنانين وحكايا القرويين فى الخرطوم ? ومرة أخرى بإسترجاع سماحة وبهجة جو المدرسة الثانوية.
2. ماهو شكل النص المسرحى الذى كتبه سارتر- مسرحية الذباب - وبلاده تنزف من جراء الإحتلال الألمانى فى أربعينيات القرن الماضى ؟!..وأين ذهبت ملحميات بريخت فى العقل الأوربى ؟!..بينما كانت الحرب تدور فى جنوب البلاد بكل شراسة وعنف الآلة العسكرية فى ثلاثة جبهات ، كانت (النكتة التى تعرى بطريقة ? الممثل ذاكر عبدالرحيم ? القروية التى تبهرها ام درمان فى شارع الدكاترة أو الأخرى التى تنخرط فى سلك المدنية الزائفة فتسقط فى الرزيلة ) أو تلك الصورة النمطية للعلاقات مابين مستوى التفكير الإجتماعى ? بالمحاكاة ? مابين ذاكرة الطفل ومحيطه الإجتماعى ، فإذا كانت تجربة سارتر وبريخت قد سندتها فلسفات وتقاليد عريقة فى ( البحث بموضوعية عن أفاق أعلى للتفكير الإبداعى ) ، فإن الدراما التى تنصرف فى لحظة الحرب القاسية لتنطوى على نفسها ويرتضى فيها الممثل بأن يكون (مضُحك الأسر المرفهة فى ليالى الخرطوم الندية ) لاتستحق أن نعمل التفكير كثيرا فى قضاياها ..وأى قضايا ؟!..لأن الكتابة النقدية هى فى الأصل شكلا من أشكال الفضيحة نقول : إن من يدافع عن مسرح النكتة ? بأى نظرية كانت حتى ولو أن إستعار كل مرجعية بيرجسون فى فلسفة الضحك لتأكيد جدواها ? يكون قد دافع عمدا عن أثرياء جدد وطبقة جديدة نبتت عرضا على جسد الدراميين من خارج المؤسسة بحيث يمكن وصفها ب (المنتج الذى يبيع للمستهلك فى سوق الحر بالسعر الذى يرضيه هو شخصيا ) ، وإمعانا فى الفضيحة فإننى أختم بهذا الملخص لمجمل الفكرة التى إستعرضتها :-
- يكمن خلل الدراما والتمثيل فى واقعنا المعيش فى قدرة المثقف المنتج لها على الإمساك بإتجاه البوصلة فى واقع الإنسان فى بلادنا ، ويخادع نفسه من يعتقد بأن السياسة فى الكتابة الدرامية هى الإساءة إلى الرموز الوطنية أو التعبير عن رغبة أحزاب يسارية أو يمينية ذهبت إلى التاريخ ، فى أن الدراما هى آداة الحفر وسلاح الإنسان البسيط ليعرى ويعبر عن بواطن أزماته الخاصة والعامة ، لاتأتى الدراما إلى المجتمع من بوابة قبول السلطة لها ، السلطة تملك منطقها الخاص الذى يمكن محاورته ومحايثته بحيث تلتقى الخطوط فى منطقة المصلحة العليا للبلد وإنسانها ، ليكون الكاتب المفكر هو الذى بإمكانه ربط قضيته الخاصة بمشكلات بلده ( العبادى : المك نمر ، إسترجاع سيرة المقاومة البطولية فى لحظة الضعف ليتغير معنى الهزيمة ، التعبئة العكسية ) ، وليس المطلوب من الدرامى أن يخوض الحرب بطريقة (إسحق أحمد فضل الله ) فى برنامج (ساحة الفداء ) وإنما فقط رصف الهوة أو الفجوة مابين ( منطق إجتماعى وأخلاقى يتقدم فيه شباب وطلاب ورجال ونساء للمعارك الضارية فى مناطق العمليات ويستشهدوا ومابين واقع إجتماعى متراخى ? نسعى لإضحاكه فى أمسيات مدفوعة الأجر- ومتطلبات فنية وفكرية فى تكييف مسألة الحرب والسلام ومناقشتها بفتح خطاباتها ليكون هناك مقابلا موضوعيا لها على الصعيد الإجتماعى .
- وبسؤال : لماذا لم تستطيع الدراما لدينا ? على مستوى المؤلفين والمخرجين ? أن تتقدم بمشروعها النضالى الرديف لجهود العسكريين والدبلوماسيين فى قضية (المحكمة الجنائية ) بحيثياتها المعروفة ؟!.. بمثال : فإذا رفضت قبيلة الجعليين أن تسلم الفارس البطحانى الذى إحتمى بها ، على مستوى الكتابة الإبداعية عند العبادى ، لماذا لم تستطيع كل هذه الآلة الدرامية الضخمة أن تنتج نصوصها الفاعلة على صعيد التفكير السياسى والإنسانى : الجنائية لاتبحث عن الرئيس البشير الذى هو موجودا فعلا ، وإنما عن الخارطة التى تستهدف كل يوم بالتجزئة والتمزيق ، بالإنفصال فى الجنوب وتعنت أمراء الحرب فى دارفور ? مع تقديرنا للرجال والنساء الذى يعملوا فى مسرح النزاعات ومناطق الحرب ، أشخاص جديرون بالإحترام أمثال محمد عبدالله صوصل وسيف الإسلام وأخرين ? للتفريق بين السياسة التى يمليها زعيم حزب معين وكل مفاهيمنا للسيادة الوطنية ، لنقول : هل سيكون بإمكاننا أن نتقدم لخطوات خارج ذواتنا ورؤيتنا الأحادية لأنفسنا ومنتجنا الإبداعى لنوظفه كسلاح ماضى بإتجاه تسلط الأخر علينا ، مسرح النكتة لايستطيع أن يحقق المقاومة الإيجابية التى يمكن أن تقدمها جماعات وفرق متميزة مثل الأصدقاء ومجموعة جمال حسن سعيد ومخرجين أمثال عبدالحكيم عامر وشباب أمثال قدير ميرغنى وربيع يوسف وأخرين ، فإذا تخلت الدراما عن الإضطلاع بمسؤولياتها فى (تنوير الناس ) بمخاطر الصراعات الدولية وحضتهم على الدفاع عن مقدراتهم وقيمهم الأخلاقية مثلما فعل العبادى وجيله ، لن تستطيع السياسة والسياسيين وحدهم أن يبرروا للأجيال القادمة فكرة : أن بلدا تخوض حربا داخلية ودولية وتتهدد فى سيادتها ويمارس الدراميين ? عبر تلفزيونها الرسمى ? الضحك والإضحاك فى الفترات المفتوحة الرمضانية ، لأن فى الأساس مخرج الدراما هو بمثابة العين اللاقطة بتركيز كبير لمآلات الأحداث ، وهو المثقف بإمتياز وبلادنا غنية بمثل هؤلاء المبدعين ، فقط لنخرج من صالات الفنادق والخيام المكيفة للهواء كمايفعل المبدع الفنان محمد المهدى الفادنى فى برنامجه بفضائية الشروق كل يوم ، ليمارس دوره القتالى الذى يرتفع لمصاف (المفكرين) فى وضع يليق به ويقدره مجتمعه وشعبه بدلا من (التهريج ) .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.