مسيرة جماهيرية بسنار احتفاءً بانتصارات القوات المسلحة بمحاور القتال في كردفان    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإسلاميون هنا والإسلاميون هناك
نشر في الصحافة يوم 05 - 03 - 2011

نقل الدكتور «حسن عبد الله الترابي» المواجهة من معترك التأسيس والتنظيم والمسميّات والفتاوى التربوية والدينية، للمواجهة المباشرة مع أنظمة الحكم والأحزاب العقائدية والطائفية وخاصة الحزب الشيوعي، بحجة أن ميدان الحياة الإسلامية أرحب وأوسع من «الأسر» والتربية الإخوانية، وأن السياسة لا تنفصل عن عرى الدين بل هي الدين بعينه وهي القاضية.
جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست وبدأت بصورة رسمية في مصر، فقد قيل أن الإرهاصات للعمل المنظم والنهضة الإسلامية الممهد للحركة بدأ منذ ميلاد المفكر والمجدد الإسلامي «جمال الدين الأفغاني» وصحيفة «العروة الوثقى»
وحتى في العصر الحديث عندما نشأت جماعات منظمة خارج المؤسسات الدينية التقليدية فإنها انبثقت منها نتيجة لتكبيل هذه المؤسسات التقليدية من قبل الحكام، فمؤسس أول جماعة إسلامية منظمة في مصر «الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة» هو الشيخ «محمود خطاب السبكي» أحد علماء الأزهر، وهو من أشهر تلاميذ الشيخ محمد عليش شيخ المالكية بالأزهر.
والحركة الإسلامية السودانية عُرفت في مؤتمر العيد 21/8/1954 «بنادي أم درمان» الثقافي باسم «الإخوان المسلمين» مع الاستقلال الإداري عن أيّة جماعة أخرى، ثم برزت تحت مسميات مختلفة فيما بعد «الجبهة الإسلامية للدستور 1955 1958» «وجبهة الميثاق الإسلامي 1965 1969» التي لم تقدم باعتبارها جسماً جديداً للحركة مكسباً، ولكن المكسب الوحيد والأهم الذي حققته هو الدفع بقضية الدستور الإسلامي إلى قبّة البرلمان ومحاصرة القادة الطائفيين بالشعارات الإسلامية، وهي كانت عبارة عن تحالف إسلامي بين الإخوان المسلمين والسلفيين والطريقة التجانية الصوفية التي كان ممثلها وقتذاك المرحوم «مجذوب مدثر الحجار»، وقد تكوّن هذا التحالف لخوض انتخابات 1968م، وعندما تم انتخاب د. الترابى أميناً عاماً.. خرجت قلة من الجماعة رافضة هذا الانتخاب منهم «محمد مدني سبال» والشيخ «جعفر شيخ إدريس» والشيخ «برات» الشهيد «محمد صالح عمر» الذي خاض مع الإمام الهادي وبمعيّة مهدي إبراهيم والشيخ محمد محمد الصادق الكاروري معركة الجزيرة أبا في مارس1970م فيما عُرف بتحالف الأنصار وأعضاء الحركة والإسلامية من جانب والنظام المايوي بقبائله من جانبٍ آخر، ولم يكن الشيخ صادق معهم في ذاك الوقت أي الجماعة الرافضة لانتخاب الترابي أمينا عاماً.. وقد كانت هذه المجموعة فيما بعد النواة لجماعة الإخوان الحالية، وفيما بعد انضم إليهم الشيخ «صادق» ود. الحبر في عام 1979م وهو المرشد العام الحالي لجماعة الإخوان المسلمين أو المراقب العام كما يُطلق عليه هنا.. فقد أجّل إنقلاب الرئيس جعفر محمد نميرى 25/مايو/ 1969م المسنود بقبائل الشيوعيين والاشتراكيين بمدارسهم والقوميين العرب، إعلان الانشقاق الثاني في الجماعة. وهنا لا بد من الإشارة المنفردة للجبهة الإسلامية القومية «1985 1989» التي ظلّت تعرف داخليا باسم «الحركة الإسلامية » وفي الجامعات باسم «الاتجاه الإسلامي»، وقد كانت وليداً شرعياً للحركة الإسلامية ونتاجا لعمليات صهر وطلاق وتأثيرات متبادلة بين مكونات كثيرة، أهمها أنها امتداد «تجديدي» لحركة الإخوان المسلمين المصرية في منتصف الأربعينيات من القرن المنصرم التي تبلورت في جماعة الإخوان المسلمين السودانية بداية بقيادة الأستاذ «علي طالب الله»، ثم حركة التحرير الإسلامي وليدة ظروف كلية غردون التذكارية، المدارس العليا مارس.
ثمة معلومات قد وصلت عن الإخوان المسلمين إبّان الغزو الإسرائيلي لفلسطين 1948م، فأثرت بوادر حركة الإخوان المصرية على الطلبة الأوائل الذين كانوا بكلية غردون ومنهم جعفر ميرغني، بابكر كرار، محمد يوسف محمد، أحمد محمد بابكر، ميرغني النصري، أحمد عبد الرحمن، وآخرين. وكما يقول الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد عن «علي طالب الله» أنه مخلص ومتفانٍ لدرجة كبيرة. وكان «طالب الله» يرأس مجلس مقاطعة إسرائيل بوزارة الخارجية. حتى أتت معركة الاسم بعد الانتشار والتمدد، وكان «بابكر كرار» يُطلق على الجماعة «حركة تحرير الإسلام» أي حزب التحرير الإسلامي، وبعد مداولات أجمع الناس على اسم «الإخوان المسلمين»، فانسحب كرار ومعم مجموعة الإثني عشر، وغيرهم، وقد كان مقر الاجتماع هذا «نادي أم درمان الثقافي»، وكان من بين الحضور محمد يوسف محمد، ميرغني النصري، يوسف حسن سعيد، أحمد محمد بابكر وبقية المجموعة. وقد وُضع دستور للجماعة يحمل الاسم والمقر، أما الحزب الاشتراكى الإسلامي 1949 1954 ههو جهد طلابى بحت نواته بابكر كرار وميرغنى النصرى.
وعندما كانت الحركة الإسلامية وسط المثقفاتية يُنظر لها باعتبارها جسماً غريباً ونبتاً رجعياً ترمز، للأدلجة الرجعية استطاعت الحركة مواجهة الصفوية المستنيرة والمغترّة بالميولات الغربية المزيّنة للأفكار الاشتراكية اللينينية والماركسية التقدمية، والمنتسبة للاتجاهات الإلحادية كان يُنظر له كإنسان متحضر متطورٌ مستنير والعكس، فرُفعت شعارات الإسلام «دين ودولة» والكثير من الشعارات التي لم تكن مطروحة ولا مستساغة من قبل في مجتمع مسلم بالفطرة يحصر الإسلام في الشعائر التعبدية، ثم كان الأذان في جامعة الخرطوم التي لم يكن بها حتى مجرد «مسجد».
وفي بيانٍ لها يوم الخميس الثالث من فبراير 2011م، قالت جماعة الإخوان المسلمين: «إن الإخوان المسلمين انطلاقاً من حرصهم على المصالح العليا للوطن ولتحقيق آمال المصريين جميعاً في مستقبل أكثر إشراقا، يؤكدون أنهم ليست لهم أية أجندات خاصة بهم، وأن غايتهم هي خدمة هذا الشعب، وأنهم يمارسون هذا منذ أكثر من ثمانين عاماً ويضحون من أجل استقراره ومن أجل حصول أبنائه على حقوقهم بكل طوائفهم باعتبار ذلك واجبا شرعيا دينيا، والتزاما وطنيا.
وأهم ما في البيان اختصاراً «إن جماعة الإخوان المسلمين لا تطلب سلطة ولن ترشح أحداً منها في انتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة بمصر، كما أضافت أن الإخوان هيئة إسلامية جامعة، تعمل على تحقيق الإصلاح الشامل في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بكل وسائل التغيير السلمي الشعبي». ويُتابع البيان «لن نرشح أحداً من الجماعة للرئاسة، ولن نزاحم أحداً، ونسعى لاستعادة الشعب سيادته وحقوقه واحترام إرادته واختياره»، «الإخوان صمام أمن الاستقرار والبناء والتقدم، ويتصدون دوماً للفوضى والهدم والفساد والتخلف، من منطلق إسلامي وطني، فقد نذرنا أنفسنا منذ 80 عاماً لحماية مصر وخدمة أهلها».
وخُتم البيان بالآية « إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»
فهل إعلان الجماعة المبكر عن عدم المشاركة في الإنتخابات، وأن ليس لهم مرشح في الانتخابات الرئاسية هو من منطلق تعاليم المؤسس والمنظم الأول الشهيد حسن البنا القائل: «إن الإخوان لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله».
والإخوان الذين يُظهرون حرصاً على الاستفادة من مؤلفات الشهيد «سيد قطب» ولكنّا نراهم يشددون على التزامهم بالمنهج الذي أرساه «البنا» في تقديم الإصلاح والنصح للأمة، وهو ما استقر في كتابات بعض المعاصرين من أمثال الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ فيصل مولوي.
فالملاحظ هنا في دعوة الإمام حسن البنا ومنطلقاتها الفكرية، أن الحكم والحاكمية بوصفها شيئاً خاصاً وهدفاً أولياً، لا أولوية لهم به ولا غاية بقدر ما أن الأولوية بناء الأمة الإسلامية والمجتمع المسلم والدعوة والتربية في داخل قاعدة المجتمع، ولبناء الأمة القوية المتماسكة والمتمسكة والتي تُدين بتعاليم الشّرع والحنفية السّمحاء وفق النهج الرباني والهدى القرآني عملاً وعبادةً ومعاملات، فإصلاح الرعيّة مقدم على إصلاح السلطان والحاكميّة عنده، فإذا صلُحت الرعية قطعاً يخرج منها الراعي الصالح، لذلك كان الشهيد المجدد ينادي بأن دعوتهم سلفية لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله. وطريقة سنية لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شيء، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. وحقيقة صوفية لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والمواظبة على العمل، والإعراض عن الخلق، والحب في الله، والارتباط على الخير. وهيئة سياسية لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة والحرص على قوميته إلى أبعد حد. وجماعة رياضية لأنهم يعنون بأجسامهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف. ورابطة علمية ثقافية لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. وشركة اقتصادية لأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهه. وفكرة اجتماعية لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها.
فموضوع فكر الشهيد «حسن البنا» بالأساس يدور حول وجوب تحكيم شرع الله، وهو ما عبر عنه حسن البنا في المؤتمر الخامس للإخوان بقوله: «فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف. هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا، ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف».أما سيد قطب فقد كرَّس نفسه للتمييز بين الكفر والإيمان في علاقة الحكم والحاكم بالمحكومين، علاقة النظام الكافر، والمجتمع المحكوم الراضي بهذا الحكم والآثار المترتبة على ذلك. فالشوكة في نزع الحكم واستخلاصه بالقوة ربطها الشهيد «البنا» بشرط «من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف» فهل بيان الإخوان المسلمين «هناك» الآن بعد ثورة 25 يناير ينطلق من هذا المنطلق الذي يتفق مع جماعة «صادق عبد الله عبد الماجد» التربية قبل السياسة «هنا»، أم أنه بيان تكتيكي فرضته ظروف المرحلة الحالية التي تمر بها مصر والمنطقة الإقليمية عموماً.
فمن قبل «هنا» بلغ الأمر مبلغاً دعا المرشد العام أو المراقب العام السابق الشيخ «صادق عبد الله عبد الماجد» الكاتب بجريدة «الميثاق» ورئيس التحرير لمدة أسبوع وقتها ونائب الأمين العام للجبهة، وقد كان أن أعقبه يس عمر الإمام على رئاسة التحرير ثم عبد الرحيم حمدي، وقد كان الشيخ «صادق» أحد ممثليها في الجمعية التأسيسية، بلغ به الأمر أن يُقدم استقالة مسببة 3/9/1980م تحت عنوان هذا «بيان للناس» حيث جاء في متنها «والذي ألمسه الآن وبكل أسف أن جانباً من أمراض القلوب التي أقعدت بجماعات المسلمين من قبل، قد وجدت طريقها إلى صف الجماعة فأقرت في بعض أفراد منهم صفات الكذب والنفاق والمداهنة، وغرست في آخرين منهم وهم يتلون كتاب الله حبّ الغيبة والنميمة والسخرية والبهتان. ولعل بعضهم يجد العذر في من يُفتئ لهم بجوازها لمصلحة الدعوة والإسلام» إلى أن يقول «انعدام مبادئ ومعاني التربية في وسط الجماعة لدرجة أن الأمين العام «السابق» كان يربط معنى التربية حسب تصوره بتربية الدواجن». والاستقالة طويلة وقد تم نشرها.
ونجح الدكتورحسن عبد الله الترابي لاحقاً في إقناع الحركة الإسلامية في الداخل بقطع روابطها التنظيمية والإدارية والحركية بمثيلاتها من حركات الإسلام وتنظيمات الجماعة الإسلامية بالعالم، وذلك لخصوصية الحركة الإسلامية السودانية. وعمل على الانتقال بها من كونها حركة صغيرة إلى حركة شعبية عصرية مواكبة تتطلع إلى الانتشار الواسع والتغلغل وصولاً إلى حكم البلاد. ومن أشهر ما نادى به الترابي وقتذاك «إذا أريد للحركة الانطلاق والتقدم فإن عليها أن تتحلل شيئاً فشيئاً من قيود التربية والانضباط الفكرى والتنظيمي». وكان المؤتمر العام للحركة الإسلامية مؤتمر بحري 1969م عقب مؤتمر العيلفون 1964م، نقطة تحول كبرى في تاريخ الحركة الإسلامية، حيث خرجت شريحة من القيادات العليا من «التنظيم» بشكل جماعي بسبب تبنّي الانتشار والانفتاح نحو الآخرين، والكمي مقابل الكيفي، مع «الاحتفاظ» بالشّريحة الصفوية، في مقابل التخلي عن مبدأ «التربية». فالأول رائده «الترابي» وجماعته والثاني رائده الشيخ «صادق عبد الله عبد الماجد» وجماعته.
ولم يكن يسيراً على الحركة الإسلامية أن تخوض التنافس السياسي بعد أكتوبر 1964م بذات الاسم الذي عُرفت به في جامعة الخرطوم. ولتوسيع مواعين الحركة الإسلامية واستقطاب قطاعات كبيرة من أفراد المجتمع السوداني من الجامعات والأفراد، كان الاسم «جبهة الميثاق الإسلامي» «1965 1969م» الذي نجحت به في اختراق أجندة القواعد الطائفية وأجندة البرلمان في الديمقراطية الثانية ومحاصرته بالشعارات الإسلامية ومسودة الدستور الإسلامي التي تخطت مرحلة القراءة الأولى في البرلمان. فجاءت 25 مايو 69 لتَسَارُع النقاش الشديد في الدستور الإسلامي والدولة الدينية التي كانت على وشك أن تصبح واقعاً، والنقاش المحتدم بالشارع والبرلمان المحاصر بالشعارات وقتها، فكانت ثورة مايو الحمراء بمثابة الثأر من الذين كانوا وراء حل الحزب الشيوعي وطرد أعضائه من البرلمان 1968م بسبب الإساءة إلى بيت النبي «ص» بواسطة أحد كوادر الحزب الشيوعي من خلال «ندوة» معهد المعلمين العالي الشهيرة، وكانت المحكمة الدستورية برئاسة القاضي بابكر عوض الله قد رفضت قرار الطرد وقتذاك، أيضاً في دائرة الثأر والانتقام السياسي في بداية الحقبة المايوية تم فصل أعضاء الحركة الإسلامية من هيئة أساتذة جامعة الخرطوم، حيث فُصل اثني عشر أستاذاً في 3 ديسمبر 1970م، بل امتد الفصل ليشمل معظم قيادات الحركة الإسلامية من الطلاب الذين أضحوا بين طريد ومفصول من الدراسة. ونميري القائل بعد الانقلاب في أول تصريح شفوي أتيت «لنسخ الدستور الإسلامي» كان هو أول نظام مطبّق للشريعة في السودان قبل أن ينكث عنها.
فلم يكن يسيراً على الحركة الإسلامية أن تخوض التنافس السياسي بعد المصالحة الشهيرة 7/7/1977م والتي أتت نتيجة لإخفاقات «الصادق المهدي» في حركة جبهة الهيئات التي وقعت يوم الجمعة 2 يوليو 1976م بقيادة العميد «محمد نور سعد»، ثم إلى مرحلة الاتحاد الاشتراكي في ثوبه الثاني وشكله الجديد بعد المصالحة، والانتقادات والمواجهات الكثيفة وصراع «القدامى والقادمين» فحكومة النميري المايوية تعتبر أكثر من كونها ثورة، وأدت الى الديمقراطية الثانية بالنسبة للإخوان المسلمين بل كانت تحديا عقديا وفكريا حقيقيا، وكأني بها البحث عن «حياة» في وادي الثعابين.
وثارت ثائرة المشاركة في حكومة نميرى ودخول الاتحاد الاشتراكي أو المقاطعة بالنسبة للإسلاميين، في تيارات «المصالحة» والأهواء المائجة، وكان رأي دكتور «الترابي» سلفاً الثابت والمتجدد أن التربية الإسلامية أكبر من الأسر الإخوانية، والسياسة أعظم ميدان تربية للحركة الإسلامية. وعملياً كان موفقاً تماماً في هذا الطرح، فمتى ما الطرح أصبح حكومة ودولة فمن اليسير تنزيل البرنامج بدءاً من أسلمة القوانين والدستور أبو القوانين نزولاً لكل أوجه وضروب الحياة المختلفة، ولذلك «الترابي» بحلّه للحركة الإسلامية بعد استلام ثورة الإنقاذ السلطة ليلة 30 يونيو 1989م، علّه كان يرى في هذا الهرم المؤسس الحركي الضخم والتاريخي ليس سوى مجرد وسيلة لغاية أكبر وهي «صبغ» الحياة العامة من «وسع» ناس ودين ودولة بالصبغة الإسلامية في إطار الشريعة عبر الدولة وحكومة «الإخوان» من منظوره، وكذلك الحال استتبع «حلْ» مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني، أنْ تبعه حلْ «الحركة الإسلامية».
وهل كمبدأ طرح «الإخوان المسلمين» الفكري الآن يشبه طرح جماعة الحبر والشيخ صادق عبد الله عبد الماجد، وهو من قبيل طرح المؤسس الشهيد حسن البنا لجماعة الإخوان عام 1948 التي أعلنت معركة المصحف حتى تحدد الدولة موقفها من القرآن باعتباره المصدر للتشريع والحكم.
سقت ذلك حين أكدت الجماعة بمصر أنهم لا يودون المشاركة في الحكومة القادمة، وليس لديهم مرشح لرئاسة الجمهورية، وهذا الإعلان لا يخرج من منطلقين، الأول أن مصر الجريحة من خلال ثورتها الشعبية ثورة شباب 25 يناير 2011م والتي تخلصت بموجبها من نظام جثم على صدرها ثلاثين عاماً ونيفا، تحتاج لوقت مديد ولنظام تراتبي «لتُفْطَمْ» من الغرب ومن الأُبوة الغربية حتى تستعيد «القرار» والإرادة الحرة، وعلى رأس أمر العلل «قمح» الغرب الذي ظل ردحاً من الزمان راهنا لقرار مصر ومقيّدا لإرادتها وسلطانها، والأمر الثاني السلام والأمن الممنوح للشعب والحكومة المصرية من قبل «إسرائيل» عبارة عن «أتاوة» وكأن الأمر «مقايضة»: الإطعام من جوع «لمصر» مقابل الأمن من خوف «لإسرائيل» وفق اتفاقية كامب ديفد، فالحكومة القادمة والمنتخبة في مصر بعيد الانتقالية وحكومة تسيير الأعمال، سوف تواجه تحديا حقيقيا بين هذين الأمرين، لذلك فإما قرار جماعة الإخوان المسلمين القطعي والرسمي بعدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية «قرار» تكتيكي تود أن تتنحى حيناً للبناء التنظيمي المؤسسي في الهواء الطلق في ظل حريات تنظيمية مكفولة ومن ثم اجتياح المؤسسات الرسمية بتوأدة وفق دستور مجاز كافل للحريات السياسية والتنظيمية ولبناء حزب سياسي إسلامي قوي ومسجّل، والأهم من كل ذلك التمهيد لقبولها وسط سواد المجتمع الأعظم والتيارات الفكرية الأخرى من الجماعات وخاصة طائفة الأقباط والمسيحيين عقب التخلص من فرية الإرهاب والفزّاعة، ولتقديم أطروحات فكرية جديدة تُعالج السُّلطة والثروة في كنف الأقباط والنصارى واليهود وأهل الذّمة في الوطن «القومي» الواحد، ومتى ما بلغت أرض الكنانة مرحلة الأمن من خوف وأمن الإطعام من جوع، وقتها يمكن أن تطمع «حركة الإخوان المسلمين المصرية والأم» في حكم البلاد بالسلطان الرئاسي الأعلى عبر صناديق الاقتراع والانتخابات منفردة.
أو أن يكون الأمر الثاني وهو مبتغاها وغايتها «الأوحد» الدعوة العلنية المباشرة وفق برنامج «التربية» الإسلامية في إطار سلطان الدولة الواحد المعترف به دستوراً لإصلاح الرعية، وهو المبدأ الذي قامت عليه دعوة الشهيد «حسن البنا» من قبل، وقد تقدم ذكره في مطلع هذا المقال «إن الإخوان لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه..». وهي بهذا إما مؤمنة بطرح «الترابي» وجماعته وتريد تجسير كيانها وغسله من الشوائب الناصرية حتى عهد مبارك ثم ما هي إلا ساعة زمن، أو هي مع مبدأ المؤسس الذي تعمل به مجموعة «صادق والحبر وعصام أحمد البشير» اليوم. فمصر الآن بعد حسني مبارك «جنازة» بحر، فمن ناحية تكتيكية ومنطق الواقع العقلاني، الحق ما قررت وأقرت الجماعة. ومن له رأي غير ذلك فليُسْعفنا، والسلام على من أتبع الهدى.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.