السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    حاكم النيل الازرق يصدر قرارا بتعديل ساعات حظر التجوال واستعمال المواتر    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فتاوى تحت الطلب وبأمر السلطان
نشر في الصحافة يوم 21 - 04 - 2011

في خطابه لجماهير القضارف التي استقبلته في العاشر من ابريل المنصرم تحدث الامام الصادق المهدي لمستمعيه عن قضية التكفير بحسبانها ضررا أعظم يأتينا من قبل التكفيريين لأن عندهم سبع مهلكات أو أخطار هي « رفضهم التعددية،توسيعهم لمفهوم البدعة، اضطهادهم النساء، التكفير لمجرد الاختلاف واهدار دم من يكفر،عندهم الكفر علة للقتال ،اعتقادهم أن الدين الاسلامي انتشر بحد بالسيف» وفي يوم 11 ابريل تحدث الامام لجماهير الحصاحيصا بتفصيل أكبر عن ذات الموضوع ، في الجمعة التي أعقبت خطاب الصادق في القضارف في الخامس عشر من ابريل 2011 ، تناول مولانا آدم أحمد يوسف، نائب الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار ، ذات القضية في خطبة الجمعة بمسجد الهجرة بودنوباوي وعدها من النوازل التي تفتك بالبلاد بأكثر مما قد تفعله سواها من القضايا ان لم يتم تداركها .
هذا الاهتمام الذي أولاه الامام الصادق لقضية التكفيريين وأكده منبر الجمعة في مسجد الأنصار بخطيب على مستوى جهازها الرئاسي لم يأت من فراغ أو نفضا للغبار عن قضايا قبرت واختفت بل جاء استجابة لما ثار مؤخرا ليذكرنا بأن كأس مصائبنا المترع بالهموم ما زال يتوعد بالمزيد.فقد حفلت الساحة مؤخرا بصيحات التكفيريين وغضباتهم يوزعونها شمالا ويمينا دون حسيب ولا رقيب بل نقول بتنسيق كامل مع من يتربعون دون اذن منا أو تكليف على سدة الحكم.
أجرت صحيفة الأهرام اليوم قبل وقت قريب حوارا مع د.يوسف الكودة تعرض فيه لموضوعات متفرقة أفاد فيها بأفكار قيمة ونيرة سنصرف عنها النظر جميعا لنركز على اجابة د.يوسف الكودة عن سؤال طرحه عليه محاوره حول:علاقة الشريعة بالحريات والديمقراطية والأمن لما له من علاقة بموضوعنا اليوم.
أجاب قائلا:«الاستقرار والحريات والأمن مقدم على انزال الأحكام الشرعية التي قد يكون لها ردود أفعال سيئة جداً، كما قال عمر بن عبدالعزيز، لا فائدة من شريعة وأحكام اسلامية تسيل وراءها الدماء، الاسلام جاء ليحفظ الدماء، وهذه من الأمور التي تغيب عن الأحزاب والجماعات الاسلامية، لذلك نجدهم يتخبطون ويختلفون ويتفرقون عند كل منعطف»، تلك الاجابة التي نطق بها الكودة أتت بعد تفكر وتدبر فقد انطلق د.الكودة من خلفية تتشدد في فهم الدين ثم هداه العلم والبحث الدائب عن الحقيقة -التي هي ضالة المسلم الى فكر الأمة الوسط ،الفكر الذي يجمع الناس ويظهر الدين الحق للناس كما أراده خالقه سبحانه وتعالى وكما عرضه عليهم رسوله الكريم. ولن ندرك أهمية هذا الفكر الوسطي الا ان فهمنا أنه وسيلتنا الوحيدة لنشر الاسلام وقبول حكمه اليوم، خاصة في ظل ضعف الأمة الاسلامية المشهود.لكن تلك الاجابة الرصينة بدل الاعجاب والتثنية استوجبت غضبة الرابطة الشرعية لعلماء السودان التي تضم غلاة السلفيين التكفيريين في السودان فاستحق قائلها بنظرهم الاستتابة والرجوع والا فقد حكموا بتكفيره !
لم تكن تلك الحادثة التكفيرية هي الأولى لمثل تلك المنابر التي تدعي احتكار الحقيقة ،حيث تم تكفير واهدار دم مجموعة من الصحفيين في مايو 2003 وتم تكفير د.الترابي في 2006 ، و تكفير الامام الصادق المهدي عددا من المرات منها ما تم في مايو 2003 لامضائه اعلان القاهرة مع الدكتور الراحل جون قرنق والسيد محمد عثمان، ثم كفر بعض أئمة المساجد الامام الصادق المهدي في منابر الجمعة ثورة على بعض ما جاء بكلمته التي وجهها لمؤتمر قطاع المرأة في 25/فبرابر/ 2009م بسبب قضايا أرادها للنقاش في معرض مجهوداته المشهودة لعرض الاسلام في ثوب قشيب تحريرا له من التعصب والانكفاء وقد كفر بسبب رأيه عن النقاب« وهو ليس من موجبات الدين الذي اشترط الحشمة في اللباس أما النقاب فهو عادة تخص بعض المجتمعات تحولت الى عبادة دون مسوغ».كذلك تم تكفير الأستاذ ياسر عرمان واهدار دمه في يونيو 2009، ثم كفروا الحزب الشيوعي السوداني وطالبوا بحظر نشاطه في سبتمبر2009 ، الآن كفروا في 16 مارس 2011 اللواء عمر حسب الله الأمين العام لمستشارية الأمن القومي اثر تصريحات صحفية له في برنامج اذاعي حول سقف مبادرة المستشارية للحوار مع الأحزاب قال فيها «لو أجمعت الأحزاب على الغاء الشريعة فلتذهب الشريعة» ثم نجحوا في اقالته من منصبه في 22 مارس 2011 «وان كان الأستاذ بابكر فيصل بابكر في مقال له بسودا نيل عنوانه«حسبو في المصيدة» مع تخطيئته لظاهرة التكفير من حيث المبدأ و مؤازرته لحسب الله في محنته ، لكنه لا يبرئ ساحته من المسؤولية كونه يجني حصاد غرس يده، بحسبه مسؤولا عن هذا الغرس الفاسد وأحد رعاته فهو من القيادات الأمنية الرفيعة، وقد ثبتت لكاتب المقال تلك الرعاية ،حين جمعه مع اللواء حسب الله، برنامج «حتى تكتمل الصورة» الذي يعده ويقدمه أستاذ الطاهر التوم حين ادعى الرجل في ذلك البرنامج « أن لا خطر من التكفيريين فهم تحت السيطرة تماما! » وهذا ما تنفيه الوقائع وقد نال حسب الله نفسه من سهامهم.
تاريخ التكفير حديثا:
يروى أن أول ظهور لظاهرة التكفيريين الجدد برزت نتاجا لما تعرض له الاخوان المسلمون في مصر من تعذيب وسوء معاملة ووحشية في سجون عبدالناصر في الستينات فخرج قوم يقولون من فعل بنا هذا ليس بمسلم لا بل هو كافر. ثم انتظمت تلك الجماعات فيما بعد ،متبلورة في جماعتين:جماعة تكفر الحكام وأخرى تكفر المجتمع.والجماعتان تعدان ورثة لنهج الخوارج في العهد الاسلامي الأول من الذين كفروا الامام علي كرم الله وجهه، لوماً له على قبوله خدعة التحكيم.
في حرب أفغانستان ضد السوفيت احتضن الأمريكان جماعة الطالبان تدريبا وتسليحا وتمويلا لتحقيق هدف مشترك هو اجلاء الروس عن أفغانستان في 1988 ثم بعد انتهاء المهمة ما لبث أن انقلب السحر على الساحر حيث تحالف الطالبان مع منظمة القاعدة بقيادة أسامة بن لادن المنظمة التي تحملها الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولية القيام بالعديد من الحوادث الارهابية أكبرها عملية تفجير الطائرات التي استهدفت برجي التجارة العالمية في منهاتن ومبنى البنتاغون في 11 سبتمبر2001 وهي الحوادث التي راح ضحيتها 2973 شخصا وفقد 24 وقد قادت بعدها الولايات المتحدة تحالفا عالميا شن حربا مستعرة الأوار على ما سمي بالارهاب «حيث أدخل في مفهومه حتى حركات التحرير والمقاومة المشروعة».الظلم والعنف الشديد الذي واجهت به أمريكا وحلفاؤها تلك الجماعات ولدّت لديهم غبائن ضافية ومن ناحية أخرى أدى اعتماد امريكا على حكومات المنطقة من الاستبداديين الى تعاون بينهما أدى الى تثبيت أنظمة الحكم المغتصبة التي استمرت على مدى سنوات الألفية الثالثة«بعد اعلان الحرب على الارهاب» فقط بموجب ذلك التحالف على التعاون اللا محدود في محاربة الارهاب مستمدة منه شرعيتها.
المشهد السوداني:
مع دخول الأفغان العرب الى السودان تزامنا مع ايواء السودان لأمثال أسامة بن لادن زعيم القاعدة وكارلوس الارهابي المعروف شهدت فترة التسعينات في السودان كذلك انعقاد المؤتمر الشعبي العربي الاسلامي الذي جمع كل متنطعي العالم والتكفيريين.هذا الاحتضان المتعطف من الدولة للارهاب العالمي أنبت زرعه حصادا مرا، فازدهرت في التسعينات أنشطة الجماعات التكفيرية والحوادث الدامية فشهدنا:
مقتل الفنان خوجلي عثمان في النصف الأول من التسعينات بسكين أحد التكفيريين «وان تسرب أن موضوع مقتل خوجلي عثمان به ملابسات أخرى» وفي 1994 قامت مجموعة من الأفغان العرب بقيادة محمد الخليفي بشن هجوم على مسجد في حي الثورة الحارة الأولى أثناء صلاة الجمعة وأسفر الهجوم عن مقتل 20 شخصا وجرح العشرات،وقد أعدم الخليفي شنقا حتى الموت.وشهد عام 2000 هجوم عباس الباقر على مسجد «الجرافة» أثناء صلاة التراويح، وحصد ببندقية كلاشينكوف أرواح 20 من المصلين وأصيب في الحادثة 33 مصليا، وقتل منفذ الهجوم في مكان الحادثة.و في النصف الأخير من التسعينات جرت اشتباكات بين مجموعتين تكفيريتين في «ود مدني» في اشتباك بالأيدي والأسلحة البيضاء، لم تخلف قتلى، ولكنها خلفت جرحى من الطرفين .
بعد اعلان أمريكا الحرب على الارهاب في 2001 وغزوها العراق وضربها أفغانستان وقصف ليبيا بالطائرات اتضح لجميع الاستبداديين في المنطقة مدى خطورة التعامل في الملف الارهابي وأن أمريكا «لا تهذر» فأسرعت حكومة السودان في طرد أسامة بن لادن وتسليم كارلوس وسلمت ما بيديها من ملفات الارهابيين وحتى المتعاونين معها من حركات التحرير المشروعة لم تتوان عن كشف ظهورهم «فيا روح ما بعدك روح» .
لكن طبعا مثل تلك الملفات لا يمكن غسل اليد منها نهائيا وستظل الجيوب المختبئة التي وجدت الرعاية اللصيقة يوما ما، تتكاثر وتتفلت طالما غابت الحريات وامتلك المنحرفون الأدوات«المال والسلاح والفكر المنحرف» بل ربما استمرت بعض الجهات الحكومية في رعاية سرية لهؤلاء التكفيريين بالرغم من سياسة الدولة المعلنة بأنها تحارب الارهاب ففي مثل تلك الأنظمة التي لا تعمل ضمن مؤسسية مفهومة دائما ما يوجد من يعتقد بنفسه ذكاء أكثر من بقية العالمين ويستمر في رعاية العقارب لاستخدامها في «اليوم الأسود»، «ألا تذكر عزيزي القارئ أن هناك من هددنا باخراج العقارب ان خرجنا للشارع؟» .وربما كانت واقعة اغتيال الدبلوماسي الأميركي مايكل غرانفيل وسائقه في شوارع الخرطوم في ليلة رأس السنة عام 2008 من ضمن تلك التفسيرات التي سيأتي اليوم الذي تكشف فيه خباياها باذن الله.
بالرغم من تعدد تلك الحوادث الدامية لكن جماعة التكفيريين في السودان تظل محدودة الأثر بمعنى أن الفكر التكفيري المتشدد لا يجد رواجا في المزاج السوداني. فالسودان بلد يتميز نسيجه الاجتماعي بالتماسك ومزاجه العام بالتسامح ويجد كل من يعاشر سودانيين فروقا واضحة تميز السودانيين عمن سواهم وقد شهد بتلك الشهادة رجلان يمثل كل منهما أحد مكوناتنا العرقية ، كما أخبر الأمير الحسن بن طلال أخاه الامام الصادق المهدي بأنه لا حظ أن السودانيين يختلفون عن بقية العرب بما أسماه الأمير الحسن «السودانيات» وهي التي عرّفها الامام الصادق بأخلاق السمتة«الاقدام، الكرم، الكرامة، الستر،المروءة،الغزل العفيف، التسامح..» ، وقد صرح الجنرال سيمبويا الذي يمثل الجزء الآخر من مكوناتنا وهو العنصر الافريقي « أن السودانيين يختلفون عن بقية الأفارقة». تلك الميزات السودانوية الخالصة والتي يهمنا منها الآن التسامح كانت نتاجا لأسباب عدة، عددها الامام الصادق في عدة مناسبات لا يتسع المجال لذكرها هنا و منها طريقة دخول الاسلام فقد تسرب تسربا الى ثقافة الناس ووجدانهم في تصالح معها فاستوعبته كمكون لا يتنافر مع قيمها السائدة لذلك تبنى الناس الاسلام ضمن منظومة سلوكهم اليومي.
اذن يحدد أثر تلك الجماعات، بالمزاج السوداني المعتدل، وبمناخ الحريات، وبالبناء الاسلامي نفسه فالاسلام دين الفطرة كما قال الرسول «صلى الله عليه وسلم» والفطرة الانسانية تجفل من التشدد والغلو وتنفر منهما فتجد المؤمن حقا في سلام ومحبة مع نفسه ومع الآخرين يتبع دينه في سلاسة طبيعية دون تكلف أو عنت أو شد وجذب.
كما يحارب النشاط التكفيري بالفهم الصحيح للاسلام :فرغم أن الله خلقنا لنعبده لكنه لم يجبرنا على الايمان به فنحن أحرار نؤمن ان شئنا أو نكفر ان أبينا. وهذا هو الفرق بين الانسان الذي كرمه خالقه لمجرد انسانيته وسخر له الكون، وبين الحيوان الذي يفعل ما يفعل جبرا بالغريزة اتباعا لمعلومات مكتوبة في جيناته الوراثية ليس له الخيار سوى تطبيقها.يقول ربنا سبحانه وتعالى «لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم »البقرة 256 ويقول «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا »الكهف 29 ويخاطب رسوله الكريم «فَذَكِّرْ اِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ »الغاشية آيات: 21و22 .
وعلى هدى القول الرباني والقول النبوي وما فعله الرسول «صلى الله عليه وسلم» مما سجلته كتب علم الحديث التي تجدها في مظانها ، مضى على الدرب من يعتد برأيهم من علماء وكان حكمهم : الذي بنوا عليه الأحكام : أن الانسان مخير بين الكفر وهو الجحود بأنعم الله، والايمان فان لم يكن الانسان مخيرا فما فائدة الثواب والعقاب وما هي القاعدة الأخلاقية التي بها نحاسب؟ كما يتساءل الامام الصادق المهدي وكيف نجرؤ على التشكك بعدالة الخالق اذ نجبر على الكفر «دون اختيار منا» ثم نجرم على ذلك-تعالى الله عن ذلك علوا عظيما. وبينما يستوجب الكفر بالله وهو من أكبر المعاصي حتى يقال «ليس بعد الكفر ذنب» أشد الغضب الالهي لكن الثواب والعقاب هي من أعمال الرب وحده فهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولسنا مكلفين مهما بلغ علمنا بالحكم على انسان بالكفر مهما صورت لنا أنفسنا صواب ما نرى.
ويقول الامام محمد عبده : «انه اذا صدر قول من قائل، يحتمل الكفر من مئة وجه، ويحتمل الايمان من وجه واحد، حمل قوله على الايمان، ولا يجوز حمله على الكفر».
مما تقدم يتضح أننا لا نستطيع الحكم بتكفير الناس وعقابهم أو شن الحرب عليهم لاجبارهم على رؤية ما مهما اعتقدنا في صوابها وصلاحها. وجل ما نستطيعه ازاء الآخرين هو الدعوة الى سبيل الله بالحكمة و بالموعظة الحسنة .
كذلك أخبرنا ربنا في محكم تنزيله أن التباين سنة كونية والاختلاف من نواميس الكون «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين »هود 118 مما يتضح في الآية المذكورة وفي أخريات.
فتلك الأربعة التي عددتها كفيلة بمعالجة ظاهرة التكفير رغم خطورته وهم يحتاجون المجتمع لاخراجهم من ضيق الأفق بتيسير سبل العلاج النفسي والبحث الاجتماعي ،لكن الذي يجب أن ننهض لمقاومته فورا هو «التكفير المنظم المؤسسي» الذي يتم باشراف الدولة عن طريق مؤسسات تمت اليها بصلات، بادية للعيان ومفضوحة رغما عن الانكار.
وبينما قد يبدو أن حوادث التكفير واتباعها بهدر الدماء متداخلة لكننا نزعم أن هناك خطا رفيعا يفرق بينها ، فبينما نلحظ أن ضحايا التكفيريين دعنا نسمهم«الأصليين»، كانوا اما نتاجا لتصفيات داخلية بين العناصر المتشددة فيما عرف بحرب المساجد «كانت المساجد المستهدفة هي مساجد أنصار السنة الذين يعتبرهم التكفيريون عرفوا الحق ثم أنكروه »لذلك يكفرونهم ويهدرون دمهم ،أو هجوم عام على قبيلة الفنانين اذ يصنفونهم فعلة منكر «لم يكن خوجلي عثمان مستهدفا لذاته» أو ضد الامريكان«حادثة غرانفيل» واستهدافهم للامريكان مفهوم منذ الحرب المعلنة بينهما.
لكن تحديد أسماء بعينها أو أحزاب تستهدف لذاتها عمدا بفتاوى التكفير فذلك هو الشغل السياسي الذي يفضح بوضوح تورط بعض الأجهزة الرسمية وجهات حكومية في ذلك الكيد الذي يستغل العواطف الدينية الغوغائية لحجر الرأي والتنكيل بالأعداء.وهي فتاوى تنطلق كذلك بين فينة وأخرى لتصب حصريا في خانة نصرة السلطان فتكره ما يكرهه وتحب ما يحبه ففي الانتخابات «التي يحرمونها» يدعون لنصرة البشير بل يجعلون بيعته وطاعة أولي الأمر دليل صلاح المسلم!واذ يخافون على الحاكم من «الهواء الطائر» ويفتون بوجوب امتناعه من السفر شفقة عليه من العواقب تعمى تلك الهيئات والروابط عن مصالح المظلومين. وبينما كان الادعاء الأساس تبريرا للانقلاب «ان الله يذع بالسلطان ما لا يذعه بالقرآن»وبرغم هذه الأهمية المسندة للسلطان في نظرهم لدرجة الانقلاب على سلطة شرعية، تتغاضى فتاوى تلك المنشآت الحكومية عن فساد الحاكم وتتركهم يغوصون في وحل مال الشعب دون أن تحرك ساكنا بينما الفهم السائد أن نظائر هذه الهيئات والروابط انما الأصل في انشائها هو مناصحة الحكام وردهم عن ظلم الرعية ولكنهم يتركون فضل أفضل الجهاد وهو قول الحق في وجه سلطان ظالم ليستأسدوا على المواطنين العزل بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان .
تلك «الروابط الفتوية» التي ترهن الدين للدنيا ولخدمة الحكام هي الأشد خطرا على النسيج الاجتماعي السوداني وعلى أمن المجتمع ذلك أنها تعمل على تعبئة الشباب وتستغل فورة حماستهم وقلة علمهم فتحولهم الى قنابل موقوتة قد يبدو «أنها تحت السيطرة» لكن الفئات التي تستهدفها بالتعبئة تتفاعل بعيدا عن النور خارج أي سيطرة ومتى ما شبوا عن الطوق يستهدفون اليد التي امتدت اليهم بالاحسان قبل الآخرين ومثلما يحدث مرارا وتكرارا ينقلب السحر على الساحر، وهنا نسمع صوت زعيم القاعدة أسامة بن لادن «الذي لدغ من جحرهم» يحذرنا «كما يقال» من هذه الحكومة التي تخلط بين الدين والجريمة المنظمة .
وسلمتم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.