التاسع من يناير لم يكن فقط التاريخ الذي بموجبه تم تشكيل خارطة جديدة في السودان بانفصال جزئيه الجنوبي عبر الاستفتاء كما ان التاسع من يوليو القادم وبمجرد ان يرفع علم نضال الحركة الشعبية فوق سارية مبني الحكومة في جوبا فان ثمة تعديلات اخري ستطال الخارطة الافريقية والتي يمثل السودان قلبها النابض ومتوسطها حيث من المقرر ان تتراجع ارقام ان السودان يجاور تسع دول كما كانت تقول دروس الجغرافية، حيث ستتنازل الخرطوم عن جوارها لكل من يوغندا وكينيا والكونغو وافريقيا الوسطي لصالح جوبا والتي تربطها بهذه الدول علاقات كما ان علاقتها بالخرطوم يصفها كثيرون بانها اشبه بالزواج الكاثوليكي غير قابل للانفصال مما يضع مستقبل علاقات الطرفين المشتعلة قبل اوان التاسع من يوليو في أبيي رهينة بخلق حالة من التوافق بين تلك القواسم المشتركة ستجد جوبا نفسها رهينة فكرتي ممارسة موسم الهجرة الي الشمال لدعم الموجود او استبداله بالاتجاه جنوبا في ظل تباين رؤي الاطراف المتعددة ،وبالطبع مصالحها ،الامر الذي ينتج سؤالا محوريا حول اتجاهات علاقة الدولة الوليدة مع جوارها المتجدد علي جوار الخرطوم القديم هو الامر الذي وضع علي طاولة نقاش وحوار المركز العالمي للدراسات الافريقية بالخرطوم امس واختار عنوانا لندوته «مستقبل علاقات الجنوب مع دول الجوار واثرها علي الشمال»، الموضوع الذي تباينت حوله اراء من جلسوا علي المنصة بين ان التأثيرات يمكن ان تصب ايجابا او ان تكون سلبية متناولين في الوقت نفسه مجموعة من المحاور التي ستحكم مسار العلاقات وفقا لمفهومي المبدأ والمصلحة ودون ان يهمل المشاركون عصا القوي الخارجية الطولي في عملية التأثير وتحديد المستقبل البعض اعتبر ان ما حدث لن يؤثر بل انه عبارة عن حالة افراج مؤقت ستعود بعدها الامور الي نصابها وجوبا الي خرطومها والنيل الي جريانه الطبيعي في نفس خط عبور النفط المحدد الاخر لمسار علاقات المصلحة . البروفيسور ديفيد ديشان المواطن في الدولة الجديدة وهو يتحدث في مساحة جغرافية داخل الخرطوم او ما يطلق عليها وفقا لفلسفة تحقيق المصير الدولة الام او الدولة الاصل بدأ افادته او ورقته متشككا في الذي حدث وقال بصريح العبارة ان السودان ما زال دولة واحدة وان الانفصال لايعدو كونه مجرد قرار سياسي اتخذته مجموعة لا تعبر عن ارادة المواطن الجنوبي وبدا الرجل واثقا من ان سفينة الوحدة ستعود مبحرة من جوبا الي حلفا ،واعتبر ان الانفصال كان عبارة عن خطوة مدفوعة القيمة استلمها بعض قادة الحركة الشعبية، بعدها تناول موضوع علاقات الشمال والجنوب في المستقبل، مشيرا الا ان عاملا اساسيا سيكون هو المؤثر وهو عامل التركيبة الاثنية والامتداد القبلي بين الجنوب ودول جواره، مشيرا ان المجموعة القبلية التي يمثلها الزاندي تمثل جسر التواصل بين الجنوب واثيوبيا بينما تقوم بهذا الدور مجموعة الاشولي في يوغندا والزاندي في الكونغو وافريقيا الوسطي، مشيرا الا ان هذا الامتداد سيكون العامل المؤثر في صياغة العلاقات الخارجية قبل ان يعتبر ان شريط التواصل بين الشمال والجنوب في منطقة اعالي النيل والمصالح المشتركة هناك هي المدخل لضمان مستقبل يقود لعلاقات راشدة بين الجانبين لا تتأثر بالتحولات السياسية، ولكنه اعتبر ان شرط تحقيق هذا الامر يتوقف وبالاساس علي ضرورة انتهاج سياسة تغيير سياسي في الجنوب وفك القبضة الامنية والقبلية للحركة الشعبية وهو امر يتطلب ان يتم التعامل مع الشماليين في الجنوب بانهم اسياد البلد والامر كذلك في الخرطوم ، والا فان الامر سيظل رهينا لرغبات ومصالح اخرين لا تهمهم مصلحة الشعب السوداني من دول الغرب والجوار، وفي نظرته لمستقبل علاقات البلدين وفقا لمؤشر علاقات الجنوب مع دول الجوار يتخذ الفريق محمد زين العابدين من الاوضاع السائدة الان مدخلا لحديثه ليصف ان العلاقة تمضي في اتجاه ماهو غير مأمول ويرجع الاسباب بشكل اساسي لسياسات الجيش الشعبي ، مشيرا لاحداث أبيي والتوجهات العدائية والتي يفلسفها وفقا لما اسماه باستطالة عصا التأثير الخارجي في عملية اتخاذ القرار السياسي وفقا لما يحقق مصالح وتطلعات تلك الدول وهو ما يبدو واضحا في سعي امريكا للحصول علي 25 %من النفط من افريقيا، اضف لذلك عمليات التغلغل الصيني مع وجود فكرة الافريكوم وبروز الجنوب كدولة لاستضافة هذه القوات، واعتبر ان الحل في بناء علاقات مستقبلية راسخة يبدو فقط في مد حبال التواصل والاخاء بين الشمال والجنوب، واعتبر ان اكثر العوامل تأثيرا علي مسار علاقات الطرفين شمالا وجنوباالولاياتالمتحدةالامريكية قبل ان يستبعد تأثر علاقات الشمال بكينيا واثيوبيا بناء علي علاقتهم بحكومة الجنوب، ولكنه لم يستبعد ان تدعم اوغندا الجنوب عسكريا في مواجهة الشمال ، واعتبر ان عملية المصالح تفرض علي الجنوب والشمال التعامل معا وفقا لتحقيق مصالحهم الثنائية بعيدا عن الاجندة الاخري، واعتبر ان علاقة المجتمع الدولي مع السودان الشمالي تقوم علي عدم التعاطف وربما المواجهة قبل ان يختم حديثه بان مجموع المصالح المشتركة بابعادها المختلفة تقول انه من الرشد للطرفين تنميتها لتحقيق رغبات الشعب الواحد في الدولتين ، وهو الامر الذي انطلق منه المتحدث الثالث في الندوة الدكتور عادل عبد العزيز الذي انطلق من نظرته للمستقبل وفقا لمؤشر المصالح الاقتصادية بين الشمال والجنوب من ناحية وبينهم مع دول الجوار من النواحي الاخري ، واتخذ من الواقع الاقتصادي بالجنوب نقطة لانطلاقه حيث وصف الواقع الاقتصادي بالفقير وان الدولة ما زالت في طور التشكل والتكوين مع ضعف للبيئة التحتية وغياب القوي المدربة والمؤثرة حيث ان الجنوبيين في المهجر وفي الدول المتقدمة لم يتخذوا بعد خطوة العودة في انتظار ان تتضح الرؤية النهائية فالبداية ما زالت مسيطرة وما يأتي من احتياطيات النفط يستهلكه الجيش الشعبي وهو ما يعني ان استمرار سياسة الاعتماد علي الاخرين ووفقا لاجنداتهم الخاصة كما ان الاعتماد علي النفط وحده سيجعل الدول تحت رحمة الشمال الذي يعبر به النفط وهو امر قد يقابل الشمال نفسه ويتطلب منه تعديل معادلة البترول، الا ان عادل يمضي لنقطة اخري تتعلق بمعادلة المصالح بين الجنوب ودول الجوار باديا باثيوبيا التي قال انها اول دولة فتحت لها بنكا في الجنوب كما ان الخطوط الاثيوبية لها رحلات مستمرة الي جوبا، الا انه يمضي ليقول ان اثيوبيا لن تدعم علاقتها مع الجنوب علي حساب الخرطوم التي توفر 90% من البنزين لها ، كما ان الذرة تذهب من الخرطوم واعتبر ان العلاقة مع مصر سترتبط بشكل رئيسي وفقا لمحور المياه خصوصا وان البيئة في الجنوب هي المكان الوحيد الذي يوفر لمصر زيادة حصتها المائية ولكن الامر ايضا يتطلب وضع اعتبار للخرطوم التي ستمر بها المياه واعتبر يوغندا هي اكثر الدول استفادة من الجنوب الان من خلال توفير وظائف وعملة صعبة ، وقال ان حكومة الجنوب يقال انها لها وديعة دولارية في البنوك اليوغندية وهي السبب في اغتيال جون قرنق عندما طالب بها، ولكنه عاد ليقول ان خط الانابيب يظل هو وسيلة الضغط الرئيسة في يد الشمال والتي يجب عليه ان يتعامل معها كما ان توفير الشمال للمواد الغذائية للجنوب يجعل كفته ترجح علي حساب الاخرين. وفي ختام حديثه اشار الا ان التصعيد الاخير في أبيي من قبل القوات المسلحة يبدو وكانه كمين للشمال يمكن من خلاله ان تتكرر تجربة العراق والكويت في السودان. وفي تعقيبه ابتدر الدكتور عمر عبد العزيز حديثه بان العلاقات الدولية تمضي في اتجاهي المبدأ والمصلحة وهو ما سنحلل من خلاله علاقات الطرفين بعد التاسع من يوليو دون ان يعني ذلك اهمال امر مهم وهو طريقة قيام ونشأة دولة الجنوب والتي قامت وفقا لاخطاء نيفاشا التي فتحت المجال للصفوة في الحركة الشعبية من اجل تحديد مسار السودان وفقا لرؤاها ولمصالحها الذاتية، وبعدها استطاعت بناء نظام شمولي حدد مسار البلاد انفصالا دون ان يكون رأيا لاغلبية الجنوبيين قبل ان يضيف انه من حيث المبدأ فان المشروع العدائي تجاه الشمال سيظل مستمرا وهو السيناريو الملموس والواضح مستقبلا ، واعتبر ان المعادلة المستقبلية تنطلق من ان الجنوب لن ينفك عن الشمال وسيظل محتاجا كذلك لدول الجوار وستزداد الضغوط الامريكية الاسرائيلية في هذا الاتجاه وبدت بوادرها تلوح الان في جنوب كردفان والنيل الازرق، واعتبر ان المعادلة تظل متناقضة ففي الوقت الذي تتجه فيه الحكومة جنوبا تظل ثقافة المواطنين ترنو الي الشمال وهو امر لايمكن الوقوف امام سريانه باي حال من الاحوال مقارنا بالذي تدفع به دول الجنوب من سلع في مقابل السلع التي تأتي من الشمال وهي المهمة، لانها تتكون من الذرة والسكر واعتبر ان الوقوف ضد الشمال الان هي خطة اقليمية مدعومة امريكيا وان الطريق لمواجهتها يتطلب بشكل اساسي تراجع الحكومة من خطوط التنازل لخطوط الضغط ، قبل ان يختم حديثه بانه يعلم تماما معايير الفصل بين حكومة الحركة الشعبية وبين رغبات الشعب في جنوب السودان وهو ما يتطلب من الخرطوم الوقوف علي خط المبدأ الا ان خطوطا كثيرة لم تتضح معالمها بعد في خطوات السودان الجنوبي وعلاقاته والمترتب منها علي الجزء الاخر في سودان ما بعد التاسع من يوليو.