الأخ وليد كمال لك التحية والإجلال أرجو شاكرا الإطلالة عبر مساحتك المقروءة للفت الانتباه إلى سبر غور قضية انحدار الذائقة الفنية وتلاشي الغناء الأصيل ذي المعاني الراقية والكلمات السامية فقد تقافزت إلى غرف ذاكرتي أسماء قامات كبيرة في مسيرة الغناء السوداني استطاعوا نحت أسمائهم بحروف من نور على جدران ذائقة كل سوي يعشق النظم الجيد وتستهويه المعاني الراقية ، وأنا ساهم في مآل يومي كيف انقضت سحابته وربما شاركني الحال من أتقاسم معهم مقاعد الحافلة التي تغلنا إلى حيث نسكن ذات مساء ، فإذا بسائق الحافلة يفتح الباب واسعا على مصرعيه إلى نقاش فني ثر عن الأغنية السودانية وما آلت إليه من حال بائس من حيث درى أو لم يدر ، بتشغيله لكاسيت لأحد الأصوات النشاذ التي تنضح كلمات أغنياته هبوطا وتفوح انزلاقا في هاوية الدونية ، حيث لا معنى ولا طعم ولا لون لما يتفوه به من كلمات مبتذلة ، فاقدة للقيمة، من شاكلة طلعنا الكوبري وجينا بري وما إلى ذلك من الغثاء الذي يبعث على الاستفراغ بفضل طلعات حرامي القلوب ودق البيت وجانا . فما كان إلا أن تشكل رأي جماعي بأن يوقف السائق هذا الهراء وأن يبدله بالاستماع لصوت يجبر العامة على الانصات ويحملهم إلى دوح الاستماع والاستمتاع . وللمفارقة كان السائق يحمل في جعبته أو كنانته الفنية تسجيلا رائعا جسد الفارق الفارع بين العالي والهابط والجيد والمبتذل من القول، وإن كان لم يكن منسابا من (خشم سيدو) كما يقول المثل ، بل جاء بصوت المبدع عصام محمد نور الشبابي الذي يمثل امتدادا للكلمة الجيدة المموسقة وهو ينثر درر الإبداع في إلبومه الموسوم عبقرية الكاشف ، فهوم بالحضور في دنيا الفن الجميل والطرب الأصيل وهيج أداؤه المميز أصداء ذكرى طيب الذكر خالد الأعمال ابراهيم محمد أبوجبل الذي ذاع صيته وعرف بين الناس بابراهيم الكاشف وهو لمن لا يعرفون سيرته العطرة من جيل حرامي القلوب من مواليد ود مدني حاضرة الجزيرة الخضراء المعطاء الولود التي لطالما رفدت الساحة الفنية والثقافية والرياضية بأفذاذ يشار إليهم بالبنان وبدأ الكاشف ظهوره الفني في منتصف الثلاثينيات و لمع نجمه وطبقت شهرته حواري مدني وضواحيها قبل وصوله الخرطوم عبر ترديد أغاني رواد الحقيبة أمثال كرومة و الحاج محمد أحمد سرور ويستحق الكاشف وصفه بعبقري الفن السوداني عن جدارة واستحقاق وكيف لا فهو من الأوائل الفنانين الذين تغنوا بمصاحبة الآلات الموسيقية إن لم يكن أولهم على الإطلاق علاوة على تميز ألحانه وتفردها واتسامها بالروعة رغم محدودية تعليمه إذ لم ينل قسطا وافرا من التعليم المنتظم الأمر الذي يؤكد نقاء موهبته الفطرية وأصالتها وانتقل الكاشف إلى الرفيق الأعلى في العام 1969 مخلفا وراءه ثروة زاخرة من الفن الأصيل ورصيدا كبيرا من الأغنيات الخالدة لم تستطع الأربعون ونيف من السنين التي انسربت من بين يدي الناس الانتقاص منها بل مع انبلاج كل فجر جديد تزداد متانة ويزيد اللجوء إليها في ظل الهرج والمرج الذي يكتنف الساحة الفنية فضاعت الأغنية بين رحى موجتها الكاسرة وعنفوانها الجامح الذي يسطير من أسف على ذائقة الشباب أمل الأمة فهل من عودة إلى زمن الغناء الجميل والطرب الأصيل ؟ و رحم الله أمثال الكاشف في حياتهم السرمدية بانتقالهم إلى الدار الآخرة قبل أن يقفوا على هراء حرامي القلوب تلب . محمد صديق احمد [email protected]