قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحل في الساعة العاشرة مساء اليوم العاشر من شهر عشرة 1881م
دانيال كمبوني ..المعلم العظيم
نشر في الصحافة يوم 28 - 10 - 2011

مرت علينا قبل أيام الذكرى ال130 لوفاة دانيال كمبوني، اذ رحل تحديدا عند الساعة العاشرة مساء من اليوم العاشر من شهر اكتوبر 1881 ، في تلك الليلة دق ناقوس ارسالية الخرطوم دقاته الحزينة ، دقة ، دقتان ، ثلاث ، وكان قبله صراخ الاولاد والبنات في الارسالية كافيا لإشاعة الخبر المؤلم ، اثقل نبأ جثم على صدر افريقيا ، الا هو خبر موت المنسنيور ، كان الموقف محزنا لا يطاق ، وفجأة انتشر النبأ في كل مكان ، عبر الجبال و البحار ، في الصحاري والانهار ، ذهول واسى عم كل الاقطار ، وهناك في ايطاليا كان للخبر دوي مهيب ، عندما ع?م والده بما حدث ، وأن آخر ابنائه الثمانية قد رحل عن هذه الفانية كانت ردت فعله على هذا المنوال ( اني اشكر الله انه مات في موقعه كجندي مخلص ) ، ولكن تعزية بخيت كايندا النوبي الكفيف كانت اكثر تأكيدا على عظمة المنسنيور ، اذا قال ( ان اسم كمبوني سيظل خالدا على هذه الارض الحارقة ، وان كل اخوتي الاحياء والذين سيعيشون سوف يكرمونه كمخلص صالح ).
صرخة المستقبل اللاواعية :
( افريقيا ... افريقيا ) يسمع مرارا شيوخ واهالي قرية ( ليمون ) الصغيرة الضاحكة ذات البيوت المزخرفة واعمدة المرمر ، بين مرأة بحيرة ( غاردا ) الزرقاء واخضرار الزيتون ، يسمعون صراخا من اعالي الجبل الجاثم فوق القرية ، هاتين الكلمتين ( افريقيا ... افريقيا ) كلمتان كثيرا ما كان يرددهما الولد الصغير النشيط ، دانيال ، الذي كان يتسلق الجبال من وقت الى آخر ، بنظرة متوجة نحو ارضٍ بعيدة ، يطلق صرخة المستقبل اللاواعية آنذاك ( افريقيا ... افريقيا ) ، ابصر دانيال النور في 15 مارس 1831م ، وهو الابن الرابع من بين ثمانية اول?د قضوا نحبهم في عمر يانع ، اذ ولد في ( تيسول ) احدى مزارع الليمون الكثيرة المحاطة بالزيتون ، حيث تستطيع ان تتمتع بمنظر البحيرة ، حيث تؤمها الطيور لقضاء فصل الشتاء ، كان والدا دانيال ( لويدجي كمبوني و دومنيكا ) يعملان كبستانيين ، ويسكنان في دفيئة يملكها سيد ثري ، ويكسبان العيش بتضحيات كبيرة ، ولكنهما كانا في المقابل غنيين بالايمان والفضيلة .
درس دانيال الابتدائي بالقرية الجميلة التي احتضنته ثم ذهب الى فيرونا ليسجل اسمه كتلميذ غير مقيم في المدرسة الاكليريكية الاسقفية لان الاقامة تتطلب منه رسوماً مالية اكثر من طاقته ، ثم انتقل للدراسة في كلية مازا ، التي انشأت لتكون ملاذاً للطلاب الفقراء والموهوبين الذين لا يستطيعون تسجيل اقامة داخل مدارس الدولة ، بعد تخرجه فيها انضم الى مجمع نشر الايمان الذي كان يعمل على انشاء ما يسمونه النيابة الرسولية الى اواسط افريقيا كعضو بسيط في عام 1846م .
نقطة تحول :
عندما زار الاب فنكو مدينة فيرونا الايطالية ، قصد المدرسة التي كان قد تربى فيها ، ووجه خطاباً حماسياً وحاراً للطلبه ، وكان من بين الذين استمعوا الى كلامه حينها الشاب دانيال ، والذي صمم في تلك المناسبة بالذات أن يوقف حياته لخدمة افريقيا .
واول زيارة لدانيال كمبوني الى السودان كانت في عام 1857م ، مع مجموعة من اعضاء كلية مازا ، مات اثنان منهم بعد وصولهم بفترة وجيزة ، اما كمبوني فقد اضطر للعودة الى ايطاليا في عام 1859م نسبة لتدهور صحته آنذاك ، ولكنه بالرغم من ذلك قرر ان يكرس حياته للعمل من اجل الافارقة ، وبعد ان قضى فترة النقاهة في بلدته ابحر الى الاسكندرية ثم عدن وبعض الموانئ والمدن في سواحل افريقيا ليختار صبيانا من الافارقة الذين امتازوا بذكائهم ، لينقلهم الى كلية مازا وغيرها من المعاهد الخيرية لينالوا تربية تنفع مواطنيهم عندما يعودون الى دي?رهم.
وعندما عزم دانيال على الذهاب الى افريقيا قام بالعمل كمتطوع بين المصابين بالكوليرا في فيرونا ، باذلا ذاته ليلا ونهارا ، نائما على مقعد غير مريح ليكون دايما على اهبة الاستعداد لمساعدة المرضى ، هكذا تأهب دانيال للذهاب الى افريقيا ، لانه كان يعلم بأنه ذاهب الى قارة الاسود ، وكان يعلم انه سوف يجابه العديد من الصعاب ، لذلك جاء استعداده مبكرا وشاقا .
شاب مؤهل لتحمل الصعاب :
عندما كان كمبوني في 31 من عمره كان يتقن عشر لغات ، من بينها اللغة العربية ، وبعض اللهجات الافريقية المحلية ، وكان متحدثا جيدا ، يعرف ماذا يقول ، وكيف يقنع ، عندما يتكلم يشع طراوة وأملا ، يعيش من الامل لا من الذكريات المليئة بالحنين .
وكان كمبوني شخصا متفائلا ، يحب الناس ، ويحب التحدث اليهم والاستماع الى مشاكلهم ، يعظهم ، لقد كان محبوبا من الجميع ، كما كان كاتبا متميزا ، يكتب المقالات والخطابات والرسائل ، لقد كتب العديد من الرسائل وهي تشكل الآن منجما تاريخيا وادبيا ، وكانت مقالاته تجابه معضلات تلك الفترة من العبودية العظمى التي كانت مستشرية في البلاد ، يشرح فيها الحالة المأساوية التي كان يعيشها سكان السودان .
وفي زمان كمبوني كانت افريقيا عالماً مجهولاً تماماً لأغلب الاوروبيين ، لذلك اعتبروها موضوع استكشاف واحتلال وتسلط ، ومصدراً جديداً لجلب المواد الخام والعبيد ، ولكن بالمقابل كان هنالك آخرون يحلمون بأفريقيا مختلفة تماما ، اذ وضعوها موضع تربية وحضارة ، وكانت لهم دوما افريقيا موضوعا وليس شخصا ، وكان كمبوني ضمن هؤلاء الفئة الاخيرة ، اذ احب افريقيا لدرجة بعيدة ، وظهر هذا جليا في اقواله وافعاله .
افريقيا أو الموت :
كانت ارسالية اواسط افريقيا بالخرطوم قد اغلقت منذ عام 1862م ، ولكن رغبة كمبوني في مساعدة شعب افريقيا على الخلاص كانت اقوى وكافية لمواجهة اهوال وتحديات القارة السوداء ، لذلك اعد خطة لاعادة فتح الارسالية والعمل في افريقيا ، وذلك بالاستعانة بالافارقة انفسهم ، وساعده في ذلك مقدرة الافارقة على ادارة شؤونهم الدينية والاجتماعية بأنفسهم ، وفي هذا المجال كان كمبوني سباقا في ( افرقة الافريقيين ) سياسيا وثقافيا واجتماعيا ، ومن اجل هذا طاف جميع العواصم الاوروبية ، معلنا خطته وداعيا اليها ، بغرض جمع التبرعات لانجاز مه?ته ، ولكنه لقى الكثير من المعارضة ، وبالاخص من رئيس كلية مازا ، الذي رفض اقتراح اعادة فتح ارسالية اواسط افريقيا بالخرطوم ، لكثرة الصعوبات التي واجهها المشروع ، الا ان كمبوني لم يستسلم ، اذ صمم بأن يحمل هذا العبء لوحده ، وأن يواصل العمل دون مساعدة من كلية مازا .
البداية من أرض النوبة :
في عام 1873م عاد الاب كمبوني الى الخرطوم للمرة الثانية ، وذلك بعد ان قام قداسة البابا بيوس التاسع بتعيينه نائبا رسوليا لإرسالية اواسط افريقيا ، واعطاه السلطة لاعادة فتحها ، وكان مع الاب كمبوني دفعة من المرسلين المساعدين له واثنين من الافارقة الذين تخرجوا في كلية مازا ، وكان الاب كمبوني قد اعطي امرا لإثنين من القساوسة بالذهاب الى الابيض لبناء مدرسة وكنيسة ، وذلك عام 1871م ، وعندما وصل الاب كمبوني السودان قدم نفسه للناس على هذا المنوال ( حب شبابي الاول كان لأفريقيا التعساء ، كانت افكاري وخطواتي دوما لكم ، ان? ابوكم وانتم ابنائي ، اعود اليكم لئلا اتوقف ابدا ، وان اكون لكم ، يلقاني الليل والنهار ، الشمس والشتاء ، متأهبا دوما لتلبية حاجاتكم الروحية ، الغني والفقير ، المتعافي والمريض ، الشاب والشيخ ، رب البيت والخادم ، لهم دوما مدخل الى قلبي ، خيركم خيري ، اوجاعكم اوجاعي ، اسعد ايامي يكون يوم استطيع ان اهب حياتي لكم ) .
بدأ الاب كمبوني عمله من جبال النوبة ، وهي في ذلك الوقت كانت منطقة مغلقة ، اذ لم يصل اليها اي من التجار بعد ، اذ قام بفتح مزرعة بالدلنج لتدريب الاهالي على الزراعة ، واقام مزرعة اخرى بالقرب من الابيض في قرية ( ملبس ) وطبق الاب كمبوني في كل مؤسساته تلك الاسلوب المعروف اليوم ب( العون الذاتي ) ، اذ كان يعمل على تدريب الاهالى على الاكتفاء الذاتي ، لاسيما في اعمال الزراعة ، وكان يشجعهم على ان يؤمنوا معيشتهم بأنفسهم ، كما قام بفتح مركز آخر في بربر ، وكان في نيته ان يقيم مركزا في القضارف وبعض مدن الجنوب الا ان و?اة الكثير من مساعديه حالت دون ذلك .
وفي عام 1877م قام البابا بتنصيب الاب كمبوني اسقفا لاواسط افريقيا ، و وفقا لاعماله الجليلة قام الخديوي اسماعيل باشا بإعطائه السلطة المطلقة في تحرير من يشاء من الذين يلاقيهم في حالة العبودية ، وقام بمنع تجارة الرقيق في كل اشكالها وانواعها .
المطران أبو السودان :
يقولون اذا اردت ان تعرف شخصا على المستوى العميق ، انظر الى طموحاته ، تطلعاته ، احلامه ، افعاله ، تصرفاته في الامور الجسام ، وما يهجس به في خلوته ، ان كانت تدور حول اشياء شخصية وصغيرة فهو شخص صغير ، اما اذا كانت تدور حول نفع عام وتحولات كبيرة فهو بلا شك شخص عظيم ، لان ما يقدر عليه البشر من خير او شر يظل مقيدا بالظروف والامكانات المتاحة ، اما ما يحلمون به ويتمنونه فإنه متصل بأرواحهم ، واعماق ذواتهم ، وطليق من كل قيد ، لذلك فإنه يعبر عنهم تمام التعبير ، وهكذا كان الاب كمبوني ، كبيرا في احلامه وتطلعاته ، وعظيم? بأفعاله وتصرفاته .
في عام 1878م عندما ضربت المجاعة كل اقاليم السودان ، بالاضافة الى فيضان النيل الاستثنائي الجارف عام 1879م والذي سبب الكثير من الكوارث في الانفس والاموال ، وعاث فسادا كبيرا ، نقص مرعب في المواد الغذائية ، ووباء هائل ، وجد المنسنيور نفسه امام مشهد مأساوي ، فذهب الى اوروبا طالبا المعونة من اجل آلاف السودانيين المنكوبين من الفيضان ، وعاد ووزع عليهم كل ما لديه من مال وتبرعات ، واصبح يعرف في ذلك الزمان باسم ( المطران أبو السودان ) .
خلاص أفريقيا على يد أفريقيا :
في السودان اليوم كلمة كمبوني مرادفة لكلمة كنيسة وتربية ، اذ تقوم مدارس ومؤسسات كمبوني بتخريج آلاف التلاميذ والتلميذات في كل المستويات ، وهي مدارس مفتوحة للجميع ، مسيحيين ، مسلمين ، وارواحيين .
بث الاب كمبوني في روح الشعب السوداني عزيمة الحكماء ، ونفث هوية صادقة افردها باهتمامه ، مقدما لهذه الغاية حياته الفتية ، وبذر الاب كمبوني في السودانيين حبة الخردل والتي حملت خصبا وحياة جديدة للمجتمع في السودان ، ويعتبر الاب كمبوني تحديا مفتوحا للأمم والشعوب المتقدمة لكي يقبل السودان ودول اخرى مهمشة في كونية انسانية صادقة ، اذ ناضل الاب كمبوني في اكثر القرون اثارة للجدل في افريقيا ضد الظلم والتجاوزات الانسانية والاستعباد التي كانت متفشية في السودان ، ليس هذا فقط بل اصبح الصوت الجريء لمن لا صوت لهم ، وبطل الم?اواة امام عظماء الامم .
وبالمقابل نجد بعض المفاهيم الخاطئة والتي تسعى الى نشر الافتراءات على عمل كمبوني في السودان ، ولكن كما يقولون فإن العبرة بالخواتيم ، فاذا كان الاب كمبوني هو رائد التنصير في افريقيا والسودان ، فإنه بالمقابل هو المؤسس الحقيقي للتعليم المنتظم في السودان ، وما مؤسساته الراسخة على تخوم السودان الا دليل قاطع على شمولية رسالته ونيته الصادقة في التربية والتعليم كمبدأ اساسي ، اذ درس وتخرج في مدارس كمبوني العديد من الطلاب ، والآن لهم اسهامات مقدرة في الساحة العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية للسودان الحديث .
مدارس كمبوني :
ان النظر الى تجربة مدارس كمبوني في السودان عموما ، نجد انها خلقت نسيجا اجتماعيا فريدا ، وهي بالكاد تكون سودانا مصغرا ، اذ استطاعت ان تحوي كل افراد المجتمع السوداني ، لتشكل منهم كتلة صلبة ومتجانسة ، ففي مدارس كمبوني تجد آدم ولد الغرابة ، ومحمد ابن اواسط البلاد ، وشول القادم من الجنوب ، وتية صبي جبال النوبة ، واحمد جنى الشمالية ، وهكذا دواليك ، كل من هؤلاء قادمين من بيئة مشبعة بعادات وتقاليد معينة ومتباينة ، وقيم تختلف عن البيئات الاخرى الا فيما ندر ، وكانت كمبوني هي الوعاء الذي تم فيه انصهار كل تلك الثقافات?والموروثات ، ليكون الوطن اروع بهذه التكوينات الجديدة التي نتجت عن كل ذلك التمازج .
ومسيرة كمبوني لم تقتصر على الجانب التعليمي فقط ، اذ كانت ولا تزال تولي اهتماما مقدرا بالانسان كقيمة تنموية ، ورأس مال اي دولة ، لذلك اهتمت بتربية الجوانب الاخرى من هذا الانسان ، والذى هو احد تلاميذها ، اذ كانت المناشط الرياضية حاضرة بقوة ( لا تخلو اي مدرسة من مدارس كمبوني من ملعب لكرة السلة وآخر للكرة الطائرة ) ، وكذلك اهتمت بالجوانب الثقافية والادبية ، وهذا ان دل على شيء انما يدل على بعد نظر ادارة مدارس كمبوني المستقبلية ، وذلك متمثل بالمساهمة في اعداد هذا الانسان بدنيا وجسمانيا في خط متوازي مع اعداده الا?اديمي والعلمي ، لتكون المقولة المعروفة حاضرة بقوة ( العقل السليم في الجسم السليم ) وهي احدى اهداف مدارس كمبوني للرقي بالانسان وتهيأته التهيئة السليمة لمواجهة تحديات المستقبل بذهن متفتح ونشيط وبدن قويم وسليم .
متشكرين ومقدرين :
من لا يشكر الناس لا يشكر الله ، شكرا الاب كمبوني ، شكرا على كل شيء جميل فعلته لنا ، فلن ننسى فضائلك الكثيرة علينا ، لانك ما تزال فينا ، وقديما قال الفيلسوف الالماني نيتشه «ان ما يؤسسه عظماء الافراد يبقى مجسما لشخصيتهم الى ان ينمو ويأتي بثماره» وهذا ما جسّده الاب كمبوني في حياته ، اذ قام بوضع منهج ورؤية لمجتمع متسامح وشجاع ، ورسخ معاني التكافل والتعاضد بين افراد المجتمع ، ووهبنا ثقافة ان نعيش في محبة ووئام ، وان نكون متساوين في حقوقنا الانسانية الاساسية وكذلك في الواجبات ، والوسائل لحياة كريمة وحرة ( هذا ق?ل الانفصال ).
ومن غير الممكن في مدى مقالة واحدة شرح الاعمال الكبيرة ، وحياة انسان عظيم كالاب كمبوني ، ولكن مما لا شك فيه ان الاب كمبوني احب افريقيا حباً لامثيل له ، وكان يحمل للسودانيين مودة خاصة جدا ، وكذلك بادله السودانيون الود بالود ، والملاحظ ان مدة عمل الاب كمبوني في السودان لم تكن طويلة ، ولكنها كانت عميقة ، وعظيمة الفائدة لشعب افريقيا والسودان ، لانه وجد الطريقة السليمة لتربية الافارقة وهي عن طريق ابنائهم .
الاب كمبوني مازال حاضرا في افريقيا ، عن طريق مرسليه والمدارس التي تحمل اسمه الى الآن ، وبالرغم من ان قبر الاب كمبوني الذي كان في حديقة الارسالية بالخرطوم قد هدم وخرب بواسطة جيوش المهدي ، وتم نقل رفاته لاحقا الى فيرونا حيث تستريح هناك في البيت الرئيسي الذي سمى باسمه ، الا ان اغلب جسد المنسنيور كمبوني قد اختلط بتراب السودان ، وهذا دليل على ان هبة نفسه التي قدمها لأفريقيا قد تحققت ماديا ، وان الاب دانيال كمبوني وارض افريقيا اتحدا واصبحا شيئا واحدا .
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.