كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    مجلس شؤون الأحزاب السياسية بالسودان يعلن بدء تجديد البيانات    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يدون بلاغ في مواجهة زميله ويطالبه بتعويض 20 ألف دولار    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    زيارة تفقدية لوالي سنار إلى محلية سنجة    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مابين مطرقة الحرب وسندان البؤس
القطاع الغربي بشمال كردفان..حال يغني عن السؤال

لم يهبط الذين قاموا بالهجوم المسلح على شمال كردفان وشرق دارفور من السماء ولم تنشق عنهم الأرض!. ولهذا السبب فإن السؤال الذى هم الجميع وإنشغل بالإجابة عنه هو: من وراء هذه الأحداث.
وقد تابعت البرامج التى تبارت وسائل الإعلام فى تقديمها عن الحادث فوجدت أن معظمها يدور حول هذا المعنى: من الجانى؟. وسمعت إجابات ونظريات لم تقدم لنا إجابة.. بل أدخلتنا فى متاهة!.. وقد تكون مهمة الخروج من هذه المتاهة مسئولية الدولة بالدرجة الأولى.. فهى الجهة المسئولة عن كشف مرتكبى هذه الأحداث والتعامل معهم غير أن ذلك لا يعنى أن التعامل مع القضية بأكملها يقع على عاتق الدولة.. فما حدث يؤكد أن الإرهاب يشن علينا حرباً فى شمال كردفان فهل هناك إسم آخر لما يحدث؟!
الهجوم على المناطق الغربية من الولاية المجرور ، غبيش ، ودبندة ، الزرنخ ، أم زميل وفاكوكى فى الأعوام بين 2004 - 2005 - 2006م وبعدها الهجوم على حمرة الشيخ والختيماية والآن الهجوم على مناطق التعدين الأهلى بأم بادر وعلى أرمل والزرنخ كل ذلك يؤكد أننا نواجه حرباً إختار الإرهاب شمال كردفان ميداناً لها ولأنها حرب.. ولأننا نسعى للإنتصار فى هذه الحرب يصبح من الضرورى أن نعرف أولاً عدونا.. أن نعرف من الذى خطط ودبر ونفذ تلك العمليات التى تعرضت لها شمال كردفان خمس مرات على إمتداد الأعوام الماضية.
إتفقنا أن الكشف عن مرتكبى الأحداث مسئولية أجهزة الدولة بالدرجة الأولى لكن ذلك لا يمنع من الإجتهاد بشرط حسن النوايا!.. فقد سمعت آراء لا تبتعد بنا فقط عن الحقيقة.. ولكنها تبدو وكأنها تصفية حسابات مع الدولة!. من هذه النوعية.. على سبيل المثال.. الآراء التى تربط أحداث الحركات المسلحة والفقر والبطالة والأحوال المعيشية الصعبة لأهل دارفور وكردفان وإن كان هذا واقعاً ولكن متى كان الفقر ومتى كانت البطالة سبباً لقتل الأبرياء ثم أن هنالك دولاً كثيرة ومجتمعات عديدة يعانى أصحابها من الفقر والبطالة.. لكننا لم نسمع أن سكان هذه الدول والمجتمعات قاموا بالهجوم على المدن والقرى وقتل الابرياء لهذا السبب !.. بعض الآراء الاخرى تؤكد ان هذه الهجمات حدثت نتيجة ردّ فعل للهجمات التى تقوم بها الدولة على أماكن الحركات المسلحة ويقول اصحاب هذه الآراء إن هذه الاشياء أوجدت مناخاً محتقناً سهل تجنيد بعض أهالى تلك المناطق للقيام بالعمليات الإنتحارية .
مرة أخرى تصطدم النظرية بالعقل والمنطق !.. فنحن نفهم من ذلك أن الإنتقام هو الدافع ... فلماذا يوجه المنتقم انتقامه للأبرياء لماذا لاينتقم من الذين يتصور أنهم السبب .
مرة اخرى لاينفى ذلك أن هنالك أخطاء وقعت فيها الأنظمة التى تعاقبت على حكم السودان لكن ذلك لايعنى ان المنتقم انتقامه للأبرياء ..إنما ينتقم من الذين يتصور انهم السبب.
ولأن من سمع ليس كمن رأى وافقت فوراً على طرح الزميل/عادل البلالى بمرافقته فى جولة صحفية لمناطق الاحداث لمعرفة الحقيقة على ارض الواقع وعكس معاناة اهلنا الذين تضرروا وكان الأخ عادل قد قدم طرحاً بهذا المعنى للأستاذ/معتصم ميرغنى والى شمال كردفان والذى جاءت موافقته الفورية ووجه بتجهيز عربة لتنفيذ المهمة الصحفية يقودها الماهر الصبور الأخ/احمد حسن قادر بك
بدأت الجولة يوم الجمعة الموافق 6/1/2012م واستقرقت ثمانية ايام رصدنا فيها حجم الأضرار التى لحقت بالمواطنين فى الأماكن التى إستهدفتها هجمات الحركات المسلحة وكانت فرصة لنسمع آراء المواطنين وشكاويهم ونتعرف على حجم معاناتهم.
الطريق إلى أم بادر
الطريق من الأبيض إلى أم بادر أولى محطاتنا وعر وشائك ويمر بفيافى موحشة إضافة إلى صقيع الشتاء القاسى. الخوى عيال بخيت أم مراحيك مناطق مررنا بها حتى وصولنا منطقة الهور مع المغيب وهى مناطق رغم الثروة الحيوانية الضخمة التى تشتهر بها الا أنها تعانى من ضعف الخدمات خاصة المياه والصحة. فارقنا الهور والليل يرخى سدوله فى طريقنا إلى أم بادر حاضرة الكواهلة ومن تلك الساعة إبتدأت ملامح آثار العدوان فى الظهور حيث كان الحذر والتوجس والخوف من المجهول هو طابع كل من إلتقيناه فى طريقنا، وبعد 5 ساعات من السير المتواصل لاحت لنا اول مناطق التعدين الاهلي وهي عبارة عن شريط ممتد من الرواكيب والاكواخ الصغيرة مشيدة من المشمعات والقش والكراتين تحيط بها تلال من الحجر والرمل المستخرج من الآبار المحفورة يدويا، وتكرر هذا المشهد حتى وصولنا لمنطقة ام خصوص وبعدها لاحت لنا ملامح امبادر وغابة عند مدخلها تنبئك بالوصول توجهنا مباشرة إلى منزل مضيفنا محمد شمو ( ود الفضل) .
عند شروق شمس الصباح بدأت جولتنا حول ام بادر وإسترجعت الذاكرة كل ما قيل في وصفها من شعر وغناء ودوبيت ولكن فوجئنا بأن كل ما قيل في وصفها قد ذهب به الزمان وتقلباته وأضحت كالعجوز التي فقدت بريق شبابها بفعل التقدم في العمر.
اقتربنا من المستشفى فوجدنا مرضى ولم نجد مستشفى إلا من لافتة باهتة تعلن عن وجود ما يسمى بمستشفى ام بادر الريفي. دلفنا الى حجرة الطبيب ووجدناه يصف العلاج لطفل مصاب بالبلهارسيا وأفادنا الطبيب بأنها اصبحت من الأمراض المستوطنة بفعل صحة البيئة المتدهورة إلى جانب ظهور حالات من إلتهاب الكبد الفيروسي وتفشي مرض الحصبة وسط عمال المناجم. وعند تفقدنا للغرف المسمية مجازا عنابر والتي لا تتعدى سعتها ال 25 سريراً وجدنا بعض جرحى الهجوم الذى شنته الحركات المسلحة على مناطق التعدين الاهلي ومررنا بعربة اسعاف قال المدير الطبي انها بدون سائق ويستعينون بسائق بنظام الاجرة عند الحاجة وقال إن نسبة التردد حاليا تتراوح مابين 65 إلى 75 شخصاً في اليوم وهي نسبة عالية بالنسبة للامكانيات المتاحة للمستشفى والذى بالكاد كان يقدم خدماته لسكان ام بادر قبل ظهور الدهب والذي اضاف 10 ألف نسمة للسكان هم العاملون بمناطق التعدين الاهلي.
توجهنا إلى التردة(حفير) التي تعتمد عليها ام بادر في توفير الماء وجدناها تحيط بها أكياس البلاستيك إحاطة السوار بالمعصم وعلى ضفافها انتشرت اعداد كبيرة من الماشية والصبية في سن التعليم الذين يقومون بتعبئة الماء على ظهور الدواب وبعض التناكر التي تنقل الماء إلى سوق الذهب وحدثنا مرافقنا بان ماء التردة سوف لن يصمد حتى فصل الصيف وبعدها الإتجاه إلى جلب الماء من أماكن تبعد عن ام بادر بحوالي الساعتين. وناشد السلطات بالتدخل لأن السد الذي اكتمل العمل فيه ينتظر الخريف القادم وقال إن حفر دونكي بالمنطقة امر ضروري. وعلى مسافة قريبة من التردة يقع سوق الذهب ويفصل بينهما تلال من النفايات واكواخ بائسة دون مرافق يسكنها العاملون بالسوق والذي يمتد على مسافة كيلو متر وهو عالم قائم بذاته حيث تصطف الطواحين التي تستعمل لطحن الحجر الذي يأتيها من المناجم محدثة غباراً كثيفاً يغطي كل انحاء السوق وما جاوره . ويجاور الطواحين صف طويل من الرواكيب والاكواخ وهؤلاء هم الباعة ووسط هذا الجو الملبد بالغبار والذى يسوده الهرج والمرج وحركة السيارات التي لا تنقطع داخل السوق تلوح لك المطاعم والبوتيكات واماكن الخدمات الاخرى مشكلة لوحة من الفوضى والتلوث البيئي ،رغم ذلك كله هذا لا يقاس بحجم الضرر و الخطورة التي يسببها الزئبق الذي يستعمل بطريقة عشوائية لإستخلاص الذهب وحدثنا الخبير الصادق بابو وهو من ابناء ام بادر بأن الزئبق من المواد التي يجب استعالها وفق طرق معينة لأن تأثيرها يمتد إلى ما حوله من مناطق و يتسبب في أمراض كثيرة على المدى القريب والبعيد كالفشل الكلوي و السرطان. وحذر من امتداد خطره إلى ام بادر وإلى التردة التي تجاور السوق وقال انها قنبلة مؤقتة في انتظار مواعيد انفجارها .
وأجمع عدد كبير من اصحاب المحلات بسوق الدهب على أن المحلية فرضت عليهم رسوما تجاوزت المليون دون أن ينعكس ذلك على الخدمات الضرورية للسوق علما بأن عدد المحلات يقارب ال 3000 وناشد الجهات المسئولة بإنشاء حمامات عامة و الالتفات إلى تنظيم السوق وتوفير الماء الصالح للشرب بحفر دونكي .
وتحدث المواطن أحمد حسن عن الأضرار والسلبيات التي صاحبت وصول الأعداد الكبيرة من الباحثين عن الذهب إلى منطقة أم بادر وقال انهم اصبحوا يخشون على ابنائهم من الإنزلاق في مهاوى تعاطي الممنوعات حيث انتشرت ظاهرة تعاطي المخدرات والخمور وسط بعض العاملين وترك كثير من الأطفال المدارس بحثا عن المال في سوق الذهب والشيء الواضح للعيان أن ام بادر تحتضر ما لم يتم إجراء معالجات سريعة وفعالة فإن الواضح ينذر بشر مستطير .
مناجم الوادي الأخضر :
تقع مناجم الوادي الأخضر على بعد ساعة من ام بادر و التي وصلناها ساعة الإفطار وهو احدى المناطق التي استهدفتها الحركات المسلحة، وحكى لنا التاجر عثمان ابو القاسم قصة الهجوم على المنطقة وقال انه على المستوى الشخصي قد تم سلبه مبلغ 50 مليون وبضاعة تقدرقيمتها بحوالي ال25 مليون كما تم نهب عدد من المحلات التجارية الاخرى واقتادوا معهم بعض الشباب وسط سيل من الشتائم والإهانة.
وإلتف حولنا عدد كبير من الشباب يحصون لنا عدد المفقودين وأسمائهم ومناطقهم وعند الظهيرة توجهنا غرباً فى إتجاه أم قوزين بمحلية أم كدادة بشرق دارفور والذى نما إلى علمنا بأنها أكثر المناطق التى تضررت ويمر الطريق إلى أم قوزين عبر مشروع جريج السرحة حيث مقر ناظر قبيلة الكواهلة المشهورة بالشجاعة والكرم والشهامة وهم أحفاد عبد الله ود جاد الله (كسار قلم ماكمبك) والمقصود ماكما يكل الحاكم العام أيام الإستعمار وأصر أهلها علينا بالمكوث معهم حتى الغد ولكن وعدناهم بذلك عند الرجوع من أم قوزين.
غادرنا جريج السرعة قاصدين أم قوزين والتى وصلناها منتصف النهار وبمجرد دخولنا السوق بدأت لنا معالم العدوان واضحة للعيان واستقبلنا اهلها بنظرات يملاؤها الحذر والشك والريبة وسرعان ما بددها التاجر النور محمد عندما جلسنا معه وقال إن أم قوزين تعرضت لهجوم شرس من الحركات المسلحة وآثارها واضحة على الشاحنات المحترقة واغفال الدكاكين المهشمة بالرصاص وقال انه فقد جراء الهجوم على متجره مبلغ 36 مليون جنيه وبضاعة تقدر قيمتها بخمسين مليون وان جزءاً كبيراً من البضاعة ليست ملكه بل هى ديون واجبة السداد لتجار آخرين وقال ان الوالى والمعتمد قد وعدوهم بالتعويض وذلك عند زيارتهم التفقدية للمنطقة بعد الاحداث.
ووجه المواطن حامد آدم خريق رسالة للرأى العام والجهات الدولية ان تأتى إلى أم قوزين وتتقصى حول الجهة التى قامت بنهب وحرق أم قوزين ونفت أن تكون قد قامت بذلك الأمر.
وقال المواطن عبد الله الدومة بأن الذين هاجموا أم قوزين إقتادوا معهم شقيقه (الأصم) الذى لا يسمع ويعمل فى مهنة (العتالة) وأن تصرفاتهم كانت تتسم بالهمجية والفوضى ولم يرحموا صغيراً ولم يوقروا كبيراً وقاموا بنهب وسلب المواطنين العزل وضربهم وإهانتهم كما قاموا بحرق مظلة المسجد وقال إن جملة الخسائر تجاوزت الخمسة مليار جنيه وقد وعدت حكومة الولاية بالتعويض ونحن فى الإنتظار لأننا فقدنا كل ما نملك.
وتحدث محمد سالم أحد الشباب الذين إقتادتهم الحركة وإستطاع الإفلات والعودة إلى أم قوزين وقال بأنه قد تم إقتيادهم قسراً بعد ضربهم وتوجيه الإهانة لهم وأن مجموع الذين تم إقتيادهم يقارب ال 700 شخص إلا أن بعضهم قد إستطاع الإفلات من قبضتهم وقال الشاب النشط والذى يكنى ب (أبو بصلاية) والذى رافقنا فى جولتنا بأم قوزين بأن التدمير والسلب الذى تم فيها أقعد بها وإنقطعت حركة اللوارى العابرة وتوقفت الحياة لأن حركة اللوارى تعتبر مصدر رزق لكثير من السكان. وقال إن قوات الحركات المسلحة إقتادوا معهم 27 شاحنة وأضرموا النار فى أربع شاحنات مليئة بالبضاعة لمجرد أنهم لم يجدوا سائقيها ليأخذوها معهم وهو فعل يدل على الحقد. وحكت لنا والدة الطفل الذى تم قتله فى منظر يؤكد بجلاء إستهداف الذين هاجموا أم قوزين للأبرياء والعزل وقالت بأن إبنها وهو فى الثالثة عشر من العمر وعند بداية الهجوم عاد متجهاً إلى منزل جدته المجاور لنا وكان يرتدى الزى المدرسى الشبيه بزى القوات المسلحة وقاموا بمطاردته وأطلقوا النار عليه ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بدهسه بالعربة ومن ثم حاصروا منزل جدته بثلاثة عربات وأطلقوا النيران بكثافة مما تسبب فى وفاة الوالدة العجوز ذات ال 80 عاماً وهى ضريرة. وقال رئيس اللجنة الشعبية إن خسائر ام قوزين تم حصرها حتى الآن تتمثل فى إختطاف 196 من الشباب وقد عاد بعضهم واحراق أربع شاحنات هينو محملة بالبضائع واحراق 16 مقهى في السوق ونهب عشرات الدكاكين وجملة الخسائر تجاوزت 5 مليار وناشد الحكومة بالإسراع في تعويض المتضررين حتى تعود الحياة إلى ام قوزين.
غادرنا ام قوزين وفي النفس حسرة على ما آل إليه حال الوطن العزيز وما حال بالمواطن المغلوب على أمره والذي اصبح بين شقي الرحي. وقبل المغيب وصلنا مشروع جريح السرحة في رحلة العودة وهو مشروع قام بإنشائه الرئيس الراحل نميري في أوائل السبعينيات لتوطين العرب الرحل وقد ساهم كثيراً في استقرار قبيلة الكواهلة والقبائل المجاورة .
وقال الشيخ ابو صباح احد اعيان الكواهله ان المشروع وفي عهده الذهبي كان يعج بالمواشي ولكن موجة الجفاف التي ضربت المنطقة في الثمانينيات اثرت في المشروع بصوره كبيره واصبحنا نذهب بماشيتنا للرعي والشرب في منطقة ام قوزين بدارفور وقد عانى المشروع ما عانى من الاهمال من كل الحكومات التي جاءت بعد حكم نميري ويقف الدونكي المعطل خير شاهد على ذلك ومنذ انشائه في العام 1969 لم يهتم بأمره احد حتى جف ماؤه رغم ان منطقة جريح السرحة تتمتع بثروة حيوانية ضخمة حيث تمثل الابل ما لا يقل عن ربع قطيع الولاية اصبحت كلها تذهب إلى ام قوزين بدارفور. ورغم ان الدولة قد قامت بانشاء سد لأم قوزين الا ان إعادة تأهيل المشروع امر في غاية الاهمية حتى يساهم في استقرار المواطنين مما يساهم في رفد الاقتصاد بناتج الثروة الحيوانية الضخمة.
وقال المواطن محمد حسن بأنهم رغم انحيازهم لبرنامج المؤتمر الوطني واحرازهم اعلى نسبة تصويت في المنطقة الا انهم حصدوا عدم الاهتمام والاهمال حيث لم يتفقدهم مسئول ولائي او مركزي وقال ان الصحة بالمنطقة صفر كبير كما ان مدرسة المشروع التي اطاحت الرياح بسقفها والتي قمنا بتأهيل أربعة فصول بالعون الذاتي وتبقت اربعة اخرى يدرس تلاميذها في العراء خير دليل على اهمال المسئولين .
وتحدث الطيب محمد فضل الله الإعيسر ممثل الإداره الأهليه بالمشروع وقال بان الذين تعرضوا للإعتداء في كردفان ودارفور هم أخوة وجيران لنا وفقدنا كقبيلة عدداً من الشباب تم إقتيادهم قسراً من مناطق التعدين الأهلي ونهب محلات بعضهم كما أننا تضررنا اقتصادياً حيث لم يصلنا لوري اوعربة حتى الآن وتوقفت الحياة تماماً واصيب الناس بالهلع والرعب وحدث شلل تام في الحياة التجارية. وقال ان خسارتهم في الماشية كبيرة حيث تم ذبح اعداد كبيره من الماشية واطلقت النار عشوائياً على بعضها وفقدنا 18 راعي تم اقتيادهم عنوه من وسط مواشيهم.
وقال الملازم/ أحمد قسم الله محمد فضل الإعيسر قائد فصيل حرس الحدود بالمنطقة الفوج 19 حمرة الشيخ السرية السادسة بمشروع جريح السرح بأنهم ظلوا يتابعون تحركات القوى حتى لحظة دخولهم منطقة الخور الابيض واختبأوا وسط قطعان المواشي تفادياً لقصف الطيران كما قاموا بتفتيش الرعاة ومصادرة اسلحتهم وذبح ماشيتهم واقتياد الشباب منهم .
تحركنا بعد ذلك نحو منجم قرن الجداد وعند منتصف النهار وصلنا إلى أول المناجم والتف حولنا العاملون بالمناجم كل يريد أن يحكي عن حجم المعاناة واللحظات القاسية التي عاشوها ابان الأحداث حيث اشار احدهم إلى بعض الرواكيب التي تشكل اماكن تجارية لعرض البضائع ،وقال ان اصحابه قد غادروا المكان بعد ان تم افراغ محالهم ونهبها وقال آدم حسن احد العاملين بقرن الجداد أن المجموعة التي داهمت المنجم كان قوامها صبية اعمارهم أقل من 20 سنة وتتسم تصرفاتهم بالهمجية والوحشية وان اول ما فعلوه بعد ان حاصروهم بالعربات أن اطلقوا النار على شخص كان يؤدي في صلاته، كما قاموا بإطلاق النار على القرب التي تخزن فيها المياه و مولدات الكهرباء وغادروا المكان بعد ان قتلوا ونهبوا واقتادوا بعض المواطنين قسرا تحركنا بعدها إلى ارمل وهي منطقة تجارية كبيرة حيث تمثلت خسائرنا في اتلاف ابراج الإتصالات واقتياد بعض المواطنين . وبعدها واصلنا طريقنا وبعد مغيب الشمس دخلنا منطقة الزرنخ والتي صادفنا فيها النائب البرلماني عن دائرة ود بندة قريب يقود فزعاً مكوناً من مائة وخمسين شخصا وقد وصلوا لتوهم بعد مطاردة لصوص قاموا بنهب ابل وتم القبض عليهم في دارفور. وحكى لنا سكان الزرنخ عن الفظائع التي ارتكبتها قوات العدل والمساواة وتطابقت رواياتهم مع ما سبقها في المناطق الاخرى التي تم الإعتداء عليها من حيث الوحشية واستهداف المواطنين.
وكانت نهاية المهمة هي ادارية المجرور اكثر المناطق التي تعرضت لهجمات الحركات المسلحة وفقدت الكثير من ابنائها جراء ذلك حتى تم تأمينها بإنشاء حامية للجيش بها لتحمي انسانها وتحمي ثروتها وآخر ثرواتها التي اكتشفت حديثاً هو البترول وهذه قصة اخرى كشفت لنا تلك الجولة عن ان ولاية شمال كردفان وبالرغم مما تذخر به من ثروات وما ترفد به خزينة الدولة من خيراتها، إلا أن كل اصقاعها تعاني من عدم الإهتمام وضعف التنمية في كل العهود منذ استقلال السودان وحتى الآن. وعلى الدولة ان تولي هذه الولاية اهتمامها وإلا فإنها ستكون معبرا دائما للحركات المسلحة ومكاناً لتوالد وتفريخ حركات التمرد لأن ما تعانيه الولاية أكبر بكثير من الإمكانيات المتاحة لحكومة الولاية وإلا فإن الولاية موعودة بكثير من الأخطار على مدار فصول السنة الأربعة .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.