قرأت بصحيفة «الصحافة» بتاريخ السبت7/7/2012م بالصفحة الأخيرة خبراً بعنوان «عروس البحر موجودة في الأساطير فقط». وذات الخبر بذات التاريخ قرأته بجريدة «آخر لحظة» بعنوان «تقرير علمي: عروس البحر غير موجودة إلا في الأساطير»، إلا أنه بالصفحة «9». وإلا أن صحيفة «الصحافة» تروي الخبر بالإثبات «موجودة». وهذا يعني التريث. و «آخر لحظة» ترويه بالنفي «غير موجودة» بل تبدأه ب/ تقرير علمي. وهذا يعني التصديق المؤكد بالعلم لا مجرد التصديق. قد لا يعني «كاتب آخر لحظة» هذا، لكن الصياغة تعني وان لم يعن. والقارئ بفهم الكاتب بالمكتوب لا بالنيَّات. أقول هذا لا للمقارنة ولكن لمراجعة الخبر ومدى اتساق قولي بالعنوان «حقيقة مؤكدة» وهذه المراجعة. وجاء الخبر في الجريدتين ما نصه: «واشنطن: تنفي الادارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية وجود ما يعرف بعروس البحر. والتي تصورها الأساطير على أنها كائن النصف العلوي له لامرأة والنصف السفلى لسمكة» الواو في والتي من أصل النص لا مزيدة من عندي. هذا أهم ما جاء بالخبر. وما عداه مجرد اضافات لشرح «متن» هذا الخبر ليس إلا. «2» عودنا علماء الغرب إفادتنا بإفادات من آن لآخر تفيد بوجود معلومة أو نفي معلومة بعد اثبات. أو نفيها بدءاً. هذه المراوحة أو المراجعة ولا أقول الذبذبة ترجع إلى أن الانسان بعامة والعلماء بخاصة يحكمون على الأشياء بالخبرات الخاصة التي مرت بهم قياساً عليها. ولذلك يقول علماء النفس في هذا المعنى «الإنسان لا يقرأ الكتاب ولكن يقرأ نفسه في الكتاب». وتقول العرب قبلهم في التراث «ربَّ سامع أوعى من مبلغ». إليهم أضيف: حتى عندما يتخيل الانسان لا يخرج خياله عن الواقع. مثال الفراعنة مرة ينحتون أسداً برأس إنسان وأخرى انساناً برأس صقر. وخبرات أيَّ سوداني بالبادية أو الريف أوسع من خبرات أي عالم بالغرب. وبالأولى من أي آخر من سواد الناس. فالعلماء يشاهدون الأحياء والنبات والأسماك والصخور بالكتب مصورة ونحن نشاهدها بالمعايشة. فمن منهم ذاق قرصة الرتيلا بالفصحى وهي «القورجين» بدنقلا و«الشعموطة» بدارفور. ومن منهم شاهد نعجة تلد حملاً أو شاهد ذبحه وسلخه وبطونه «كبدة وكلاوي ومصارين» وتقطيع لحمه. وبالتجربة عندما سكن علماء العرب العواصم كبغداد ودمشق جهلوا نبات العنم ودودة «الشرْفة»، وقد أوضحت بخبرتي البدوية معناها وصححت الفهم بفترة دراستي الجامعية بمصر. وقد شكرني أستاذنا د. أحمد هيكل بإعجاب بالغ ودهشة أبلغ. وكان أستاذنا صفوت يشرح للطلبة المصريين: القطا الحمام البري والعشر نبات بري. وكنا نتعجب لالفتنا له كإلفتهم لخضروات عندهم لا توجد بالسودان كالكُرَّات كورق بصل التوم يؤكل أخضر كالجرجير. قلت بالغ وأبلغ لهم الشكر والحمد بعد الله تعالى. فلولا الخبرات الخاصة والاستفادة منها لما كان هذا ولا ذاك. وما لنا نذهب بعيداً اليوم أبناء الخرطوم يقولون لراعي الغنم «ال/بفسح الغنم» وللجزار «ال/بقشر الخروف». وللقربة جراب الماء. ونحن نتندر بهم وهم بدورهم يقولون عنا «العربي ده» أو «الدنقلاوي ده» قصد التعبير عن رقيهم وتخلفنا. وان كان القائل لا يساوي عشر معشار القائل له بدنقلا أو حمرة الشيخ. وفي هذا المعنى يقول كبارنا «المدن كناسة القرى». لأن أهل السَّعيَّة والرعيَّة والطين والنخيل عندهم ما يغنيهم عن الهجرة إلى المدن. قبل أن ينعكس الوضع الآن بما أراده أشرار العالم بنا. وبأمثالنا. وهذه الملاحظة على يسرها تعني. أن الجهل المركب بالعواصم يسخر من الأصالة والأصلاء بل يحكمهم ويتحكم فيهم لا في السودان فحسب بل العالم أجمع.. وهذا هو جوهر الخلاف بين ستالين وماو. ماو رأيه الاعتماد على الأصالة المتمثلة في المزارعين لقيام الثورة والدولة لا العمال بالعواصم. وستالين العكس. وقد أثبت الواقع صحة رأى ماو فكانت الصين، وايران، والربيع العربي في تونس، وليبيا، ومصر... وكان تمزق الاتحاد السوفيتي بخرتشوف رأس الرمح لعملاء أمريكا. ومن أوضح الأمثلة لتأثر العلماء في الغرب بالخبرات الخاصة، قولهم إن كوكب المريخ ليست به حياة ولا أحياء لخلوه من الماء. ولو علموا أن الضفادع بالمشاهدة تبقى بالصحراء بلا ماء فإذا صب المطر بعد سنين عددا تحركت وسبحت ونعقت في جوف الليل. بل الغزلان تحيا بالصحارى بلا ماء. والدب والأفاعي عندهم تبقى بلا أكل ولا شرب ستة أشهر. وهو ما يعرف بالبيات الشتوي. كيف هذا؟! لا تعليل سوى أن الكائن الحي يتكيف بالظرف الذي يحيط به. ومما يؤكد هذا أن الطوارق بجنوب الجزائر يعتمدون على وجبة واحدة في اليوم. ومع ذلك نسبة الكرويات البيضاء تبلغ 80% كما أوضح دكتور مصطفى محمود باحدى كتبه أو بحوثه أو مقالاته لا أتذكر لطول الزمن. وأبعد من كل هذا وأعجب بمنطقة دنقلا وبالتحديد بجزيرة حمور، كانت توجد حجارة بحجم وهيئة القريب فورت المستدير رقيق القشرة لا الكبير. يعرف بالمنقار يكسر به كل شيء صلب. قال لي ابن عمي «لزم» محمد حسين حمور: عندما كنت صغيراً وجدت منقاراً بحجم البرتقالة فبدا لي كسره فأخذت في كسره بالمنقار الكبير. فلما انفلق وجدت بداخله دودة حيَّة. فتعجبت وعرضتها على الوالد والوالدة والأهل، فتعجبوا وقالوا «سبحان الله عائش الدودة بين حجرين». وأخذ الناس يرددون هذه المقولة إلى عهد قريب بدافع العظة والإيمان بالله. دون أن يعلموا أصل المقولة. ومكان العجب يا علماء الغرب بعامة والمحيطات والغلاف الجوي بأمريكا بخاصة، أن هذا المنقار كان طيناً ثم تحجر بعد ملايين السنين كالأشجار والديناصورات. وهذه الدودة حيَّة كما هي بلا ماء ولا طعام ولا هواء.. كيف هذا؟! لا تعليل إلا قوله تعالى «وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً». وقوله «ويخلق ما لا تعلمون» مثال الملائكة لا تأكل ولا تشرب ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولو مرت بعلماء الغرب هذه الخبرات لما نفوا وجود حياة بلا ماء في الكواكب الأخرى على كثرتها. صحيح أن الله قال «وجعلنا من الماء كل شيء حياً». قال لسكان الأرض لا الكون الواسع. أو لو وقفوا على اختلاف فقهاء المسلمين في حكم من واقع عروس البحر: أيجلد حد الزنا أم لا لأنها ليست إنساناً. لأن هذا الخلاف يعني أنها كانت موجودة بلا ندرة إلا أنها تناقصت أو نأت إلى أماكن بعيدة أو عميقة آمنة. وبعض الأسماك تقوم برحلة لآلاف الأميال لتضع بيضها بالنيل بمصر. فما بالك بذكاء أقرب الأسماك شبهاً بالإنسان كالقرد في الحيوانات البرية؟! أو انقرضت في أقل الاحتمالات تقديراً. أعني عروس البحر، كما انقرض الكثير من الأحياء البرية كالديناصورات. إلا أن الماء يحول دون التحجر. فذهب ريحها وبقيت المتحجرات البرية الدالة عليها. وبعد هذا التحليل والتعليل عن عروس البحر، نأتي إلى صورة عروس البحر الدالة على حقيقة وجودها المؤكد في الحلقة الثانية.. إن إذن الله وشاء نواصل. والله من وراء القصد.