الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    الهلال يشكو لاعب نهضة بركان... وتحدٍ إداري جديد يلوح في الأفق    وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    دراسة: تناول 3 أكواب قهوة يوميًا يقلل القلق والتوتر    عائلة الممثل الكورى لى سانج بو ترفض الإفصاح عن سبب الوفاة.. اعرف التفاصيل    نبيل فهمي .. اختيار أمين عام جديد للجامعة العربية بإجماع عربي كامل    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ابيي..الوطن الضائع والقانون الدولي(2/2)

ظلت ساقية أبيي تدور سنين عددا، وللأسف الشديد لم تراوح مكانها بل تفرز كل يوم جديد تداعيات هي من شاكلة البيضة اولاً ام الدجاجة. وظلت الاوضاع تتدحرج من سيء الى اسوأ وتزداد تعقيدا مع كل دورة من دورات الساقية بدءا ببروتوكول ابيي وملحقه اللذين اعطياء ملكية الارض وحق الاستفتاء لعموديات دينكا نقوك دون اشارة لقبيلة المسيرية بثقلها السكاني وحقوقهم المشروعة في المنطقة.. مرورا باللجنة التي كلفت بتحديد منطقة ابيي (ABC) والتي زادت الامر تعقيدا بضمها اراضي جغرافية لا علاقة لها بادارية ابيي منذ انشائها كما ان اللجنة لم تلتزم بقرار تشكيلها .. وثم محكمة لاهاي وقسمتها الضيزى التي راعت في تحديدها للمنطقة تقسيم البترول بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية (حقل هجليج للمؤتمر الوطني) وحقل (دفرة للحركة الشعبية) واعطاء موارد المياه كلها للدينكا نقوك واما المسيرية وبكل ثرواتهم كان نصيبهم السافنا الفقيرة التي لا ماء ولا كلأ بها .. ثم توالت التعقيدات الامنية والسياسية والإدارية وخلاصتها .. ضحايا بالعشرات ان لم تكن بالمئات في كل حادثة... وجود اجنبي اممي وافريقي بالآلاف افقد السودان سيادته على ارضه وله عواقب وخيمة في مستقبل الايام.. ثم مد وجزر وصراع على الكيفية التي تدار بها المنطقة وصولا لقرار مجلس الامن والسلام الافريقي والذي يوصي لمجلس الامن الدولي بإجراء استفتاء على ابيي في اكتوبر 2013م، والذين يحق لهم التصويت هم عموديات الدينكا نقوك والسودانيون الآخرون المقيمون في ابيي وهذا القرار فيه اجحاف وتجاوز قانوني لحقوق الرحل من قبيلة المسيرية الذين يقضون معظم شهورالعام بالمنطقة.
ويعزي قرار الادارة البريطانية بتبعية الشؤون الادارية لدينكا تويج لمديرية كردفان الى عدة عوامل مثل عدم اكتمال بنية الهيكل الاداري لمديرية بحر الغزال وقلة عدد الموظفين حيث كان هنالك ماموراً واحداً فقط لكل جنوب السودان في عام 1953، اضافة إلى عدم استتباب الأمن والاستهتار بعد قيام دينكا عقار بقيادة مبانق ميتثانق بتمرد ضد السلطات الاستعمارية في رمبيك في عام 1952، والذي اعقبه تمرد دينكا اتوت وتعكس هذه الحقيقة ان طبيعة القرار المذكور قد كانت ادارية بحتة ولا علاقة له بموضوع أراضي دينكا تويج الكائنة في بحر الغزال. وتم تحديد دينكا نقوك في قرار التبعية لمديرية كردفان دون سائر المجموعات الاثنية التي استوطنت في منطقة أبيي منذ القدم بسبب انتمائهم لقبائل جنوب السودان النيلية ولتأكيد ان استقرارهم كأقلية وسط سكان كردفان يستلزم خضوعهم من ناحية الاشراف الاداري إلى صلاحيات المديرية التي يسكنون فيها وسلطات مديرها اضافة إلى ايلولة ملكية المنطقة إلى مديرية كردفان.
ويجب الاشارة في هذا السياق ان السؤال الذي طرحه بروتوكول أبيي الذي صاغه المبعوث الأمريكي دانفورث حول تحديد مشيخات دينكا نقوك التسعة قد كان في ذهن موظفي الادارة الاستعمارية قبل صدور قرار 1905، وتم حسمه في القرار المذكور بأنهم يسكنون في المنطقة المعروفة بأبيي التي تقع في ديار المسيرية في جنوب كردفان مما يستوجب تبعيتهم الادارية لمديرية كردفان بحكم استقرارهم كأقلية في المديرية، بالاضافة إلى تبعية دينكا تويج في قوقريال لنفس المديرية لقلة الموظفين في مديرية بحر الغزال التي انشأت حديثاً وعدم استتباب الأمن والاستقرار في الاقليم الجنوبي كما ذكرنا سابقاً. وتم ابرام ميثاق اخاء في عام 1905 بين الناظر علي الجلة زعيم المسيرية والسلطان كوال الذي تزعم الدينكا نقوك بعد وفاة والده السلطان اروب، ساهم في ازدياد هجرة دينكا نقوك إلى أبيي كما ذكر مفتش المركز ديبوي في تقريره لعام 1920-1921. وذكر ديول هاول ان المسيرية الحمر كانوا يمزحون مع جيرانهم الدينكا تسميتهم المسيرية الطوال، كما تبنى دينكا نقوك عادة الختان السائدة وسط المسيرية. وأصدرت الادارة البريطانية الحاكمة في عشرينيات القرن الماضي قانون المناطق المقفولة كخطوة أولية للحد من انتشار الثقافة العربية الاسلامية إلى شرق وجنوب أفريقيا التي اعتبرتها مناطق نفوذها واستمر هذا التوجه كما يتضح في المنشور الذي أصدره ماكمايكل في عام 1930 بخصوص سياسة الحكومة الجديدة تجاه جنوب السودان والتي تهدف إلى تأسيس سلسلة من الوحدات القبلية المكتفية ذاتياً مع بنية تنظيمية تستند على العادات والتقاليد المحلية واستبعاد المآمير واستبدالهم بكتبة وفنيين محليين والسيطرة على الجلابة وتطوير اللغات المحلية. وتم في ظل هذه السياسة التي كانت تهدف إلى المدى البعيد إلى فصل الجنوب عن شمال السودان وضمه إلى احدى المستعمرات البريطانية في شرق أفريقيا، اجراء تعديل اداري في عام 1935 تم بمقتضاه نقل صلاحية ادارة شؤون دينكا تويج من مديرية كردفان إلى مديرية بحر الغزال بعد استتباب الأمن والسلام فيها ولكي يتم ضمان بقاء أراضي دينكا تويج في اطار الحدود الجغرافية لجنوب السودان في حالة ضمه إلى المستعمرات البريطانية في شرق أفريقيا.
وآثر السلطان كوال أروب الحفاظ على الوضع الراهن بتبعية دينكا نقوك إلى مديرية كردفان لتعودهم على المنطقة التي استقروا فيها في ديار المسيرية ورسوخ علاقات الود والاخاء التي نشأت بينهم وبين سكان المنطقة وادراك زعيمهم بأنهم سيفقدون الأرض إذا ما قرروا الرجوع إلى موطنهم الأصلي لتكون تبعيتهم الادارية لمديرية بحر الغزال. وذكر فرانسيس دينج في هذا الصدد: «صرح كوال اروب لاحقاً لزعماء الدينكا في اجتماع خاص بأن اختياره لم يكن تفضيلاً للعرب على أهله الدينكا، لكنه كان وسيلة لحماية أرضهم ومصالحهم، وإذا كان نقوك قرروا الانضمام للجنوب فإنه يخشى ان يطالب العرب بالأرض على انها ملكهم ويتحولوا إلى جيران معاديين ويجبروا الدينكا على الخروج منها». ويمكن أن نستنتج من مخاوف السلطان كوال بأن تكون نتيجة انضمام دينكا نقوك إلى بحر الغزال فقدانهم منطقة أبيي في جنوب كردفان. ان أبيي قد كانت في فترة الحكم التركي المصري وفترة المهدية ومازالت منذ الغزو الانجليزي الاستعماري في اطار الحدود الجغرافية لمديرية كردفان. وتدحض هذه الحقيقة زعم بروتوكول أبيي بأنه قد تم تحويل منطقة أبيي من بحر الغزال إلى مديرية كردفان بموجب القرار الصادر في عام 1952 والذي نص في واقع الأمر بأن تؤول ملكية موطن السلطان أروب زعيم دينكا نقوك في شمال نهر كير أو بحر العرب إلى مديرية كردفان. فإذا ما استقر دينكا نقوك في جنوب بحر العرب لفترة أطول في العام من فترة استقرارهم في كردفان لآلت ملكية أرضهم وتبعيتهم الادارية إلى مديرية بحر الغزال.
وادراك السلطان كوال اروب ببصيرته الثاقبة ان طبيعة حياة دينكا نقوك والمسيرية تعتمد على الانتقال الموسمي مع ماشيتهم عبر أراضي بعضهم البعض في شمال وجنوب بحر العرب والتي أدت إلى تمتين روح الاخاء والمصالح المشتركة بينهما، تفرض عليه الموافقة على استمرار التبعية الادارية لمشيخات دينكا نقوك إلى مديرية كردفان. كما أدرك أن قبوله خيار الحاق الشؤون الادارية للمشيخات إلى مديرية بحر الغزال قد يثير شكوك المسيرية بأن تلك الخطوة ستقود إلى اعادة ترسيم الحدود وضم منطقة أبيي إلى الحدود الجغرافية لمديرية بحر الغزال مما يؤدي إلى ظهور العداوة والبغضاء وتهديد المصالح المشتركة بينهما. وحانت فرصة أخرى لدينكا نقوك للاختيار بين البقاء في جنوب كردفان والتبعية الادارية لمديريتها أو الالتحاق بمديرية بحر الغزال مما يترتب عليه الرجوع إلى موطنهم الأصلي في جنوب السودان، وذلك عندما قررت السلطات تأسيس مجلس دار المسيرية في عام 1919 لتشارك فيه كل المجموعات الاثنية المستقرة في المنطقة. وزار مايكل تيبس مفتش المركز منطقة أبيي وقدم لدينكا نقوك ثلاثة خيارات:
1- الانضمام لمجلس المسيرية.
2- الانضمام لمجلس قوقريال.
3- الانضمام للمجلس الجديد الذي سيتم تأسيسه في بانتيو في مديرية أعالي النيل.
ويبدو أن الاداريين البريطانيين قد أدركوا ان زعماء الدينكا يفضلون استمرار وضعهم الراهن بالاستقرار في جنوب كردفان والمشاركة في مجلس دار المسيرية إذا تمت افادتهم بأن السلطات قد تخلت عن فكرة الحاق أبيي بمجلس في بحر الغزال وبدأ ارتياح كبير على زعماء وأهالي الدينكا عندما تم ابلاغهم بهذا... وهذا يعني ان هنالك تعاقداً ثقافياً قد نشأ بفعل العيش المشترك والمصاهرة المزودجة ما يعطي المسيرية الدفع بنظرية قانون العقود البريطاني والسوداني وهي مبدأ - استوبيل - الذي يمنع أحد أطراف التعاقد من التراجع عن سلسلة تعامل مستقرة وثابت ما يلحق الضرر بأحد الأطراف وهو المبدأ الوارد في الشريعة الاسلامية - لا ضرر ولا ضرار.
ومن جهة أخرى يعتبر بعد انفصال الجنوب ان قرار دينكا نقوك التمسك بالبقاء في اطار الحدود الجغرافية لشمال السودان في السنوات 1905، 1930، 1953 مندرجاً تحت مبدأ هام من مبادئ القانون الدولي وهو القبول الطوعي دون جدال بالبقاء في الأراضي الاقليمية لشمال السودان وعدم الالتحاق ادارياً بمديرية بحر الغزال. وأقرب مثال لتطبيق مبدأ القبول الطوعي ما حدث في الشكوى التي قدمتها هوندوراس ضد السلفادور لمحكمة العدل الدولية وادعائها ملكية جزيرة مينقوارا Meanquara والتي كانت تخضع لسيادة سلفادور منذ القرن التاسع عشر.
واشارة المحكمة في الحكم الذي اصدرته لصالح سلفادور إلى وجود سلفادور في المنطقة المتنازع عليها لفترة طويلة بدون أي اعتراض أو احتجاج من هوندوراس ولا توجد في الوسائط المقدمة إلى المحكمة أية وثيقة توضح احتجاج هوندوراس سوى في مرة واحدة، جاءت بعد تاريخ طويل من أعمال سيادة السلفادور في مينقوارا وقدم الاحتجاج في وقت متأخر جداً بحيث لا يمكنه التأثير على مبدأ الرضوخ أو القبول الطوعي من جانب هوندوارس لسيادة سلفادور على المنطقة المتنازع عليها.
أبيي الوطن الضائع إلى أين
بعد السرد المفصل لحقائق الجغرافيا، والواقع الاداري لوضعية أبيي منذ العهد التركي، وتأكيد القانون الدولي بأن الحدود الموروثة من الاستعمار يجب أن لا تخضع للتغيير إلا باتفاق قانوني، وتقديم الكثير من الأمثلة على المستوى العالمي والأفريقي المماثلة لحالة أبيي سأقوم بتلخيص الحقائق المجردة حتى يكون المواطن السوداني على بينة من المخطط الرامي لتمزيق وتفكيك وتقطيع أواصل الوطن وأبيي خير مثال:-
الحقيقة الأولى: قضايا السودان بصفة عامة وقضية الصراع بين شمال السودان وجنوبه بصفة خاصة، وفي مقدمة ذلك قضية أبيي خرجت من دائرة الشأن الداخلي ودخلت دائرة الصراع الدولي والاقليمي مع فجر اتفاقية السلام الشامل (CPA) والاتفاقية كما تقول حقائق الواقع هي بكل المقاييس تخطيطاً وتنفيذاً صناعة أمريكية مع غياب الارادة الوطنية.
الحقيقة الثانية: سارت المحادثات بين ممثلي حكومة السودان وممثلي الحركة الشعبية بقيادة د. جون قرنق لمدة ثلاث سنوات حتى استقرت أخيراً في مكان وزمان ولادتها في نيفاشا تحت ضغوط مباشرة وغير مباشرة ممن يطلق عليهم أصدقاء المحادثات وعلى رأسهم أمريكا التي كثفت ضغوطها على الجانب السوداني أكثر من الضغط على الحركة التي كان قائدها أيضاً تحت ضغط مكثف من أبناء دينكا نقوك للوقوف معهم بأن أبيي جنوبية رغم عدم قناعته بذلك مع تغييب كامل لأصحاب المصلحة الحقيقية من أبناء المسيرية.. والنتيجة كانت تجاوز بروتوكول مشاكوس (بروتوكول الأسس والمبادئ لمحادثات نيفاشا) الذي نص بأن الحدود بين شمال السودان وجنوبه حدود 1956/1/1 (الحدود التي تركها الاستعمار البريطاني عند استقلال السودان)... وأخيراً كما يقولون تمخض الجبل فولد فأراً وكان الفأر هو بروتوكول أبيي وملحقه الذي تنازل عن الحقوق المشروعة للدولة الأم كما نص القانون الدولي وكان الاتفاق المشؤوم بأن الحدود بين الشمال والجنوب حدود 1956/1/1 عدا منطقة أبيي ومضمونه استفتاء عموديات دينكا نقوك التسعة والسودانيين الآخرين المقيمين في أبيي دون اشارة لقبيلة المسيرية صاحبة القدح المعلى من حيث الارث التاريخي بالكثافة السكانية.
الحقيقة الثالثة: بروتوكول أبي المذكور منح المنطقة وضعاً انتقالياً إلى حين اجراء استفتاء يقرر سكان أبيي من خلاله مصيرهم بأنفسهم ولكن الخلاف على تحديد من يحق له التصويت حال دون اجراء الاستفتاء الذي كان مقرراً اجراؤه متزامناً مع استفتاء جنوب السودان الذي اختار فيه الجنوبيون الانفصال في يناير 2011.
الحقيقة الرابعة: من الثابت عدم تضمين حق تقرير المصير لأي تغييرات للحدود الموجودة في وقت الاستقلال مهما كانت الظروف.. عدا في حالة اتفاق الدول المعنية على خلاف ذلك.. ولم تتفق الدولتان بخلاف ذلك في اتفاق بروتوكول مشاكوس 2003 الذي أشار بوضوح إلى حدود السودان القائمة في 1956. وهذا الطرح يتماشى مع الارث القانوني للحدود في قارة أفريقيا والتطور الوارد ضمن سياق القانون الدولي المعاصر الذي أشرنا إلى أمثلة منه. وفي حال أبيي ان الاستفتاء لنيل حق تقرير المصير لا يمنح للقرى والفرقان بل إلى شعوب المنطقة بأسرها لتقرر مصيرها وان استثناء المسيرية من هذا الحق ظلم واضح للعيان ولا يرضى بالظلم إلا العاجز عن نيل حقوقه المشروعة.
الحقيقة الخامسة: أمهل مجلس الأمن والسلام للاتحاد الأفريقي حكومتي السودان وجنوب السودان ستة أسابيع للتوصل إلى اتفاق نهائي حول منطقة أبيي اعتباراً من الأربعاء 24 اكتوبر 2012 وذلك بناء على التوصية الصادرة من الوسيط الأفريقي للطرفين والتي قبلها الطرف الجنوبي وتحفظ عليها الجانب السوداني وظل يكرر رفضه لها.. ولكن التناقض في الموقف الرسمي ومسك العصى من نصفها هو سبب كل البلاوي التي تعانيها وخير دليل على ذلك تصريح السيد وكيل الخارجية المناوب في جريدة الانتباهة الصادرة يوم الخميس الموافق 2012/11/29 حيث قال: ان الحل في منطقة أبيي يكمن في تطبيق البروتوكولات الخاصة بالمنطقة التي تم التوصل إليها بشهادة المجتمع الدولي، فضلاً عن استصحاب آراء أهل المنطقة في جميع مراحل الحل!! وتعليقاً على ذلك أقول للسيد الوكيل بالانابة أهل المنطقة كانوا مغيبين في كل مراحل الحل إلى أن وقع الفأس في الرأس... وان البروتوكولات التي أشرت إليها عدا بروتوكول مشاكوس هي التي جعلت جزءاً غالياً من الوطن في مهب الرياح وهي مصدر المشاكل وليس المستعان بها لحل مشكلة أبيي.
الحقيقة السادسة: أقول للسيد وزير خارجيتنا، رغم سعيكم الدؤوب ومحاولة تطمينكم لشعب السودان بصفة عامة وأهل المنطقة بصفة خاصة بأنكم قد أقنعتم القادة الأفارقة بعدم رفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي والعمل على حلها داخل البيت الأفريقي أقول لكم اعيدوا قراءة الموقف الذي تجاوز مساعيكم وان القضية ذاهبة لمجلس الأمن الدولي بناءاً على قرار مجلس الأمن والسلام الأفريقي ورفض المحاور الجنوبي العودة لطاولة المفاوضات بشأن أبيي... وسوف يؤيد مجلس الأمن الدولي توصية لجنة الوساطة العليا التي اجازتها الدول الأفريقية في آخر اجتماع لمجلسها في اكتوبر 2012 وان غداً لناظريه قريب ويوم14/12/ 2012م ليس ببعيد وحتى الآن لم تتقدموا بأي طرح للوساطة الأفريقية كمرجعية لحل القضية بالوسائل السلمية ولم تعملوا على كسب ثقتهم رغم أهمية دورهم في سير المحادثات.
التوصيات:
1- الكرة الآن في ملعب مجلس الأمن الدولي وعلى حكومة السودان بذل جهودها مع الدول المحايدة والمتفهمة لخطورة الموقف في أبيي والاحتمالات الواردة لجر المنطقة للمربع الأول إذا لم يتخذ المجلس الدولي قراراً متوازناً يؤمن على الحقوق المشروعة لكل سكان المنطقة.
2- قضية كرواتيا خير مثال لمعالجة قضية أبيي حيث أصدر الاتحاد الأوربي توصيته حول النزاع في كرواتيا أكد فيه قدسية الحدود السابقة للجمهوريات اليوغسلافيا كما أصدر مجلس الأمن قراراً يشير فيه بعدم قبول أي محاولة لتغيير الأراضي بالعنف.
3- التمسك ببروتوكول مشاكوس (الأسس والمبادئ) الذي تتطابق أحكامه مع القانون الدولي ونصوصه الواضحة بأن حدود الاستقلال هي الحدود المعترف بها بين الدول كما ان هذا البروتوكول تتطابق بنوده مع ميثاق الاتحاد الأفريقي عند انشائه.
4- أبيي أرض سودانية تقع مسؤولية حمايتها على الحكومة والشعب السوداني بأسره بأنه الحفيظ على سلامة أراضيه من جميع الجهات وليست مسؤولية المسيرية وحدهم وأخشى ان سادت هذه الفكرة ان تفقد الكثير من أراضي الوطن.
5- لمصلحة دولتي شمال وجنوب السودان أن تكون أبيي منطقة تكامل وتعايش بين الشمال والجنوب للدينكا دورهم الايجابي كصمام أمان للشمال في علاقته مع الجنوب وللمسيرية نفس الدور كصمام أمان للجنوب في علاقته مع الشمال مع اعطاء كل ذي حق حقه في السلطة والثروة.
الحل:
لقد وقعت عدة اخطاء في تناول قضية ابيي. هذه الاخطاء اخرجت القضية من الاطار القانوني والاطار التاريخي والاطار المحلي ودفعت بها الى الاطار الدولي الذي لم يتمكن من حلها وتحقيق السلام لاهلها.
وبالتالي يكمن الحل في عودة القضية للداخل واحالتها وقضايا الحدود الاخرى المستعصية لمفوضية حكماء تكوّن بطريقة متوازنة وبتفويض كامل من حكومتي شمال وجنوب السودان واعطاء المفوضية الوقت الكافي لتقديم حل يشترك فيه اصحاب المصلحة كافة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.