قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جلسة عند حدّ الشذى والبهارمع الشاعر موسى المروح (2-2)

أجراه في واشنطن: محمد سليمان الشاذلي: موسى أحمد مروح شاعر سوداني مقيم في الولايات المتحدة ... درس في جامعة الخرطوم وأتقن اللغتين الألمانية والانجليزية ، وصدر له ديوان « عربي الوجد أعجمي الوجدان « وديوان « عند حد الشذى والبهار « .. قدم له الشاعر عالم عباس الديوان الأخير ...فالى حصيلة الحوار
8. من هم شعراؤك المفضلون في اللغة العربية؟ ولماذا؟
ج - لا أستطيع حصرهم، لذلك دعني أذكر فقط أولئك الذين كان لهم دورٌ تاريخي في مسار الشعر المكتوب بالعربية من وجهة نظري، وذلك على سبيل المثال، لا الحصر: أمرؤ القيس لأنه غالباً ما يكون صاحب أول ديوان شعر عربي. النابغة لأنه كان أول شاعر ناقد، وهو أول من أرسى أساسيات تذوق الشعر من خلال سوق عكاظ، وساهم في توجيه شعراء كبار مثل الخنساء والأعشي وحسان بن ثابت. أبو تمام لأنه أحدث تغييراً جذرياً في مضامين الشعر العربي ونقده، وفَتَحه على آفاق التحديث إلى يومنا هذا، ولأنه هو الأب الروحي لشعراء أفذاذ مثل البحتري والمتنبى. شعراء الموشحات الأندلسية مثل ابن سهل وابن زهر ولسان الدين الخطيب لتقريبهم بين الشعر والغناء. أحمد شوقي لأنه أول من أدخل المسرح الحديث في الشعر العربي. بدر شاكر السياب لأنه قد يكون وحده الرائد الحقيقي للقصيدة المرسلة، ولأنه كذلك أتى بحساسية شعرية جديدة بالإضافة إلى شكل قصيدته الجديد. حسن طِلب لعمله على لغة القصيدة وشكلها وأسلوبه في التعامل مع ماضينا الشعري. التيجاني يوسف بشير لأنه هو الأب الروحي للشعر السوداني الحديث، ولأنه فتح الطريق للمجذوب ومحمد عبد الحي. ، لأنه حوّل الشعر السوداني إلي شعر عالمي كوني إنساني، تتلاشى فيه الجغرافيا والتاريخ، ويتساكن فيه الشرق والغرب والقديم والجديد والروحي والمادي في سلام عجيب. فعل كل ذلك من داخل التراث السوداني، وبلغة نافذة البصيرة الشعورية والفكرية.
9. وفي اللغة الإنجليزية؟ ولماذا؟
ج - وليم وردزورث لأنه بحتري الشعر الإنقليزي في اعتقادي. وليم بتلر ييتس بسبب الحنين الوجودي والطبيعة وأقدار الإنسان في شعره. تي. أس. إليوت لحداثته وتنظيره الشعري. إدقار ألن بو لأن عالمه الشعري نوستالجيٌّ وقريب من مزاج شعر الغناء السوداني، إن جاز التعميم. روبرت فروست لأنه تَمَثَّل الشعر في حياته.
10. وفي اللغة الألمانية ولماذا؟
ج - هولدرلين لعوالمه الغريبة. ريلكه لحساسيته الشعرية المختلفة وتنظيره الشعري. روزه آوسلاندر لقدرتها العظيمة على تبسيط المعقد.
11. وعلى نطاق العالم عبر الترجمات التي اطلعت عليها، إنما كانت نقلت إلى العربية أو الإنجليزية أو الألمانية ؟
ج - الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس لقدرته العظيمة على التخيُّل واليوغسلافي عزت سراييلتش لروحه الكونية.
12. أنت تحصلت على درجتك فوق الجامعية من الولايات المتحدة والتي ظللت تعيش فيها لثلاثة عشر عاما بعد زواجك من سيدة أمريكية. من قبل ذلك عشت في ألمانيا والقاهرة فكيف هو وقع البعد عن الوطن والغربة ثم الهجرة المستديمة على تكوينك الشاعري؟
ج - أفتقد أهلي وأصدقائي كثيراً ولكني كذلك أجد في الغربة والترحال أشياء كثيرة جميلة، منها اكتشاف العالم الذي نعيش فيه، وتعلُّم أشياء جديدة، وفرصة أن يبدأ المرء صفحة جديدة من حياته. تذكرت الآن جملةً لهرمان هسيه يقول فيها إن الشعور بالملل هو من اختراع أهل الحضر. كذلك فإن فكرة الوطن ذي الحدود الجغرافية المعروفة هي من اختراع أهل السياسة إن جاز القول، وهي ليست، بالضرورة، فكرة شعرية. بل قد تكون غريبة على بدوي سابق مثلي، يقوم أسلوب الحياة الذي وُلد فيه على تغليب متعة الاكتشاف على متعة الاستقرار.
13. دعنا ننتقل بعض الشيء إلى المؤثرات التي أسهمت في تكوينك النفسي والفني، بالطبع أنت درست في جامعة الخرطوم التي كانت توفر لطلابها السكن الداخلي، لكنك درست قبل ذلك المرحلة الثانوية في خورطقت تلك المدرسة العتيدة ولزمت فيها السكن الداخلي ومن قبلها المرحلة المتوسطة والابتدائية كذلك، الآن عندما تعودُ القهقرى وتنظر إلى الوراء، هل تعتقد أن ذلك ساعدك على تحمل الغربة والبعد عن الوطن؟
ج - لابد أن لذلك دور. لكني كما قلت، فإن نشأتي في البادية كان لها إسهام في ذلك بلا شك.
14. أنت ولدت ونشأت في بادية الكباببيش ليس بعيداً عن حمرة الوز ولكن أذكر أنك عندما كنت تعود إلى البادية أثناء عطلات الدراسة الجامعية كان عليك أن تسأل عن المكان الذي رحل إليه أهلك لأنهم يظلون في حالة حركة مستمرة تستمد تناغمها من مواسم الجفاف والأمطار وما تقتضيه طبيعة الفصول، وكنت تستبدل ملابس المدينة بملابس البادية وتمتطي جملاً لتمضي في إثرهم، فإذا كان الوقت شتاءً كان يتعين عليك أن تنيخ جملك وتدفن نفسك في الرمال طلباً للدفء، هل ما زالت تسكنك تلك الذكريات؟ الرمال والصحراء والصنغات والسهوب المخضرة بألوان النبت آن يهطل المطر؟
ج - نعم. لا تزال تلك هي جذوري الروحية والثقافية. وأحياناً أشعر بأنني مثل أوسكار ماتسيرات، ذلك الطفل الذي في رواية طبل الصفيح لقونتر قراس. اوسكار كان طفلاً عادياً ثم سقط وأصيب فتوقف نموه. فأنا حتى الآن لا أحب الأماكن المغلقة مثل المولات، ولا أحب الازدحام والضجيج والتلوث الضوئي، بالرغم من عيشي الآن لعقود في بيئة المدن الكبيرة. ويبدو أن ذلك مردُّه إلى نشأتي بعيداً عن التجمعات السكنية. ولكن على صعيد معرفي، لا يمكنني أن أتصور حياتي لو لم يذهب بي والداي إلى المدرسة، ولو لم يدفع لي الشعب السوداني متطلبات تعليمي، منذ البداية وحتى الجامعة. ولكن لذلك بالضرورة ثمن نفسي على الطفل، الذي هو «أبو الرجل» كما قال وليم بليك. ومن حسن الحظ أن العالم الآن بدأ يدفع في اتجاه ضرورة الرجوع إلى الطبيعة وحماية البيئة، التي بدأ نهمُ الاستهلاك يهددها بشكل مباشر، مما جعل أسلوب حياتي السابق منسجم في كثير من جوانبه مع هذا الزمان الجديد.
15. أنت من القلائل الذين يتقنون قراءة السماء ليلا بكواكبها ونجومها والمواسم التي يظهر فيها بعضها ليختفي بعضها، فأنت مثلا على دراية مذهلة بالوقت الذي تتعرض فيه الثريا ومتى تذدهي الزهرة والأمكنة التي تتخذها نجمة الشمال وحركة الدب الأكبر والدب الأصغر والعقرب وتحفظ جيدا المصطلحات المحلية المرادفة لتلك الأسماء فهلا حدثتنا عن ذلك بعض الشيئ ؟
ج - أخذت كثيراً من ذلك عن الوالد العزيز في صغري، ثم أضفتُ إلى ذلك من قراءاتي بعد ذلك. كان الوالد يلخص لنا تلك المعارف عن طريق السجع، مثل أن يقول «كان التِّرَيِّ، طلعَتْ من عَشِيَّي، دَرِّبْ لي أولادك الكِسْوِيِّي»، وهي، كما ترى، إشارة إلى قدوم الشتاء وضرورة الاستعداد له. كان الوالد كذلك يخبرنا أن كلاً من المواسم الأربعة به سبع عِيَن، وبكل عِيْنة 13 يوماً وثلث. هذا الحساب يزيد حوالي أسبوع عن السنة الشمسية، وهو يذكِّر بتقويمات الأمم القديمة التي تضيف حوالي أسبوع في آخر العام يُخصَّص للاحتفالات أو شكر الخالق. هذه المعارف الطبيعية مهمَّة لكل المجتمعات التي ترتبط حياتها بالطبيعة ودورة الحياة والكون، ذلك لارتباطها بمقومات تلك الحياة، مثل المطر والحصاد والطقس والسفر أثناء الليل. لذلك فإن معرفتها بالنسبة لنا لم تكن ترفاً. عِلْما التنجيم والفلك كانا كذلك من المجالات التي تميز فيها المسلمون لقرون عديدة، لأنها كانت من أفضل الأمثلة على التقاء العلوم الطبيعية مع دعوة القرآن الكريم للتفكُّر في الكون، التي يبدو أننا قد نسيناها الآن واستبدلناها بالخرافات. هل تعلم أن هناك حوالي 21 منطقة على سطح القمر أَطلَق عليها علماءُ ناسا أسماء لرواد علوم مسلمين، من ضمنهم علماء فلك كبار مثل أبو الوفاء البوزجاني وابن جابر الحراني وأبو الريحان البيروني وغيرهم؟ وبما أننا في مقام الشعر هنا، فهل تعلم أنه كان في بلاط سيف الدولة الحمداني فلكيون شهيرون مثل مريم الأسطرلابية التي طورت جهاز الأسطرلاب، وأبو الصقر القبيصي، الذي ترجم له المترجم اللاتيني الشهير يوحنا الإشبيلي؟ القبيصي كان شاعراً أيضاً، وربما يكون قد شهد حادثة «وا حرّ قلباه ممن قلبه شبمُ». من المؤسف أن تعليمنا الآن لا يخرج للمجتمع كثيراً، ولا يستفيد من الخبرات التطبيقية المتراكمة عبر السنين عند أهل الريف. وقد يكون ذلك أحد أسباب وجود نُخب متعالية على شعبها وغير منتجة.
16. أنت اصطدت الأرانب والغزلان واليرابيع والقنافذ وأكلت لحومها، كيف تشعر اليوم حينما تدلف إلى مطعم بالغ الأناقة في واشنطون العاصمة لتتناول وجبة ما مستخدما الفوطة والشوكة والسكين؟
ج - لم آكل لحم اليرابيع بعد، وأتمنى ألا أضطر إلى ذلك. ولكن كلامك في محله من حيث التطور الهائل الذي حدث لنظامي الغذائي. على العموم، هناك مثل كباشي يقول: «البَلَد الماها بلدك، يا أمْسِكْ لَغُوها، يا فارِق بَدُوها،» بمعنى أنه على المرء أن يتأقلم على المكان الجديد أو يغادره، وهي مقولة، كما ترى، بها كثير من الحكمة والدعوة لقبول الجديد وإثراء حياتنا بكل ما هو مفيد من عادات وثقافة وتقاليد لم تكن لدينا في السابق، بدلاً من أن ينكفئ الشخص على نفسه. الأمريكيون عموماً لا يميلون إلى التأنق الزائد على الحد، مثلما قد يكون الحال في مطعم راقٍ في باريس، وهذا قد يناسب الشخصية السودانية أكثر.
17. أنت تحفظ عن ظهر قلب أسماء عشرات إن لم يكن مئات الطيور ومواسم هجرتها ومواقيت بناء أعشاشها ووضع بيضها، ولديك الآن كتب ومراجع إنجليزية عن ما يكاد أن يكون كل الطيور، كذلك أنت شديد الحرص على القيام برحلات منتظمة للغابات والمحميات لمراقبة الطيور حتى بلغتَ درجةً تُمكِّنُك من معرفة الطائر وتسميته بمجرد سماع تغريده وغنائه! أترى تلك مهارة أم موهبة طبيعية؟
ج - ربما هي الإثنان معاً. تعلمتُ أهمية تسمية الأشياء وتحديد ماهيتها وتوصيفها من البادية لأن الناس هناك تتشافه ولا تكتب. أو هُم يكتبون شَفاهةً في ذاكرتهم. وكنا نعرف أسماء كل المخلوقات التي حولنا من طيور ونباتات وحشرات وغيرها، لأن تلك المعرفة ضرورية لحياتنا. مثلاً، لابد أن تجنِّب بهائمك نبات الشَّرا حينما يكون ناضجاً لأنها قد تموت من شدة الانتفاخ. كذلك نبات العِتِل يؤكل كسَلَطة، وعِرق الجُبّين مضاد للسموم، وهكذا. أما فيما يتعلق بالطيور، فقد بدأ تعلقي بها حينما رأيت لأول مرة طائر أُم دَلْدَلو الذَّكَر في صغري. كان يرشف من رحيق زهور (بَرَم) السنط في الدويمة، بالقرب من الحمرة. وكم تمنيت وقتها أن يكون لي قميص بألوان ذلك الطائر البديع. وحينما أتيت إلى أمريكا، أهدت لي زوجتي منظاراً، وأصبحنا نذهب سوياً للمحميات لمراقبة الطيور في إجازاتنا، ثم صممتُ الحديقة المنزلية، التي رأيتَها، ضمن برنامج أهلي لاستعادة الغطاء النباتي المفقود لمساعدة الحياة البرِّية. وعلى ذكر الطيور، فإن مراقبة الطيور هي الهواية الثانية من ناحية الإسهام في الاقتصاد القومي الأمريكي بعد القولف. وعموماً، يبدو أن تعلقي بالطيور سببه حبنا كبشر للألوان والحرية والجَمال. ونحن كسودانيين نحب الطيور كثيراً في شعرنا الغنائي، مثل الطير الخداري (بالله يا الطير الخداري) والبلوم (في فرعو غنّا) والقمري (أنا شفتا اتنين: قمري وقمرية) والحمام (حبيت طيور وحمام) والطاؤوس (ملك الطيور أقدل) والرهو (قسماً عديل ما فيهو لو) والوز (عايمة كالوزينة) والصقور (دخلوها وصقيرها حام). وهذا قد يكون موضوع برنامج إذاعي شيق أتمنى أن أقوم به ذات يوم.
18. والآن دعنا نتحدث عن الأمكنة :
البادية
ج - الطبيعة بجمالها وقسوتها، والأساس النفسي والثقافي.
الخرطوم
ج - حيث تعرفتُ على أغلب أصدقائي الأساسيين، وتمّ تدجيني وتغيير لغتي (لكن لكنتي ظلت صامدة!)، وحيث توقفتُ عن الخجل عند الحديث إلي البنات.
القاهرة
ج - التاريخ العريق والصخب الهائل والحياة التي لا تتوقف. كذلك التعرف عن قرب على أول شعب آخر تسود لديه الثقافة العربية.
فرانكفورت
ج - لا أعرفها جيداً. أكون دائماً في مطارها ولم أرها عن كثب.
دنفر
ج - مدينتي الأمريكية الأولى التي تعرفت عليها؛ المدينة التي قامت بتثقيفي أمريكياً كما فعلت الخرطوم سودانياً.
واشنطن
ج - عاصمة البلاد وملتقى العالَم السياسي، حيث الدخول المجاني لمتاحف عظيمة، وحيث أصبحتُ من هو أنا اليوم. مدينة ليست بضخامة نيويورك أو علوّ مبانيها، كما أن بها كثير من الخضرة، وكلها خصائص تناسبني.
19. أترى أى المدن أحب الى نفسك وأي البوادي؟
ج - أحببتُ ميونخ كثيراً حينما كنت في ألمانيا. وقضيت وقتاً جميلاً في القاهرة كذلك. أما هنا فإن الغرب الأمريكي الشاسع بجباله وسهوله وصحاريه يذكرني كثيراً بالبادية في السودان.
20. كشاعر محض هل تشعر بأنك كائن غريب؟
أظن أن الإحساس بالغرابة في معظمه موقفٌ من الحياة والمجتمع. ولا أعتقد أنه بالضرورة مرتبط بالشعر وحده، وإنما بحساسية مغايرة لدى بعض الناس أساسها الاعتراض على العالم في نسخته المتمثِّلة أمامنا، وربما الرغبة في تغييره جمالياً عبر الفنون وغيرها. أهمية الغرابة تكمن في كونها تتحدى السائد الجمالي والأخلاقي اليومي، وتدفع لتغييره عبر اقتراح بدائل جديدة قد تبدو غريبة في وقتها لأنها تخالف المعتاد. لكن، كما تعلم، فإن أي تغيير أو تطور اجتماعي لا يتم إلا في وجود فكر ناقد، ووجود حرية تسمح بتبادل ذلك الفكر.
21. الشعراء وحتى مَن يكتبون القصة والرواية ويرسمون اللوحات ويألفون الموسيقى يسعون فيما أزعم الى تبني مواقف ردايكالية ?غرائبية إزاء أنفسهم بالدرجة الأولى وإزاء الآخرين بالدرجة الثانية بل وحتى وإزاء الطبيعة الصامتة.
ج - قد يكون ذلك كله مجرد ردة فعل، مجرد محاولة للفهم وللاتصال بالعالم للاحتجاج عليه أو حتى الاحتفال به. من الحقائق البديهية إن الحياة طريق ذو اتجاه واحد لا نستطيع الآن الرجوع إلى أوله، بمعنى أننا لن نستطيع تغيير رأينا، الأن، في مسألة الخروج إلى الحياة من عدمه، وذلك بالعودة إلى أرحام أمهاتنا واتخاذ قرارٍ هناك بالانعدام. ليس هناك خطة (ب) كما يقولون، خطة بديلة للحياة، وهذه حقيقة هائلة قد لا يستطيع البعض التعامل معها سوى بالمواقف الراديكالية أو الغرائبية.
22. أحيانا يخيل الى أن الفنان خُلق كطائر لكنه ضل طريقه على نحو فيزيائئ. لكنه على كل حال وكما تتبنى أنت بالفعل يضرب اجنحته مع الريح وضد الريح ليضطلع برحلات نفسية ومكانية عنيفة بل وقاسية.
ج - التوق للعوالم الجديدة والرغبة في اكتشافها من أساسيات الحياة الشريفة الكريمة، لأن الاكتشاف أساس المعلومات والمعلومات أساس المعرفة والمعرفة أساس التقدم للأفراد والمجتمعات.
23. أنت لا تجيد ثلاث لغات وإنما تجيد آداب تلك اللغات بما عهدته فيك دوما من جلد ومثابرة وصبر وتأني وتمحيص، دونما ريب أنت تختلف عما أنا فيه، عجلة مقلقة حينما يتعلق الأمر بالقراءة والكتابة. هل في الحالتين كلتيهما تؤثر فينا أقوال اللغة أم أن وعينا ولاوعينا هما يذللان لنا تلك اللغات لنلعب بها العابنا المرعبة البراءة ؟
ج - هذا لطف منك. لدي الكثير مما يمكنني قوله في الأدب العربي والإنقليزي والألماني، أما إجادتها فهذا مشروع حياة كامل. كما إنك تنُتج أكثر مني. لديك الأن عدد من الروايات ومجموعات من القصص القصيرة والقصائد والكتابات الأخرى. أما أنا فلا أزال أجاهد لإنجاز روايتي الأولى. الأمر في اعتقادي يتعلق بالإيقاع الفردي لكل شخص وأثر الظروف المحيطة بحياتنا في ذلك الإيقاع. اللغات في أحد جوانبها هي رُسُل الثقافات تبعثها للناس. وكما تعلم، فإنه غالباً ما يكون الفصل بين الرسول والرسالة صعباً.
24. من هم الشعراء ? من العرب ومن العجم - الذين تؤثر أن تكون دواوينهم دوما معك؟
ج - لدي أنطولوجيا للشعر الإنقليزي والأمريكي، وبعض الدواوين الشعرية الإلمانية. كذلك أحتفظ بديوان المتنبي والبحتري وشروح المعلقات. ولكن أغلب الأشياء أصبحت الآن متاحة على الإنترنت كما تعلم.
25. لقد أحببت ُ دوما ً قصيدتك (لن أهديك القصائد) لشاعريتها وجرأتها وتفردها رغم أنك كتبتها أوان الطلب، وهي تدفعني بقسوة صوب التفكير في جوهر الحب وطبيعته، دعني أسألك : هل تعتقد أن الحب كائن حي وهو بذلك معرض للموت والزوال؟ أم هو حالة أسمى وأسمى تدخل في باب الخلود فلا
تمحي ولا تفنى؟
ج - لا أدري يا صديقي. المتصوِّفة هم أفضل من يجيب على ذلك. الشعراء يقولون إنه خالد والعلماء يقولون إنه مجرد تفاعلات كيميائية في دماغ الإنسان. رأيي هو أنه كائن حي، وهو نعمة وحظّ يُرزق به القِلِّة. وبعد الرزق لابد من رعايته والاهتمام به، وإلا مات مثل بقية الأحياء.
26. ما هي القصيدة التي كتبتها وتشعر بأنها الأنقى والأصفى والأكثر تعبيرا عن ذاتك وشاعريتك؟
ج - ليست هناك قصيدة بعينها، وإنما هو سجلٌّ وجداني ساهمَتْ في كتابته كلُّ قصيدة بذاكرتها الخاصة في الزمان والمكان.
27. والمرأة! هل تملك امراة ٌ ما خاصية الخلود في الأدب وفي الحياة سواء؟
ج - بعض النساء خلدن بالطبع مثل ليلى وجولييت. الناس يحبون الحب لأن الحب ضروري للحياة. المرأة، في إحدى تجلياتها، هي الحب نفسه.
28. أنت لم تنجب ْ لفترة ربما معتقدا ذات ما اعتقد أبو العلاء ، هل لازال كذلك هو الحالْ؟
ج - من المؤكد أنني أخذ موضوع التسبب في الإتيان بالأطفال إلى هذا العالم وتربيتهم وإعدادهم للمستقبل بمنتهى الجدية، ولكن الأطفال أنفسهم هدايا إلهية تختار وقتها بنفسها.
29. كيف تبدو لك الحياة مقرونة بعالم الشعر وأنت تتقدم فيها عاما ً بعد عام ْ؟
ج - الشعر يجدد الحياة لأنه يرفدها باستمرار بالفكر والشعور. هناك قصيدة شهيرة لهرمان هَسَه اسمها «مراحل» يقول في جزءٌ منها إنه لا بد للقلب من أن يكون دائماً مستعداً لكافة نداءات الحياة بما في ذلك الوداع والبدايات الجديدة. هذا ما أحاول فعله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.