جو بايدن يدعو الغرب إلى تشكيل تحالف ضد الصين    اجتماع مرتقب لاتحاد الكرة وأزمة نادي المريخ الملف الأبرز    اتحاد الكرة السوداني يحسم جدل ملكية استادات الخرطوم ودار الرياضة    سرقة أجهزة طبية وأدوية منقذة للحياة من مستشفي القضارف    والي القضارف يشيد بجهود معلمي ومعلمات الولاية    الحكومة تتعاقد مع شركة المانية متخصصة لتطوير ميناء بورتسودان    تعرفة المواصلات .. المعادلة الصعبة!    حول تجربة تقديمها برنامج "بيوت أشباح" .. نسرين سوركتي: أُصبت بدهشة وانكسار    خبير دولي يحذر من فخ إثيوبي لمصر والسودان بشأن الملء الثاني لسد النهضة    الشرطة القضارف يحتج ويهدد بشأن البرمجة    زعيم كوريا الشمالية يهاجم "البوب": "سرطان يستحق الإعدام"    دمج الحركات في الجيش .. المعوقات والحلول    بالأرقام.. جائحة كورونا تتسبب بظاهرة خطيرة بين المراهقات    ولاية باكستانية تهدد رافضي لقاح كورونا بعقوبة "غريبة"    شاكر رابح يكتب : "المتغطي بالبنك الدولي عريان"    الامل عطبرة يواجه الجريف عصرا والنيل صباحاً    الشيوعي : لا عودة للوراء وخيارنا الاسقاط الكامل للحكومة    النيابة ترفض الإفراج عن رئيس الهلال السوداني    في زيارة تستغرق 20 يوماً..حجر يصل دارفور    (فنانون ومواقف).. عمر إحساس (ناس الحفلة باعوني)    السودان يوقع على مذكرة لتعزيز التعاون مع مصر    المؤتمر السوداني يصدر بيان حول قرار تحرير أسعار الجازولين والبنزين    فيروسات جديدة ل"كورونا" سريعة الانتشار    صعود طفيف.. سعر الدولار و اسعار العملات مقابل الجنيه السوداني اليوم السبت 12 يونيو 2021 في السوق السوداء    ميتة وخراب ديار    لهجة جبريل وتيه المناصب    مع غيابها الكامل .. المواطن يتساءل أين الشرطة ؟    سلبٌ ونهبٌ بالأبيض واستغاثة بحكومة شمال كردفان    الصقور.. شوط الإبداع المتناهي    طالب بالالتفاف حول الكيان .. السوباط يكتب لجماهير الهلال ويعتذر للجميع    قالت بأنها تنقل التراث كما هو الفنانة شادن: أنا متمسكة جداً بالشكل الاستعراضي!!    الملحن أحمد المك لبعض الرحيق: أستحي أن أقدم ألحاني للفنانين الكبار!!    في ورشة تراخيص الأندية .. (الكاف) يؤكد مساعدة الأندية لمزيد من التطور    (5) فصائل بالجيش الشعبي تُعلن دعمها لخميس جلاب    الحرية والتغيير تؤكد اختصاصها بترشيحات رئيس القضاء    استيراد السيارات.. من يضبط القيادة؟    جريمة هزت الشارع المصري … اغتصاب سيدة عمرها 90 عاماً مصابة بالزهايمر    ما العلاقة بين فيروس كورونا ومرض السكري؟    ظهور عصابات مسلحة ولجان المقاومة تتبرأ منها    9800 وظيفة تنتظر السعوديين.. بدء توطين مهن المحاسبة    ضبط عقاقير واجهزة طبية خاصة بوزارة الصحة تباع بمواقع التواصل    الحداثة: تقرير لخبراء سودانيين يرسم صورة قاتمة لصناعة النفط في البلاد    أوكتاف".. د. عبد الله شمو    «الصحة»: السمنة تؤدي لمضاعفات شديدة عند الإصابة بكورونا    شاعر الأفراح الوردية..كان يكتب الشعر ويحتفظ به لنفسه    أين هم الآن.. أين هم الآن؟    د. برقو: مباراتا زامبيا إعداد جيد لمواجهة ليبيا    من طيب الطيب صالح ذكرى ميلاد مجيدة    الاقتصاد العالمي يمضي على المسار الصحيح نحو نمو قوي متفاوت    مسؤولون بإدارة ترامب "حصلوا على بيانات آبل الخاصة بنواب ديمقراطيين    اختراق ضخم يطال ملايين المستخدمين حول العالم.. وهكذا تعرف إن كنت منهم    الشرطة تكشف ضبط شبكة تدير محطة وقود عشوائية بالصالحة    بايدن: ما زلت أنسى أنني رئيس    من ثقب الباب باربيكيو الخفافيش!    "يجوز الترحم على الكافر".. مدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السابق في مكة يثير جدلا    عنك يا رسول الله ..    أخي مات بكورونا في الثلث الأخير من رمضان.. فهل هو شهيد؟    فاطمة جعفر محمد حامد تكتب: مشروعية الإعلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحركة الإسلامية السودانية: نظرات في الفكر والممارسة(22)
نشر في الصحافة يوم 16 - 05 - 2010

تعتبر الحركة الإسلامية في السودان جزءا أصيلا من تيار الصحوة الإسلامية الذي عم العالم الإسلامي في النصف الأول من القرن الماضي، بفعل العديد من العوامل والأسباب التي أدت إلى ظهورها، وفي مقدمة هذه الأسباب المد الاستعماري والتيارات العلمانية الرأسمالية أو اليسارية التي أعقبته. ومنذ أربعينيات القرن الماضي وحتى العقد الأول من القرن الحالي مرت الحركة الإسلامية السودانية بالعديد من المراحل التي أثرت على تجربتها في شتى المجالات على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وخصوصاً بعد استلامها السلطة في ثورة الإنقاذ عام 1989 والذي كان بداية اختبار حقيقي لمنطلقاتها العقدية والفكرية والسياسية والاجتماعية، شهدت بعده عدة تطورات على المستوى التنظيمي والفكري والسياسي والاجتماعي، كان أبرزها انشقاق الحركة وتوقيع اتفاقية السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان.
ثالثاً: رؤية الحركة لأهم القضايا الداخلية التي واجهتها
1- مسألة الدستور (الإسلامي)
«تؤمن الحركة الإسلامية في السودان بأن وجود دستور إسلامي للبلاد يمكن أن يضمن لها إعادة تأسيس المجتمع والدولة ومؤسساتهما على مبادئ وقيم الدين الحنيف. فالدستور مناط به وضع الأسس الكلية لتنظيم حياة المجتمع وفق القيم والمعتقدات الدينية السائدة فيه. وبذلك تمثل الدعوة للدستور الإسلامي منتصف الخمسينات من القرن الماضي، ثورة وانقلاب على كل الموروث الغربي الاستعماري في الحكم. وكان الشيوعيين يأخذون على الحركة مبادرتها بالدعوة للدستور الإسلامي في وقت لم تحسم فيه البلاد معركتها مع الاستعمار بشكل نهائي، مما جعلهم يقولون باستغلال الحركة الإسلامية للدين في مواجهتهم كتيار علماني يدعو إلى فصل الدين عن الدولة. وشمل الدستور الإسلامي المقترح الذي تقدمت به الحركة الإسلامية مخاطبة قضايا الهوية والمرجعية الإسلامية في التشريع والحكم وفي المعاملات الإقتصادية وفي الاجتماع وفي النظم والتشريعات القانونية. وفي 1965م، تقدمت الحركة الإسلامية بنسخة جديدة من الدستور غيرت فيها الحركة بعض أفكارها نحو مواقف أكثر مرونة ونضجا، أكدت فيها على استفادتها من طبيعة المدافعة السياسية والمراجعات التي قامت بها على ضوء التجربة الواقعية التي خاضتها. ولاحقا في العام 1985م وبعد سقوط نظام النميري وتكوين الحركة الإسلامية لكيانها السياسي الجديد (الجبهة القومية الإسلامية). صاغت الحركة الإسلامية دستورا جديدا للسودان، أبرزت فيه الهوية الإسلامية للسودان رغم اعترافها بالتعدد الديني والثقافي لسكانه. ولكن الدستور أكد على أن أغلبية السكان من المسلمين، وعلى حقهم في أن ينظموا أنفسهم ويحكموها وفقا لمعتقداتهم الدينية، وعلى دور الدين كقاسم أعظم يسهم في تأكيد الوحدة الوطنية للشعب والوطن. وخلافا لما جاء في مقترح الدستور السابق للحركة، أشارت صراحة إلى أحقية أي مواطن تتوفر فيه الشروط العامة للترشح للمناصب العامة والدستورية بما فيها رئاسة الجمهورية أن يترشح دون أن يُمنع من ذلك بسبب تمييز ديني أو عرقي أو جنسي.
بعد تمكُن الحركة الإسلامية من السلطة في السودان في انقلاب 30 يونيو 1989م، فرغت الحركة لتحقيق حُلمها بصياغة دستور السودان الذي ينبغي أن يُمكن للإسلام في تنظيم حياة المواطنين فيه. فجاء دستور السودان لعام 1998م معبرا في جوهره عن توجهات الحركة الإسلامية في تحكيم الدين الإسلامي في السودان. ولكن رغم أن الحركة الإسلامية السودانية كانت الحاكم الفعلي والأوحد للنظام إلا أنها لم تشأ أن تذكر نصا القول بإسلامية الدولة في باب المبادئ العامة والموجهة لها. فنجد أن المواد (1، 4) والتي تتناول طبيعة الدولة لم تتم فيها الإشارة بصورة مباشرة لإسلامية الدولة وإن نصت في المادة (1) على أن سكان السودان يمثل فيهم المسلمون أغلبية، واعترفت بوجود نسبة معتبرة من المسيحيين وأصحاب المعتقدات العرفية.
ويلاحظ في ترتيب الأصول التشريعية للدولة حرص الحركة الإسلامية ممثلة في نظام الإنقاذ الوطني الحاكم على تأكيد أسبقية وسيادة المرجعية الدينية الإسلامية (الكتاب والسنة الشريعة الإسلامية) حتى على (إجماع الأمة السودانية). وكذلك نجد المشرع يشير لمزيد من ضمان المحافظة على التوجهات الإسلامية للبلاد بحق ولاة الأمر من الحكام في أن يشرعوا في حالة عدم وجود نص في الأصول التي ذكرت. ويبدو أن المشرع هنا لم يكن يضع في اعتباره إمكانية أن يكون الحاكم شخصا غير مسلم، استبطانا لفكرة أن الغالبية المسلمة للشعب لن تسمح بوصول شخص غير مسلم للسلطة في السودان.
في دستور السودان الانتقالي لعام 2005م، وهو الدستور الذي جاء تتويجا لمرحلة انتهاء حرب الجنوب وتوقيع اتفاقية السلام الشامل بين نظام الإنقاذ الوطني (حكومة الحركة الإسلامية) والحركة الشعبية لتحرير السودان، سنلحظ اختلافا بينا يوضح المسافة بين فكر وممارسة الحركة حول مسألة الدستور الإسلامي وهي جماعة ضغط صغيرة، ثم وهي حزب جماهيري كبير، ثم وهي حزب حاكم منفرد، ثم وهي حزب حاكم شريك لقوى مناوئة ومناقضة لها في الفكرة والطرح. يبدو جليا أن الحركة قبلت ربما نتيجة تطور في نضجها الفكري أو نتيجة تسوية سياسية بسبب التدافع بينها والقوى العلمانية الشمالية والجنوبية إلى تغيير رؤيتها حول مسألة الدستور وقضاياه ونصوصه أكثر من مرة. ويظهر لنا التغيير حينما نقارن المواد التي تتناول فقط (طبيعة الدولة) في دستور 1998م مع دستور 2005م الانتقالي. حيث خلت الصياغة من المفردات والعبارات الدينية التي ظل المشرع في حالة دستور 1998م يكثر من استخدامها وتوظيفها لتأكيد التوجهات الدينية الإسلامية للدولة، كما غابت الإشارة إلى كثافة نسبة السكان المسلمين مقارنة بغير المسلمين كمبرر للقول بحقهم في جعل الشريعة الإسلامية المصدر الأساس للتشريع في الدولة. بل يلاحظ في نص المادة (1) لدستور 2005م الانتقالي أنه ركز فقط على تعددية المجتمع الدينية والثقافية، ووحدة الوطن، والتعددية الحزبية، ولا مركزية الدولة، وكلها إشارات تدل على أن الحركة الإسلامية اضطرت للدخول في تسوية سياسية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان أكبر قوى مناوئة للنظام سياسيا وعسكريا نتج عنها تنازل الحركة الإسلامية عن النص على هوية الدولة الدينية الإسلامية والقبول بوحدة الوطن ومبدأ تقرير المصير بعد مضي الفترة الانتقالية المتفق عليها.
نخلص إلى أن الحركة الإسلامية التي تبنت في أولى مراحل نشوئها الدعوة للدستور الإسلامي في مواجهة القوى العلمانية التي كانت مهيمنة آنذاك على كثير من مفاصل المجتمع، ربما اكتشفت بمرور الزمن وكثرة التحديات التي خاضتها مع القوى والأنظمة المختلفة أن المعركة الحقيقية لم تكن في نصوص الدستور ومواده المختلفة بقدر ما كانت في التنافس على كسب تأييد المواطنين للبرنامج الإسلامي من خلال تبني قضاياه وتوفير الخدمات الأساسية له. فالصراع حول الدستور ظل فقط في قمة أولويات القوى السياسية الباحثة عن السلطة ولم يكن في يوم من الأيام همّاً للمواطن، لذلك مثلت مواد الدستور ونصوصه في أغلب الأحيان مجال صراع بين التيارين العلماني والإسلامي من جانب وبين من هم داخل السلطة وخارجها من الجانب الآخر. وربما تأكد للحركة الإسلامية خاصة بعد تجربتها في الحكم المطلق للسودان طوال ستة عشر عاما أن حكم الإسلام ليس في تثبيت نصوص في الدستور وإنما في قدرة الداعين له على وضع حلول عملية تحقق مصالح المواطنين والوطن وحفظ أمنهم وسلامتهم ووحدتهم.
2- مشكلة الجنوب
مثلت مشكلة الجنوب التحدي الحقيقي لكل القوى والأنظمة السياسية التي مرت على البلاد منذ الإستقلال وحتى الآن. ولكن كانت الحركة الإسلامية الأكثر حرجا تجاه مشكلة الجنوب لما يمثله الجنوب بالنسبة لها من بعد تختلط فيه العناصر الدينية والإثنية. وعليه كانت الحركة مطالبة بتقديم حل عملي لكيفية قدرة الدين الإسلامي لحل معضلة الجنوب، وإلا سقطت كل شعارات الإسلاميين القائلة بأن «الإسلام هو الحل». فمشكلة الجنوب بذلك اختبار حقيقي للدولة الإسلامية التي يدعو لها الإسلاميين. كانت وجهة نظر الحركة الإسلامية منذ البداية لمشكلة الجنوب، بأنها «قضية ثقافية» وأن الحل السياسي لها ما هو إلا حل مؤقت. وبالتالي الحل الأمثل هو في محاولة تذويب الشخصية السودانية الجنوبية في الثقافة الإسلامية مع استثناء أولئك الذين لهم هوية ثقافية متميزة. ونجد أن د. حسن الترابي، يؤيد هذه النظرة حينما وصف العزلة التاريخية التي تعرض لها الجنوب عندما فصل بواسطة المستعمر الإنجليزي عن الشمال العربي الإسلامي، باعتبارها السبب الفعلي في خلق مشكلة الجنوب. بينما يرى قضايا مثل الدعوة المتكررة لتقاسم السلطة والثروة بين الشمال والجنوب ما هي إلا دعوة سياسية يسهل جدا معالجتها والاتفاق حولها. لذا أيدت الحركة الإسلامية مبكرا الدعوة إلى تطبيق نظام حكم فيدرالي يمنح الجنوبيين سلطات وصلاحيات إدارية وسياسية واسعة ولكن في إطار سودان موحد. في مقابل هذه النظرة للحركة الإسلامية، كان د. جون قرنق القائد التاريخي الراحل للحركة الشعبية لتحرير السودان يتبنى رؤية يطالب فيها الجنوبيين بالمساهمة في صياغة الأجندة الوطنية التي تحدد وتعرف الثقافة السياسية الوطنية وليس فقط الإكتفاء بممارسة حكم ذاتي محدود في الجنوب. حيث يرى د. جون قرنق قضايا مثل الشريعة الإسلامية والعروبة وحكم الأغلبية بأنها مجرد قناع يستخدمه الشمال للحيلولة دون أن يلعب الجنوبيون دورا في توجيه السياسة القومية. هذه النظرات المتناقضة بين الحركة الإسلامية والحركة الشعبية لتحرير السودان، تشير إلى حجم الاختلاف بين الرؤيتين لمشكلة الجنوب. وتبدو قضايا مثل؛ الهوية، الدين والدولة، وتقاسم السلطة والثروة، من القضايا الملحة والضاغطة التي تتطلب مخاطبتها من قبل الطرفين. وتظل الوحدة الوطنية هي القضية الأكثر تحديا للمشروع السياسي للحركة الإسلامية.
وبعد وصول الحركة الإسلامية للسلطة في 30 يونيو 1989م، كانت مشكلة الجنوب هي التحدي الأعظم الذي اقتضى منها المواجهه السياسية والعسكرية. فقد كانت قوات الحركة الشعبية تحتل مدنا في الشمال لأول مرة مما جعل تهديدها يبدو مخيفا للنظام ولأهل الشمال بصفة خاصة. ورغم ذلك بدأت حكومة الحركة الإسلامية الإنقاذ الوطني في 9 سبتمبر 1989م عقد أول مؤتمراتها لمخاطبة القضايا الكبرى في السودان بمؤتمر الحوار القومي حول السلام، ولمدة تجاوزت الشهر ونصف تقريبا، ناقشت فيها موضوعات مثل؛ نظام الحكم، توزيع الثروة، المشاركة في السلطة، والعلاقة بين الدين والدولة. وقد جاءت أهم توصيات المؤتمر منسجمة مع توجهات الحركة وتصوراتها لحل مشكلة الجنوب منها: (1) الاعتراف بالمشكلة (2) اعتماد نظام فيدرالي يحقق توزيع عادل للسلطة والثروة على مستوى أقاليم السودان (3) اعتماد الحوار كوسيلة أساسية وفعالة في تحقيق السلام في السودان. ولما كانت الحركتان الإسلامية والشعبية تحملان توجهين مختلفين ومتناقضين لم يكن من السهل لجوؤهم للحوار ابتداء. فقد سعى كل طرف إلى تعبئة وتوظيف كل إمكانياته وعلاقاته لمحاربة الآخر وهزيمته فكريا وسياسيا وعسكريا.
ولما فشل كلا الطرفين في أن يحقق أحدهما انتصارا ساحقا على الآخر، بدأت جولات الحوار بينهما تعقد هنا وهناك ولمدد طويلة أحيانا، تقريبا لوجهات النظر وبحثا عن نقاط التفاهم والاتفاق بينهما. وقد نجحت الحركة الإسلامية في حالة الحرب أن تعبئ وتحشد المجاهدين من الإسلاميين من الأعضاء والمتعاطفين معها معا، وتدفع بهم جميعا لصفوف القتال جنبا إلى جنب مع قوات الجيش النظامي، الأمر الذي ساهم في تغيير العقيدة القتالية للقوات النظامية ورفدها بدعم شعبي لم يتحقق لها من قبل طيلة محاربتها للحركات المتمردة في الجنوب منذ الاستقلال في 1956م. كما نجحت في حالة الحوار والسلام في صياغة برنامج سياسي تفاوضي مع الحركات المتمردة شمل كل القضايا التي يمكن أن تثار في جولات التفاوض وانطلاقا من رؤية واضحة وثابتة، وهو ما لم يتحقق أيضا لكل الأنظمة السابقة لحكمها. ورغم نجاح الحركة الإسلامية ممثلة في حكومة الإنقاذ الوطني من توقيع اتفاقات مختلفة مع فصائل جنوبية متمردة وفي أوقات مختلفة إلا أن الفصيل الأكبر والأساس ظل هو الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل د. جون قرنق يقود فعليا المعارضة الجنوبية والشمالية باسم التجمع الديمقراطي السياسية والعسكرية في وجه النظام دون هوادة. وفي 9 يناير 2005م بكينيا (نيفاشا)، تم توقيع اتفاقية السلام الشامل بين حكومة الحركة الإسلامية (الإنقاذ الوطني) والحركة الشعبية لتحرير السودان، بموجبها أعلن إنهاء الحرب لأطول نزاع في إفريقيا.
ولا نحتاج هنا لذكر تفاصيل التسوية السياسية التي تمت بين الحركة الإسلامية والحركة الشعبية من خلال هذه الإتفاقية. ولكن المهم الإشارة إلى أن أهم مكاسب الحركة الشعبية لتحرير السودان تمثلت في المشاركة في حكم السودان مع الإحتفاظ بحكم مستقل أو منفرد للجنوب، استثناء الجنوب من الشريعة الإسلامية وتبنيهم للعلمانية في حكمه، الحصول على نصيبهم في عوائد البترول المستخرج في الجنوب، تثبيت حق الجنوبيون في تقرير مصيرهم إما وحدة مع الشمال أو إنفصال بدولتهم. أما مكاسب الحركة الإسلامية فيمكن إجمالها في الحفاظ على السلطة، انتزاع الشرعية السياسية لحكمهم من القوى الوطنية والدولية، الحصول على الاعتراف الدولي بحق المسلمين في الشمال من تحكيم الشريعة الإسلامية فيه، واكتساب الفرصة في تحقيق وحدة جاذبة بين الشمال والجنوب برضى الطرفين.
3- الدولة الوطنية، المواطنة والوحدة الوطنية
«لم تختلف أدبيات الحركة الإسلامية السودانية كثيرا في موقفها من فكرة الوطنية والدولة الوطنية عن بقية الحركات الإسلامية الأخرى. ولكن تنوع ابتلاءات الحركة وتعدد تجاربها معارضة للأنظمة ومشاركة في الحكم ثم حكما مطلقا للبلاد قد أثر على كثير من مواقفها الفكرية والسياسية، الأمر الذي جعلها أحيانا تبدو وكأنها تذهب للنقيض من مواقفها السابقة. فقد قبلت الحركة الإسلامية السودانية مبكرا فكرة المواطنة ونموذجها المتمثل في الدولة الوطنية كأساس يتيح لها المشاركة في العملية السياسية الديمقراطية ويهيئ لها من بعد، الانطلاق إلى مراقي تحقيق الوحدة الإسلامية للمسلمين. فقد أدركت الحركة أن الواقع السياسي والاجتماعي الموروث لن يكون من السهل تغييره ما لم يتم الإعتراف به أولا. وأن القدوم إلى الواقع بنصوص مثالية لن يفلح في إحداث النقلة المرادة له، بل قد يسهم في خلق جفوة بين الحركة والمجتمع يصعب معالجتها وتعود نتائجها سلبا على الإسلام كعقيدة دينية لاحقا. والتجارب التاريخية والمعاصرة تشير إلى الآثار السالبة التي نتجت بسبب محاولات بعض الحركات الإسلامية المتشددة فرض رؤاها وتصوراتها للإسلام على مجتمعاتها والمجتمعات الأخرى، مما قاد إلى بروز جماعات إسلامية محدودة شاذة فكرا وممارسة. عليه يجيء قبول كثير من الحركات الإسلامية لنموذج الدولة الوطنية لاستيعاب الرؤية الإسلامية، ملزما لها في القبول بكل عناصرها الأساسية المُشكّلة لها من مثل؛ مبدأ الوطنية والقطرية، وما يترتب عليهما من حقوق وواجبات محلية ودولية. وليس مبدأ المواطنة إلا ثمرة للمبدأين المذكورين، وضرورة لازمة لهما. وعليه فقد ضمّنت غالب الحركات رؤيتها السياسية اعتماد مبدأ «المواطنة» القائم على الوطنية والقطرية بدلا من مبدأ «أهل الذمة» القائم على التمييز العقدي بين أفراد المجتمع السياسي الواحد. والحركة الإسلامية السودانية نهجت ذات المسار ولم تتخلف في تبني مبدأ المواطنة في طرحها السياسي، بل اتبعت منهج القياس على دولة المدينة الأولى ونماذج الدول الإسلامية اللاحقة لها - حينما وسعت الملل كافة ولم تعزل أحدا بسبب معتقده أو لونه أو عرقه - في تبرير قبولها. وأكثر من ذلك فقد ذهبت الحركة الإسلامية في السودان إلى قبول غير المسلمين ليس فقط في المجتمع والدولة وإنما ليصبحوا أعضاء داخل التنظيم السياسي الإسلامي»الجبهة الإسلامية القومية»، وذلك وفق نظامه الأساسي باعتباره نموذجا: (لمجتمع مسلم يسمح بمشاركة الموالين من غير المسلمين عن بر وقسط). ولكن كل هذه التنازلات الفكرية والسياسية من قبل الحركة ورغم محاولات حشد الحجج التبريرية لها من النصوص الدينية والوقائع التاريخية لم تدفع عنها التحديات التي تواجهها عند مخاطبة قضايا يثيرها الاعتراف بفكرة الدولة الوطنية أكثر من مما يثيرها الرفض لها من مثل: العلاقة بين الدين والدولة، مبدأ المواطنة، ومحك الوحدة الوطنية. وظلت مسألة الوحدة الوطنية هي التحدي الأكبر بالنسبة للمشروع السياسي للحركة الإسلامية في السودان، رغم التسوية الكبرى التي رضيت بها الحركة بقبول إستثناء الجنوب من الشريعة الإسلامية والسماح له بتبني نظاما علمانيا يحكمه. وعليه يصبح مبدأ تقرير المصير للجنوب من خلال الاستفتاء الذي سينفذ في عام 2011م وفقا لنصوص اتفاقية السلام الشامل، هو الحد الفاصل في القول بإمكانية وجود سودان موحد يحكم بنظامين متناقضين علماني في الجنوب وإسلامي في الشمال، أو بتقسيم السودان إلى دولتين؛ شمالية تحكم بالإسلام، وجنوبية تحكم بالعلمانية كعقيدة لا دينية. وبذلك تكون الحركة الإسلامية قد استنفذت كل فرص الحل السياسي لمشكلة الجنوب ومهددات الوحدة الوطنية، ولكن يظل الحل الإسترتيجي قائما في حالة نجاح الحركة الإسلامية في تجاوز عقبة الاستفتاء على الوحدة من قبل الجنوبيين برفض الإنفصال واختيار الوحدة مع الشمال، بضرورة التزام الطرح السوسيولوجي للحل كما كثير من الأكاديميين والذي يتطلب زمنا متطاولا وجهدا مكثفا من كلا الطرفين في الشمال والجنوب للوصول للحل الجذري للمشكلة.
4- الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان
«تُتهم الحركات الإسلامية بأنها غير ديمقراطية، بل ولا تُؤمن بالديمقراطية أصلا. ويرى البعض أن هذا الاتهام للحركات الإسلامية يجد مبرره في كثير من كتابات الإسلاميين وممارساتهم الفعلية. أما رأي الإسلاميين أنفسهم حول الديمقراطية فنجده يترواح بين رافض لها ومتحفظ عليها ومؤيد لها. أما الحركة الإسلامية في السودان فتتحفظ على الديمقراطية نظريا وإن كانت تقبل بها عمليا كآلية سياسية لتحقيق المشاركة في العملية السياسية والسلطة. وترى أن وجود الشريعة الإسلامية في قمة النظام الديمقراطي هي الشرط الذي يجعلهم يقبلون بالديمقراطية كفكرة فلسفية وآلية عملية لتبادل السلطة. عليه ينظر الإسلاميون في السودان إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها مقدمة على الديمقراطية، ويرون أن في غيابها ضياع للحريات والحقوق.
ويرى د. الترابي أن واجب الدولة الملتزمة بالشريعة هو إعانة مواطنيها على التحرر من كل ما هو وضعي مادي، ويرى أن انحراف الدولة عن الشريعة هو الذي يثير مسألة الحريات والحقوق. ويرى أيضا أن في النظام السياسي الإسلامي يجوز الحديث عن «التحرر» المستمر لا عن الحرية، مؤكدا أن الدولة الإسلامية ليست لها مقام يُعلن عن بلوغه ذات يوم؛ بل هي تعبير عن حركة المجتمع الدائبة نحو مثُل الدين العليا.
وربما كان هذا يفسر لنا مشاركة الحركة الإسلامية عبر واجهاتها السياسية المختلفة في خوض كل الانتخابات التي تمت في كل الأنظمة الديمقراطية. بل شارك الإسلاميون في كيانات المعارضة التي كونت لمحاربة الأنظمة العسكرية التي أسقطت الحكومات الحزبية المنتخبة وحكمت البلاد بالقوة العسكرية (نظام عبود/ نظام النميري) مطالبة بعودة الديمقراطية والنظام الديمقراطي.
أما انقلاب 30 يوينو 1989 والذي خططت ودبرت له الحركة الإسلامية ونفذته فإنها تبرره بالقول أنها دفعتها الضرورة السياسية إلى ذلك. وأنها رغم حصولها على المرتبة الثالثة في انتخابات 1986م من حيث وجودها في البرلمان، فقد ضيّق عليها من قبل القوى الحزبية الوطنية وبعض القوى الأجنبية الخارجية في محاولة لعزلها عن العمل السياسي، الأمر الذي اضطرها لتدبير الانقلاب على النظام الديمقراطي، قطعاً على القوى الوطنية من النكوص على الشريعة وحفاظا على بقائها وكسبها. وترى الحركة الإسلامية أن حكمها السودان عن طريق العسكر لم يكن إلا إجراء مؤقتا أملته ظروف طارئة يفترض بعدها أن تتم إعادة السلطة لقيادة الحركة الإسلامية المدنية لتصحيح الأوضاع وترتيبها. ويبدو أن رؤية الحركة الإسلامية لما بعد الانقلاب لم تكن تحمل أي توجهات ديمقراطية واضحة، بل كان كل هم الحركة وأولوياتها ينحصر في الاستيلاء على السلطة والتمكين لقيادتها فيها. وظل عهد الإنقاذ الوطني يمثل اختباراً مستمراً لمدى التزام الحركة الإسلامية في السودان بقضية الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان. لقد نزعت الحركة الإسلامية ممثلة في حكومة الإنقاذ الوطني منذ البداية نحو الشمولية حينما حلّت كل الأحزاب السياسية وحاولت فرض نظام سياسي جديد نظام المؤتمرات هدفت منه إلى تحقيق الوحدة والاستقرار في المجال السياسي. ونظام المؤتمرات هذا قصد منه تعويض فكرة التعددية السياسية بنوع من التعددية الفكرية في إطار نظام سياسي واحد. وهذه الفكرة ربما تؤكد موقف الحركة الإسلامية السودانية السالب من الديمقراطية الحزبية؛ إذ ظلت تجارب الأحزاب في الحكم والمعارضة غير مسؤولة وتعرضت في معظم الأحيان إلى إضعاف من حركات جنوبية متمردة أو انقلابات عسكرية أطاحت بها. ولكن تجربة نظام المؤتمرات لم تنجح، ووجدت حكومة الحركة الإسلامية نفسها تتعرض لضغوط سياسية داخلية وخارجية كثيفة. أما القوى السياسية الشمالية المعارضة فلم تكن أصلاً تعترف بالنظام ولم يكن النظام يعترف بها. وساهمت هذه الضغوط السياسية المختلفة في دفع النظام أو ربما بدافع ذاتي منه لتبني ما عرف في دستور 1998م بقانون التوالي السياسي الذي يقنن لديمقراطية مقيدة.
وأيضا يمكن ملاحظة التطور الذي حدث في ذهنية وموقف الإسلاميين تجاه قضايا الحريات والحقوق من واقع تجربتهم السياسية. فنجد أن النظام قد أولى المواثيق والعهود الدولية عناية خاصة في صياغته لمواد الحريات والحقوق الدستورية. والجدير بالنظر في ذات الخصوص، هو اتجاه النظام لإنشاء المحكمة الدستورية لأول مرة في تاريخ السودان بدلاً من أن تكون دائرة في المحكمة العليا للهيئة القضائية، تأكيداً على علوية الدستور وضمان الحريات العامة وسيادة القانون.
وأخيرا جاءت اتفاقية السلام الشامل بين حكومة الإنقاذ الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان في 9 يناير 2005م، لتحدث النقلة الأكبر في الحريات والحقوق والتوجهات الديمقراطية للنظام. فالاتفاقية كانت ثمرة لتدافع سياسي متطاول وتاريخي بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة الإنقاذ الوطني. وهي تعتبر نقطة تسوية سياسية بين التيار الإسلامي الحاكم والتيار العلماني المعارض. فبينما يدافع النظام الحاكم عن رصيد التوجهات والسياسات الإسلامية للدولة والمجتمع طيلة فترة حكمه وما قبلها، تحاول الحركة الشعبية إضعاف قبضة النظام السياسية والتأثير في توجهاته وسياساته الإسلامية. ولما كانت الحركة الشعبية تبحث عن الضمانات لتنفيذ الاتفاقية سعت إلى تضمينها في الدستور الانتقالي لعام 2005م.
خاتمة:
الحركة الإسلامية في السودان في نظر الكثير من المهتمين بحركات الإسلام السياسي تعتبر من أكثر الحركات ثراء في التجربة السياسية وذلك بحكم طبيعة البيئة التي نشأت فيها. وعليه تظل كل المحاولات لسبر أغوار تجربتها الفكرية والعملية قاصرة عن الإحاطة التامة بها، إلا أننا قصدنا من خلال التركيز على مصادرها الفكرية والاختيارات التي قمنا بها لبعض القضايا أن نؤكد على تنوع تجربة الحركة والتعريف بطبيعة التحديات التي واجهتها وكيفية تجاوزها لها. علما بأن جملة القضايا التي أثرناها تحمل في جوهرها تحديات فكرية وعملية محرجة جدا للتيار الإسلامي؛ وربما مثلت مؤشرات موضوعية لمدى قدرة الحركات الإسلامية على تقديم الحلول المناسبة لمجتمعاتها دون التضحية بمرجعياتها الأساسية.
*أستاذ العلوم السياسية جامعة سنار بالسودان
عن (الشروق نت)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.