تصريح خطير يستوجب المحاسبة والمساءلة: الناجي عبد الله: (الحكاية دي لو ما مشت عدل الدم حدو الركب) .. بقلم: طارق الجزولي/ رئيس التحرير    بيان من تجمع المهنيين السودانيين    مرحبا بالزواحف الخضراء .. بقلم: راشد عبد القادر    التحزم والتلزم مطلوب في كل الأحوال .. بقلم: سعيد أبو كمبال    الميرغني يهنيء جونسون بفوز "المحافظين"    حركة/ جيش تحرير السودان تدين بأغلظ العبارات إطلاق السلطات الرصاص الحي علي النزلاء العزل بسجن مدينة نيالا    حجم الاستثمار العربى بنهر النيل أكثر من 3 مليار دولار    الحكم على المخلوع بالإصلاح الاجتماعي لمدة عامين    لجنة لتصفية المؤتمر الوطنى وحل مجالس النقابات    الوطني .. فوق الناس!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    مُحَمَّد الهِلَال ولِبِيْنةَ البُكَار- أبْ لِحَايّة، قصصٌ من التراثْ السوداني- الحَلَقةُ الحَادِيَةُ عَشَر .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد.    ياسر عرمان: والفهم العالى لمتطلبات المرحلة الانتقالية ومستقبل السودان .. بقلم: د. يوسف الطيب محمدتوم    إنهم أئمة النفاق في مسيرة (الزحفِ الأخضر) المنافقة !! .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    الخرطوم تترقب جلسة النطق بالحكم في قضية البشير    اعتداء دموي على المحامي د. عبد العظيم حسن بعد وقوفه في مسجد المنشية بعد خطبة الجمعة لاعتراضه على الخروج في مسيرة الزحف الأخضر قائلا: (المسيرة دي مفروض تكون مسيرة إعتذار للشعب السوداني)    البنوك الاسلامية وديوان الزكاة .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق    عن ملفات سيئة الذكر البيئة!! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله    البرهان يتعهد بدعم المرافق الرياضية بالبلاد    الصناعة والتجارة تكشف عن تعديل 5 من القوانين    حصار الأمكنة- السودان .. بقلم: درية شرف الدين    قصص قصيرة جدا ونص نثري(2) .. بقلم: د. حامد فضل الله/ برلين    بلاغ ضد غندور بنيابة مكافحة الفساد    مرحبا بالمناضل عركى .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    البنك منهجه برمكى!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    البرهان: ثورة ديسمبر حقنت الدماء ووحدت البلاد    زيارة مرتقبة لوزير الزراعة الإثيوبي للسودان    مؤتمر (أصدقاء السودان) يتعهد بدعم الحكومة الانتقالية في أبريل    الكوز المُفاخر بإنجازاته .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    (الحرية والتغيير) توصي رئيس الوزراء بإقالة وزير الزراعة    السودان: (الشعبي) يدعو لإسقاط الحكومة احتجاجا على اعتقال السنوسي    المصري حمادة صديقي مدرباً للهلال    صعود فلكي للدولار مقابل الجنيه السوداني قبيل مؤتمر دولي لإنقاذ الاقتصاد    "سان جيرمان": 180 مليون يورو سعر نيمار    اتحاد إذاعات الدول العربية يكرم حمدوك    حمدوك: عدد القوات السودانية العاملة في اليمن "تقلص من 15 ألفا إلى 5 آلاف"    مُقتطف من كِتابي ريحة الموج والنوارس- من جُزئين عن دار عزّة للنشر    الناتو وساعة اختبار التضامن: "النعجة السوداء" في قِمَّة لندن.. ماكرون وأردوغان بدلاً عن ترامب! .. تحليل سياسي: د. عصام محجوب الماحي    تشكيلية سودانية تفوز بجائزة "الأمير كلاوس"    اتفاق سوداني امريكي على رفع التمثيل الدبلوماسي    اتفاق بين الخرطوم وواشنطن على رفع التمثيل الدبلوماسي    العطا: المنظومة العسكرية متماسكة ومتعاونة        والي الخرطوم يتفقد ضحايا حريق مصنع "السيراميك"    مقتل 23 شخصا وإصابة أكثر من 130 في حريق شمال العاصمة السودانية    وفاة الفنان الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم    حريق هائل في المنطقة الصناعية بحري يؤدي لوقوع اصابات    تدشين الحملة الجزئية لاستئصال شلل الاطفال بمعسكر ابوشوك            مولد وراح على المريخ    الحل في البل    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في ذكرى الرحيل: محمد عابد الجابري ومشروع النهضة العربية

فُجعت الأوساط العلمية والفكرية في العالم العربي برحيل المفكر المغربي الكبير الأستاذ الدكتور محمد عابد الجابري «3/5/2010م». فقد لعب هذا الكاتب الفرد دوراً متميزاً في التنظير للفكر العربي المعاصر في قضايا التراث والتربية والهوية والديمقراطية والدولة الوطنية. ويعتبر أحد أبرز علماء العرب المحدثين في مجال الفلسفة والفكر العربي- الإسلامي.
وتقول سيرته الذاتية إنه ولد في المغرب عام 1936م، وحصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة عام 1967م، وعلى درجة دكتوراة في الفلسفة عام 1970م من كلية الآداب بجامعة الرباط، وعمل أستاذاً للفلسفة والفكر الإسلامي بذات الجامعة منذ عام 1967م وحتى تاريخ وفاته. وله العديد من المؤلفات أبرزها:
- العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ العربي الإسلامي، 1971م.
- أضواء على مشكل التعليم بالمغرب، 1973م.
- مدخل إلى فلسفة العلوم، 1976م «جزءان».
- من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية، 1977م.
- نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، 1980م.
- الخطاب العربي المعاصر، 1980م.
- تكوين العقل العربي «نقد العقل العربي «1»، 1982م.
- بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية «نقد العقل العربي «2»، 1986م.
- إشكاليات الفكر العربي المعاصر، 1989م.
- العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته «نقد العقل العربي «3»، 1990م.
- حوار المشرق والمغرب، «مؤلف مشارك»، 1990م.
- التراث والحداثة، 1991م.
- مسألة الهوية: العروبة والإسلام والغرب، 1996م.
- المشروع النهضوي العربي: مراجعة نقدية، 1996م.
وثمة نفر من النقاد على رأي مؤداه أن أهمية الجابري لا تنبع من طرحه لواقع بديل للحياة الثقافية في العالم العربي، بقدر ما تبرز من قدرته على نقد آليات الفكر العربي المعاصر وأساليبه في التوصل للمعرفة، وهو ما سمَّاه بالمنهجية الابستمولوجية «المعرفية». ولعل كتابه الموسوم ب «نحن والتراث» خير أنموذج لهذا الطرح.
والتراث- كما هو معلوم- له تعريفات عديدة أكثرها شمولية في تقديري ما ذكره العلامّة ابن خلدون نصاً وحرفاً: «التراث حالة للإنسان بطبعه من حيث هو عالم وصانع وفاعل.. عالم بما يكشف عنه من معرفة وحقائق، وصانع لكل أداة لمعرفة الأشياء والطبيعة. وفاعل أي ما يصدر عنه من سلوكيات وأفعال بما فيها من خير وشر». ولقد كان الدكتور الجابري من الداعين إلى العقلانية النقدية في معالجة التراث، والنظر إليه والتعامل معه بشكل كلي في سياقه التاريخي والاجتماعي، حتى يمكن امتلاكه امتلاكاً معرفياً من زاوية نقدية عقلية. والنتيجة حتماً- إذا ما اتبعنا هذا النهج- ستكون تغذية الوجدان بالوعي التاريخي، مما يسمح بالتجديد الإبداعي للتراث بصورة تتفق والظرفية التاريخية والخصوصية الاجتماعية التي نتفيأ ظلالها. بيد أن بعض ما سطره الجابري من دراسات عن التراث العربي الإسلامي كان يفتقر إلى هذه الرؤية الاجتماعية- التاريخية الشاملة التي كان يدعو إليها بنفسه. وليس أدلَّ على ذلك من أن مؤلفاته تنتحي أحياناً عديدة مواقف انتقائية «تجزيئية» للتراث، كما يتضح ذلك جلياً في كتابيه «نحن والتراث» و«نقد العقل العربي». فنلحظ أنه يدعو إلى إتباع المدرسة الأندلسية المغربية الظاهرية في العقيدة الدينية، وإلى المدرسة الخلدونية في التاريخ، وإلى مدرسة ابن مضاء في النحو ……الخ.
وترى ثلة من الكتاب أن نموذجية الجابري «التجزيئية» لم تقف عند حد التقسيم والتفضيل، بل ذهبت أبعد من هذا، فقد انقلبت إلى النقيض، إذ بدأ الجابري إنتاجه شمولياً وانتهى تجزيئياً برغم أنه صرح في مقالاته الأولى أنه سيتبع طريقة تخالف طريقة المستشرقين في دراسة التراث، ولا يعمد إلى تجزئة التراث العربي- الإسلامي إلى عناصر يردها في تراثيات أخرى، ولكنه ما لبث أن راكم أقسام التراث بعضها فوق بعض يعلوها جميعاً الإنتاج الرشدي- إشارة إلى ابن رشد- في توجهه الأرسطي.
ولعل من أبرز الانتقادات التي وجهت لمشروع الجابري في تجديد التراث العربي الإسلامي، إنه لم يوف بوعده بتحليل الآليات المنتجة للتراث استناداً إلى أحدث ما انتجه العلم المعاصر، فلم يباشر نصوص التراث نفسها حتى يتمكن من استخراج الآليات المتحكمة في إنتاجها وإنما اكتفى بالنظر في ما كتبه المتقدمون عن بعض هذه الآليات. أي أن نظره لم يكن في هذه الآليات وإنما في الخطاب الذي دار عن علماء المسلمين. بمعنى آخر أنه كان ينظر فقط إلى المضامين. ولأجل بلوغ الهدف المرتجى من تحديث التراث لا بد من معرفته أولاً ومن ثم تمثل إيجابياته واقعاً حياً، سيما أن المعرفة النظرية غير كافية في نفعه أو ضرره. ويلي ذلك بالطبع استخراج آليات مأصولة من هذا التراث. بيد أن ما طرحه الجابري من مناهج للتعامل مع التراث لجدير بإجالة النظر والمقارنة والمقايسة.
فالتراث لدى عالمنا الراحل يمكن التعامل معه وفق ثلاثة مناهج: «الإحياء، الاستلهام وإعادة القراءة». فالمنهج الإحيائي من أجل المحافظة على الجذور والهوية. غير أن هذه القراءة تكون مشروعة فقط عندما تكون جزءاً من مشروع النهضة وليس مشروع النهضة نفسه، حتى لا تجسد فهماً «تراثياً» للتراث، أي أن التراث يكرر نفسه في هذه القراءة فيحتويها ولا تستطيع أن تحتويه. واستلهام التراث يعني أخذ قيم ومواقف وأفكار منه لندمجها في حياتنا المعاصرة. والواقع أننا نتبنى ما تفرضه علينا أوضاعنا من الأخذ به، ثم نعمل على تسويغ قيم الحاضر بإضفاء غطاء تراثي عليها. أما إعادة قراءة التراث: فتعني التعامل معه وفق منهج محدد كالبنيوية واللسانية والعقلانية… الخ.
ونوَّه عابد الجابري في مؤلفه المعنّون «التراث والحداثة، 1991م» بأن اختياره لعبارة «العقل العربي» بدلاً من «العقل الإسلامي» في نقده لمشروع النهضة العربية - الإسلامية اختيار استراتيجي مبدئي لاعتبارين، أولاً: لأن العقل الإسلامي يضم كل ما كتبه المسلمون أو فكروا فيه سواء باللغة العربية أو بغيرها من اللغات كالفارسية والأردية مثلاً وأنه- أي الجابري- لا يتقن في هذا المجال إلا لغة الضاد. والاعتبار الثاني تحده طموحات الجابري، إذ أنه اختار النقد الابستمولوجي الذي يتناول أدوات المعرفة وآلياتها. أما النقد اللاهوتي- العقدي الكلامي فليس من مجال اهتمامه. وبما أن اللغة العربية مكون أساسي للثقافة العربية- الإسلامية فقد اختار أن يكون عمله منسوباً إلى اللغة العربية كأداة معرفة وحاملة تصور للعالم وليس للعقيدة وحدها، فضلاً عن أن موضوع عمله- أي الجابري- هو «الثقافة العربية الإسلامية»، أي الثقافة التي تم بناؤها داخل اللغة العربية وبواسطتها وداخل الإسلام ومن خلال معطياته.
ودلف الجابري يحدثنا في العديد من مؤلفاته عن مشروع النهضة العربي بشعاره «الاتحاد والترقي» الذي تم رفعه منذ القرن التاسع عشر، والذي يعني بلغة اليوم «الوحدة والتقدم». وأبان أن ثمة عوامل خارجية «مشروع الحداثة الأوروبية المنافسة» وداخلية «الضعف الاقتصادي والسياسي والتشرذم الاجتماعي» لعبت دوراً أساسياً في مراوحة هذا المشروع النهضوي مكانه، مما أقعد الأمة العربية الإسلامية عن اللحاق بركب الحضارة المعاصرة التي يقودها الغرب «أوربا وأمريكا» الذي دأب ولا يزال على قولبة الأنظمة المجتمعية الإنسانية قيماً ونظماً وأساليب تفكير في ما يعرف ب (العولمة- Globalization) التي تعمل على محو الخصوصيات والهويات الثقافية والقومية.
وحصل محمد عابد الجابري على العديد من الجوائز، وهي جائزة بغداد للثقافة العربية لليونسكو «1988م»، الجائزة المغاربية للثقافة «1999م»، جائزة الدراسات الفكرية في العالم العربي، مؤسسة IBM تحت رعاية اليونسكو «2005م»، جائزة الرواد: مؤسسة الفكر العربي، بيروت «2005م» وميدالية ابن سينا من اليونسكو في حفل تكريم شاركت فيه الحكومة المغربية بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة «16 نوفمبر 2006م».
إن ما تم تسطيره أعلاه، لا يعدو أن يكون شذرات وغيضاً من فيض مما تحفل به سيرة هذا المفكر التنويري الكبير في مجال التراث والثقافة. ولا نملك في هذا المقام سوى الترحم عليه، سائلين المولى عزَّ وجلَّ أن ينزل عليه شآبيب رحمته الواسعة، وأن يجعل الجنَّة مثواه جزاء ما قدم من جلائل الأعمال لوطنه وأمته العربية- الإسلامية، إنه سميع مجيب الدعاء.
محمد عابد الجابري
٭ عميد كلية الآداب بجامعة جوبا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.