المهنيون والتنسيقية وما بينهما    الحكومة: 6% نسبة التحصيل الضريبي في السودان    "البجا للإصلاح" يتأسف على أحداث بورتسودان    قراءة فنية متأنية لمباراة منتخبنا والأولاد .. بقلم: نجيب عبدالرحيم أبو أحمد    ((الكرواتي طلع تايواني يا رئيس الاتحاد،)) .. بقلم: دكتور نيازي عزالدين    "علماء السودان" تدعو التجار لعدم المبالغة في الأسعار    "الحوثيون" يحتجزون 3 سفن كورية وسعودية    (الحرية والتغيير): اتفاق على تأجيل تشكيل البرلمان إلى 31 ديسمبر المقبل    تأجيل الجولة الثانية لمفاوضات السلام إلى 10 ديسمبر    طاقم تحكيم من جامبيا لمواجهة الهلال وبلاتينيوم    طاقم تحكيم من جامبيا لمواجهة الهلال وبلاتينيوم    مبادرة سياسية باسم عدم الانقسام مجددا ! .. بقلم: د. يوسف نبيل    إلى حمدوك ووزير ماليته: لا توجد أزمة اقتصادية ولكنها أزمة إدارية .. بقلم: خالد أحمد    سد النهضة الكل عنده رأى!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    قصص قصيرة جدا ونص نثري: الى حسن موسى، عبد الله الشقليني، عبد المنعم عجب الفيا، مرتضى الغالي ومحمد أبو جودة .. بقلم: حامد فضل الله/ برلين    اليوم العالمي للفلسفة والحالة السودانية. . بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    السودان الجديد و{سد النهضة}    لا تفرطوا يا ثوار .. بقلم: الطيب الزين    نبش ماضى الحركة الاسلامية .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    تلقوها عند الغافل .. بقلم: كمال الهِدي    تراجع طفيف في أسعار العملات الأجنبية أمام الجنيه السوداني    خبير اقتصادي: يدعو لوضع تدابير لحسم فوضى الأسعار    (فيس بوك) يزيل حسابات ومجموعات تابعة لجهاز المخابرات السوداني    محتجون عراقيون يغلقون مدخل ميناء أم قصر    البرهان: خطوط الكهرباء وترعة مشروع الراجحي أتلفت أراضي الملاك    اثناء محاكمة البشير .. الكشف عن مبالغ كبيرة تدار خارج موازنة السودان بينها شركات هامة وقنوات تلفزيونية    المجلس السيادي: النظام البائد أهان الجواز السوداني بمنحه للارهابيين    توقيع اتفاقية شراكة بين (سودان تربيون) وتطبيق (نبض)    خامنئي يؤيد قرار زيادة سعر البنزين    مقتل سوداني على يد مواطنه ببنغازي الليبية    منتخب السودان يخسر أمام جنوب أفريقيا بهدف    وزير النفط: العمل بحقل بليلة لم يتوقف    الخيط الرفيع .. بقلم: مجدي محمود    فريق كرة قدم نسائي من جنوب السودان يشارك في سيكافا لأول مرة    لسنا معكم .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد    نداء الواجب الإنساني .. بقلم: نورالدين مدني    السعودية توافق بالمشاركة في كأس الخليج بقطر    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    زمن الحراك .. مساراته ومستقبله .. بقلم: عبد الله السناوي    الأمم المتحدة تتهم الأردن والإمارات وتركيا والسودان بانتهاك عقوبات ليبيا    لجنة مقاومة الثورة الحارة 12 تضبط معملاً لتصنيع (الكريمات) داخل مخبز    اتهامات أممية ل(حميدتي) بمساندة قوات حفتر والجيش السوداني ينفي    شكاوى من دخول أزمة مياه "الأزهري" عامها الثاني    في ذمة الله محمد ورداني حمادة    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    والي الجزيرة يوجه باعتماد لجان للخدمات بالأحياء    معرض الخرطوم للكتاب يختتم فعالياته    ناشرون مصريون يقترحون إقامة معرض كتاب متجول    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير أسبق: سنعود للحكم ونرفض الاستهبال    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    مبادرات: استخدام الوسائط الحديثة في الطبابة لإنقاذ المرضي .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ما بين العقل وتعقل النقد أو رهان المتخيل عند الجابري..بقا\لم : محمد نور الدين أفاية
نشر في حريات يوم 02 - 02 - 2012

إن من أساسيات الكتابة السيرذاتية عامة، وأدب المذكرات خاصة، أن تغدو الذات، ليست من يفعل الفعل أو يقع عليه الفعل فحسب، بل هي أيضاً من ينقله إلى الآخر بصيغته الإبداعية. وبهذا المعنى، ينتقل البحث في هذا المجال المخصوص من علاقة النص بالذات الكاتبة، إلى علاقته بالمعطيات الخارجية المسرودة في تفاعلها مع رؤية الكاتب الفلسفية.
وعليه، فإن المذكرات لا تَسْرُد (مثلاً) تاريخاً شخصياً بالضرورة، بل يمتد السرد إلى تواريخ شخصيات أخرى يستدعيها المقام استدعاء، ويطلبها سياق المعنى طلباً، مثلما أضحى الموضوع المركزي لهذه المذكرات مشدوداً إلى الكيفية التي يستطيع بها هذا النص تمثيل الذات في مختلف مكوناتها: العاطفية والنفسية والثقافية.
من هنا يمكن القول: إن الذاكرة لم تعد بمثابة حضن للذكريات ووعاء لها فحسب، بل عنصراً فعالاً ودينامياً في لملمة هذه المذكرات وتنضيدها وبالتالي تقديمها إلى المتلقي، وفق رؤية متناغمة مع فلسفة الكاتب، ومنسجمة، كذلك، مع رؤيته الخاصة للتطور المجتمعي عامة.
لم تحسم الاجتهادات، التي شهدها الفكر العربي طيلة الخمسة عقود الأخيرة – سيما بعد صدور “الإيديولوجية العربية المعاصرة” للعروي- عملية تعيين الأفكار وتسمية القضايا وتعريف المفاهيم التي أعاد هذا الفكر تنشيطها من داخل المنظومة العربية الإسلامية أو اقتبسها من الغير. وإذا ما شككنا في أمر الحسم، طالما أن الفكر عبارة عن مسار وعن صيرورة ولاشيء نهائي في عرفه، فإن مسألة التسمية أو التحديد عامل مقرر في شأن نجاعة الفكر، وصدقية عملياته وقوة استنتاجاته.
هل الضعف المعرفي الملتصق بالفكر العربي راجع إلى ارتهانه بالاعتبارات الإيديولوجية، مادامت المسألة السياسية طغت على هذا الفكر منذ بداياته النهضوية إلى الآن؟ أم أن الأمر مرتبط بالأساس “الابستيمي” المعرفي العميق الذي تتحرك داخله اللغة والأفكار والمفاهيم؟ لاشك أن هناك انفتاحات مهمة نجدها في ثنايا هذا النص أو ذاك، وأن باحثين ومفكرين عرب، على الرغم من الارتهان الإيديولوجي، تمكنوا من تكسير العوائق وخلخلة التوابث لصياغة بعض الأسئلة أو تلمس مفاهيم تهم الوجود العربي في مستوياته الثقافية، السياسية والاجتماعية. وأمام ما تراكم من مصنفات وأبحاث ودراسات يصعب على المرء أن يركن إلى موقف عدمي خالص، إذ نجد، مع كل التحفظات والاعتراضات الممكنة، اجتهادات حول الدولة والثقافة والمجتمع والسياسة والفن…الخ، لا يمكن لأي مشتغل بالفكر العربي المعاصر أن يغفلها أو أن ينكر بعض قيمتها. بل إن التمادي في إهمال بعض هذه الانفتاحات الفكرية يطرح أكثر من سؤال حول جدية بعض الأحكام وصلابة منطلقاتها.
ومع ذلك ما تزال قضايا كبرى يلفها الالتباس، وهو التباس قائم بحكم الاجتياح المهول للاستبداد، ولاضطرار جل المثقفين إلى الانحشار في مستنقع الإيديولوجيا، وللشروط غير الملائمة لإنتاج فكر نقدي جسور.
منذ كتاب “نحن والتراث” و”الخطاب العربي المعاصر”، مرورا برباعيته النقدية وكتاب “المسألة الثقافية”، و”المثقفون في الحضارة العربية” إلى كتاباته الأخيرة حول القرآن، ومحمد عابد الجابري يتقدم إلينا، على صعيد التأليف والكتابة، باعتباره شخصية فكرية متعددة المنابع والأبعاد. تمكن عبر العمل والتدريس والبحث والتأليف من صوغها –أي هذه المنابع والأبعاد- في كيان فكري برهن على كثير من التناسق والتوازن. هكذا يكثف محمد عابد الجابري، في نصوصه، تجربته الطويلة في المسؤولية التربوية والبحث التراثي والعمل السياسي، أي بعبارة أخرى أن المرء، وهو يقرأ كتبه، كثيرا ما يجد نفسه إزاء دارس متضلع في التراث يجاهد من أجل اكتناه مخزوناته وفهمها وتقديمها وتحليلها … ونقدها، مادام الهاجس الفكري الرئيسي الذي يحرك باحثنا يتمثل في تأسيس نظرية “نقدية” عربية، تقطع مع تقاليد الاجترار والترجمة والتلفيق الفكري الذي يسم أغلب الكتابات العربية على امتداد هذا القرن. فعابد الجابري، وهو يتناول المسألة الثقافية يواجهها بثقافة متجذرة في التراث، عالمة ب “رأسمال رمزي” تعود على قاموسه ومعانيه وشخوصه ورهاناته المختلفة.
وبقدر إطلاعه على أمهات كتب التراث، لا يتوقف الجابري على متابعة – قدر مستطاعه- ما يستجد في الفكر الغربي المعاصر. فاحتكاكه بنصوص الفكر الفلسفي الغربي، على مستوى القراءة والعرض والتلقين، جعله يهتدي، منذ ثلاثة عقود إلى أهمية الدرس الإبستمولوجي والمحاكمة النقدية للمناهج والمفاهيم. فهو لم يكن يقدم خلاصات المعرفة الفلسفية والنظرية الغربية للطلاب فقط، لأنه جعل منها زادا فكريا يقوي به أدواته المنهجية في دراساته وتأليفه.
من هنا انشغاله المتواصل بالقضايا البيداغوجية والتربوية. فالجابري، حتى وإن تعرض لأكثر المنظومات والمؤلفات الفكرية تعقيدا وصعوبة، فإنها تتحول، بواسطة أسلوبه السلس وهاجسه التربوي، إلى نصوص قابلة للفهم والاستيعاب. هل لتجربته الصحفية دور في صقل قلمه وصواب جمله ووضوح أفكاره؟ لاشك عندي في ذلك، خصوصا وان الجابري قرر، منذ البدء، أن يجعل من الكتابة تعبيرا عن قضايا عامة بدل حصرها فيما يسميه ب “المناسبة الشاعرية”.
تكشف اجتهادات الجابري، بالإضافة إلى ما تقدم عن كائن سياسي بارز ينفلت، أحيانا، من عقال صرامة التحليل العقلاني النقدي للنصوص، ويثور في وجه المعرفة الخالصة، ليدعو إلى اتخاذ الموقف وإصدار الحكم. ولأن الجابري خبر العمل السياسي، المغربي والعربي، من موقع المسؤولية، بما يستدعي ذلك من إطلاع على آليات اتخاذ القرار والمناورة والتفاوض والصراع، وبما يفترض ذلك كله من اختيار الكلام المناسب في الظرف المناسب، وحساب الربح والخسارة في كل مواجهة يقتضيها العمل السياسي، لأنه خبر الشأن السياسي، فإن مشروعه النقدي، في كليته، لا يخلو من حضور الجابري السياسي في كثير من مستوياته واستنتاجاته.
شخصية فكرية تجمع بين المطلع على التراث، المتابع للفكر المعاصر، المسكون بهاجس البيداغوجيا، والخبير بشؤون السياسة. مستويات أربعة تحضر، في كل مرة، بشكل متفاوت، في ثنايا نصوصه، حتى وإن تعلق الأمر بأكثر كتاباته تجريدا، وهو ما يعمل الجابري على تلافيه على كل حال.
يتقدم إلينا مشروع الجابري بكونه مشروعا نقديا. ومطلب النقد، عنده، مرتبط عضويا بمشروع النهضة، لكن “غياب نقد العقل في المشروع الذي بشر به مفكرو الجيل السابق قد جعله يبقى مشدودا إلى ما قبل، على الرغم من كل الأهداف والمطامح التي غازلها أو ألح في تبنيها، كما أن غياب نفس النقد في مشروع “الثورة أو النهضة” الذي نحلم به نحن اليوم، قد جعله يبقى على الرغم من كل الألفاظ والعبارات الجديدة التي نتحدث بها عنه امتدادا لنفس المشروع السابق، مشروع “النهضة” التي لم تتحقق بعد”[2].
يندرج المشروع النقدي للجابري ضمن المشاريع التي بشر بها كثير من الباحثين والمفكرين العرب بهدف قراءة التراث العربي الإسلامي “قراءة جديدة”، أو البحث النقدي عن الأسس الفكرية التي وقفت عليها ثقافة النهضة العربية. غير أن تفكير الجابري يتقدم، منهجيا، بأنه غير مرهون بمذهب إيديولوجي مسبق يملي عليه قراءاته أو تأويله، وغير مشروط بنظرية جاهزة، أو على الأقل، لا يعلن عن ذلك بشكل واضح. وهذه الملاحظة لا تعني أن الجابري غير متورط في الإيديولوجيا والسياسة. فهاجسه المركزي الموجه لأعماله يتمثل في الكشف عن المكونات والأسس المعرفية الذي يستند إليها “العقل” العربي، سواء في التراث العربي الإسلامي أو في الخطاب العربي المعاصر، معتبرا أن “نقد العقل جزء أساسي أولي من كل مشروع للنهضة، ولكن نهضتنا العربية الحديثة جرت فيها الأمور على غير هذا المجرى. ولعل ذلك من أهم عوامل تعثرها المستمر إلى الآن، وهل يمكن بناء نهضة بغير عقل ناهض، عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه”.
وعلى الرغم من أن الجابري يلح في نصوصه النقدية على المنطلق الإبستمولوجي في تعامله مع الفكر العربي الوسيط أو الحديث، أو ما يسميه بميدان “إبستمولوجيا الثقافة”، أو تحليل الأساس الإبستمولوجي للثقافة العربية التي أنتجت العقل العربي، فإنه لا يستبعد في بعض مستويات تحليله الأبعاد التاريخية والإيديولوجية، لاسيما أنه يدعو، بشكل صريح، إلى “تدشين عصر تدوين جديد” وإلى ” الاستقلال التاريخي التام” للذات العربية وإلى “عقلانية نقدية”.
وقد أوصل المنهج التحليلي النقدي، الذي اعتمده الجابري في الحفر على الأنظمة المعرفية التي أنتجها العقل العربي، إلى القول بأن “العقل العربي عقل يتعامل مع الألفاظ أكثر مما يتعامل مع المفاهيم، ولا يفكر إلا انطلاقا من أصل أو انتهاء إليه أو بتوجيه منه، الأصل الذي يحمل معه سلطة السلف إمَّا في لفظه أو في معناه، وأن آليته، آلية هذا العقل في تحصيل المعرفة –ولا نقول في إنتاجها- هي المقارنة (أو القياس البياني) والمماثلة (أو القياس العرفاني)، وأنه في كل ذلك يعتمد التجويز كمبدأ، كقانون عام يؤسس منهجه في التفكير ورؤيته للعالم”[3].
المشروع النقدي للعقل العربي الذي يقوم به الجابري لا يمكن أن لا يذكِّر المرء بالنقدية الكانطية في نقد العقل الخالص والعملي. نحن إذ نسجل هذه الملاحظة، فللإشارة إلى أن كل مشروع نقدي من هذا الحجم، في ظل ظرفية تاريخية وفكرية محددة، يستهدف محاكمة آليات العقل، يرتبط أساسا بمطلب نهضوي ويتغيَّا إشاعة الأنوار.
يقول الجابري بالتحرر من التراث “بتحقيقه وتجاوزه وبالتحرر من الغرب” بالدخول مع ثقافته “في حوار نقدي” وبممارسة “عقلانية نقدية” على النصوص والأشياء والعلاقات، وبإعادة النظر في الذات العربية وخلخلة مكوناتها العقلانية والوجودية كي تتحول إلى ذات مبدعة تفعل في التاريخ بدل الانفعال به. يقول: “مشروعنا هادف إذن، فنحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر مما هو ميت ومتخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي، والهدف: فسح المجال للحياة كي تستأنف فينا دورتها وتعيد فينا زرعها”[4].
لا يجب أن يفهم من هذا الكلام أننا نعبر عن حماس ساذج للمجهودات الفكرية لمحمد عابد الجابري، ذلك أنه يبدو لنا أن الأطروحة المركزية التي ينطلق منها لا تختلف كثيرا عن تلك التي صاغها عبد الله العروي في “الإيديولوجية العربية المعاصرة”. صحيح أن للظرفية السياسية والفكرية والعالمية التي كتبت فيها “الإيديولوجية العربية المعاصرة” لا تشبه بالضرورة، الأوضاع التي شهدتها الثمانينات والتي عمل فيها الجابري على كتابة مشروعه النقدي. صحيح كذلك أن تكوين الرجلين واختصاص كل واحد منهما وتجاربهما وعلاقتهما بالتراث والتاريخ والفكر الفلسفي والسياسة تختلف بين العروي والجابري. لكن إشكاليتهما النقدية لها حمولات دلالية تحيل بشكل من الأشكال، إلى المرجعية الأنوارية. فنقد العقل لا يمكن أن يتم إلا استنادا إلى عقل نقدي. والنقد والعقل فعاليتان تحصلان في سياق الدعوة إلى تخطي التأخر التاريخي وتحديث مؤسسات الدولة وتنظيم مجال عمومي حر ومبادر.
وإذا كان عبد الله العروي يحدد مجهوداته النظرية ضمن تطور الفكر العقلاني العالمي والعربي، فإنه، في مقابل ذلك يرفض كل نزعة صوفية أو تيار يقول بإدماج ملكات أخرى غير العقل في أمور المجتمع والسياسة. وبالرغم من أنه منذ “الإيديولوجية العربية المعاصرة” إلى الآن وهو يهتم بمسالة التعبير والكتابة بل ويلجأ أحيانا، إلى الحكي الروائي[5]، فإنه مع ذلك يؤكد في نصوصه النظرية على نزعة عقلانية صارمة، بل ويدعو إلى تبني العقلانية بدون أي تنازل للتيارات المناهضة لها.
إذا كان عبد الله العروي يلتجئ، أحيانا، إلى الأفق الروائي في ممارسته للكتابة، فإن محمد عابد الجابري، حين يؤطر اجتهاداته النظرية والسياسية ضمن عقلانية ذات طموح أنواري، فإنه يستبعد كل اهتمام بالفن وبمجالات المتخيل الإبداعي. فهو يرى أن كتاباته وهمومه الفكرية منصبة أساسا على الكليات. “والعمل الذي أقوم به هو عمل ينصرف إلى اكتشاف الكلي من خلال الجزئيات. الجزئي بالنسبة لي هو طريقي إلى الكلي، وأعتقد أن الذي يكون هدفه هو هذا أو شغله في مرحلة من حياته هو هذا، فإنه لا يستطيع أن يعيش الجزئي من أجل الجزئي، لأن الفن هو أن تكتشف الكل في الجزء.. وبالتالي فإن ما يتعلق “بالفلكلور”، أو بالخرافة لا أهتم فيه. الأنتربولوجيات أو ما تهتم به الأنتربولوجيا ليس من ميدان اهتمامي. اهتمامي خاص بالثقافة العالمة، أي الأبستمولوجيا، العلوم، التفكير العلمي، سواء أكان في هذا الميدان أو ذاك”[6]. إلحاح الجابري على إعطاء الأولوية للأبعاد الابستمولوجية في نقده للعقل العربي واستبعاده للتعبيرات الفنية والجمالية في الثقافة العربية وعدم اهتمامه بالجوانب اللاواعية أو المتخيلة في الممارسة السياسية، لم تمنعه من إدخال بعض التعديلات على توجهه المنهجي في كتابه الثالث من مشروع نقد العقل العربي: “العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته”، بل أكثر من ذلك فإن انخراطه في دراسة موضوعات العقل السياسي وتجلياته أملى عليه ضرورة إدخال مفاهيم وأدوات تحليلية لا تستجيب لمقتضيات الضبط العقلاني الصارم، مثل “اللاشعور السياسي” و”المخيال الاجتماعي”…
قد يقال بأن المنظور الذي ينظر منه الجابري إلى موضوعات “العقل السياسي” تحكمه كذلك اهتماماته الابستمولوجية والدقة العقلانية، كأن يعتبر مثلا بأن العقل السياسي هو “عقل” لأن محددات الفعل السياسي وتجلياته تخضع جميعا لمنطق داخلي يحكمها وينظم العلاقات بينها، منطق قوامه “مبادئ” وآليات قابلة للوصف والتحليل، وهو “سياسي” لأن وظيفته ليست إنتاج المعرفة بل ممارسة السلطة، سلطة الحكم، أو بيان كيفية ممارستها “[7]. هذا التوجه ممكن، داخل الدراسات السياسية، بوصفه يندرج ضمن التصور العقلاني للعمل أو البحث السياسيين، لكن السياسة بمعناها الإجرائي التاريخي لا تخضع دائما لشروط العقلنة الفكرية ولمبادئ ومقاييس النظر المنطقي. والجابري نفسه اهتدى، أو اضطر، إلى استعمال مفاهيم تنتمي إلى مجالات التحليل النفسي وعلم الاجتماع والانتروبولوجيا، باعتبار أن هذه الحقول تهتم بدراسة ظواهر نفسية، فردية أو جماعية، وحالات واختلالات اجتماعية مرضية في هذا المجتمع أو ذاك. فبمجرد ما تلجئ إلى اللاشعور والمخيال، فإنك، بالضرورة، تخرج عن مقتضيات الضبط الفكري العقلاني، ولاسيما الديكارتي والأنواري. قد تدرس بطريقة عقلانية تعبيرات المتخيل، أو تجعل ما هو واع ينتقل إلى مستوى الفهم الواعي، ولكن لاعقلانية المتخيل وهذيان اللاوعي يفترضان مقاربة متعددة الاهتمامات. يقول الجابري في سياق حديثه عن المخيال الاجتماعي: “إن مخيالنا الاجتماعي العربي هو الصرح الخيالي المليء برأسمالنا من المآثر والبطولات وأنواع المعاناة، الصرح الذي يسكنه عدد كبير من رموز الماضي مثل الشنفرى وامرئ القيس وعمرو بن كلثوم وحاتم الطائي وال ياسر وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد والحسين وعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد وألف ليلة وليلة وصلاح الدين والأولياء الصالحين وأبو زيد الهلالي وجمال عبد الناصر… إضافة إلى رموز الحاضر و”المارد العربي” والغد المنشود… الخ إلى جانب هذا المخيال العربي الإسلامي المشترك تقوم مخاييل متفرعة عنه كالمخيال الشيعي الذي يشكل الحسين بن علي الرمز المركزي فيه، والمخيال السني الذي يسكنه “السلف الصالح” خاصة، والمخيال العشائري والطائفي والحزبي… الخ”[8].
خزان رمزي هائل. يتقاطع فيه المتخيل بالواقعي، الرمزي بالاجتماعي، ويتشابك فيه الأسطوري بالسياسي في شكل تصورات ومواقف تفرض على الباحث التنازل قليلا عن صارمة هذه الرموز والمرجعيات. ويمكن القول بأن عابد الجابري، بعدما كان متشددا في استبعاده لمجال الأنتروبولوجيا، حقق انفتاحا ملحوظا على مختلف حقول العلوم الإنسانية بسبب كون موضوعات العقل السياسي تستدعي ذلك. فمجالات المتخيل الاجتماعي ليست مجالات لاكتساب المعرفة كما هو الشأن بالنسبة للنظام المعرفي، لأنها مجالات القناعات ومختلف أشكال وتجليات الإيمان وهكذا: “إذا كان النظام المعرفي، كما سبق أن حددناه هو جملة من المفاهيم والمبادئ والإجراءات التي تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعوية، فإن المخيال الاجتماعي هو جملة من التصورات والرموز والدلالات والمعايير والقيم التي تعطي للإيديولوجيا السياسية في فترة تاريخية ما، ولدى جماعة اجتماعية منظمة، بنيتها اللاشعورية”[9].
[1] أستاذ فلسفة، كلية الآداب- جامعة محمد الخامس- الرباط
[2] محمد عابد الجابري؛ الخطاب العربي المعاصر، دراسات تحليلية، نقدية، دار الطليعة، الطبعة الأولى، 1982، بيروت، ص 13
[3] محمد عابد الجابري؛ تكوين العقل العربي؛ دار الطليعة، الطبعة الأولى؛ 1984، بيروت، ص 5
[4] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، دراسة تحليلية، نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدارالبيضاء،، 1986، ص 585
[5] كتب عبد الله العروي حتى الآن مجموعة روايات منها: “الغربة” و “اليتيم” و”الفريق” و”أوراق” ويتساءل عبد الله العروي: “لماذا أكتب روايات؟ يعني هل هناك ضرورة؟” ويجيب: “هناك فعلا ضرورة، لأنني أحس أن هناك مشاكل أتناولها بالتحليل المبني على العقل، أكان في مجال الإيديولوجيات أو في ميدان البحث التاريخي. ولكن هناك أيضا مظاهر أخرى في الحياة لا تخضع لقوانين العقل. أولا: حين أريد أن أخضعها للعقل، لا أتمكن من ذلك، ثم من ناحية أخرى لا أرغب أن أدخل فيها مشاكل العقل، لأنها إحساسات، صعود مباشر للأشياء، مواقف.. وأؤدي إلى القارئ بكيفية مباشرة، هذا الشعور، دون أن تكون هناك وساطة العقل” حوار مع عبد الله العروي: مجلة الكرمل العدد 11 ضمن ملف عن الثقافة في المغرب ص 170.
[6] محمد عابد الجابري: حوار مع مجلة الكرمل، عدد 11، ص 164.
[7] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدارالبيضاء، ص 5
[8] نفس المرجع، ص 13
[9] نفس المرجع السابق، ص 13
وزارةالثقافة©مجلة الثقافة المغربية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.