إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    البرهان يفاجئ الجميع بشأن استقالة    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    ماساة قحت جنا النديهة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودان: الحكومة الانتقالية وميزان حقوق الإنسان (الحلقة الثانية)


[email protected]

تناولنا في المقال السابق حتمية مراعاة المشرع لوجدان الشعب وقيمه وإرادته في سن التشريعات التي تحكم أفراد المجتمع وتخضعهم جميعاً لسلطة القانون. وقلنا إن الأمن القانوني يجب أن يبنى على أساس سليم تُحترمُ فيه مبادئ المشاركة الواسعة، والعدالة، والمساواة وعدم التمييز والمساءلة وسيادة القانون ومنع الإفلات من العقاب. لأن ترسيخ هذه المبادئ يفرض على الدولة مراعاة إعلام الأفراد بالمصلحة العامة المتحققة من وضع تشريعات جديدة أو بتعديل الساري منها، وإحكام الصياغة التشريعية بلغة واضحة ودقيقة ليس فيها إبهام، واستنباط مصادر التشريع من الدين والأعراف والقيم الإنسانية الفاضلة، حتى تحظى تلك القوانين بمساندة الأفراد لأنها تمثل إرادتهم الجامعة التي هي إرادة الشعب صاحب السلطة، وليس إرادة السلطة الحاكمة. وفوق ذلك يجب أن تخضع القوانين الفرعية لرقابة القضاء الدستوري لسد الذرائع أمام استغلال النفوذ. 
ثم إن الدافع للمصادقة على المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، يكون نابعاً من إرادة وطنية وسياسية صادقة غايتها تحقيق التمتع التام بحقوق الإنسان لجميع أفراد الشعب وغير المواطنين دون تمييز بسبب اللغة أو الدين أو الجنس أو العرق أو الرأي السياسي أو غير السياسي. وليس فقط لاسترضاء مجموعات داخلية على حساب مجموعات أخرى، أو استجابة لضغوط دولية أو إقليمية مهما كانت.
كما أن السودان والسودانيين ليسوا بحاجة لتكرار ظاهرة الركض خلف إجراءات المصادقة أو الانضمام لهذه المعاهدات كل ما تحل فترة انتقالية دون أن يضعوا اعتباراً لأهمية الحوار المجتمعي وضمان مساندة الفئة الغالبة من أفراد الشعب للخطوة، حتى نتجاوز حاجز التنافس وعدم الثقة بين المجموعات السياسية المتربصة ببعضها، ونعطي رسالة سالبة بأن الانضمام لمعاهدات حقوق الإنسان إجراء غير عادي وملغوم، بل كأنه يخالف قيم غالبية الشعب. وأن السلطة الانتقالية تملك صك المشروعية من خلال الفئة المستنيرة النخبوية التي تسيرها وترى أن المصلحة العامة للمجتمع هي تعبير مباشر عن المصالح الفردية التي تؤمن بها هذه الفئة المسيطرة ويستحقها أفرادها لذلك تسعى إلى تطبيقها، فتسفه عقول ووجود المجموعات الأخرى في ذات المجتمع الذي تخاطبه المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
إن السودان بحضاراته العريقة والمتعطش دوما للحرية والديمقراطية ليس بحاجة أن يثار فيه وباسمه الجدل في كل أمر حتى تنفرد السلطة الانتقالية بمناقشة تأثير الانضمام للمعاهدات الدولية على القوانين الوطنية، واتخاذ قرار المصادقة باسم أفراد الشعب وهم في غفلة من أمرهم لا يدرون، حتى يصبح عليهم فجر جديد يجدون بلادهم طرفاً في عدد من المعاهدات الدولية دون أن يكون لهم الحد الأدنى من حق التمتع بالمطالبة بضمانات حماية واحترام حقوقهم الواردة فيها أمام القضاء الوطني ثم الحق في اللجوء إلى تقديم الشكاوى الفردية أمام آليات حقوق الإنسان الدولية التعاهدية وغير التعاهدية، لأن غاية الحكومة بقدر ما ترغب في إجراءات تجمل وجهها، فهي لا ترغب لا في شفافية ولا في مساءلة حقيقية، كأننا يا زيد لا رحنا ولاجئنا.
فهل الشعب السوداني سيئ الحظ فعلاً قد كتب عليه في الأزل ألا يجد حكومة تستجيب لمطالبه وتصون كرامته؟ سواء أتت عبر قطار الانتفاضات الشعبية، أو الانتخابات العامة، أو الانقلابات العسكرية.
وهل كتب على السودانيين أن يشاهدوا إعادة شريط ذات ما حدث في العام 1986؟، حينما قامت الحكومة الانتقالية بالانضمام للعهدين: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 -1976م، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966 – 1976م، في يوم واحد وهو "18 مارس 1986م"، كما وقعت في 4 يونيو 1986، على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، (1984 – 1987)، دون أن تكمل إجراء المصادقة على الاتفاقية مثل ما فعلت بالعهدين. وذلك في الأثناء التي كان فيها الشعب منغمساً في متابعة مشاهد الصراعات السياسية الملتهبة في ساحات وميادين الخرطوم ومدني وعطبرة، بالتزامن مع انتشار وتوسع خطاب الكراهية والتعصب والإقصاء ظلل سماء البلاد حيئذ.
فمن الذي وقف وراء تلك المصادقتين السريعتين على العهدين، والاكتفاء فقط بالتوقيع على اتفاقية مناهضة التعذيب دون المصادقة عليها؟ بل ما الذي منعهم من إكمال إجراء الموافقة عليها والملزمة قانوناً للدول الأطراف؟ هل أولئك هم نفس هذه المجموعة السياسية التي تشكل الحاضنة السياسية لحكومة ثورة ديسمبر 2018؟ وما الذي يقيد ثورة الوعي من إحداث التغيير المنشود ما دامت شعاراتها هي حرية وسلام وعدالة؟ كما أن مستوى المعرفة قد ارتفع لدرجة لا تقارن بثورتي 64 و 85 اللتين حملت شعاراتهما وألقهما الخرطوم ومدن قليلة، فيما لا يمكن مقارنتهما بأي حال من الأحول مع ثورة ديسمبر.
أليس من باب أولى أن تكون الأولوية للانضمام للبروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بشأن تقديم شكاوى من قبل الأفراد الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1966، ودخل حيز النفاذ في 1976، وهو إجراء يعزز مصداقية الدولة وشفافيتها وجديتها في احترام حقوق الإنسان؟ بل لماذا لم تصادق الحكومة الانتقالية على البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2008، ودخل حيز النفاذ في 2013م؟ ونحن في بلد تشهد حالات من الظلم الاجتماعي ومشكلات التنمية المتوازنة التي أدت إلى حمل المجموعات المحرومة للسلاح وإشعال الحروب في ولايات التماس، وقد اعترفت الحكومة نفسها بأن هؤلاء هم حركات كفاح مسلحة، فلماذا لم تقدم على هذه الخطوة الأساسية؟ لتمكن هؤلاء من ضمانات الانتصاف المعروفة وفق حقوق الإنسان.
ألم يكن كذلك من الأولى انضمام السودان لاتفاقية مناهضة التعذيب التي توجبها مقتضيات العدالة في ظل الملاحقات القانونية التي تنتهجها حكومة الثورة لمساءلة قادة النظام السابق عن الاتهامات الموجهة لهم بشأن ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والفساد خلال ثلاثين عاماً هي فترة حكم الإنقاذ كلها؟. إن المادة (11) من تلك الاتفاقية مثلا، تنص على: "تبقى كل دولة (طرف) قيد الاستعراض المنظم لقواعد الاستجواب، وتعليماته وأساليبه وممارساته، وكذلك الترتيبات المتعلقة بحجز ومعاملة الأشخاص الذين تعرضوا لأي شكل من أشكال التوقيف أو الاعتقال أو السجن في أي إقليم يخضع لولايتها القضائية، وذلك بقصد منع حدوث أي حالات تعذيب". كما تتضمن المادة (14) انصاف ضحايا التعذيب، وتتضمن المادة (20) أحقية اللجنة المعنية برصد ومراقبة تنفيذ المعاهدة بإجراء تحقيق سري بشأن ممارسة أي دولة طرف للتعذيب على نحو منظم وتقديم تقرير بهذا الشأن إلى اللجنة بصورة مستعجلة. وذلك إلى جانب مواد أخرى لا تقل أهمية عما ذكرناه من أمثلة مهمة، بل تدعو هذه المعاهدة الدول الأطراف لاتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية وقضائية كافية تؤكد حرصها على الوفاء بالتزاماتها القانونية الثلاثة وهي: حماية، واحترام، وتنفيذ ما ورد فيها من حقوق وحريات.
هنا يقول قائل دعك من كل هذا، فما هي هذه المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان التسع التي تتحدث عنها؟ وكيف ومتى صادق السودان عليها؟
بإلقاء نظرة سريعة وفاحصة على خارطة مصادقات السودان على تلك المعاهدات نجد الحقائق والمعلومات التالية:
أولا: السودان صادق وانضم لعدد (5) معاهدات منذ نشأة النظام الدولي لحقوق الإنسان في منتصف القرن الماضي. وهي على هذا النحو:
 الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1965 – 1969)، انضم إليها السودان في 21 مارس 1977م. فيما بلغ عدد الدول التي صادقت عليها 182 دولة حتى حينه.
 العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 -1976م، انضم إليه السودان في 18 مارس 1986م. فيما بلغ عدد الدول التي صادقت عليه 173 دولة حتى حينه.
 العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966 – 1976م، انضم إليه السودان في 18 مارس 1986م. فيما بلغ عدد الدول التي صادقت عليه 171 دولة حتى حينه.
 الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل (1989 – 1990)، صادق عليها السودان في 1990، وعلى البروتوكولين الاختياريين الملحقين بها بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة، (2000 – 2002)، في 2005. وبشأن بيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الإباحية، (2000 – 2002)، في 2004م. وقد صادقت عليها كل دول العالم ما عدا الولايات المتحدة الأمريكية التي وقعت فقط عليها في عام 1995م.
 اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (2009)، صادق عليها السودان في 2009م، وعلى البروتوكول الاختياري الملحق بها في 2009. فيما بلغ عدد الدول التي صادقت عليها 182 دولة حتى حينه.
ثانياً: المعاهدات التي وقع عليها السودان ولم يكمل الانضمام ليصبح طرفا فيها في:
 اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، (1984 – 1987)، وقع عليها كما ذكرنا سالفا في 4 يونيو 1986م. فيما بلغ عدد الدول التي صادقت عليها 109 دول حتى حينه. بينما صادقت على البروتوكول الملحق بها 90 دولة.
ثالثاً: المعاهدات التي لم يتخذ قراراً بشأن التوقيع أو المصادقة عليها:
 اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، (1979 – 1981). بلغ عدد الدول التي صادقت عليها 189 دولة حتى حينه. أما البروتوكول الملحق بها فقد صادقت عليه 114 دولة.
 اتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، (2006 – 2010). فقد بلغ عدد الدول التي صادقت عليها 63 دولة حتى حينه
 اتفاقية حماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، (1990 – 2003). فقد بلغ عدد الدول التي صادقت عليها 55 دولة حتى حينه.
من المعلومات التجميعية المختصرة أعلاه يتضح بأن مصادقة واحدة تمت خلال فترة حكم مايو من 1969 إلى 1985م، كانت على معاهدة القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. 
وفي عهد الديمقراطية الثالثة من 1985 – 1989م، تمت المصادقة على معاهدتين، هما (العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية). بينما تم التوقيع فقط على معاهدة مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. 
وفي عهد الإنقاذ، من 1989 إلى 2019، تمت المصادقة على معاهدة حقوق الطفل والبروتوكولين الملحقين بها. واتفاقية حماية الأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الملحق بها.
لكن عهد الإنقاذ شهد تفاعلاً أكثر من قبل الحكومة السودان إذا ما قورن بالفترات السابقة مع هيئات المعاهدات فيما يتعلق بتقديم التقارير المطلوبة، وتلقى بموجبها عدداً كبيراً من الملاحظات الختامية والتوصيات التي أجاب على بعضها، قبل سقوطه، وينبغي أن تتابعها الحكومة الانتقالية أو أن تحرص على تقدم خطة واضحة لمعالجتها. كما نشطت المنظمات غير الحكومية في تقديم التقارير الموازية، والشكاوى الفردية والبيانات أمام آليات لجنة حقوق الإنسان المنتهية ولايتها في 2006، ثم مجلس حقوق الإنسان الذي حل محلها 2006 إلى حينه في إطار اصلاح آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. بالمحصلة فإن المقارنة تكاد تكون معدومة بين السودان والدول العربية أو الإفريقية المحيطة به بالنسبة لخارطة المصادقة أو الانضمام لتلك المعاهدات.
 أما ما يُقعد السودان عن الإقدام على المصادقة فأسبابه عديدة، منها:
 هشاشة الشرعية الدستورية لحقوق الإنسان: فعلى الرغم من إقرار الدساتير السودانية بالالتزامات الناشئة بموجب قبوله الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، وكما هو معلوم بداهة ينبغي أن يمثل الدستور وجدان الأمة وقيمها ليصبح العقد الاجتماعي الناظم لجميع مناحي الحياة في الدولة، لكن الواقع المؤسف هو أن الدستور في السودان لا يعدو كونه ورقة تفرضها الأنظمة الحاكمة وبطانتها من الأحزاب السياسية والأفراد، وما أن يتغير النظام إلا ويسقط معه الدستور وإن كان نصه مبرأ من كل عيب.
 كذلك لم يعد يستفد السودان ولا السودانيون من عراقة تاريخهم السياسي ولا تنوعهم الثقافي ولا مستوى تعليمهم ونباهتهم الاجتماعية السابقة على غيرهم في المنطقة، في أن يحلوها لتصبح دافعين أصيلين لدولة الحقوق والحريات: 
 فالدافع الأول هو أن السودان يشارك كغيره من دول العالم في فضيلة السعي لبلوغ "المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم"، بمختلف قيمها وثقافاتها، وهو تحقيق الكرامة الإنسانية، حسب ما نصت عليه ديباجة الإعلان العالمي 1948.
 أما الدافع الثاني وهو الذي نتميز به: أن نظام حقوق الإنسان في الأديان ورسالة الإسلام الخاتمة خصوصاً هي الأكثر وضوح وشمولاً إذ إن الكرامة الإنسانية المتأصلة في كل فرد هي منحة من الخالق جل وعلا، لذلك يرجع احترامها إلى دافع ذاتي في نفس كل إنسان منبعه الإيمان، وآخر قانوني زجري يخضع له كل مسلم. ولا يقلل من سوء تقدير الساسة أو تطبيقه القانون من سلامة مقاصد الشريعة، في مجتمع غالبيته من المسلمين، ولم يعهد نزاعا طائفيا بينهم.
وبما أن حقوق الإنسان هي بسماتها عالمية، تولد ما كل إنسان، ولا تقبل التجزئة أو التنازل عنها، وملزمة قانونا، وعالمية، فإن الضرورة تفرض علينا وعلى كل الحادبين في هذا المجال أن يستنهضوا همتهم لضمان إتباع أقوالهم وأفعالهم بقيم حقوق الإنسان التي عملوا من أجلها لعقود طويلة. 
ولأن الواقع الحالي ينبئ بأمر مؤسف أنك ترى مواقف واتجاهات أصحاب الحقوق قد تتغير سلباً عندما يتحولون إلى أصحاب واجبات، فالناس على المستويين الداخلي والخارجي يراقبون بعيون حذرة ممارسات بعض قادة سلطة التغيير الحاليين في السودان الذين كانوا ملئ السمع والبصر مدافعين عن حقوق الإنسان وقيادات في بعض المنظمات الدولية والإقليمية المستقلة أو في منظمات الأمم المتحدة، وينتظرون منهم أفعالاً لا أقوالاً، لا سيما أن حكومة الثورة قد لقيت أكبر دعم شعبي لم تجده سابقاتها منذ استقلال السودان.
أما أنا فأنتظر أن يُعلن السيد/ رئيس الوزراء دعوة مفتوحة لكل أعضاء الإجراءات الخاصة في مجلس حقوق الإنسان، من خبراء مستقلين ومقررين خاصين، بما في ذلك أعضاء الهيئات التعاهدية المعنية لزيارة السودان ما بعد الثورة.
وأن تسعى السلطة الانتقالية بكل ما أوتيت من قوة وحكمة لإكمال هياكلها، خاصة المجلس التشريعي المعين الذي يقع عليها مراقبة وتقويم ما تقوم به السلطة الانتقالية في البلاد التي تشهد زيادة مطردةً في حجم ازماتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
أما الحق في معايير المحاكمة العادلة فيحتاج إلى وقفات قبل أن تجانب إجراءات العدالة صحيح القانون في بلد عرف أهله بنجدة المضيوم. 
ولن أنسى أبداً السؤال عن متى نرى كحقوقيين فرقاً موضوعياً في معالجة أبرز الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها في عقود ماضية، ما دامت هناك رغبة – إرادة سياسية- وقدرة – قوانين سارية- تجرم معظم تلك الأفعال. وليس فوق سيادة حكم القانون مواطن أو مسؤول.
نواصل…….
الدوحة 22 يوليو 2020


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.