يشهد الوطن الآن احتقانات وتوترات وتصفية حسابات وانتقامات في ظل أجواء عدائية مضطربة، وبكل أسف فإن بعض الفضائيات الخارجية تكرر تقديم المشاهد لتبدو جديدة وليدة اللحظة، وتقوم بدور خبيث، وهي تثير الفتن، وتصب الزيت على النار ليزيد اشتعالها، وتعمل جاهدة لتزداد الشقة بعداً بين الأطراف السودانية. والسودان مؤهل بموارده وثرواته الهائلة المتنوعة لأن يصبح مارداً اقتصادياً، ورقماً لا يستهان به، وسلة غذاء له ولمن حوله في دول المنطقة، ولكنه بكل أسف أضحي في وضع يرثي له، وأصبحت يده أحياناً هي اليد السفلى، وتسعي القوى الأجنبية لتوجيه بوصلته، وحشر أنوفها في مسائله الداخلية، وفرض وصايتها عليه لتنفيذ سياساتها وتوجيهاتها، وهو معصوب العينين ومكتوف اليدين، وتسعي لتسيير اقتصاده (بالريموت كنترول) بالطرق التي تروق لها، مدعية أن هذا هو طريق الصلاح والفلاح، ولكنه في حقيقة أمره هو طريق الهلاك والدمار، وميزانيته السنوية وشؤونه الاقتصادية والمالية أصبحت مراقبة، ولم يتبقَّ للخواجات إلا تعيين عدد منهم ليديروا القطاع الاقتصادي إدارة مباشرة. والسودان مع ثرواته الهائلة وموارده المتنوعة الضخمة يعج بخبراء اقتصاديين فطاحلة، ورؤيتهم وبرامجهم واقعية صادقة، وهي ليست مثل الوصفات الأجنبية الخادعة الكاذبة (ومتى نتخلص من عقدة الانكسار النفسي بأن الخواجة حتى إذا كان أقل خبرة وتأهيلاً، ولا يلم بالحقائق والمعلومات يحسبه البعض منا أفضل من الخبير الوطني السوداني، حتى إذا بلغ قمة العبقرية والتفوق؟!). ودكتور عبد الله حمدوك برر قبول عودته لتولي منصب رئيس الوزراء بأنه يريد أن يحافظ على ما تحقق من مكاسب اقتصادية، ولا ندري ما هي هذه المكاسب، والدول الغربية وعلى رأسها أمريكا التي اشترطت ضرورة عودته لموقع رئيس الوزراء، وأصرت على ذلك، لم تقدم هذه الدول الغربية لحكومته إلا الوعود السرابية الكاذبة، واكتفت بتقديم فتات الفتات، والروشتات المضللة مع إهمال الإنتاج والعمل، وعلى سبيل المثال فإن الحكومة لم تلتفت لإجراء إصلاحات في مشروع الجزيرة وامتداد المناقل، وأن زراعة القمح في هذا الموسم الشتوي معرضة للفشل الذريع لندرة وجود بعض المدخلات الزراعية، وارتفاع تكلفة العملية الزراعية ارتفاعاً جنونياً، وينسحب هذا على الذين زرعوا قمحاً في المشاريع المروية الأخرى، والحكومة كانت ساهية ولاهية عن كل ذلك ومشغولة أكثر بالصراعات والمعارك التي تدور في غير معترك. ومن أكبر الأخطاء الاقتصادية التي ارتكبت في عهد الحكومة الانتقالية هي اتخاذ وتنفيذ القرار الكارثي بزيادة المرتبات بنسبة خمسمائة وخمسين في المائة، ونتج عن ذلك تضخم رهيب وانحدرت قيمة العملة المحلية إلى أسفل سافلين، وكانت المرتبات القديمة على قلتها من حيث العدد أفضل من المرتبات الحالية، ولو ضبطت الأسواق والأسعار وأعيد قيام الجمعيات التعاونية في الأحياء والقرى وأماكن العمل لكان ذلك أفضل من زيادة المرتبات، والموظف الذي أمضى سنوات طويلة في الخدمة، ووصل للدرجة الأولى فإن راتبه الحالي لا يزيد على ثلاثين ألف (مليون بالقديم) في الشهر على أفضل تقدير، أي ألف جنيه في اليوم، وهي لا تكفي قيمة وجبة فطوره ومواصلاته، أما العمال فلم أصدق أذني عندما علمت من عامل كبير السن يعمل خفيراً، وعاملة كبيرة في السن، أن مرتب كل واحد منهما تسعة آلاف جنيه في الشهر، أي أن كل واحد منهما يتقاضي ثلاثمائة جنيه في اليوم، لقاء ساعات طويلة يقضيها في مكان عمله، وهذه فيها شبهة سخرة وعدم احترام لحقوق الإنسان. ورئيس الوزراء كان يعول كثيراً على الاستثمارات الأجنبية وكان يحسب أن مليارات الدولارات ستضخ لتكون ضمن الدورة المالية والنقدية، ولم ولن يتحقق شيء من هذا، وكل العقود التي أُبرمت مع الخواجات في صالحهم، وهم المستفيدون منها والتنفيذ سيكون بعد سنوات، ولا زالت حتى الآن حبراً على ورق، وحتى إذا طبقت في المستقبل فإنهم هم المستفيدون وعلى الهامش قد يجد السودان شيئاً غير ذي بال. وتعهد البنك الدولي وبعض المانحين بتمويل مشروع أطلقوا عليه اسم ثمرات، وبموجبه أقروا تقديم منحة شهرية لثمانين في المائة من الشعب السوداني باعتبارهم في نظرهم فقراء ومساكين يستحقون المساعدة بتقديم خمسة دولارات لكل منهم (حوالي ألفي جنيه في الشهر) ولم يصرف إلا القليلون هذا المبلغ بعد عناء ومشقة، وجل الشعب لم يصرفه ولا يوليه اهتماماً، ومن يمنح يشكر على منحته، ولكن هناك إجماع على أن مشروع ثمرات من أفشل المشاريع وينبغي إيقافه بهذه الطريقة المهينة، وتحويل هذه الأموال لمشاريع خدمية بحفر آبار في مناطق العطش أو بناء نقاط غيار وشفخنات في المناطق التي تفتقر إليها و ..الخ .. ونسأل السيد رئيس الوزراء أين هي المكاسب الاقتصادية التي تحققت ويريد المحافظة عليها؟! وإننا لا نلمس شيئاً ملموساً محسوساً بل نحس بتقهقر للخلف وإهمال للعمل والإنتاج، والمطلوب في المرحلة القادمة ترشيد الصرف، والتركيز على العمل والإنتاج، وزيادة الصادرات واستيراد المهم من الضروريات المهمة التي يحتاج إليها الوطن، وعدم التعويل على دعم الخواجات والقوى الأجنبية، وأثبتت التجربة معهم في المرحلة السابقة أن الانحناء لهم يزيدهم صلفاً في انتظار المزيد من الانحناء. والمرحلة تقتضي في هذه المرحلة بتحدياتها وجود حكومة قوية من أقوى وأصلب العناصر والاستفادة من القادرين على العطاء بلا حساسيات، ومثلاً إذا اقتضت الضرورة يمكن أن يعين عضو سابق بمجلس السيادة من المكون المدني له القدرة على العطاء والبلاء وزيراً أو نائباً لرئيس الوزراء، مع ضرورة إعادة تشكيل المحكمة الدستورية لتمارس عملها بعد أن تم تعطيلها لأمد طويل، وأن تستقيم العدالة في كل مراحل التقاضي حتى النهاية، بعد أن يتم تحويل القضايا إليها من النيابة العامة – مع ضرورة تكوين المجلس التشريعي الانتقالي بلجانه المتخصصة، وفي وجوده ليست هناك حاجة لوجود حاضنة ،مع ضرورة تشكيل المفوضيات وعلى رأسها مفوضية الانتخابات، وعلى الأحزاب جميعها أن تنصرف لتنظيم نفسها، وهي الآن في أضعف حالاتها، وأن لا تنشغل بغير ذلك، وأن الوصول للسلطة لا يتم إلا عبر صناديق الاقتراع . وقد تم الإفراج مؤخراً عن عدد من الذين اعتقلوا لمدة شهر بعد البيان الذي أذاعه القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وفقدوا مواقعهم التنفيذية والسياسية الرفيعة التي كانوا يعتلونها، وقطعاً إنهم الآن في حالة غضب، ولن يقفوا مكتوفي الأيدي، وسيسعون بشتى السبل ومختلف الوسائل لتصفية حساباتهم مع المكون العسكري بمجلس السيادة وعلي وجه الخصوص ستكون سهامهم موجهة لرئيس مجلس السيادة لإقصائه من موقعه بدافع الانتقام، ولو افترضنا أن أحد المدنيين حل محله الآن، فهل يؤدي هذا لتغيير جذري أم أن كل شيء سيمضي كما هو؟، وستكون لهؤلاء أيضاً معركة مؤجلة مع دكتور حمدوك ستكون أكثر شراسة وهم يهادنونه الآن انتظاراً لإعلان تشكيلته الوزارية المقبلة، وإذا وجدوا أنفسهم خارجها وهم متأكدون من ذلك، فإنهم سيقلبون له ظهر المجن، وفي رأيهم أنهم إما أن يكونوا معه داخل السلطة، وإما أن يكون هو معهم خارجها، لأنهم هم الذين وافقوا على ترشيحه باسم قوى الحرية والتغيير (قحت)، وساندوه وهتفوا له، ولكن إذا أصبح هو في ضفة السلطة وهم في الضفة الأخرى المقابلة لها، فإنهم سيقفون ضده بشراسة (ويروه النجوم في عز الظهيرة). وهذا يقتضي إيجاد حلول جادة وجلسات مفاكرة للخروج من هذا النفق المظلم، والمهم أن تركز الحكومة همها بعد تكوينها على العمل والإنتاج .