وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مجمع اللغة العربية
نشر في السوداني يوم 21 - 04 - 2013

قدم الأب فيلوثاوس محاضرة عنوانها الأقباط في اللغة العربية تحدث فيها عن مشاركات الأقباط في مصر والسودان في إحياء اللغة العربية والاحتفاء بمجمع اللغة العربية الذي يضم رجالاً عظماء شربوا من منهل اللغة الجميلة وقدموا أجمل الأدبيات نثراً وشعراً، وهنا نذكر:
1. يُذكر أنه في زمن الخديوي إسماعيل 1863 – 1878م برز العالم القبطي الكبير وصفي بك، الذي درس في الأزهر الشريف ووضع كتاب الخلاصة الذهبية وهو أول كتاب في النحو ووضع أيضاً كتاب "مرآة الظروف في فن الصرف" .
2. السياسي المحنك والأديب البارع والوطني الأصيل واصف بطرس غالي 1878 – 1958م قام بترجمة بعض الشعر العربي إلى اللغة الفرنسية في ديوان بعنوان "روض الأزاهر" كما قام بإلقاء محاضرات في فرنسا للإشادة بفضل العرب على الثقافة الأدبية وقام بترجمة ديوان البحتري إلى الفرنسية حتى قيل عن واصف غالي أنه كان ذا كفاءة نادرة ولو أنها كفاءةٌ حالمةٌ، وقال عنه سعد زغلول: واصف غالي أقل الناس طمعاً وأكثر الناس تواضعاً، متواضع في كبرياء، ساكن في حركة، شديد الحساسية، قوي في عجز، ماكر في بساطة، واسع الخيال، بليغ القلم والبيان، وقال عنه أمير الشعراء أحمد شوقي:
غالي ما شئت في ابن بطرس غالي علم الله ليس في حق غلا
فهو رجل غالي ورفيع القيمة، ولكنه لا يغالي في شيء.
3. أما الدكتور القبطي رمسيس جرجس، فقد كان بلا منازع أحد علماء مجمع اللغة العربية 1885 – 1959م وقد كان طبيباً ومحباً للغة العربية، وبرع في الأبحاث الطبية وكتب معجماً للعلوم الطبية عربي إنجليزي فيه نحو ستين ألف مصطلح، وعُرِف بحرصه على أن يضع لكل مصطلح مقابلاً له من اللغة العربية الفصحى، مهما كان غريباً وله من المعاجم والقواميس الكثير وقدم للمجمع اللغوي عدة بحوث عن دراسات لغوية تحتاج إلى إطلاع واسع وعلم غزير وهي: 1-النسب بالألف والنون2- التميمي والتنوين 3- النحو في العربية.4- اللغة الفرعونية وعلاقتها باللغات الأخرى5- مصطلحات ابن سيناء.
وعندما انضم لمجمع اللغة العربية قال عنه الدكتور أحمد عمار: " لقد أرادت له الأقدار أن يكون معجمياً أو أن يكون مُعجمياً " فمعنى الكلمتين يكاد أن يكون واحداً كما أن حروفها واحدة، ومن ثم أهلته لهذا المركز الجليل على النحو الدقيق.
4. أما قرياقص ميخائيل المراغي 1887 – 1956م فقد أطلق عليه المؤرخون لقب المجاهد الوطني وأيضاً لقب المحامي البليغ عن الأزهر الشريف، وكان في كتابته باللغة الإنجليزية يهدف إلى ترسيخ الوحدة الوطنية، وكتب نحو مائة مقال لشرح المسألة المصرية وكان هذا باللغة الانجليزية في لندن، وفي لندن أيضاً دافع عن الإسلام وعن الأزهر الشريف وتبرع هناك بحديقة منزله لتكون منتدى ثقافياً لأبناء بلاده المقيمين في بريطانيا.
5. ونأتي إلى الدكتور البروفيسور مراد كامل 1907 – 1975م وقد كان لي شرف التلمذة على يديه في كلية اللاهوت، حين كان يدرسنا اللغة العِبْريَةِ، وهي لغة شقيقة للغة العربية، وقد نبغ في عدة لغات تصل إلى ثلاثين لغة، وقد أختير عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة في 1961م، وقام بالتدريس في معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، وله أبحاث في أصول اللغة وقواعدها وتاريخها .
6. أما المهندس الجسور بين الثقافة العربية والثقافة العالمية فإنه دكتور مجدي وهبة 1925 – 1991م، فلقد كان يعمل مترجماً وكان يملك ناصية اللغة العربية وترجم القانون الفرنسي المعروف "كود نابليون" إلى العربية وعُيّنَّ مديراً عاماً لإدارة الترجمة العربية بوزارة الحقانية ثم وزيراً للمالية وقبل هذا كان وكيلاً لوزارة الثقافة، وفي سنة 1979م أختير عضواً بمجمع اللغة العربية وكان يمثل المجمع في اتحاد المجامع اللغوية، وله بالاشتراك مع كامل المهندس قاموس المصطلحات اللغوية والأدبية والعربية.
7. ومن النساء برزن كثيرات في آداب اللغة العربية بينهن الدكتورة أنجيل بطرس أستاذة الأدب الانجليزي، التي نقلت يوتوبيا من العالمية إلى العربية، وقدمت السكرية لنجيب محفوظ إلى العالمية ولها العديد من المؤلفات باللغة العربية وباللغة الانجليزية، ولها دراسات في الرواية العربية.
8. أما الأديب المبدع والناقد الجرئ الأستاذ لويس عوض 1915 – 1990م فإنه ظاهرة فكرية يقولون إنها لا تتكرر، وهو أحد أعضاء قافلة رواد التنوير العظماء في تاريخنا الثقافي المعاصر، وهو مفكر جرئ وقد قضى سنوات طفولته في عاصمتنا الثقافية الخرطوم، وسط أجواء جميلة ورائحة تاريخ عتيق، وله ما يقرب من خمسين مؤلفاً باللغة العربية والإنجليزية وقد كتب في الثورة والأدب مقدمة في فقه اللغة، وأوراق العمر، وله معارك ثقافية حول مواضيع عربية أبي العلاء المعري ورسالة الغفران، وقد قال عن اللغة العربية إنها أحد فروع الشجرة التي خرجت منها مجموعة اللغات، وقال عنه الدكتور يوسف إدريس إنه من أعظم المفكرين العرب في كل التاريخ العربي ومقالاته النقدية مهما اختلف البعض هي أنوار متلألئة على طول الطريق إلى نهضتنا، وقال عنه دكتور مصطفى الفقي إنه كان ناقداً مرموقاً ومتذوقاً رفيع الشأن للشعر والرواية والمسرح والسينما في وقت واحد، ومزج في شخصيته بين الاهتمامات الفكرية والأدبية والفنية، وقال عنه دكتور أسامة الباز إنه كان مفكراً ديمقراطياً لا يقبل إطلاقاً فكرة الفرد وإملاء الرأي، وهو يرفض الدكتاتورية والرأسمالية العسكرية .
9. أما الأديب القبطي العظيم جرجس زيدان مؤسس جامعة القاهرة 1861 – 1914م والذي نعاه الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدة جميلة وبليغة تعبر عن مكانة جرجس زيدان حيث قال:
ثكَل الشُرق فتاه ليتني كنتُ فِداه
ليتني كنتُ أصمّا عندما الناعي نعاه
قد نعى الناعون زيداناً إلى البدر سناه
وإلى التاريخ والعلم أباه وأخاه!
وقال عنه جبران خليل جبران: من شاء أن يكرم زيدان فليرفع نحو روحه ترنيمة الشكر وعرفان الجميل، بدلاً من ندبان الحزن والأسى، ومن شاء أن يكرم زيدان فليطلب قسمته من خزان المعارف والمدارك التي جمعها زيدان وتركها إرثاً للعالم العربي.
ولجرجس زيدان إنتاجاً ضخماً أدبياً ولغوياً، وقد كتب ليبقى ما بقي الزمان، ومادام القمران، كتب للأجيال الآتية عن الأجيال الذاهبة، بلغة واضحة مفهومة، لا تعقيد فيها ولا تكلف. ولقد وجه جرجس زيدان إلى أهمية سفر أيوب باعتباره كتاباً كتب باللغة العربية، وترجم إلي العبرية، وفُقِد مِنَ العربية وبَغِيَ في العِبْرية، لأن أيوب أديب عربي بليغ، وكلماته هي شعرٌ روحي رصين، وأصدقاءه الأربعة هم شعراء وأدباء وموقع حياته موجود حيث هو مدفون في سلطنة عمان.
10. ولا يمكن إلا أن تكتب عن أديب اللغة العربية وشاعرها الروحي الصوفي قداسة البابا الأنبا شنودة الثالث والذي يقف حتى الآن مع العرب في حماس أكثر من حماس العرب، ورفض أن يدخل القدس إلا مع إخوانه المسلمين، وهو أديب وشاعر وثائر وواعظ وفاهم للغة العربية، يعيش دروبها ويسلك في فيافيها وينطلق روحاً في صحرائها يتعبد ويتنسك .
أنا في البيداء وحدي ليس لي شأن غيري
لي جحر في شقوق التل قد أخفيت جحري
وسأمضي منه يوماً ساكناً ما لست أدري
وفي همسة حب يهمس من قلبه:
قلبي الخفاق أضحى مضجعك في حنايا الصدر أخفى موضعك
قد تركت الكون في ضوضائه واعتزلت الكل كي أحيا معك
ليس لي فكر ولا رأي ولا شهوة أخرى سوى أن أتبعك
يا صديقي لست أدري ما أنا أو تدري أنت ما أنت هنا
أنت مثلي تائه في غربة وجميع الناس أيضا مثلنا
نحن ضيفان نقضي فترة ثم نمضي حين يأتي يومنا
إن البابا شنودة هو الرجل العظيم، الذي يملك ناصية الكلام ويعبر عن نفسه وعن رؤياه باللغة العربية في بلاغة ويتكلم في فصاحة، فهو أظرف أدباء العصر.
11. وكان الأقباط يذهبون إلى الأزهر للدراسة فيه لكي يتمكنوا من اللغة العربية وكان الأقباط في المدارس يُدَرِسُونْ اللغة العربية، وكان هذا في مصر إلى وقت قريب حتى عام 1940م، عندما صدر قرار وزاري من وزارة المعارف يمنع المدرسين الأقباط من تدريس اللغة العربية، حتى وإن كانوا متخرجين في قسم اللغة العربية بكلية الآداب، ولكن هذا القرار لم يمنع الأقباط في مصر من النبوغ في اللغة العربية، وبالنسبة للسودان لم يلتزموا بهذا القرار، بل ظل الأقباط نجوماً مضيئة في سماء اللغة العربية، وكان الأستاذ عدلي منسي شيخ الكنيسة الإنجيلية مدرس وأستاذ اللغة العربية بمدارس كمبوني، يقولون عنه أنه ملك الإعراب، ونذكر هنا أساتذة ممتازين في اللغة العربية هم أساتذة الأجيال مثل الأستاذ عبده بشاي في الأبيض، والأستاذ عبد الكريم الشعراوي، في مدرسة الراهبات بالخرطوم، والأستاذ عبد العزيز الشعراوي، والأستاذ عبد ربه إسطاسي، والذي كان متمكناً من اللغة العربية، وتتلمذ عليه كثيرون من بينهم الزعيم الديمقراطي المرموق الصادق المهدي، ويذكر تلميذه هذا أفضال أستاذه، ويدعو أبناء هذا الأستاذ مثل دكتور حلمي اختصاصي الأنف والأذن والحنجرة وخبير البترول نبيل، وأميل، وعادل، وجرجس لكي يحضروا لقاءات الصادق المهدي باعتبارهم من أفراد أسرته، ونذكر هنا أيضاً الأستاذ يوسف غالي، والذي كان مفتشاً للغة العربية بالمدارس السودانية خلال الثمانينيات، وكانت له إشراقات لغوية ومقاطع شعرية في أحاديثه اليومية.
12. ونذكر من أقباط السودان الشقيقين منير متى ومراد متى وقد شاركا في وضع مناهج اللغة العربية للمدارس السودانية وكانا يدرّسانها، ومن الطريف أن منير متى مع صموئيل توفيق ذهبا للتدريس في جنوب السودان، وهنالك أستقبلهما التمرد وأودعهما في السجن وأرسلت طائرة من الجيش لكي تخرجهما وتنقلهما إلى الخرطوم، وهما معاً أيضاً استقبلا في زالنجي بروفسور عبد الله الطيب وأكرما وفادته وقد كان آتياً من موقع آخر لم يكرم فيه، وقال بروفسور عبد الله الطيب قصيدة يمدحهما فيها مطلعها:
جود الأكرمين من شواء ومن لحم وجودهم" قُونْقُوِليز " ليس له طعم
13. وقد جاب هؤلاء أنحاء السودان جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، وهم يحملون في قلوبهم اللغة العربية الغنية الثرية بالنحو والصرف وسحر البلاغة والأدب نثراً وشعراً، وحفظوا أيضاً لغة جبال النوبة، التي سهلت عليهم تعليم أبناء جبال اللغة العربية، وقد كان أغلب أساتذة الجبال من أقباط السودان، نذكر منهم: الأستاذ وديع قلادة والد البروفسور مجدي، أستاذ طب الأسنان بجامعة الخرطوم، والأستاذ محروس ديمتري، والد الصيدلاني سمير، وابن الكاهن القبطي السوداني ديمتري الذي أقام احتفالاً في وادي حلفا، احتفاءً بالزعيم سعد زغلول، فأثار حفيظة الاستعمار وأمر بمغادرته حلفا في 48 ساعة.
14. وفي السودان تعامل الأقباط مع اللغة العربية تعاملاً محترماً وتفاعلوا مع هذه اللغة العظيمة، وكانت المكتبة القبطية بالخرطوم صالوناً أدبياً للشعر والنثر والندوات الغنية بتراث اللغة العربية حتى أن سكرتير نادي المكتبة القبطية ذات مرة كان أزهريًا مسلماً، اشتملت المكتبة القبطية على العديد من الكتب في الأدب العربي وانتشرت المكتبات في أم درمان والخرطوم بحري ومدني والأبيض وعطبرة وبورتسودان وكلها كانت صالونات أدبية يتلاقى فيها الأدباء ويملأون الحياة أدباً وبلاغة وشعراً وزجلاً .
وعلى مستوى الوزراء يذكر عن الدكتور وديع حبشي أنه عندما يتلقي التقارير من مرؤوسيه يراجع التقرير، ويصحح الأخطاء التي فيه، ويُقَوِْمِّ لغته العربية، وقد كان مهموماً باللغة العربية.
15 وفي أقباط السودان العديد من الأدباء والشعراء نذكر منهم عزيز التوم منصور، والشاعر عزيز أندراوس، صاحب الشاطئ المهجور، والشاعر سعد ميخائيل، الذي قدم أول كتاب عن شعراء السودان، وجمع فيه سيرة ومسيرة وأدب وشعر ما يقرب من أربعين شاعراًَ، والشاعر تادرس الفرشوطي، الذي ملأ ساحة الكتب المدرسية بالأناشيد الوطنية، بل لقد وضع منهج اللغة العربية وقام بتدرسيه، وقدم أجمل تحية لقاعة الصداقة، والتي لم تكن مشهورة مثلما اشتهرت في زمن الإنقاذ، موسم المؤْتمرات المتعددة، وأيضاً الشاعر الذي كان يلقب بزهير، وهو شفيق فهمي مينا الدنقلاوي، وأيضاً الشاعر صالح بطرس والذي تمكن أن يشعل حماس المسلمين لبناء الجامع الكبير بأمدرمان من خلال قصيدة عصماء، وكان في كل عيد في أول السنة الهجرية يتحف الناس بقصيدة عن مراجعة حصاد السنين الماضية، والبدء في سنة جديدة بدءاً روحياً ووطنياً ومجيداً، وفي هذه الفترة ظهر في دنيا الشعر والشعراء، والأدب والأدباء، ونذكر هنا الخطيب البليغ الذي بدأ خدمته في السودان وطُرد منها بواسطة الحاكم الإنجليزي وذهب إلى مصر وهناك صار خطيبا بليغاً مفوها ثورياً، أذكى نار ثورة 1919م هو الأب القمص سرجيوس والذي كان هنا في السودان بيننا وبدأ من هنا مجلته " المنارة المرقسية " والتي كانت منارة ازدانت بالأدباء والشعراء وموجودة أعدادها الأولى في دار الوثائق السودانية، ولا ننسى أديب الأدباء وشاعر الروح والقداسة المطران الأنبا دانيال الذي كان عندما يطير النوم من عينيه يكتب أجمل القصائد الروحية، وعلى مستوى أقباط مصر نذكر الزعيم المرموق مكرم عبيد، والذي كان خطيباً بليغاً في اللغة العربية وندد بالاحتلال وازدان تاريخه الفني والسياسي بأعظم الخطب الحماسية، ، وكان وزيراً للمواصلات والمالية والخارجية وكاد أن يكون رئيساً للوزراء لولا خصومات البعض وكان نقيباً للمحامين، ويعد كما قال عنه مصطفى الفقهي أشهر خطيب في التاريخ السياسي وله أقوال يحفظها البعض حتى الآن نذكر منها " اللهم يا رب المسلمين والنصارى أجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصارا، واجعلنا نحن النصارى لك وللوطن مسلمين"، وعلى ضريح سعد زغلول قال مكرم عبيد: في مناسبة عيد الفطر 1943م ولا يحسبن أحد أن حقي في تهنئة إخواتي المسلمين مستمد من صلة في الدنيا دون الدين كلا فالحق ليس هو إلا سبيل واحد، وإن يكن ذا طرفين وقبلة واحدة وأن تكن بين حرمين فلنتحدث عن هذا الحق من ناحيته وعلى صورته أو بالأحرى فإن الأعياد فرعت فجمعت بيننا على اختلاف مذاهبنا في الدين، ما من عيد للمسلمين أو المسيحيين من بني الوطن إلا وتُفتح له الدور لاستقبال الفريق الآخر من المواطنين المهنئين والمُعَيدِِّين مع المُعَيدَّين لاعَنْ مجامله بل عن مؤاخاة ومجاورة ومزاملة أما من ناحية الدين فتجمعنا في الوطن محبة الإقليم وفي الله الرحمن الرحيم أو نكون إخوة في الوطن وفي إنسانية هذا العالم الأصغر ونكون إخوة في الله والله أكبر ألا نرتفع بالدنيا إلى مستوى الدين وبالأرض إلى أعلى السماء إذا شئنا لأرواحنا أن نحيا حياة النعيم في دار الشقاء وعندما حاول المستعمر أن يفرق بين المسلمين والأقباط قال مكرم عبيد: يقولون أقباط ومسلمون بل هم مصريون ومصريون وآباء وأمهات وبنون وبنات، أو قولوا لهم أخوة يدينون بدين مصر، وبدينها يؤمنون أو أشقاء لاُن أمهم مصر وأباهم سعد زغلول.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.