نتحمل المسؤلية كاملة مع حكومة الثورة    بعد دورة من العنف.. مدينة الجنينة تتحول إلى معسكر كبير بدارفور    بنك أمدرمان الوطني يطلق النسخة المطورة من تطبيق أوكاش    وزير الري الإثيوبي: انتهينا من المخارج السفلية لسد النهضة    إسبانيا تؤكد رغبتها في زيادة حجم التبادل التجاري مع السودان    بنك السودان يعلن السعر التأشيري للدولار الأمريكي ليوم الخميس 22 أبريل 2021    وفاة مرضى كورونا بمركز عزل بسبب إهمال الاطباء    منها تراجع الذاكرة.. أعراض خطيرة لنقص فيتامين B12 عليك الحذر منها    مسؤول: بايدن يستعد لإعلان وصول الولايات المتحدة لهدف 200 مليون جرعة لقاح مضاد لكورونا    المريخ يغادر إلى القاهرة نهاية الشهر الحالي    رئيس الإتحاد المحلي للكرة الطائرة بنيالا يشيد بدور الفرقة(16)في الجانب الرياضي    حركة/جيش تحرير السودان تعزى في وفاة ادريس ديبي    بيان من لجنة تطبيع النادي الأهلي مدني حول اللاعب عباس الشاذلي    السعودية.. إغلاق 23 مسجداً مؤقتاً في مناطق متفرقة من المملكة    إصابة نجم ريال مدريد بفيروس كورونا    بوتين: سنرد بحزم على أي استفزازات تهدد أمننا    سهير عبد الرحيم تكتب: 1400 جثة    رئيس الوزراء يصل عطبرة وسط احتجاجات للجان المقاومة    ورشة الأطر القانونية تشيد بجهود مصرف الادخار    مباحث شرطة ولاية الخرطوم تضبط شبكة لسرقة المركبات والدراجات النارية    فرنسا: مؤتمر باريس لدعم جهود إعفاء ديون السودان الخارجية    السعودية تدعو إيران مجددا للإنخراط في المفاوضات وتفادي التصعيد    تذمر وغضب المواطنين لعودة قطوعات الكهرباء    دابة الأرض    السودان: القوات المسلّحة قادرة على حماية كلّ شبرٍ من الأراضي المحرّرة    عودة تداول أسهم (سوداتل) بسوق أبوظبي للأوراق المالية    أبريل شهر التوعية بالتوحد (كلموهم عني انا طفل التوحد)    ورشة لشركاء السلام حول القانون الدولى الإنسانى لتعزيز حقوق الإنسان    نادي امدرماني يشطب(10) لاعبين دفعة واحدة    إدانة الشرطي شاوفن بكل التهم المتعلقة بمقتل جورج فلويد    ضياء الدين بلال: كَشْف حَال…!    هاني عابدين يواصل سلسلة حفلاته الرمضانية    الفنان عصام محمد نور ل(كوكتيل): أنا فاشل جداً في المطبخ.. ورمضان فرصة لكسب الأجر    مجزرة 8 رمضان .. بقلم: أمل أحمد تبيدي    محاكمة مدبري انقلاب 89م .. أسرار تنشر لأول مرة    كورونا في رمضانها الثاني على التوالي: فيروس يغيّر موازين الدنيا .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    وفاة الدكتور الشاعر علي الكوباني    وزير الصناعة : توقعت إلغاء المالية للكثير من الرسوم بسبب كورونا    "سبورتاق" ينفرد بتفاصيل اجتماع "الفيفا" و"شداد"    هدى عربي .. سوبر ستار    وفاة استشاري الطبّ الشرعي والعدلي علي الكوباني    إسماعيل حسب الدائم يقدم المدائح عقب الإفطار    السوداني: مدير الطبّ العدلي: دفن 10 من الجثث المتحلّلة اليوم    واتساب "الوردي".. تحذير من الوقوع في فخ القراصنة    الموت يغيب الشاعر د. علي الكوباني    السودان.."9″ ولايات تتسلّم لقاح تطعيم"كورونا"    صور دعاء 10 رمضان 2021 | صور دعاء اليوم العاشر من شهر رمضان الكريم    الجبهة الوطنية العريضة تطالب بالتحقيق في قضية الجثث المجهولة    لجان المقاومة تتمسك بالتصعيد حتى حل مشكلة الجثث    مقتل جورج فلويد: إدانة الشرطي السابق ديريك شوفين في القضية    بالفيديو: جامع زوجته ولم يغتسل إلا بعد الفجر فما حكم صيامه؟.. أمين الفتوى يجيب    احذر .. لهذه الأسباب لا يجب النوم بعد السحور مباشرة    تجميد مشروع دوري السوبر الأوروبي (بي إن سبورتس)    شاهد بالفيديو.. الفنان محمد بشير (الدولي) يعيش حالة من الرعب والذعر بعد تورطه في قتل مرافقة له بالقاهرة    المريخ يُسجل هداف دوري الأولى العاصمي (الحلنقي)    صور دعاء 9 رمضان 2021 دعاء اليوم التاسع من رمضان الكريم مكتوب    صور دعاء اليوم 8 رمضان 2021 | دعاء اللهم ارزقني فيه رحمة الايتام    إذا زاد الإمام ركعة ماذا يفعل المأموم؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مع ذكريات أحد فرسانها بخت الرضا 75 عاماً من الإشعاع المعرفي الدويم: إشراقة مكي لكل منا ذكريات تربطه
نشر في السوداني يوم 27 - 01 - 2012


بخت الرضا 75 عاماً من الإشعاع المعرفي
الدويم: إشراقة مكي
لكل منا ذكريات تربطه بزملاء دراسة لم يبارحوا الذاكرة ولو طالت الأيام والسنوات بينهم، لأني مازلت أذكر صديقاتي خديجة حماد وهالة فاروق وعزيزة موسى اللاتي ربطتني بهن صداقة بالمرحلة الثانوية ولكن بالرغم من ابتعادنا عن بعضنا لسنوات إلا أن لقائي بهن بعد عدد من السنوات، لم يكن فاتراً لأنه سرعان ما تتدفق الحكاوي والمواقف التي جمعت بيننا كأننا نعيش تلك اللحظات من جديد، كل هذا أعاده لذاكرتي ما قرأته من ذكريات حية يرويها الدكتور الغالي محمد سليمان عن (بخت الرضا) وعن زملائه وأحاسيسه التي لم تفارق صدره حتى الآن منذ خطت خطاه بهذا المكان الرائع الذي عاش فيه أياماً رائعة فكانت نقلته الكبرى من قرية المزروب شمال كردفان إلى الدويم، تكاد صورها حتى الآن بالرغم من تقدمه في السن تزيد من حفر عمقها برأسه الذي اشتعل شيباً ولكن لم ينس منها مشهداً.
• ست الاسم
يقول الدكتور إن اسم بخت الرضا اشتق من اسم امرأة كانت تحرس المطامير (حفر في الأرض يحفظ فيها الذرة أو الدخن) في منطقة زراعية شمال مدينة الدويم وهي منطقة ريفية (منطقة شدة) يكثر بها الناموس والذباب والثعابين ومختلف الحشرات إضافة إلى الماء المالح فيها. وقد قامت بخت الرضا كبديل لمدرسة تدريب مدرسي المدارس الأولية (العرفاء) وهم من قبلوا بكلية غوردون من المدارس الأولية والبعض من المدارس المتوسطة للعمل بالمدارس الأولية، وعند قيام بخت الرضا تم تحويلهم إليها للتأهيل والتدريب ثم التخرج كمعلمين بالمدارس الأولية وهي أول مدرسة تابعة لكلية غردون عام 1903م ثم أغلقت عام 1928م وتم فتحها مرة أخرى عام 1934م. ولقد ارتبط إنشاء بخت الرضا بلجنة ونتر التي عينت عقب الأزمة الاقتصادية العالمية التي أدت إلى إعادة النظر في سياسة التعليم آنذاك.
• شعاع الطين والقش
كانت مباني الإدارة عبارة عن مبنى واحد من الطين والقش، وسقف من الزنك (ملقم) بالبروش لتخفيف حرارة الزنك ويطلق عليه المبنى الرئيسي، وهو يضم الفصول من الأول إلى الخامس ومكتب العميد مستر قرفس ونائبه عبد الرحمن علي طه، كما يشمل المبنى مكاتب المعلمين ومكتبة التسليف بالبريد والحسابات والكتبة وقاعة الاجتماعات وأمام المبنى مسرح صغير في شكل دائرة، كما أن المباني جميعها من الطين والقش كمنازل المعلمين وداخليات الطلاب وحتى منازل سكن الذين يأتون للتدريب بالمعهد، وفيما بعد تم تحويل طلبة الصف الخامس من ذلك المبنى الرئيسي إلى كرنك مشيد من الطين والقش حتى تم تخرجهم في 1/1/1941م، وفي العام 1948م تم تحويل جميع الطلبة إلى مبروكة للدراسة والسكن بالداخليات حتى يتم نقلهم إلى بخت الرضا للالتحاق بالصف السادس للدراسة والتدريب. وهنا يتوقف دكتور الغالي بعد هذا السيل العرمرم من الذكريات ويتنهد.. ما هي الصورة الآن؟ لقد اختفت (بخت الرضا) بكل مبانيها ومعالمها الأخرى التي كانت بها، لقد اختفت اللهم إلا من بعض المنازل للموظفين والعمال التي وزعت ما بين جامعة بخت الرضا والمركز القومي لتطوير المناهج والبحث التربوي، لقد تبدل الحال عندما أصبحت مبروكة داخلية لطلاب بخت الرضا، أما داخلية السنتين حيث كان يعد فيها مدرسو المدارس المتوسطة من خريجي المدارس الثانوية وتدريب معلمي المرحلة الثانوية ويدرس بها كبار الأساتذة الجامعيين قبل قيام كلية التربية بجامعة الخرطوم، ما هو وضعها الآن؟ داخلية السنتين أصبحت كلية التربية، أما مدرسة النيل الأبيض الوسطى التي كان يتدرب فيها معلمو المرحلة المتوسطة (السنتين) وتقع شمال مبنى الإدارة فأصبحت الآن كلية الزراعة هي ومدرسة الدويم شمال المتوسطة، أما ديم بكر التي تقع جنوبي الرئاسة حيث بها داخليات التلاميذ الأولية وسكن المعلمين، فأصبحت عمادة طلاب جامعة بخت الرضا وبها أيضاً الإدارة والشؤون الاجتماعية للجامعة، أما المدرسة الأولية (الألفية) التي كان يتدرب فيها معلمو المدارس الأولية وتقع شرق مبنى الإدارة فأصبح بها الآن إدارة الجامعة بالإضافة إلى مدرسة بنين أساس واحدة ومدرسة بنات أساس واحدة، والمكتبة المركزية تبعت للمركز القومي وتستغل من قبل الجامعة والمناهج أما سادسة فأصبحت المركز القومي للمناهج، ونادي المعلمين أصبح جزءاً من المركز القومي للمناهج، والإدارة القديمة مستغلة استثمارياً لخدمات طلاب الجامعة، والمسرح العتيق ألحق بالجامعة أيضاً. أما حوض السباحة فتبع أيضاً للجامعة. أما حي العمال فظل كما هو (الدكان الكبير والبيارة والطاحونة والفرن وبعض الخدمات). وهكذا يسدل الستار على مؤسسة عظيمة عاشت (61) عاماً عبره قدمت للسودان المعرفة وقادته إلى الاستقلال، فقد كانت بخت الرضا بوتقة لانصهار أبناء السودان، من كل الجهات يحملون عاداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم يلتقون في الداخليات والفصول والميادين وغيرها، فزالت بينهم الفوارق وتم تبادل الخبرات وتلاقحت الأفكار وبهذا تكونت الوحدة الوطنية.
• مصنع الرجال
يروي دكتور الغالي كيف كان يتم استدعاء بعض الطلاب للذهاب لبخت الرضا، في يوم من أيام شهر نوفمبر سنة 1945م، وبنهاية الصف الرابع طلب منه ناظر مدرسة الدامر الأولية وهي المدرسة الوحيدة في المدينة طلب منه أن يذهب لبخت الرضا فرفض الذهاب فتم استدعاء خاله الوصي عليه بعد وفاة والده ليستشيره الناظر في أمر إرساله إلى بخت الرضا ليمكث فيها ست سنوات ليرجع بعدها مدرساً بالمدرسة الأولية وهنا يفكر الغالي بسره (إن هذه فرصته نسبة لضيق اليد، وصعوبة قبوله في مدرسة وسطى بسبب المصاريف إضافة إلى أسلوب من "التخويف" بأن هذه المواصفات جاءت من بخت الرضا بواسطة مفتش المركز بعطبرة فيما يتعلق بانطباق المواصفات عليه من حيث المستوى الأكاديمي وبعض الصفات الأخرى)، وهنا يؤكد الغالي بعد المداولات بين أفراد الأسرة فإن والدته اعترضت على ذهابه لبخت الرضا واختارت أن يبقى بجانبها ليساعدها في بعض شؤون الأسرة الفقيرة، ولكن الخال أقنعها أن ابنها سوف يساعدها بشكل أفضل حال تخرجه فاقتنعت مكرهة، وهنا يقول الغالي بسعادة ودعت زملائي بالصف الرابع ومعلمي بمدرسة (خور جادين) التي تتمتع بطبيعة خاصة ارتبط بها تلاميذها البادية، وهي المدرسة الوحيدة التي أقيمت في منطقة دار حامد شمال كردفان وقام ببنائها أول المتعلمين من قبيلة دار حامد عام 1949م وهو المأمور عبدالله أفندي العريفي، الذي جمع لها تلاميذ من المدارس بمنطقة المزروب، أم كريدم، أم شرية، السعاتة، أم سعدون، المرة، أم سيالة، أم قرفة، شرشار، دميرة، طيبة، والقاعة وغيرها، والمدرسة تقع في منطقة (الخيران) شرق دميرة حاضرة قبيلة الفراحنة، على امتداد واحة البشيري المعروفة، ولعل مما خلد ذكرى (الخيران) حيث تزرع أشجار النخيل والليمون والفواكه والخضروات بكل أنواعها. بعض الأغاني التي كانت تتغنى بها فتيات دار حامد النابهات وأخذها عنهن كل أهل السودان وهي من أغاني الجراري المشهورة التي تقول كلماتها:
زارعنه في الخيران
ساقينه بي التيران
اسمك تقيل يا فلان
زي حنظل القيزان
++++
زارعنه في البورة
وطاتة ممطورة
زولاً جميل الصورة
بي الفاتحة مندورا
وحملت شنطتي الحديدية وبدأت رحلة العلم إلى مصنع الرجال بخت الرضا، ولم يكن حينذاك من وسائل ترحيل غير الدواب وأهمها الجمال فأجرت أنا ورفيقي محمد جملين ليوصلانا عبر مسيرة يوم كامل، منطلقين صوب الجنوب إلى بارا مركز دار حامد إلا أن سيرنا كان بطيئاً بسبب قيزان الرمال العالية ثم المنحدرات حادة والسهول منبسطة، لقد تحركنا في أول مارس صباح الاثنين عام 1952م وبعد ليال صعبة وصلنا إلى بارا ومنها توجهنا إلى الأبيض بالعربات اتجهت إلى منزل ابن عمتي الشريف محمد الماحي رحمه الله الذي أوصلني أحد حيرانه إلى محطة السكة حديد، ولأول مرة في حياتي أرى القطار فهو عالم قائم بذاته وفي الدرجة الثالثة التي حجزت لي بها مقعداً تعرفت لأول مرة بعدد من رفقاء الرحلة المتوجهين أيضاً إلى نفس وجهتي بخت الرضا كان منهم حسن أحمد الشيخ، علي فضل دقاش، وموسى حامد أبو شلوخ، زين العابدين محمد وهم العدد المطلوب إرساله من مديرية كردفان، وتحرك القطار عند الثامنة صباحاً من الأبيض ومن ثم نزلنا بالأبيض لنركب فيما بعد الباخرة للدويم لنصل بعدها إلى بخت الرضا.
وعن رحلته البحرية الأولى يقول دكتور الغالي "لقد اضطربت المشاعر بداخله، وهو يتفحص بعينيه جنبات (البابور) الذي كان يتمايل وهو يصعد إليه بسلام إلى صندل محاط بسلك نملي ومسقوف بالزنك وأرضيته من خشب، وفيما يذكر أن كل من معه افترشوا السطح البارد ورقدوا بدون لحاف أو مخدة متوسدين فقط شنطهم الحديدية وهم مأخوذين بحركة الموج وصوت الماء الذي يرتطم بجنبات البابور وخاصة وهم قادمون من كردفان يختبرون هذا الوضع لأول مرة في حياتهم، وعند نزولهم قابلهم (العم منصور) المعروف بدقة مواعيده وأخذهم إلى مبروكة حيث استقر بهم المقام هناك.
ومرت الأيام حلوة خضرة نضرة بين الزملاء والأساتذة حتى جاء العام 1957م فجلست لامتحان النهائي الثانوي، وبحمد الله ظهرت النتيجة حيث أخذوني من أوائل الذين اختيروا لمعهد التربية بخت الرضا حيث وجدت عالماً غير الذي عشت فيه وأجواء غير التي ألفتها وأشخاصاً كنت أسمع بهم فرأيتهم رأي العين مثل عميد المعهد ابن رفاعة عثمان محجوب والدكتور أحمد الطيب والأستاذ بدر الدين الرياضي المهول، ولقد كنا نسمي بعض الأشخاص بأسماء قراهم ومدنهم التي حضروا منها حتى صارت أسماء لهم لا يعرفون بدونها مثل (شكابة، طابت، شبارقة، بشاقرة، تندلتي، كوستي) وأحياناً بأسماء القبائل مثل (الجعلي، والفلاتي، ود النوبة) وأحياناً أخرى بالجهات التي قدموا منها مثل ( ود السافل، ود الصعيد، ود الشرق، ود الغرب) كل هذا والكل راض يأتي مسرعاً عندما ينادى بها.
ويواصل دكتور الغالي سرد ذكرياته الحبيبة ويقول "المدرسة سابقاً علمتنا كيفية الاستمتاع بحياتنا الدراسية والاستفادة من أحوال الطقس عندما كنا نقوم برحلات شتوية وصيفية للقرى المجاورة، حيث يسعد الطلاب بها لما تقوم به من بث روح العمل الجماعي كالمساعدة في بناء الفصول والمساجد والترفيه والتثقيف حتى صار حالنا أن نودع بالشكر وأحياناً كثيرة بدموع الفراق والبكاء لما يتركه من أثر عقب رفقة الزملاء الذي يظل باقياً حتى العام القادم.
• القلعة القبلة
يقول دكتور الغالي إن بخت الرضا في يوم من الأيام أصبحت قلعة علم ومحط أنظار العديد من التربويين من العالم العربي والإفريقي، لقد قدم إليها عدد من الطلاب الصوماليين ومنهم الشيخ محمود حاج أحمد الذي حضر لدراسة طرق تدريس اللغة العربية والحساب لمدة ثلاثة شهور، كما أتم نجيب جعفر من عدن مدة ببخت الرضا، كما جاء سعيد القدال في زيارة قصيرة عند توجهه إلى حضرموت لدراسة حال التعليم في السودان عام 1938م لمعرفة صور النشاط المختلفة ، أما الحدث الأهم فعندما في عام 1945م إلى معهد التربية ببخت الرضا الامير (فهد بن عبد العزيز) ملك المملكة العربية السعودية فيما بعد، الذي أرسله والده آنذاك ليتعلم في بخت الرضا لسمعتها الداوية تربوياً في العالم، وقد فرح بقدومه الجميع وقبل بالمدرسة الريفية الوسطى بمدينة الدويم إلا أن المسئولين احتاروا في كيفية إقامته لأن مهمة المعهد كانت إعداد معلمين لمدارس الريف السوداني في حد أدنى من الرفاهية وخاصة أن الأمير لم يكن يعد ليكون مدرساً. وبواسطة الأستاذ عبد الرحمن علي طه تم حل المشكلة عندما اقترح عليه المرحوم الشيخ يوسف هباني ناظر قبيلة الحسانية في ذلك الوقت أن يستضيف الأمير بمنزله في الدويم، إلا أنه للأسف لم يتمكن الأمير من البقاء طويلاً بالمدرسة لأن توجيهاً جاء من الخرطوم تقرر بموجبه حسب طلب والده أن يرسل إلى مصر، وبالفعل وصل محمد عبد الهادي المسئول عن التعليم المصري بالسودان وأخذه. ويحكي الأستاذ أحمد محمد سعد مدرس العلوم بالمدرسة الريفية أن الطالب فهد عبد العزيز كان ضمن طلبته وقد تميز بتشوقه للتجارب العلمية ولو لم يكن أميراً وهو في طريقه ليكون عاهلاً للملكة العربية السعودية لأكمل تدريبه ليكون معلماً للعلوم ولكن مدة بقائه بالسودان في العام 1945م كانت قصيرة جداً.
///
ع
الدويم: إشراقة مكي
لكل منا ذكريات تربطه بزملاء دراسة لم يبارحوا الذاكرة ولو طالت الأيام والسنوات بينهم، لأني مازلت أذكر صديقاتي خديجة حماد وهالة فاروق وعزيزة موسى اللاتي ربطتني بهن صداقة بالمرحلة الثانوية ولكن بالرغم من ابتعادنا عن بعضنا لسنوات إلا أن لقائي بهن بعد عدد من السنوات، لم يكن فاتراً لأنه سرعان ما تتدفق الحكاوي والمواقف التي جمعت بيننا كأننا نعيش تلك اللحظات من جديد، كل هذا أعاده لذاكرتي ما قرأته من ذكريات حية يرويها الدكتور الغالي محمد سليمان عن (بخت الرضا) وعن زملائه وأحاسيسه التي لم تفارق صدره حتى الآن منذ خطت خطاه بهذا المكان الرائع الذي عاش فيه أياماً رائعة فكانت نقلته الكبرى من قرية المزروب شمال كردفان إلى الدويم، تكاد صورها حتى الآن بالرغم من تقدمه في السن تزيد من حفر عمقها برأسه الذي اشتعل شيباً ولكن لم ينس منها مشهداً.
• ست الاسم
يقول الدكتور إن اسم بخت الرضا اشتق من اسم امرأة كانت تحرس المطامير (حفر في الأرض يحفظ فيها الذرة أو الدخن) في منطقة زراعية شمال مدينة الدويم وهي منطقة ريفية (منطقة شدة) يكثر بها الناموس والذباب والثعابين ومختلف الحشرات إضافة إلى الماء المالح فيها. وقد قامت بخت الرضا كبديل لمدرسة تدريب مدرسي المدارس الأولية (العرفاء) وهم من قبلوا بكلية غوردون من المدارس الأولية والبعض من المدارس المتوسطة للعمل بالمدارس الأولية، وعند قيام بخت الرضا تم تحويلهم إليها للتأهيل والتدريب ثم التخرج كمعلمين بالمدارس الأولية وهي أول مدرسة تابعة لكلية غردون عام 1903م ثم أغلقت عام 1928م وتم فتحها مرة أخرى عام 1934م. ولقد ارتبط إنشاء بخت الرضا بلجنة ونتر التي عينت عقب الأزمة الاقتصادية العالمية التي أدت إلى إعادة النظر في سياسة التعليم آنذاك.
• شعاع الطين والقش
كانت مباني الإدارة عبارة عن مبنى واحد من الطين والقش، وسقف من الزنك (ملقم) بالبروش لتخفيف حرارة الزنك ويطلق عليه المبنى الرئيسي، وهو يضم الفصول من الأول إلى الخامس ومكتب العميد مستر قرفس ونائبه عبد الرحمن علي طه، كما يشمل المبنى مكاتب المعلمين ومكتبة التسليف بالبريد والحسابات والكتبة وقاعة الاجتماعات وأمام المبنى مسرح صغير في شكل دائرة، كما أن المباني جميعها من الطين والقش كمنازل المعلمين وداخليات الطلاب وحتى منازل سكن الذين يأتون للتدريب بالمعهد، وفيما بعد تم تحويل طلبة الصف الخامس من ذلك المبنى الرئيسي إلى كرنك مشيد من الطين والقش حتى تم تخرجهم في 1/1/1941م، وفي العام 1948م تم تحويل جميع الطلبة إلى مبروكة للدراسة والسكن بالداخليات حتى يتم نقلهم إلى بخت الرضا للالتحاق بالصف السادس للدراسة والتدريب. وهنا يتوقف دكتور الغالي بعد هذا السيل العرمرم من الذكريات ويتنهد.. ما هي الصورة الآن؟ لقد اختفت (بخت الرضا) بكل مبانيها ومعالمها الأخرى التي كانت بها، لقد اختفت اللهم إلا من بعض المنازل للموظفين والعمال التي وزعت ما بين جامعة بخت الرضا والمركز القومي لتطوير المناهج والبحث التربوي، لقد تبدل الحال عندما أصبحت مبروكة داخلية لطلاب بخت الرضا، أما داخلية السنتين حيث كان يعد فيها مدرسو المدارس المتوسطة من خريجي المدارس الثانوية وتدريب معلمي المرحلة الثانوية ويدرس بها كبار الأساتذة الجامعيين قبل قيام كلية التربية بجامعة الخرطوم، ما هو وضعها الآن؟ داخلية السنتين أصبحت كلية التربية، أما مدرسة النيل الأبيض الوسطى التي كان يتدرب فيها معلمو المرحلة المتوسطة (السنتين) وتقع شمال مبنى الإدارة فأصبحت الآن كلية الزراعة هي ومدرسة الدويم شمال المتوسطة، أما ديم بكر التي تقع جنوبي الرئاسة حيث بها داخليات التلاميذ الأولية وسكن المعلمين، فأصبحت عمادة طلاب جامعة بخت الرضا وبها أيضاً الإدارة والشؤون الاجتماعية للجامعة، أما المدرسة الأولية (الألفية) التي كان يتدرب فيها معلمو المدارس الأولية وتقع شرق مبنى الإدارة فأصبح بها الآن إدارة الجامعة بالإضافة إلى مدرسة بنين أساس واحدة ومدرسة بنات أساس واحدة، والمكتبة المركزية تبعت للمركز القومي وتستغل من قبل الجامعة والمناهج أما سادسة فأصبحت المركز القومي للمناهج، ونادي المعلمين أصبح جزءاً من المركز القومي للمناهج، والإدارة القديمة مستغلة استثمارياً لخدمات طلاب الجامعة، والمسرح العتيق ألحق بالجامعة أيضاً. أما حوض السباحة فتبع أيضاً للجامعة. أما حي العمال فظل كما هو (الدكان الكبير والبيارة والطاحونة والفرن وبعض الخدمات). وهكذا يسدل الستار على مؤسسة عظيمة عاشت (61) عاماً عبره قدمت للسودان المعرفة وقادته إلى الاستقلال، فقد كانت بخت الرضا بوتقة لانصهار أبناء السودان، من كل الجهات يحملون عاداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم يلتقون في الداخليات والفصول والميادين وغيرها، فزالت بينهم الفوارق وتم تبادل الخبرات وتلاقحت الأفكار وبهذا تكونت الوحدة الوطنية.
• مصنع الرجال
يروي دكتور الغالي كيف كان يتم استدعاء بعض الطلاب للذهاب لبخت الرضا، في يوم من أيام شهر نوفمبر سنة 1945م، وبنهاية الصف الرابع طلب منه ناظر مدرسة الدامر الأولية وهي المدرسة الوحيدة في المدينة طلب منه أن يذهب لبخت الرضا فرفض الذهاب فتم استدعاء خاله الوصي عليه بعد وفاة والده ليستشيره الناظر في أمر إرساله إلى بخت الرضا ليمكث فيها ست سنوات ليرجع بعدها مدرساً بالمدرسة الأولية وهنا يفكر الغالي بسره (إن هذه فرصته نسبة لضيق اليد، وصعوبة قبوله في مدرسة وسطى بسبب المصاريف إضافة إلى أسلوب من "التخويف" بأن هذه المواصفات جاءت من بخت الرضا بواسطة مفتش المركز بعطبرة فيما يتعلق بانطباق المواصفات عليه من حيث المستوى الأكاديمي وبعض الصفات الأخرى)، وهنا يؤكد الغالي بعد المداولات بين أفراد الأسرة فإن والدته اعترضت على ذهابه لبخت الرضا واختارت أن يبقى بجانبها ليساعدها في بعض شؤون الأسرة الفقيرة، ولكن الخال أقنعها أن ابنها سوف يساعدها بشكل أفضل حال تخرجه فاقتنعت مكرهة، وهنا يقول الغالي بسعادة ودعت زملائي بالصف الرابع ومعلمي بمدرسة (خور جادين) التي تتمتع بطبيعة خاصة ارتبط بها تلاميذها البادية، وهي المدرسة الوحيدة التي أقيمت في منطقة دار حامد شمال كردفان وقام ببنائها أول المتعلمين من قبيلة دار حامد عام 1949م وهو المأمور عبدالله أفندي العريفي، الذي جمع لها تلاميذ من المدارس بمنطقة المزروب، أم كريدم، أم شرية، السعاتة، أم سعدون، المرة، أم سيالة، أم قرفة، شرشار، دميرة، طيبة، والقاعة وغيرها، والمدرسة تقع في منطقة (الخيران) شرق دميرة حاضرة قبيلة الفراحنة، على امتداد واحة البشيري المعروفة، ولعل مما خلد ذكرى (الخيران) حيث تزرع أشجار النخيل والليمون والفواكه والخضروات بكل أنواعها. بعض الأغاني التي كانت تتغنى بها فتيات دار حامد النابهات وأخذها عنهن كل أهل السودان وهي من أغاني الجراري المشهورة التي تقول كلماتها:
زارعنه في الخيران
ساقينه بي التيران
اسمك تقيل يا فلان
زي حنظل القيزان
++++
زارعنه في البورة
وطاتة ممطورة
زولاً جميل الصورة
بي الفاتحة مندورا
وحملت شنطتي الحديدية وبدأت رحلة العلم إلى مصنع الرجال بخت الرضا، ولم يكن حينذاك من وسائل ترحيل غير الدواب وأهمها الجمال فأجرت أنا ورفيقي محمد جملين ليوصلانا عبر مسيرة يوم كامل، منطلقين صوب الجنوب إلى بارا مركز دار حامد إلا أن سيرنا كان بطيئاً بسبب قيزان الرمال العالية ثم المنحدرات حادة والسهول منبسطة، لقد تحركنا في أول مارس صباح الاثنين عام 1952م وبعد ليال صعبة وصلنا إلى بارا ومنها توجهنا إلى الأبيض بالعربات اتجهت إلى منزل ابن عمتي الشريف محمد الماحي رحمه الله الذي أوصلني أحد حيرانه إلى محطة السكة حديد، ولأول مرة في حياتي أرى القطار فهو عالم قائم بذاته وفي الدرجة الثالثة التي حجزت لي بها مقعداً تعرفت لأول مرة بعدد من رفقاء الرحلة المتوجهين أيضاً إلى نفس وجهتي بخت الرضا كان منهم حسن أحمد الشيخ، علي فضل دقاش، وموسى حامد أبو شلوخ، زين العابدين محمد وهم العدد المطلوب إرساله من مديرية كردفان، وتحرك القطار عند الثامنة صباحاً من الأبيض ومن ثم نزلنا بالأبيض لنركب فيما بعد الباخرة للدويم لنصل بعدها إلى بخت الرضا.
وعن رحلته البحرية الأولى يقول دكتور الغالي "لقد اضطربت المشاعر بداخله، وهو يتفحص بعينيه جنبات (البابور) الذي كان يتمايل وهو يصعد إليه بسلام إلى صندل محاط بسلك نملي ومسقوف بالزنك وأرضيته من خشب، وفيما يذكر أن كل من معه افترشوا السطح البارد ورقدوا بدون لحاف أو مخدة متوسدين فقط شنطهم الحديدية وهم مأخوذين بحركة الموج وصوت الماء الذي يرتطم بجنبات البابور وخاصة وهم قادمون من كردفان يختبرون هذا الوضع لأول مرة في حياتهم، وعند نزولهم قابلهم (العم منصور) المعروف بدقة مواعيده وأخذهم إلى مبروكة حيث استقر بهم المقام هناك.
ومرت الأيام حلوة خضرة نضرة بين الزملاء والأساتذة حتى جاء العام 1957م فجلست لامتحان النهائي الثانوي، وبحمد الله ظهرت النتيجة حيث أخذوني من أوائل الذين اختيروا لمعهد التربية بخت الرضا حيث وجدت عالماً غير الذي عشت فيه وأجواء غير التي ألفتها وأشخاصاً كنت أسمع بهم فرأيتهم رأي العين مثل عميد المعهد ابن رفاعة عثمان محجوب والدكتور أحمد الطيب والأستاذ بدر الدين الرياضي المهول، ولقد كنا نسمي بعض الأشخاص بأسماء قراهم ومدنهم التي حضروا منها حتى صارت أسماء لهم لا يعرفون بدونها مثل (شكابة، طابت، شبارقة، بشاقرة، تندلتي، كوستي) وأحياناً بأسماء القبائل مثل (الجعلي، والفلاتي، ود النوبة) وأحياناً أخرى بالجهات التي قدموا منها مثل ( ود السافل، ود الصعيد، ود الشرق، ود الغرب) كل هذا والكل راض يأتي مسرعاً عندما ينادى بها.
ويواصل دكتور الغالي سرد ذكرياته الحبيبة ويقول "المدرسة سابقاً علمتنا كيفية الاستمتاع بحياتنا الدراسية والاستفادة من أحوال الطقس عندما كنا نقوم برحلات شتوية وصيفية للقرى المجاورة، حيث يسعد الطلاب بها لما تقوم به من بث روح العمل الجماعي كالمساعدة في بناء الفصول والمساجد والترفيه والتثقيف حتى صار حالنا أن نودع بالشكر وأحياناً كثيرة بدموع الفراق والبكاء لما يتركه من أثر عقب رفقة الزملاء الذي يظل باقياً حتى العام القادم.
• القلعة القبلة
يقول دكتور الغالي إن بخت الرضا في يوم من الأيام أصبحت قلعة علم ومحط أنظار العديد من التربويين من العالم العربي والإفريقي، لقد قدم إليها عدد من الطلاب الصوماليين ومنهم الشيخ محمود حاج أحمد الذي حضر لدراسة طرق تدريس اللغة العربية والحساب لمدة ثلاثة شهور، كما أتم نجيب جعفر من عدن مدة ببخت الرضا، كما جاء سعيد القدال في زيارة قصيرة عند توجهه إلى حضرموت لدراسة حال التعليم في السودان عام 1938م لمعرفة صور النشاط المختلفة ، أما الحدث الأهم فعندما في عام 1945م إلى معهد التربية ببخت الرضا الامير (فهد بن عبد العزيز) ملك المملكة العربية السعودية فيما بعد، الذي أرسله والده آنذاك ليتعلم في بخت الرضا لسمعتها الداوية تربوياً في العالم، وقد فرح بقدومه الجميع وقبل بالمدرسة الريفية الوسطى بمدينة الدويم إلا أن المسئولين احتاروا في كيفية إقامته لأن مهمة المعهد كانت إعداد معلمين لمدارس الريف السوداني في حد أدنى من الرفاهية وخاصة أن الأمير لم يكن يعد ليكون مدرساً. وبواسطة الأستاذ عبد الرحمن علي طه تم حل المشكلة عندما اقترح عليه المرحوم الشيخ يوسف هباني ناظر قبيلة الحسانية في ذلك الوقت أن يستضيف الأمير بمنزله في الدويم، إلا أنه للأسف لم يتمكن الأمير من البقاء طويلاً بالمدرسة لأن توجيهاً جاء من الخرطوم تقرر بموجبه حسب طلب والده أن يرسل إلى مصر، وبالفعل وصل محمد عبد الهادي المسئول عن التعليم المصري بالسودان وأخذه. ويحكي الأستاذ أحمد محمد سعد مدرس العلوم بالمدرسة الريفية أن الطالب فهد عبد العزيز كان ضمن طلبته وقد تميز بتشوقه للتجارب العلمية ولو لم يكن أميراً وهو في طريقه ليكون عاهلاً للملكة العربية السعودية لأكمل تدريبه ليكون معلماً للعلوم ولكن مدة بقائه بالسودان في العام 1945م كانت قصيرة جداً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.