مصر تواصل إجراءات «ترشيد المياه»... والسودان يدعو لاتفاق «ملزم»    جبريل: الجمارك هي الجهة التي تحرك سعر الصرف    سفيرة السودان بالمغرب تطمئن على المنتخب الوطني لكرة القدم    ريال مدريد يعلن رحيل كاسيميرو    تعرض مركز العزل الرئيسي بوسط دارفور للسرقة والصحة تستنكر    لجنة المسابقات تجتمع الثلاثاء برئاسة حلفا    الاقمارالصناعية تظهرسحبا ركامية بولاية الخرطوم وبعض الولايات    آبل تحذر مستخدمي أجهزتها من ثغرة خطيرة    مزمل ابوالقاسم (بعد دا كلو كمان بتشكي) !!    كاس تصدر قراراتها في قضية رئيس إتحاد 24 القرشي    السودانيون.. شعب الله (المُحتار)!!    القبض على رجل قتل زوجته وزعم وفاتها في حادث سيارة    فيديو كليب "الجنني" يتصدر المشاهدة و عمل جديد يجمع الجقر مع هيثم الامين …    بعثة منتخب الناشئين تصل الجزائر    بعد ظهور الأسماء في"القائمة"..دقلو يصدر توجيهًا    94% نسبة أداء جهاز الإيرادات خلال النصف الأول بشمال كردفان    "إنفلونزا الطماطم".. عدوى تنتشر بين الأطفال    صلاح الدين عووضة يكتب : حبابك 3 !!    شاهد بالفيديو: حلمي بكر يهاجم دوللي شاهين بسبب أغنية "غير لائقة"    سيارة يابانية رخيصة واقتصادية جدا في استهلاك الوقود    الجزيرة: إنطلاقة سحب قرعة الخطة السكنية بمخطط الريان الأحد المقبل    التدخين والكحول أبرز مسببات السرطان عالميا    والي الجزيرة يوجه للإعداد المبكر لموازنة العام القادم    صاعقة رعدية تودي بحياة (5) مواطنين بجنوب دارفور    والي النيل الأبيض يدشن الكتاب المدرسي والاجلاس وخزانات المياه    اتحاد بورتسودان يستعد لاستقبال مبعوث الكاف    قد تعاني من نقص في الفيتامين "د" من دون علمك.. ما أبرز أعراضه؟    أمير قطر يوجه بدعم عاجل لضحايا السيول والأمطار بالسودان    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    ضبط شبكة متهمة بتزويرالمستندات الرسمية بالخرطوم    10 ملايين دولار من المصرف العربي لأضرار السيول ومكافحة كورونا    "تويتر ليس مسجدا".. مغردة تنتقد دعاء أمير سعودي بتغريدة والأخير يرد    الدفاع المدني ينقذ مواطناً سقط في بئر عمقه 15 متراً بالكلاكلة وهو على قيد الحياة    خطاب لرئيس القضاء: بإيقاف محاكمة عناصر (الخلية الإرهابية)    حلا عثمان الدقير) تتفوق باقتدار في امتحانات شهادة كامبريدج    الدولار يواصل الإرتفاع المفاجئ مقابل الجنيه السوداني في السوق الموازي    كرشوم يؤكد دعمه لقطاع الثروة الحيوانية والاستثمار بغرب دارفور    شاهد بالصورة والفيديو.. شرطة النظام العام تباشر مهامها بطرد الشباب والفتيات من أعلى كوبري توتي بالقوة ورواد مواقع التواصل يشيدون بموقف الشرطة (النظام العام تمام ومافي كلام)    شاهد بالصورة والفيديو.. ما هي قصة الفتاة الحسناء التي ظهرت بفستان قصير وفاضح خلال تقديمها وصلة رقص مع الفنان البربري؟    ارتفاع حصيلة حرائق الغابات في شمال الجزائر إلى 26 قتيلًا    الثروة الحيوانية: اكتمال مطلوبات إقامة المحجر الحديث بنيالا    السوداني: سحب ملف محاكمة البشير بواسطة المحكمة العليا    الشرطة تداهم مقر شبكة متهمة بتجميع وبيع السلاحف    تقرير الانتدابات "الغامض" يُثير التساؤلات وأبو جريشة يشكر " القنصل"    بالعاصمة موسكو .. اكتمال ترتيبات مباحثات اللجنة الوزارية بين السودان وروسيا    شروط العضوية الجديدة لاتحاد المهن الموسيقية    وطن بطعم التراث في دار الخرطوم جنوب    ليالي وطنية باتحاد المهن الموسيقية بأمدرمان    الفنانة ريماز ميرغني تروج لاغنيتها الجديدة عبر "تيك توك" …    بوتين: أسلحتنا تفوق نظيراتها الأجنبية    تقنين استهلاك الطاقة في مصانع صينية بسبب موجة الحر    صحة الخرطوم تمنع الإعلان عن منتجات الأدوية العشبية    الصحة الخرطوم توجه بعدم الإعلان عن الأدوية والنباتات العشبية    وفد جديد من الكونغرس يزور تايوان    صلاح الدين عووضة يكتب : وأنا!!    أم محمد.. (ولدك يمين يكفينا كلنا مغفرة)!!    د. توفيق حميد يكتب: هل مات أيمن الظواهري قبل قتله في أفغانستان؟    الرئيس السريلانكي السابق في تايلاند    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



زمن البراءة، رومانسية الأغنية السودانية
نشر في السوداني يوم 09 - 03 - 2012


قُلتَ للوردة،
لوردة الأغاني:
- من أين لكِ هذه الطاقة على العبق،
وأنتِ مُحاطةً بالشوكِ من جهاتكِ كلها؟.
ابتَسَمَت،
وأشارت إلى ما تحت أوراقها البِيْض؛
كانت ثمة ندوبٌ كثيرة
تُضَرِّجُ جسدها الغض.
-لا بأس.
مادام هناك عاشقان على ظهر الأرض،
أو فراشتان في الأثير،
فسأتفَتَّح!.
قُلتُ لعينيها،
لعيني حبيبتي
يا أجمل عينين على الإطلاق:
من أين لكِ كل هذا الكُحل؟
ابتسمت بغنجٍ عذبٍ:
- من سحر قصائدكَ!.
قُلت للقصائد:
- من أين لكِ كل هذه العذوبة؟.
قالت بدلال المحبين والعُشاق:
- من سحر ألحان الأغاني،
سحر الأسطورة!.
مُنتصف الخمسينيات، في ذلك الزمان البِكر، تطلع في الناس الأغانى بهيةً، بريئة، نقية كندى الصباح، تَعبُرُ إلى الوجدان كالنسمة، وتدخل البيوت، بيوت الناس، وترقد على الأسِرَّة، فوق وتحت الوسائد كالظل والشعاع!. كانت ساحةُ الغناء بكراً ما تزال و.. عَفِيَّة، والكلمات نفسها كانت عذبة وذات طلاوة وحلاوة وإشراق؛ كان الغناء نفسه للفرح العميق والحب والعشق والوله والتوجد الحميم. إبان تلك الفترة جاء وردي للخرطوم، والتقى بالشاعر إسماعيل حسن، إبن الشمالية، ربيب النيل والجروف والنخيل، بموهبته الشعرية الكبيرة وبساطته وصدقه ونقائه الشعري.
يقول وردي: (قبل دخولي الإذاعة مرَّرُوا صوتي، واجتمعت مع إسماعيل حسن. تعهد الأستاذ علي شمو بمقابلتي مع إسماعيل حسن والملحن خليل أحمد، هكذا بدأت العلاقة معه وتعارفنا وكان اللقاء) (1). جمعتهما وحدة المشاعر ووحدة الرؤى، وأيضاً كونهما من منطقة واحدة، ذلك ما يقول به وردي(2). قُلنا أن الرومانسية كانت سائدة وقتذاك، وإسماعيل حسن أحد أبرز وجوهها:
(يا ناسينا يا جافينا حِن علينا،
حبيبى الدنيا دي الفَرَّاقَة المشتاق مع المشتاقة
نَارَ البيْن دَوَام حرَّاقَة يا الله تاني وين نِتْلاَقَة
الجُوَّا قَلْبِي احْتَلاَّهُوصُبْحِي ومِسَاي دَوَام أَطْرَاهُو
فَارَق دَرْبِي مَا هَمَّاهُويا رَبِّي تَانِي وِيْن أَلْقَاهُو
كُل مَا أَمِيْل أَجِد ذِكْرَاهُو بِيْن الرُّوْض عِرِفْتَ شَذَاهُو).
هذه الأغنية بالذات، لشاعرها عبد الوهاب حسن، هي التي أعطته الوَهْج واللّمعان كما يقول وردي(3). حُرقَةُ الفُرَاق ولَوَاعجه ذات اللهيب، والتّحسر المرّ على أيام اللقاء الجميلة التي احْتَلَّت القلب فأبت أن تفارقه. وسؤال الروح الظمْأَى للحب والوصال (ياربِّي تَانِي وِيْن ألقَاهُو؟).
هذا التفَجُّع، وتلك اللوعة، وموجات الحنين الدّفَّاق للحبيبة التي هَجَرتْ وتَرَكت الذكرى كالجُرح في الوجدان الرهيف المحب؛ هي من ملامح الرومانسية في الأغنية السودانية، التي بحث عنها الفنان الموهوب، وعَرِفَ قَدْر لَوَاعج الوجدان لدى أمّته فالتَقَطَهَا، وبَثَّ فيها من روحه العبقرية، ذلك الشجن الشفيف، وأطلقها في الناس!. ثم لا يرتاح منها حتى يتبعها بأخرى و.. أُخرَيَات، شجياتٍ ومزهرات، وعلى ذات المنوال يلتقي بالشاعر عبد العظيم عباس:
(أَخَادِع نَفْسِي بِي حُبَّك وأَمْنِيْهَا،
شَبَابِي مَعَاكَ مَا أَضْيَع أَمَانِيْه
وعُمر هَوَاكَ ما أَقْصَر لَيَالِيْه
رِضِيْت بِي ظُلْمُه أَحْيَاهُ وأَقَاسِيه
ولَو خَلاَّنِي مَا بَقْدَر أَخَلِّيْهُو).
رغم أن الهوى مكتوبٌ عليه (الضياع) و(قصر العمر)، فإن المحبوب يرضى بهذا (الظُّلْم) كلّه يَقَعُ عليه، ثم لا يستطيع، ولا يقدر، أن يتخلَّى عن المحبوب!. تلك هي مظاهر وملامح الحب مُستَسْلِمَاً لأقدار الحب وتقلبات أطوار الحبيب؛ كيفما أتت فهو بها قانعٌ وراضٍ ومستسلم، القناعة كلها، والرضا كله، والاستسلام كله. نعتقد أن الفنان قد دَخَلَ إلى تلك المرحلة الرومانسية من عمر الأغنية السودانية بوعيٍ أكيد، ولأنها في ذات الوقت الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامه ليطلع من وسط هذه الحديقة بالذات، ومنها أيضاً سوف يطلع جديد أغانيه بوتيرة تطورها المذهلة في صعودها نحو الذُرَى! يقترب من الوجدان العام، وجدان أمته وحساسيتها العَفِيّة، ويُفَتِّش عن العواطف وتجلياتها في المهد الشجيّ للأغاني؛ يظلّ يُفتش، حتى يعثر على أوتار الحِنِّيَّه، ويُمسِكُ باللحظات النادرة في إبداع الفنان، حيث الأنغام في تجليّاتها العاطفية، بدفء العلائق العفية ولواعجها تكمُن في السويداء منها، ومنها ستطلع الأغاني في شجوية الطرب البديع!.
وردي وإسماعيل، كانا يعيشان أيام الشباب وفتوته، ومن المعلوم أن شباب الفنان والشاعر هو زمان الصعود الباهر لذرى الإبداع وتخومه الخصبة؛ فطَلَعَت في تلك الفترة القصائد الجميلات من مخيّلة الشاعر؛ قصائد بسيطة في كلماتها ومعانيها ودلالاتها. وهي، في مجملها، قد كُتبت لتُغَنَّى، وهي أيضاً خارج دائرة الغناء؛ بأداءٍ جميلٍ وصوتٍ موهوب، لا تساوي – في اعتقادنا – كثير تأثير في أفق الحركة الشعرية في السودان. ومن يعرف شعر إسماعيل معرفةً ويلازمه سوف يرى أن وردي من أعطاه هذا القدر الواسع من الانتشار والوسامة؛ فالفنان هو الذي كصائد اللؤلؤ يختار من القصائد ما يرى فيها بحَدس القلب والذهن والذائقة مَوَاطن جمالٍ ودلالات معانٍ رشيقة، تستطيع أن تدخل كالضوء الشفيف إلى وجدان الناس؛ فيختارها ويَدلُقُ عليها من روحه وصوته وكيانه وموهبته العفيّة الشيء الكثير الغزير، ثم يجري عليها الألحان البديعات، فتكون الأغنية في سماء بلادنا وأطرافها، من أقصاها إلى أقصاها، شجناً باهراً ورؤيا جديدة!.
لقاء وردي وإسماعيل كان هو أشواق الأُغنية وطموحها؛ كان هو حُلمها الطالع كالآمال في دنيا الناس، بيارق للحب ملونة ومزهرة ومنشورة على قلاعٍ عالية، أُمنيات منتشرة ومحيطة بالناس، كل الناس! فطلعت الأغاني، واحدةً إثر أخرى، في ذلك الفضاء الرحيب:
(سنين، وأيّام قَضِيْت عُمرِي في لَوْعَة
أَنَادِي الليل وأقول يا ليل؛
أنا المظلوم عَزَاي دَمْعَة،
دُمُوعِي تْسِيْل، ولِيْلِي يطُول).
ثم كانت أغنية (عودة):
(أَوْعَك يَا حَبِيْبي، أَوْعَك تَانِي تَزْعَل
كفَايَة، كِفَايَة عَذَابْنَا اللي طَوَّل
تَغْمُرْنِي بْحَنَانَك وتَسْقِيْنِي المَحَبَّة
أَيَّام عُمْرِي جَنْبَك جَنَّة وأَلْفِ جَنَّة).
تلك أيام العواطف الجميلة، وقريباً من وهج الإذاعة والتماعها ذات البريق التقيا؛ الفنان الكبير بموهبته الضخمة والشاعر الرقيق الحالم، المُحلِّق بأجنحة الشعر الشفيفة بين طيات السحاب. وكانت إذاعة ذلك الزمان حضناً حميماً ورَحِمَاً ولوداً يتجمع حوله المبدعون كالفراشات الملونة، كان ذلك في العام 1958م. والخمسينيات من القرن الماضي كانت لا تزال تَرْتَدِي أثواب الرومانسية ذات الألوان المتداخلة البديعة، والعواطف تجيش وتطلع، حارَّة كالخبز الدافئ على جسد الوطن كله. وكلمات إسماعيل بسيطة سهلة، مزوَّقَة كالحِلْيَة، تدخل قلوب شباب وشابات بلادنا بلا استئذان. والحب ذاته كان مكتَنِزَاً بسيماء الأمل العفي وملامحه الجميلة! كان إسماعيل يكتب بعامية شايقية شمال السودان، وهي متداخلة هناك مع محيطها والبيئات المشابهة، ولكنها، عندما أطلقها وردي في الناس، أصبحت عنصر وحدة، وجاذبة بتعبير هذه الأيام!.
إن روعة أغاني وردي في تلك المرحلة، كما الأيام المتأخرة قليلاً عن الربيع، كانثيالات الروح التي تنسَكِبُ مثل اجتياح مجرى، مثل فوحان مغارةِ البحر الخضراء، مثل عصير العناقيد الأرجوانية الذي خزَّنه في قبوه لآمادٍ طويلة (نبتون) النائي البعيد؛ ذات طزاجة ورحيق حلو، تدخل القلب لتلتَصِقَ به بحبٍّ حميمٍ رحيم؛ فقلوب الناس في بلادى جميعها هكذا، مجبولةٌ على الحبّ والحنين العميم:
(كده أسأل قلبك عن حالي، أسألُه.
تُنْبِيْك عَن سؤالك أشواقي، أسأَلْهُ.
أَسْأَل عيُونَك يَا أَجمَل حبيب،
وأَسْأَل لَيَّ خُدُودَك بَرَاها بِتْجِيْب
فِي عيونك حياتي.
وفي حُسنك بَغِيْب!).
إنه يَرْفَعُ أَغَانِي الحُب لِمَن يُحِبون من أبناء وبنات بلاده، والكلمات الجميلات واللحن المعتَّق يَطْلع من خلال الصوت الفخيم؛ يدخلوا هكذا إلى القلوب؛ كل القلوب. الإبداع هو مأثرة وردي وفيوضه العميمة في الغناء، رافق مسيرته منذ البدايات الأولى لتجربتة الكبيرة وحتى يوم الناس هذا، والإبداع هو الابتداء في شيءٍ على غير مثالٍ سابق، وهو يتضمن معنى الانقطاع عما أُعتِيد السير فيه كما يُشير لسان العرب في بعض معاني الإبداع.
والإبداع هو إنشاء أو إِيجاد ما ليس بموجودٍ قبلاً، على أن الإبداع ليس مجرد وجود جديد مختلف متميز، فليس كل جديد إبداعاً، بل الجديد المبدع هو الكاشف عن علاقات ودلالات أو قيم غير مسبوقة معرفية أو وجدانية ذوقية أو سلوكية، وهو الذي يُتيح بهذا الكشف تغيُّراً وتجديداً وتطويراً للرؤية وللخبرة الإنسانية والإبداع والخصوصية، يقوم عادة بينهما اغتذاء واغتناء متبادل، تبادل وتلازم حميم لا ينفصم. وشرط الإبداع، في كل وقت، الحرية والديمقراطية، وبالإبداع الحقيقي تتعمق وتتسع مجالات الحرية والديمقراطية. وقد أدرك إسماعيل القدرات الهائلة للفنان، والموهبة الفخمة والقبول الرحيب الذي بدأ يُحظَى به لدى وجدان الشعب السوداني، فظلَّ يكتب الكلمات التي تذهب إلى الأفئدة وتدغدغ الوجدان وتهتزُّ لها أوتار القلوب:
(حنان الدنيا
ممزوج
في عِيُون الإلفة والطيبين.
مراسي الشوق
تَوَدِّينَا
وْتَجِيْبنَا
على هوى الحلوين.
وهُم يا هُمْ
وَحَات الله
وَحَات ريدتنا متسامحين،
لا بعاتبونا
لا بلوُمونا
لِيْ غَلْتَاتْنَا،
هُم غافرين
صغيرينْ شحِن.
مهما كان
زمان التيه
دا، مَا محسوب!
مُحَال نَنْسَى
العِشِق ونَتُوبْ!
وكلّ الدُّنيا
شِن تسوى
إذا غابت عيون محبوب).(4)
وكشلالٍ من الفرح انْهَمَرَت الأغاني، وشَهِدَت تلك الفترة أنضر سنوات التعاون الفني بين الفنان والشاعر، وأثمرت أغانٍ خالدة عبّرت، بحقٍّ، عن وجوه وتجليات الرومانسية التي بدأت تسطع وتلمع في الأفاق. ولكن، إذ تفعل ذلك فإنها، في ذات الوقت، تذهب ببطء صوب الأفول والتلاشي!.
الشاعر أبداً لم يعرف أن شمعتها قد بدأت تغيب وتنزوي، ولكن الفنان، وبِحِسِّه وحساسيته العالية وموهبته التي يرفدها تيار الوعي والإدراك الذكي، كان يعرف ملامح الجديد الذي بدأت بذوره تنمو وتُزهِر في دواخله. والجدير بالملاحظة هنا أن وردي مولعٌ (بالتحدي)، يُنازل السائد في ساحة الغناء ويُعطي فيه بمقدارٍ كبير، بالكمّ الكثير والنوع الفاتن المُثير، ثم يبذر بذاره الجديد، يخصب به تربة الغناء في الوطن. ساهمت قصائد إسماعيل، بقدر كبير، في إبراز الوجه الرومانسي في أغنية وردي في تلك الفترة، تلك كانت سنوات البراءة وعنفوانها الفوار.
فغنى وردي لإسماعيل:
(ما تَخْجَلِي، يا السمحة قُوْمِي استَعْجَلِي،
عَطَّشْتِ قلبي، وكلّ يوم تتجملي
أَدِّيْنِي كِلْمَة وْأَهْجُرِيْنِي وْطَوِّلِي).
(أنا لا، ما بنساك،
لو بالصد أبيتيني
أو بالنار صليتيني
أنا لا بنساك!).
(لو بي هَمْسَة، لو بي بسمة، قُوْل أَحِبَّك،
لو بي نظرة، حتى عابرة، قُوْل أَحِبَّك،
لو بِتَحْلَم فِي مَنَامَك، قُوْل أَحِبَّك،
لو تَرَسِّل لَي سَلاَمَك، قول أحبك!).
(قاسي قَلْبَك عَلَيَّ لِيْه،
لو بحب يبقى ذَنْبِي إيه؟.
قلبي تُوْب، توب من عواطفك،
إيه نهاية حُبه إيه؟!).
(بعدِ إيْه جِيْت تَصَالِحني
بعد إيه!
بعد ما وَدَّرْتَ قَلْبِي الكُنْتَ فِيه؟.
جِيْتَ تَبْكِي،
جِيْت تَشْكِي لَيَّ لِيْه؟).
(لو بِيْ يَدِّي كُنتَ طَوَّعْتَ الليالي،
كُنْتَ ذَلَّلْتَ المحُال،
والأَمَانِي الدَّايْرَة فِي دُنْيَاي،
مَا كَانَت خَيَال!
دي الإرادة، ونِحْنَ مَا بْنَقْدَر
نَجَابْهَ المُسْتَحيل؛
دي الإرادة، والمُقَدَّر مَا بْنَجِد
لِيْهُ بَدِيْل.
دي الإرادة أَجْبَرَتْنِي
في هَوَاكُم مِن قِبِيْل!).
(يا نُوْر العِين
إنتَ وِيْنَك وِين؟
قلبي الحَابِّيْكَ مَا خَان لَيَالِيْكَ،
ما ناسي الماضي
ما تْقُوْل نَاسِيْكَ!
مَا بَدَّل حُبُّه أبداً ما تْنَكَّر لِيْكَ
لَكِنَّ الأَشوَاك والنَّار حَوَالِيْكَ!).
(الحَنِيِنْ يا فؤادي
ليه يِعَادِيْك ومَا بْتَعَادِي،
لو تَمُرَّ النسمة بالليل
من دياركم تَشْفِي العليل!
فيها قصة حبي النبيل
فيها رِيْدَك وْرِيْدَك جَمِيل).
(حبيناك من قلوبنا،
واخترناك يا حِلُو،
ما تَبَادْلُوْنَا العواطف
ليه تِتْدَلَّلُو؟).
(الشامة في خَدِّك تَزِيْدُوا وَسَامة).
(حَلَّفتك يا قلبي، الخَانَك تَخُوْنُه).
و.. كثيرات أُخريات على ذات النسق؛ تدور كل موضوعاتها وصورها ودلالاتها وإيحائاتها حول الحب والمحبوبة وتداعيات الهجر والحرمان واللوعة والبعاد والفراق، ثم التغني بالحلاوة التي، عادةً، ما يَتَّصِفُ بها المحبوب؛ أيّ محبوب!. وعلى التأكيد، لم يقتصر الفنان وينحصر في دائرة أشعار إسماعيل وحدها؛ بدأ في ذات المرحلة يَنْتَقي أجمل الأشعار العاطفية وفق منظوره الشخصيّ في انتقاء القصائد المشحونة بالعواطف الجميلة والرؤيا الجديدة لشعراء آخرين، ويُدخلها إلى ذات الساحة في تلازمٍ حميمٍ مع أشعار إسماعيل. ورويداً رويداً يبدأ ينفكُّ من إساره إلى فضاءٍ أرحب وأوسع في المدى. نعم، حَدَثَت (قطيعةٌ) بينه وإسماعيل، ولكن تبقى الحقيقة ساطعة أن تلك (القطيعة) لم تكن أبداً هي سبب خروجه إلى الضفاف الأخرى؛ فتلك مرحلة قد بدأ أفولها، وكان لابدَّ أن تطلع أغانٍ جديدة لشعراء أخرين، وهو الشيء الذى كان أصلاً قد بدأ يشتغل عليه. كانت التربة صالحة ومهيأة، والميلاد قد أَزِفَ ميقاته، وبدأت ملامحه في الطلوع!، والشعراء أنفسهم بدأوا يكتبون قصائدهم على النسق الجديد. فقد كانت التجربة قد اكتسبت ضخامتها، وتَرَسَّخَت ملامحها، وأصبحت في وجدان أهل السودان، بين الحنايا وشقاف القلوب، يُعطيها زخمها ووهجها ولمعانها، سيماؤها وشذاها، أصبحت ذات بوحٍ ودفءٍ وعافيةٍ تَلِدُ، فالرحم الولود كان ينجب أجمل الألحان وأكثرها اكتنازاً بالشذى والعبير!.
وبدأ وردي يُنَوِّع: في القصائد والألحان والرؤى، فغنى للشعراء الأماجد: (5)
• كمال محيسي (جمال الدنيا).
• عبد الرحمن الريح (أسعد الأيام).
• الطاهر إبراهيم (حَرَّمت الحب والريدة).
• الجيلي محمد صالح (توبة).
• الجيلي عبد المنعم (الهوى الأول – مرحباً يا شوق – أيامك التي لَحَّنَهَا لصلاح بن البادية).
• السر دوليب (هدية).
• عمر الدوش (بناديها).
• كجراي (ما في داعي – تاجوج).
•الحَلَنْقِي (موسم الشوق – الصورة – دوري يا أيام).
•التجاني سعيد (قلت أرحل).
•صلاح أحمد إبراهيم (الطير المهاجر).
•الطاهر عبد الوهاب (ما تخجلي).
•صاوي عبد الكافي (أمير الحسن).
•أبو قطاطي (شِن بتقولوا – المرسال).
•محجوب شريف (وردة صبية – مجنونك – الجميلة ومستحيلة).
•حسن عبد الوهاب (يا ناسينا).
•مبارك بشير (يا نسمة).
أغنيات فترة الرومانسية كانت هي التمهيد الطبيعى للنقلة التي سوف يُحدثها وردي في واقع الأغنية السودانية بأسرها؛ فسوف يقوم بإدخال معانٍ وصور ودلالات جديدة في أغاني الحب وأغاني الحياة كلها! وسيكون من بعد انتقائه المدهش للقصائد عبر معايير التطور والقيم الجديدة والملامح المزهرة. هذا ما سوف نراه في نوعيات القصائد التي اختارها، والشعراء الذين أدخلهم، كالنجوم المضيئات، في سماوات الأغاني في بلادنا. وسنرى كيف ارتفع وردي بهؤلاء الشعراء عبر قصائدهم بعد أن صارت أغاني إلى مصاف الآفاق العالية، وأصبحوا أيضاً أسماء لامعة في خارطة الأغاني السودانية ذات البهاء.
هوامش:
(1) مقابلة بالإذاعة السودانية مع وردي وأحمد طه، بمناسبة الإعداد للاحتفالية باليوبيل الذهبي للفنان وردي.
(2) مقابلة بالهاتف بثتها الإذاعة السودانية نهار الجمعة: 4/9/1999م من مقره بأميريكا وقتذاك.
(3) عبدالجليل محمد عبد الجليل – صحيفة ألوان: 15/ديسمبر 1997م.
(4) ديوان (ريحة التراب) إسماعيل حسن ص (168) مؤسسة إشراقة – القاهرة.
(5) هذا ليس حصراً، فهنالك غيرهم غنى لهم وردي، وهنالك أيضاً من غنى له أكثر مما ذكرنا، ونأمل أن تكون هنالك بيلوغرافيا للشعراء والأغاني يوماً ما سيأتي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.