الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    الإعيسر .. حين يفعلها رئيس أكبر دولة يسقط عذر الآخرين.. الإعلام الصادق أمانة ومسؤولية وطنية    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بالصورة.. في مفاجأة كبيرة.. محترف جزائري ينضم لقائمة المنتخب السوداني استعداداً لمواجهة السعودية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    بروح قتالية عالية.. الهلال يضع اللمسات الأخيرة لمواجهة «روتسيرو» بحثاً عن الصدارة والثأر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفنان و الحاكم،
نشر في السوداني يوم 06 - 04 - 2012


أدغَال أدغَال
والأطفَال، حَتَّى الأطفَال
بي إصَرَار في خَط النَّار
بالكَرَّاس وُقَلَم رُصَّاص
العَسكَر جُوَّه الخُرطُوم
أدغَال أدغَال
****
وتَسمَع صُوت مِن نُص الشَّارِع
" يَلاَّ نصَارع"
"بَرضُو نَوَاصِل"
تَلقَى الحَاصِل
شَافِع يَافِع
تِحت البُوت يِنداس، يِنداس
العَسكر جُوَّه الخُرطُوم
أَدغال أَدَغَال). (1)
إن آفة السودان هي الديكتاتوريات التي عَرَشَت على البلاد ثلاث مرات، منذ أن نال السودان استقلاله وحتى يوم الناس هذا لم تعرف بلادنا الديمقراطية والحرية إِلا فترات قِصار؛ إنقلاب العسكر على الديمقراطية هو الذي فَتَّ في عضد البلاد وأورثها المحن الكُثار والدمار الذي نُعانيه اليوم! ولم يذق شعبنا أبداً طعماً للاستقلال الوطني والاقتصادي، ما خرجت بلادنا أبداً من إسار الحلقة الشريرة: "إِنقلاب، ديمقراطية، ثم إِنقلاب!" كما أسماها محمد إبراهيم نُقد! الآفة كلها تكمُنْ في العسكر، في الإنقلاب الذي يحدثونه، ثم مِن بعد يحدث الإنهيار والدمار!.
(ولم يثبت العسكريون أنهم أكثر كفاءة أو أقل فساداً من الحكومات الحزبية، ويكفي أن الشعب السوداني ثار ضد نظامين عسكريين وأطاح بهما، ولم يثر مرة واحدة ضد نظام ديمقراطي بقصد الإطاحة به! وإن مشكلة الجنوب، التي هي مشكلة السودان الأولى منذ الاستقلال، تفاقمت أكثر ما تكون، وأصبحت حرباً أهلية خطيرة الأبعاد، في ظل الحكومات العسكرية الثلاث، كذلك شهدت البلاد أغلظ أنواع التدخل الأجنبي في العهود العسكرية، وأكثر ديون السودان، التي لا يزال يئن من وطأتها، حدثت في عهد الرئيس نميري، وكل انتهاكات حقوق الإنسان التي شَهَّرت بسمعة البلاد وقعت في العهود العسكرية خاصةً في عهد النميري والإنقاذ). (2)
هذا مايقول به أحد أكبر الإسلاميين المستنيرين في بلادنا، بعد أن عاش التجربة كلها وخبر دروبها الوعرة، وممارساتها الفجة في السياسة والحياة! بل أنه يذهب أبعد من ذلك، إلى جوهر القضية، حين يُحدِّد الطريق الذي يجب أن تذهب إليه البلاد، الطريق الأفضل لبلادنا، والذى لا خيار غيره أبداً: (فالنظام التعددي الديمقراطي هو الأنسب لسودان متنوع ثقافياً وعرقياً، ولأن الحكم اللامركزي هو الخيار الأفضل لبلد مترامي الأطراف تتفاوت أقاليمه في التنمية والخدمات، ويتطلع أبناء تلك الأقاليم للمشاركة في السلطة والثروة. فإن طبيعة الحكم العسكري الشمولية، وقبضته المركزية، تجعله غير صالح لمقابلة تلك التحديات. وكلما أدركت القوى السياسية والأطراف المعنية هذه الحقائق البسيطة الواضحة في الساحة السودانية نكون قد تجاوزنا مرحلة تكرار التجارب الفاشلة، واتجهنا نحو إيجاد إطارٍ دستوريٍّ متفقٍ عليه، يكون أساساً لحكم ديمقراطيّ مستقر ينهض بهذه البلاد ويَدعم وحدتها ويبني قوميتها). (3) شكراً جميلاً د. الطيب، فبعد أن أنفقت بعضاً كثيراً من عمرك الأكاديمي الخصب في خدمة الحركة الإسلامية، توصلت إلى قناعات فكرية مُستنيرة، جعلتك تنفض يديك من هذه التجارب المسخ ومن ثم أصبحت بثبات العلماء الكبار تُدلي بشهاداتك الجليلة بفكرٍ حُرٍّ وضمير مطمئن!.
كان وردي، ولا يزال، يتمسك، بوعيٍ واقتدار فنيٍّ ناصع، بالحرية والديمقراطية لشعبه ولوطنه، بل أنه ظل طوال سنين عمره الخصيب يُكافح ضد الديكتاتورية ومظاهر العسكر في حياتنا السياسية، وقد أضحت أناشيده الوطنية سجلاً حافلاً ومضيئاً في حياتنا السياسية لتجليات هذه القناعات لديه. إننا نرى ونشهد أجيالاً من أبناء وبنات شعبنا قد ألهمتها هذه القناعات نفسها القيم الجديدة والإيمان بوحدة السودان وبتجربته وديمقراطيته!.
إن الفنان، أي فنان، عندما يقف هذه المواقف الكبيرة، في صف الحرية والديمقراطية، ويناضل ضد الديكتاتورية وهيمنة العسكر على الحياة السياسية؛ يفعل ذلك بدافع من وعيٍ عميق وتوقٍ إنسانيٍّ عظيم لارتياد فضاءات الحرية الرحيبة، التي هي بؤرة الفن العظيم ومركز انطلاقات إبداعه في الحياة! تلك هي ينابيع السحر الأسطوري لإبداع وردي، التي ظلت ترفد تجربته الضخمة بالبريق واللمعان والخلود. كان هو أسعد الناس بالاستقلال الوطني الذي رأى فيه تحرر بلاده من نير المستعمر وجبروته، وانفتاحاً لدروب الحرية والديمقراطية والسيادة الوطنية، فشرع من هذه الأرضية بالذات ينشد ويُغني:
(اشهدوا شهداء
كرري
يا أساس الوطنية
يا مَن كافحتم وناضلتم
أحفادكم نالوا الحرية.
أول يناير يوم أمجاد
في دارنا نِحَن بقينا اسياد
لا دخيل ولا أصفاد
الكُل بيغنى اليوم أعياد).
وفي قصيدة أُخرى:
(كرري تُحدِّثُ عن رجالٍ كالأسود الضارية؛
خاضوا اللهيب وشتتوا كُتل الغُزاةِ الباغية،
ما لان فرسانٌ لنا، بل فرَّ شمل الطاغية).
للأسف الشديد لم أتذكر شاعري القصيدتين أعلاه، ولكن الشاهد فيهما أن الأول كان صادقاً عندما وصف شهداء كرري بأنهم أساس الوطنية، أما في الثانية فالشاعر "جابها كبيرة"؛ ففي كرري حدث العكس تماماً، إذ أن كُتل الغُزاة لم تتشتت، وشمل الطاغية لم يفر، وإن كان شهداء كرري كالأسود الضارية في مواجهة الموت. يبقى في النهاية أن الفنان الكبير محمد وردي هو الوحيد الذي غنى ليوم الاستقلال، وهو الوحيد الذي استدعى ذكرى كرري وعَظَّم شهداءنا الأماجد. كانت هناك أُغنيات وطنية قبل وردي مثل "وطن الجدود" و "أفديك بالروح يا موطني" و "الفؤاد ترعاه العناية" و "بلادي يا سنا الفجر" و "لي غرام وأماني في سموك ومجدك عشت يا سوداني" و "أنا أفريقي أنا سوداني". ولكن الإستقلال 1 / 1 / 1956 م لم يُغنّ، أُكرر، لم يُغنِّ له إلا وردي! "الناس دي عندها رأي في الاستقلال ياربي" (4).
تلك هي إذن قناعات الفنان ورؤياه، منذ بدء مسيرته الفنية الكبيرة وحتى احتفال الوطن بيوبيله الذهبي هذه الأيام المجيدة! منحازاً بكلياته، وبتفاصيل تجربته الفنية، لجماهير شعبه؛ توَّاقاً ومُبَشِّراً بالحرية والديمقراطية لأبناء وطنه، ومكافحاً ضد العسكر والديكتاتوريات السوداء التي خيَّمت على الوطن.
لم أعرف أبداً، على طول مسيرة الفن السوداني، أن هنالك فناناً حارب العسكرية كما حاربها وردي؛ وقف في مواجهتها نداً لند، يسند ظهره وفنه شعبه العبقري العملاق!.
إن وردي في مقارعته للعسكر يبلغ منا ذروةً من ذرى أغراض الفن السياسي نادرةً في تاريخنا، كبيرة ومُشعة، حيث يكون الغناء فعلاً دافعاً إلى فعلٍ يُقلق مضاجع الحكام، وهم إزاء هذا العنفوان الجياش للغناء جد محتارون، يحاولون "تدجين" الفنان، باللين حيناً وبالقسوةِ أحياناً كثيرة، وفي الحالتين هم الخاسرون!.
إن إمكانية الفعل لدى الفنان ماثلة في وجوههم كسيفٍ صقيلٍ مصلت، فالقصيدة دائماً قائمة والنشيد حاضر، والفنان باقٍ كما الجن في الأساطير القديمة في ساحات البلاد كلها، أقوى، وأعنف، وأصلب! لا يهِنْ ولا يبالي، ومم يخاف:
(بماذا يخوّفني الأرذلون ومم تخاف صلال الفَلا
أيُسلب عنها نعيم الهجير ونفح الرمال، وبذخ العراء؟
بلى، إن عندي خوف الشجاع وطيش الحليم وموت الردى
إذا شئت أَنضَجْتُ نضج الشواء جلوداً تعصَّت فما تُشترى
وأبقيت من ميسمي في الجباه وشماً كوشمِ بنات الهوى) (5)
لقد توجهت أغاني الفنان وأناشيده إلى إسالة العزم والجمر؛ فتحاً وطنياً وهاجاً في تاريخ الفن السوداني، حتى بات الناس في بلادنا، كلما تأزمت الأمور، أو اضطربت الأحداث، أو بغى الحاكم وانتشر العسكر في حياتنا، يتلفتون حولهم في ترقبٍ وتمنٍّ، يتوقعون أن يطلع عليهم وردي فيهئ لهم طقساً تطهرياً، بنشيدٍ جديد أو أُغنية جديدة، تؤجج منهم الخواطر وتنفِّس عنها في ذات الوقت!.
المواقع تتبدل، والعسكر يتبدلون، وتتبدل الديكتاتوريات ويتنوع القمع والدمار والرعُب، والفنان يجلس خلف قلاع فنه الحصينة ينظر بألمٍ ممزوج بالانتصار إلى البشر/النفايات، يسرح ببصره الحسير، ومن خلال النوافذ الجديدة، ومن خلال الفجوات التي أحدثتها الطلقات المجنونة للرشاشات، نحو البعيد، نحو المدى الممتد، خلف العاصمة التى يخيم عليها الظلام ويزأر فيها الكابوس الليلي المرعب، نحول السهول والإنهيار والجبال الراسيات هناك في أطراف البلاد، وهو بين الطلقات والأناشيد الحماسية، بين الفرح المجنون، بين الدفاعات الجسورة التي يقيمها الشعب في ما بين الرُعب والجريمة، بين المنية التي هي في متناول الأيدي كلها والحياة، مع الأقنعة التي رحلت، مع الأقنعة التي سقطت على الأرصفة والشوارع الفسيحة، مع الجنود الذين أبداً ما دعاهم لمنزله، ولا تسامر معهم عبر ذلك الكون المُتسع للرؤية الناضجة؛ كان الفنان يرى، بوضوح جلي، صورة وطنه السودان، وهو ينهض عفياً، معمداً بالدمِ ولكنه قادر على الحياة!.
كنت أراه، وأسمعه يردد بتمنٍّ واضح كلمات لوركا العظيم:
(أيها المسيح السيد
بحقِّ الجُرح النازف من خاصرتك
بحقّ قرنفلات دمك الذكي
عَكِّر الليل على الجنود!).
يقولون: أن وردي " اعتقادي" لامع! ولكن أقول: لا، أبداً ماكان هكذا! إنه فنان كبير لامع، مؤمن بكل دمه وكيانه ووعيه كله بوطنه وشعبه، مناضلاً بفنه بصلابة وكبرياء لأجل الحريات والديمقراطية! إن الإعتقادية في الفنون بشكلها السياسي المباشر لهي كارثة على الفنون نفسها، وهي "صيغة" ننفيها عن فناننا الكبير! إن وردي هو الفنان الجماهيري ذو الصوت الصقيل والمظهر البرونزي والقلب العظيم النبيل، الذي استطاع أن يُطوِّع اللغة، ويخلق بواسطتها الأغاني والأناشيد، يفعل ذلك وهو يواجه أكثر القضايا صعوبةً في الغناء الوطني، ويصل لِصيغ بديعة لأكثر مشاكله البيانية واللحنية تعقيداً! وهو من أكثر الناس إدراكاً أن "الإعتقادية" تؤدي إلى تصلب خطير في مجرى الغناء السوداني، وفي الفن بصفة عامة! في حياته كلها كان ولا يزال ضد الفروض جميعها، لأنه، وكما هو معروف أن الحياة هي أقوى وأعند من الفروض والأوامر والقواعد، ولأن الثورة هي الحياة، فإن الفروض تبحث دائماً عن نعشها وقبرها! أبواق الديكتاتوريات التي انهمك في محاربتها وذمها هي التي كانت دائماً تلصِقُ به "الإعتقادية" في محاولتها البائسة لتحطيم روحه الوثابة وقتل فنه العظيم!.
وهو لا يزال المبهج الأكبر لكل ماهو حقيقي وجوهري وحي في الفن والثقافة في بلادنا، ويظل، في حياته كلها، يلعن الديكتاتورية، ويبغض العساكر! يقول مواطنه النوبي العظيم "ديشاب" في بعض شعره الذي خصصه لذم العساكر(4):
(فتىً، يخرج الصمت فيه إلى لغة الناس،
كان جميلاً إذا ما مشى.
جميلاً إذا ماتثنى على حلبة الطار.
بغتةً في رحيق الحياة
رأى في العساكر نجماً هو الله
زين كتفيه بعد الوساطات بالنجمِ ثم احتفل!
كان حدثنا عن فداء التراب وعن غضبة الشعب،
عن حبه الشعب
واستدار الزمان إلى الشعب حتى أفاق
وحتى تضاحك مع نجمه في الزمان الجديد!.
****
صار فيه بقايا من العسكر المترفين.
تأمل أنجمه في تعالٍ
وقاد دبابةً وجنوداً على الشعب،
ثم انقَلَب!) (6).
الكل يعرف ويعترف بموهبة الفنان الضخمة، بل ويعترفون بفنه العظيم كله، وفي تجلياته جميعها. ولكنهم اختلفوا حول مواقفه الشخصية ورؤاه السياسية والفكرية! العسكر يستمعون لفنه وأغانيه، ويتمايلون طرباً وحباً للحياة على إِيقاعات موسيقاه المزهرة، لكنهم يطاردونه ويحاصرونه، يأخذونه للسجن والمنفى خوفاً من سطوته السياسية التي تكشف عنهم أقنعتهم وعوراتهم التي هي ضد الشعب والوطن! والحاكم يتمناه ديكوراً إعلامياً ضخماً يتجمل به نظامه وصولجانه، ولكن الفنان عصي على (التدجين)، مستحيل على التزييف، فيحاربه ويطلق في أعقابه الكلاب والذئاب من كل شاكلةٍ ولون! كم حاولوا معه الإغراء والعروض ذوات الفيوض، مالاً ومناصب وأعطيات، ولم يجدوا إلى ذلك سبيلا!.
الإسلاميون يديرون تسجيلاته الغنائية في حفلات زيجاتهم وأفراحهم، داخل مساكنهم الفخيمة، يتمايلون طرباً مع زوجاتهم وبناتهم وأهلهم في لياليهم الفساح، وفي الصباح يلعنون الفنان (الشيوعي) الذي يتعالى على الجميع في صلفٍ لا يليق بالفنان! وهو لا يبالي بكل ذلك الذي يدور حوله، فيكفيه أنه يلعنهم بالغناء الذي يواظب عليه، وبأناشيده التي تطال الذرى السامقات وتجد التقدير الكبير من جماهير شعبه! وهكذا فإننا نستطيع أن نقول أن وردي استطاع أن يمارس حريته بامتياز كبير عبر فنه الراقي العظيم، وهو يدرك أيضاً أن المواجهة على أرض الواقع الحي هي ما يتيح لمواطنيه إدراك مسؤولية التدخّل الواعي دفاعاً عن حاضرهم وعن مستقبل أبنائهم ووطنهم.
تلك هي مأثرة هذا الفنان العظيم وقد تجلت في مجابهاته ومواجهاته الجسورة لكل المظاهر العسكرية في الحياة المدنية لشعبنا، لقد كافح طوال سني تجربته الخصبة في سبيل الحرية والمجد لشعبه ولوطنه، فبادلته الجماهير الغفيرة حبه العظيم، وأعطته، في إيقاعٍ واحد، في تموُّجٍ حميمٍ دافقٍ، في وقارٍ خاشع جليل واحترامٍ خاشع، الحب الهائل لفنه العظيم، وعمَّدته فناناً بقامة الشعب كله وبملامح الوطن الرحيب! وهو يتغنى بكلمات محجوب شريف:
(أنَا لَو تَعرفِيني
لَو تَعرفِي الفِيِنى
أنَا كَم بَحَبِّك كَم
والعَسكَرِي الفَرَّاق
بِين قَلَبِك السَّاسَاق
وُبِينِي هُو البندَم
وَالَدايُرو ما بِنتَم
يَاَ والَدة يا مَريَم!).
هوامش:
(1) الأطفال والعساكر – محجوب شريف ص (27).
(2) د. الطيب زين العابدين – لعبة السياسة بين العسكر والمدنيين – الصحافة أول سبتمبر 2007م العدد (5106).
(3) المصدر السابق نفسه.
(4) د. عبداللطيف البوني – حاطب ليل – الرأي العام: 2/سبتمبر 2007م – العدد (3586).
(5) المقصورة – محمد مهدي الجواهري.
(6) ميرغني ديشاب – مخطوطة ديوان (قصائد ضد الحرب والعساكر) – المخطوطة بيدي ونسعى لنشرها!.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.