شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    "صمود" يدين اغتيال أسامة حسن ويصفه بجريمة سياسية مروعة    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم ليلى علوي بجائزة إيزيس للإنجاز    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأناشيد السماويات (2)!
نشر في السوداني يوم 30 - 03 - 2012


أوتار المُغنَّى ريح وُهبَّتْ، نار وُشبَّتْ
( مُشتاقلِك كَتيِر وَالله
للجيَرانِ والحِله
كمان قَطَر النَّضال وَلّى
وغَالي عَليَّ اتدلَّى
مَحطْة مَحطْة بتذْكَّر عُيُونِك
ونَحنَ في المنفَى
وُبتْذكَّر مَنَادِيلِك
خُيوُطها الحَمْرا
ما صُدفَة
وُبتْذكَّر سؤَالِك لَي
مِتين جُرحَ البَلَد يشْفَى
مِتين تَضْحك سَما الخُرطُومْ
حَبيْبتنا ومِتين تَصْفاَ؟.
نْحن اتنين
بنتْقَاسمْ هُمُومْ النَّاسْ
وأعَاهْدكِ يا أعَزَّ النَّاسْ
أسَامحِكْ لو نِسيتْيِني وأهنْتيِنَي
وبَكيِتي عَلَي
لَوْ في يُوم رميتْ سيفِي
ورفَعَت ايْدَي
وُخُنْتَ الثورة.
جِيتْ والذَلّة في عينَي
حَرَامْ عينيكْ يناغْمُونِي
وُيِرَحَّبو بي؛
حَرَامْ إيدَيكِ ينُومَنْ تانِي في ايْدَي)
(1).
إن جوهر الأناشيد، أي جوهر الإبداع فيها، إنما يكمُن في مضمونها بالذات؛ ولا نعني هنا مجرد المعنى المباشر لتفاصيلها، وإنما نقصد الأثر العام لموضوعها المُشَكَّل، أي ذلك الناتج عن تشكيل عناصرها التى تُفضي إلى أثرٍ عام. هذا الأثر هو دلالتها المؤثرة، وهي بهذا التحديد ليست دلالة عقلية خالصة، وإنما هي دلالة تتراوح بين العقلانية والتعاطف الوجداني، بين التصور والانفعال، بين التفكير والغناء الجهير، إنها إذن عقلانية غنائية، إنها تأثير يمتد إلى مجموع الشخصية الإنسانية، قد تَتَعَمَّق هذه الدلالة أو تتسطح، قد تزداد فاعليتها (المؤثرة) أو تخف، قد تسمق وترتفع عالياً عالياً، أو هي تهبط وتسِفْ حتى تصبح إلى الوحل أقرب، ولكنها في النهاية، وعلى أية حال، مضمون العمل الغنائي وجوهر الإبداع فيها!
ومن هنا، من هذه الرؤية الوضيئة، كانت الأناشيد، وكان (التزام) وردي نفسه، إذ سعى، عبر أناشيده العظيمات، أن يقترب ويُعايش ويكتشف قوانين الحرية في التعبير عن الحياة؛ في الإضافات الخلاقة المُبدعة إليها، ويُسهم، بفاعلية الغناء، في تغييرها وتجديدها إلى غير حد، فتصبح تجربته برمتها دعوة للتفتح الإنساني وللتحرر الاجتماعي، وسبيلاً مُمَهَّداً للتحرر الفردي، ولتفجير الطاقات الإبداعية الكامنة في الإنسان؛ للمجتمع والإنسان الفرد على حدٍّ سواء، وإزالة التناقضات بينهما بحيث يصبح الجمال هو أخلاق المستقبل، وبحيث يصبح الإنسان الفرد ذاته هو العمل الفني ذاته أيضاً؛ تعبيراً أصيلاً عن الحياة، واستمتاعاً جمالياً عميقاً بها وتجديداً متصلاً لها.
هكذا بدأ وردي مرحلته الغنائية الكبرى ومأثرته الخالدة في انطلاقة الأناشيد الباهرة بعد أحداث: 19/يوليو1971م. كان وردي وقتذاك عضواً بالحزب الشيوعي السوداني، وتَكَرَّس، عبر نضالاته المتسعة في ساحات الغناء والعمل الجماهيري، فناناً شعبياً من الطراز الأول، وكان قد ساهم بفعالية في التظاهرات المناهضة لتهجير أبناء حلفا عند تنفيذ اتفاقيات بناء السد العالي، وعَرِفَ الاعتقال منذ ذاك الوقت الباكر، وعُرف عنه نضال لا يفتر ضد القهر والديكتاتورية، منحازاً، بشكلٍ أكيدٍ، لصفّ الشعب والوطن. وفي أبريل 1971م، إبان مؤتمر اتحاد الشباب السوداني، كانت سلطة مايو تبذل: (محاولات يائسة لخلق بدائل للمنظمات الجماهيرية والنقابات ولكنها لم تُفلح، فحاولت احتواءها فأخفقت، ولم تنجح (كتائب مايو) في جذب الشباب ولم يُكتب لها البقاء، ورغم ذلك أبدينا استعدادنا لتنفيذ أي برنامج مشترك ولكن دون جدوى! وبلغ العداء قمته حينما اتخذ (مجلس قيادة الثورة) قراراً بحلّ اتحاد الشباب السوداني. كان ذلك في أبريل 1971م خلال انعقاد مؤتمر الاتحاد، وظل القرار دون إعلان حتى انتهى المؤتمر وغادرت الوفود التي حضرت من المنظمات العالمية، وفي مقدمتها اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي. كان المؤتمر حدثاً تاريخياً مهيباً إذ اشترك فيه شباب العالم. وانعقدت الجلسة الافتتاحية بتظاهرة شبابية لافتة في ميدان الأمم المتحدة، وشارك فيها بالأناشيد الوطنية الفنان محمد وردي، عضو اللجنة التنفيذية لاتحاد الشباب السوداني والفنان محمد الأمين)
(2).
وبعد هزيمة حركة هاشم العطا امتلأت سجون السودان قاطبة بالمعتقلين السياسيين، وضم سجن كوبر رهطاً كبيراً من الفنانين والأدباء والشعراء، كان من بينهم الفنان وردي ومحمد الأمين والشاعر الكبير محجوب شريف. وكان وردي قد أصبح محارباً كبيراً بالأناشيد، عدوّاً خطيراً للديكتاتورية، تهابه سلطات القمع كلها، تهابه جداً وتخشاه، كان يساوي عندهم ألف رجل أو يزيد! كان يعرف الشعر العظيم ويكتُبه، ويعرف الموسيقى والغناء، ذا حنجرةٍ صقيلةٍ ذات مضاء. كان كالضوء يسري ويُشِعُّ في مَنْ حوله في دوائر تتسع وتتسع بلا حد! كان غزير الحب للسودان بكامله، ناسه وأرضه ونيله الخالد، روح وجسد السودان وشرفه البازخ! لهذا أخذوه إلى السجن! تلك كانت أياماً سوداء، رهيبة ومرعبة، مشاهد كاملة آثمة من التخريب والتهديم والقتل. كان الناس خلالها يُساقون، كيفما اتفق، إلى السجون والمعتقلات والمنافي؛ أضحى الوطن نفسه سجناً كبيراً تُحيط به الأسلاك والكراهية والحقد الدفين والجسارة التي تحفّ بها النذالة؛ نذالة الوحوش وضراوتها.
في تلك الأجواء، الكابية كالدخان الحار، دخل وردي إلى باحات وزنازين سجن كوبر، ومن داخل السجن، حيث يوجد الفنان والشاعر معاً في محيطٍ ضيق، بدأت تُكتَب الأناشيد وتُغنَّى؛ تَكتُب أسماء الأبطال بحروف مضيئة مشرقة، ويُعاد تفسير الحوادث كلها، بكل عنفوان وصخب رغباتها وآلامها الكُثار، تطلع كما الزنابق الفتية الألحان العاليات من الجروح النازفة، وتخرج من الحناجر ذوات الأوتار المشدودة باتجاه الآفاق، الأكثر رحابةً وإشراقاً، تيارات مضطربة من ريح وغضب يحرك الرايات في انطلاقها المدوِّي باتجاه الفضاء الفسيح، والتاريخ يتابع مسيره، وها هو فجر الحرية يبدأ، يطلع من جديد فيملأ أصقاع الوطن وأجواءه بالضوء الطليق.
(إذا كان عبد الكريم ميرغني، حقاً وصدقاً، منارة للإشعاع الثقافي أينما حل، وكانت ندواته مرتعاً خصيباً في حقول العلوم والآداب والفنون، مما جعل وجوده بسجن كوبر واحةً للمعتقلين، ووجد بالسجن أيضاً الأستاذ صلاح حسن رئيس القضاء، والأستاذ أحمد محمد سعد الذي ترجم نشيد: (لن ننسى أياماً مضت، لن ننسى ذكراها). وأصبحنا نرددها كلما ودعنا مُعتقلاً أُطلق سراحه في الأيام الأولى عندما بدأت تصفية المعتقلات. والأستاذ سيد أحمد محمود، والدكتور علي محمد خير، والدكتور محمد سعيد القدال، والدكتور فاروق محمد إبراهيم، والدكتور محجوب الحارث، والدكتور الحارث حمد، والأستاذ عباس علي، والفنان محمد وردي، والفنان محمد الأمين، والشاعر محجوب شريف، والأستاذ محجوب المحلاوي وآخرين، وقد ساهموا، جميعاً، بتقديم المحاضرات والندوات وفاضت (السرايا) بالمعارف وامتلأ الفراغ بالمفيد الذي أَذْهَبَ عن الناس الأسى والحزن) (3).
تلك كانت الأيام المجيدة للأناشيد:
(يا شعباً تسامى،
يا هذا الهُمَام
تَفِجَّ الدنيا ياما
تَطْلَع من زحاما،
زي بدر التمام
تدِّي النخلة طولها
والغابات طبولها
والأيام فصولها
والبذرة الغمام.
* * * * * * *
قدرك عالي قدرك
يا سامي المَقَام،
يا ملهم
رِمَاحَك سَنَّاهَا الصِّدام
أُم دُر والطَوابي
في صَدْرك وسام
ملامح كم تَسَامِح
تَغْضَب لا تُلام
* * * * * * *
نسألك إنتَ
ورينا الإجابة
علِّمنَا الرماية
والحُجى والقراية
والمشى بي مهابة
في الضحى والظلام)
(4).
كان الفنان قد حدَّدَ طريقه، وموطن أقدامه، على أرضيةٍ صلبةٍ مجبولةٍ بحبِّ الناس وآمالهم المزهرة في حياةٍ أفضل. اختارَ، بملء وعيه، أن يكون في صفّ شعبه، فوضع قدميه ويديه وسمعه جميعها في تربة وطنه. هكذا فقط يستطيع أن يحس ّبدوران مياهه وظلاله، ويستطيع أن ينمو وهو يحس أيضاً أن جزورا تبحث في الحمأة عن الذات الأم، عن الجوهر الأصل، عن روح الوطن؛ روح وطنه التي تُزْحِمُ عليه مخيلته وتسكن فيه! إنه ليس فناناً موهوباً مطبوعاً فحسب، بل هو عالم يصوغ الأغاني كُلها. إن أناشيده كما الوردة الحمراء المزدهرة في الشتاء بأعجوبة ذرفةُ ثلجٍ من روح بلاده، جزراً من جسدها الفسيح، شذى متشحاً بالبطولة والجسارة. في أناشيده تنهمر أغاني السودان الجوهرية كُلها! لقد أضاءت هذه الأناشيد الدروب جميعها وفَُتِّحَتْ المسارات التي كانت مُغلقة. آن للعالم كله أن يعرف هذا التاريخ الجليل. لم يكن وردي ينشدها في حيِّزٍ ضيق، بل ظل ينشدها في السجون والثكنات، في الجبهات حيث المعارك الضاريات، وفي الساحات الرحيبة. هو الذي ابتدع (حرب الأناشيد)؛ اخترعها وأطلقها ضد الحرب وفي سبيل الديمقراطية والسلام؛ خلقَ الأغاني والأناشيد التي رَاشَت ورفرفت تحت القسوة والقبح والظلام، ثم راحت من بعد تُحلِّق في كل سماءٍ وفوق كل أرض! حقاً، إن الشعر من غير هذه المزية التي أعطاها له يرنُّ ولكنه لا يُغنَّي.
إن تجربة وردي ومحجوب، وهما معاً في السجن، تستحق أن يطالها درس كثير غزير؛ فقد عرف هذا التلازم الحميم، والرؤية الواحدة، والمصير الواحد، تجربة الأناشيد التي أضاءت كما النيازك سماوات بلادنا، من أقصاها إلى أقصاها، وأصبحت أُفُقَاً كاملاً لشعبنا في مسيرته الجسورة باتجاه المستقبل:
(يا شَعباً لهبَك ثوريتك
تلقى مُرادك والفي نِيْتَك
وعُمق إحساسك بي حريَتك
يبقى ملامح في ذريَتك.
* * * * * *
أرفع صوتك هيَبة وجبَرة
خلَي نشيدك عالي النبَرة
خلَي جراح أولادك
تَبرَا).
(5)
هذا التغني العميق بالشعب، وهذا التمني الشفيف له بأن تتحقق كل أمانيه وتطلعاته؛ حتى تكتسي ملامح الذرية كلها بعميق الإحساس بالحرية، هذا النُبل الإنساني يتدثر به الوطن ليصبح عالي الصوت، جهير النشيد، نبرات جسورة واثقة تكسوها الهيبة والمهابة. وقف وردي أمام السلطان وراح يقول له بجسارةٍ أذهلت كل الحضور، وتيقنوا أن الفنان لا محالة هالك:
(أنت تملك الصكوك،
وأنا أملك الأناشيد
ورغم ذلك فأنا أكثر سعادةً ومنعةً منك!.
حياتكَ، بنوك، ومسابح من الفسيفساء، وسكرتيرات أنيقات، وكونياك، وملاعق من ذهب، وصفقات، قتلُ ودم. وحياتي، شوارع من الريح، ونبالة مستحقة، وأصدقاء، ومطر، وخبز منقوع بالصدق!
ورغم ذلك،
فأنا أستطيع أن أضع رأسي على الوسادة، وأحلم!
أما أنت فلا تستطيع أن ترى سوى الكوابيس!
آه، ما أكثر ما نظرت بازدراء،
وأنت تمرق أمامنا بسيارتك الفارهة بزجاجها المعتم،
قَاتَلْنَا بضراوة،
من أجل أن يكون لنا وطن وشوارع وشمس وأشجار وكرامة وكبرياء وخبز وأناشيد وأغاني،
أما أنت فقد تاجرَت بشراهةٍ وضراوةٍ أيضاً من أجل أن يكون لك رصيد كبير وصكوك وعمارات،
بالله عليك، ماذا نفعل إزاء ذلك كله،
سوى أن نطلق في وجهك الأناشيد السماويات؟)
(6).
الفنان لا يعيش إلا في مناخ الحرية، الحرية على جميع المستويات، السياسية والاجتماعية والفكرية والروحية، وهو، إذ يعيشها، يكون حدسه بالحرية مقترناً بحس الامتداد وحركة السفر في الأقاصي النائيات، مخترقاً حدود التصانيف كُلها: الموت والحياة، والحُلم، متحركاً داخل العقل وخارجه، داخل اللغة وخارجها، وكل هذا يطلق سفر الجسد وسفر القلب ومغامرة الخيال، والتحليق بالأناشيد نفسها فوق تراب الوطن كله. وما كان له إلا أن يختار طريقه ويُحدد مصيره إلى الأبد! فاختار أن يكون في صف الحرية، وكان لا بد أن تذهب به إلى حيث هو الآن: في السجن! وكان حتماً أن تطلع الأناشيد وفي معيتها الأغاني، تطلع في التماعاتٍ مضيئةٍ كالنجوم تُجلجل سَماء بلادنا.
(حنْبنيهو
البنحلم بيهو يوماتي
وطن شامخ
وطن عاتي
وطن خيِّر ديمقراطي.
وطن،
مالِك زمام أمرو،
ومتوهِّج لهيب جمرو،
وطن غالي،
نجومو تلالي في العالي،
إرادَة سيادَة حريَة
مكان الفرد تتقدَّم قيادتنا الجماعيَة،
مكان السجن مستشفى،
مكان المنفى كلية،
مكان الأسرى ورديِّة،
مكان الحسرة أُغنيِّة،
مكان الطلقة عصفورة،
تحلِّق حول نافورة،
تمازِح شُفَع الروضَة!)
(7 )
هكذا يبدأ الحُلم الجميل يداعب مُخيلة الشاعر، ويقدح شرارت الإبداع كلها في روح الفنان، فيبدآن معاً ينسجان تلك الأناشيد الرئعات البازخات، ولا يني الفنان أن يتجذّر شعراً وغناءً وكينونة، في صلب هذه التجربة السيدة، منذ أُولى أناشيده حتى بزوغ الانتفاضة في مارس/ أبريل/1985م، وهي التجربة ذاتها التي قادت الفنان، باعتباره مجنون القول والفعل بامتياز، إلى رصد أفكار العصر، والانتساب العميق لأكثر وجوهه لمعاناً وإنسانية؛ انتمى لها بوجدانه كله، وبوعيه كله، وبكل القدرات اللحنية والموسيقية الضخمة التي تنطوي عليها نفسه وروحه ويقظته، فأصبح يجاور الينابيع التي يَنهَلُ منها وتؤثث حقل ممكنات الأناشيد وآفاقها الرحبة بين الشكل البادي للعيان والحقيقة التي يعرفها الناس، وذلك، بالضبط، ما يجعلها تصمد في وجه تقلبات الزمان، وتستعصي على النسيان! وتَتَشَكَّل على إثرها قيم الناس ومعانيهم العزيزة، حتى تصبح هي ذاتها حد علاقتهم المضيئة مع العالم والألغاز، دائمة الاشتعال والبريق والانبثاق، وانخطافاته، شأن ساحرٍ نزَّاع إلى ابتكار معادلاتٍ بين الكينونة والكلام والموسيقى، بين وداعة الأغاني وقساوة الأناشيد، مستدعياً الإنصات كحالة ضرورية للمحاورة حقاً. إن الإنسان لقادرٌ على فعل ما يعجز عن تخيله، نعم، إن القبول يُضيئ الوجه، لكن الرفض هو الذي يزيده بهاءً ولمعاناً! هذا ما جعل الفنان يقوم بكل واجباتة الواعية، ويجعل فعله كله في حقلٍ مفتوح مستعصيا على السيطرة والتأطير؛ تحترق وتتلاشى مثل هذه المحاولات أمام سطوع شموسها ووهج ضيائها! يبدو صعباً جداً تسييج تجربةٍ كهذه، مشتعلة ومتوقدة داخل سيادتها، صخابة بخصوبة الواقع، مفتوحة التخوم كلها على احتمالاتها ودلالاتها، واعية بذاتية فعلها وموسيقاها العالية الشفيفة، تجربة ذات دفقٍ حار، تخترق شساعات اللغة، وتجاويف المعنى، وكثافة البياض، تُحوِّل قدرات الشعر وإمكانيات الموسيقى، ورحابة الحنجرة العجائبية، إلى خطٍّ غنائيٍّ لَمَّاعٍ ومتوهجٍ شأن نيزك، إنها تجربةٌ تحاول النفاذ إلى جوهر الغناء وتتبع حقيقته الغامضة، لذا فقد أَسَالَتْ الكثير من المداد وشغلت الناس، بدءاً من عبورها الأول وهي تغني للاستقلال، ثم وهي تقاوم الحُكم العسكري الأول والثاني والثالث و.. تُغني حتى تُفيط بأكتوبر والانتفاضة الباسلة.
في داخل السجن كان الشاعر يكُتب:
(مساجينَك
مساجينَك
مساجينَك
نغرَد في زنازينك
عصافيراً مجرَّحة بي سكاكينكَ!
نغَني ونحن في أسركَ
وترجِف
وانْتَ في قَصرك
سماواتكَ دخاخينك!.
للسودان عواطفنا،
وبالسودان مواقفنا
ولمَا تهب عواصفنا
ما حيلَة قوانينك؟
مساجينَك
مساجينَك
مساجينَك!)
(8 )
وينشد الفنان بالصوت الجهير للوطن:
(أصَدِّق كلامك حقيقة وبخاف،
أخاف الطريق،
اللِّي ما بودَي ليك
وأعاف الصديق
اللِّي مابْهِمَّ بيك
معاكْ انتظاري
ولو بالكفاف
وعَنَّك بعيد
أنا أبيت الرحيل
وبيك اعتزاز الصباح الجميل
جميع الأغاني اتِّكَالِن عليك
جميع الأغاني اتِّكَالِن عَلِيْك).
(9)
وهنا يتِّحد الشعر والنشيد، الشعر والموسيقى، اللحن والأداء الصوتي، عصب الفنان، ورؤاه، ورؤى الشاعر ورؤياه؛ إنها تجربة فذة في الغناء، وانظر كيف يُعانق النشيد الفرح؛ الفرح بالحياة والانتصار والازدهار الشعبي الرائع، الذي جَلَّل وجه الوطن كله عند انتصار الانتفاضة والإطاحة بحُكم الفرد:
(بَلاَ وانْجَلَى
حمد الله ألف على السلامة
انْهَدَّ كتف المقصلَة
والسجن ترباسو انْخَلَع
تحت انفجار الزلزلة!
والشعب بي أسرو اندَلَع
حرَّر مساجينو وطلَع
قرّر ختام المهزلة!
سَدَّاً منيعاً يا وطن
صَه يا طنين البلبلة
أبداً لحُكم الفرد
لا!
بالدم لحكُم الفرد
لا!
تحيا الديمقراطَية
كم نفديك يا مستقبلاً
بلا وانجلى
حمد الله ألف على السلامة
انهَدَّ كتف المقصلة!)
(10)
وأيتها السماء الممجدة،
إننا لممنونون جداً للرب الرحيم
الذي جعلنا نشهد هذه (الاحتفالية)،
وهي تحاول جاهدةً أن تُلامس مجده الشخصي، ووسامته البازخة.
ثبِّتوا له الآن الأماني المُباركات كُلّها،
وهو يطلع من الكواكب
ودعوا شراراته التي نحتفي بها،
الشرارات الأناشيد،
ذات الالتماعات السيارة كالأبراج
دعوها،
تُعطِي وطنه وشعبه ملامح القُدرة والأشراق.
هوامش:
(1) الحب والثورة – ديوان الأطفال والعساكر – محجوب شريف – مطبعة أرو التجارية بالخرطوم ص (93).
(2) كوبر هاجن – خليل الياس – الشركة العالمية للطباعة والنشر (ص 53 – 54).
(3) كوبر هاجن – خليل الياس – الشركة العالمية للطباعة والنشر (ص 93).
(4) نفاج – محجوب شريف – يا شعباً تسامى – دار تراث لندن (ص 65).
(5) الُسنبلاية – محجوب شريف – لهب (ص 88) دار عزة للنشر والتوزيع.
(6) مشهد مُتخيل للفنان في مواجهة السلطان.
(7) الُسنبلاية – محجوب شريف – حنبنيهو (ص 89).
(8) المصدر السابق – مساجينك (ص 79).
(9) المصدر السابق – وطن (ص 73).
(10) المصدر السابق – بلا وانْجَلَى (ص 93).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.