والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    جلوس أكثر من 3500 طالب وطالبة لامتحانات الشهادة المتوسطة بمحلية الخرطوم    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قشة أبيي.. هل تقصم ظهر (السودانين)..؟
نشر في شبكة الشروق يوم 09 - 06 - 2012

تنبع الأهمية الاستراتيجية لأبيي من كونها جسر اجتماعي ومعبر تجاري بين الشمال والجنوب، كما أنها غنية بالموارد البترولية وموارد سطح الأرض، وهي كذلك منطقة تعايش نموذجي بين المجتمعات الرعوية وشبه الرعوية تمثله قبيلتي المسيرية ودينكا نوك منذ القرن 18.
وكان المتفائلون يظنون أن الأمور ستسير بسلاسة بين دولتي السودان بعد قبول نتائح الاستفتاء، وتفضيل الجنوبيين الانفصال عن البيت السوداني الكبير، ولكن يبدو أن عقلية التشاكس السائدة بين الشريكين إبان الفترة الانتقالية ظلت هي المسيطرة، بل تجاوز الأمر إلى العدوان السافر على الآخر، كما حدث من الجنوب في محاولته ابتلاع هجليج، ويرجح مراقبون أن طابع العلاقات بين الدولتين لن يسوده النضج في ظل سيطرة عقلية ماقبل الدولة على الفئة الحاكمة في جنوب السودان.
؛؛؛
أبيي هي قلب الصراع وجوهره وأكثر القضايا حساسية، بين السودان ودولة الجنوب الوليدة، سيما بعد ارتفاع حدة التوتر بين الطرفين
؛؛؛
لا أديس ولا إدريس
ووسط هذه الأجواء الملبدة تظل أزمة أبيي هي قلب الصراع وجوهره وأكثر القضايا حساسية، بين السودان ودولة الجنوب الوليدة، سيما بعد ارتفاع حدة التوتر بين الطرفين والذي وصل للمواجهات المباشرة.
ومع كل إشراقة صبح تتعقد قضية أبيي، ومعها تزداد سيولة حياة آلاف السودانيين الذين كان قدرهم أن يكونوا في منطقة موضع نزاع وأصبحوا بين ليلة وضحاها مطالبين بالاختيار بين الجنوب أو الشمال واستفتاء متنازع بين جدل التعجيل أو التأجيل.
يلاحظ أن العلاقة بين دولتي السودان ساءت بشكل مطرد خلال الفترة الماضية نتيجة للأحداث المتسارعة في هجليج وماقبلها، فدولة الجنوب أوقفت إنتاج النفط في أعقاب فشل المفاوضات بين الدولتين حول رسوم عبور نفط دولة الجنوب عبر المنشآت الموجودة بالشمال.
وجاءت الخطابات السياسية من كلا البلدين عدائية ومستفزة على نحو متزايد، واتهم السودان الحركة الشعبية قطاع الشمال بأنها التي تقاتل بمناطق التمرد بولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وأنه سيتم تعقبها حتى جوبا إذا لزم الأمر، كما لم تسفر المفاوضات المتطاولة في أديس أبابا عن أي تقدم يذكر، حتى قال القائل :"لا أديس ولا إدريس" والأخير هو رئيس وفد التفاوض الحكومي السوداني.
وقد وقع السودان ودولة الجنوب مذكرة تفاهم للتعاون ووقف العدائيات في محاولة لتهدئة الوضع، والمذكرة لا تعدو أن تكون سوى حلقة من سلسلة الاتفاقيات التي وقعت بين الجانبين، وأن اتهامات دولة الجنوب للشمال بقذفها لمنطقة جاوا بولاية الوحدة في غضون ساعات من توقيع المذكرة خير شاهد على ذلك.
فعقب انفصال الجنوب في يوليو من العام الماضي توافق الطرفان على فترة انتقالية مدتها تسعة أشهر لتسوية ما تبقى من القضايا العالقة من بينها ترسيم الحدود المتنازع عليها، وانتهت في مارس من العام الحالي، في الوقت الذي لم تحسم فيه قضية الحدود ولا غيرها من القضايا العالقة.
كمين أبيي وقلب المعادلة
خلال مستهل عام 2011م احتدم الصراع على أبيي لأن المتنازعين يعتقدان أن من يسيطر عليها قبل التاسع من يوليو 2011م موعد الانفصال، يعظم من أوراقه السياسية في معادلة الصراع، إذ أن السيطرة على أبيي في هذا التاريخ تعطي دولة جنوب السودان أهمية كبيرة، لأنه يعني قدرة أكبر على الادعاء بالملكية، خاصة إذا صحب ذلك تجاوب إيجابي دولي متوقع يرسخ إجراءات السيطرة بمنطقة عازلة بين الدولتين شمال منطقة أبيي.
وهو موقف يمكن تدبيره إن استطاعت الحركة الشعبية المناورة حتى التاسع من يوليو، وقد مهدت لذلك بعدة خطوات:
1- خطوة تضمين أبيي في الدستور الجديد الذي تنشأ على أساسه دولة الجنوب في تناقض واضح مع الدستور الحالي لجمهورية السودان الذي جرى على ضوئه الاستفتاء، ومكّن الجنوب من الانفصال، والذي يستند على اتفاقية السلام الشاملة ويحدد دولة الجنوب بحدوده في 1يناير 1956م، ليلة استقلال السودان عن الاحتلال البريطاني.
؛؛؛
الحركة الشعبية من قبل أحاطت أبيي بآلاف المسلحين وسيطرت عليها في اللحظة التي خرج من المنطقة مائتان من أفراد الجيش السوداني وتعرضوا لكمين شتت شملهم
؛؛؛
2- أحاطت الحركة الشعبية أبيي بآلاف الرجال المسلحين سواء في زي شرطة الحركة الشعبية أو مسلحين من الجيش الشعبي، وقد أكملت الحركة الشعبية سيطرتها على أبيي في اللحظة التي خرج من المنطقة مائتان من أفراد الجيش السوداني تعرضوا لكمين شتت شملهم، وهو الكمين الذي أشعل غضب الجيش السوداني ودفعه لاجتياح أبيي بعد ساعات من وقوعه.
3- توقيت ذلك مع زيارة لمجلس الأمن الدولي إلى السودان بما يشير إلى رفع قضية أبيي بقوة إلى قمة أولويات مجلس الأمن باعتبارها مهدداً لاتفاقية السلام الشامل.
لكن الحكومة لم تكن بعيدة عن إدراك ما تفكر فيه الحركة الشعبية، بل هي ذاتها كانت تحشد عناصر السيطرة على أبيي قبل التاريخ الحاسم، ويبدو أن قيام الحركة الشعبية بتدبير كمين للقوات المسلحة المغادرة من أبيي باتجاه الشمال، منح الجيش الفرصة الذهبية التي كان يبحث عنها للسيطرة على أبيي، وأكملت الحكومة الاستيلاء العسكري بالسيطرة الإدارية بقرار رئيس الجمهورية حل مجلس إدارية أبيي، وإعفاء مسؤولي الهيئة الإدارية.
الجيش السوداني بين الانسحاب وإعادة الانتشار
ورغم أن خطوة الحكومة بإحكام سيطرتها على أبيي قد وضعتها في مواجهة مع الحركة الشعبية والمجتمع الدولي الذي يدعمها، إلا أن الخطوة مثلت متنفساً لما يواجهها شمالاً.
فقد وجدت الخطوة تأييداً من الشارع الشمالي باعتبارها رداً على ما يسميه هؤلاء استفزازاً جنوبياً مستمراً للشمال، وساهمت في إيجاد قضية وطنية كبيرة تصلح للاتفاق القومي بما يصرف الأنظار عن استحقاقات سياسية ماثلة كان عليها مواجهتها، من قبيل الإجابة على سؤال الإصلاح السياسي والأزمة الاقتصادية وغيرها.
؛؛؛
الحكومة أعادت إحكام سيطرتها على أبيي رغم أن الخطوة وضعتها في مواجهة الحركة الشعبية والمجتمع الدولي الذي يدعمها إلا أنها وجدت تأييداً من الشارع الشمالي
؛؛؛
ولئن كانت خسارة الحركة الشعبية فادحة بفقدانها السيطرة الميدانية على أبيي عشية إعلان ميلاد دولة جنوب السودان، إلا أنها عززت تواصل التعاطف الغربي معها بما يساعدها في إدارة الصراع مستقبلاً حول قضية أبيي وغيرها من قضايا فك الارتباط بين الدولتين: النفط، الحدود، الجنسية، والديون الدولية وغيرها.
الحكومة قررت أن تعيد قواتها المسلحة انتشارها خارج حدود إدارية أبيي، وقالت إن هذه الخطوة حرص منها على السلام والاستقرار وتوفير المناخ الملائم لاستئناف التفاوض، كما أنها جاءت بعد أن تقدمت الآلية الأفريقية رفيعة المستوى برئاسة ثابو أمبيكي بمبادرة يتم بموجبها انسحاب القوات المسلحة من أبيي.
وقد أكد الجيش السوداني في بيان إعادة الانتشار حرص الدولة على حفظ حقوق أبناء المسيرية وممارستهم لكافة حقوقهم كمواطنين أصليين بمنطقة أبيي، واستعداد القوات المسلحة لتنفيذ أي ترتيبات تتعلق بالسلم كوضع نهائي للمنطقة، ولذلك حرصت الحكومة على بقاء القوات المسلحة بأبيي لممارسة سيادة الدولة على مناطقها باعتبارها منطقة شمالية بموجب حدود 1 يناير 1956م.
وقد تقدمت الحكومة بعدد من المطالب تضمن سيادة الدولة على المنطقة وحقوق أبناء المسيرية كاملة في أي حل نهائي لمنطقة أبيي، وضمان تضمين بروتكول أبيي الموضوع في إطار اتفاقية نيفاشا واتفاقية الترتيبات الأمنية الموقعة بأديس أبابا في العشرين من يونيو 2011 وضمان أن أي ترتيبات للوضع النهائي لأبيي يشمل كافة المواطنين بالمنطقة.
حل أبيي.. رؤية أردنية
من الغريب أن القاضي الأردني عون الخصاونة عضو محكمة العدل الدولية وأحد القضاة الخمسة في هيئة التحكيم بشأن ملف أيبي سبق الجميع بإعلان اعتراضه الشديد على الحكم المتعلق بمنطقة أبيي، وانتقده بشدة وكان الوحيد من بين القضاة الخمسة الذي خالف القرار، رغم أن الحكومة رحبت بالقرار لأنه أعطاها بعض مناطق نفط أبيي.
وقد كتب الخصاونة رأيه المخالف لرأي الأكثرية في سبعين صفحة، وبين فيه الأسباب التي دعته للمخالفة، ومن أهم ما ورد في ذلك الرأي قوله:
1- قرار الأكثرية من القضاة غير مقنع لأنه مليء بالتناقضات، مدفوع بتحقيق نتيجة ما، ولا يرتكز على إثباتات، وتناقضه جملة من الوقائع والإثباتات التي تؤدي إلى نتيجة مخالفة ما توصلت إليه الأكثرية.
2- إن أهمية هذا التحكيم للسودان وللسلام والتعايش بين أبنائه على اختلاف أعراقهم وأديانهم يدفعه إلى شرح موقفه بشكل شامل ومفصل.
3- إن خبراء لجنة تحديد حدود منطقة أيبي كان لهم مرجعية واضحة وسؤال محدد وهو أن يحددوا منطقة عموديات دينكا نوك التسعة التي أضيفت إلى كردفان في العام 1905، وليس تحديد أين كانت منطقة الدينكا موجودة في ذلك العام وهو سؤال مختلف، وأن الخبراء إن كانوا في شك من حدود مرجعيتهم فكان عليهم أن يطلبوا توضيحاً من الطرفين لا أن يستغلوا ذلك الغموض ليتبنوا مرجعية جديدة.
4- إن هذه المرجعية الجديدة قائمة على عدة افتراضات غير مقبولة منها أن لدينكا نوك حقوقاً أساسية وللمسيرية حقوق ثانوية فقط في أبيي، وأن هذه الفكرة لا أساس لها في القانون ولا في الأعراف القبلية التي سادت في كردفان ولا تدعمها الوقائع، وأنها ستؤدي إلى جعل المسيرية سكاناً من الطبقة الثانية في بلادهم.
5- الخبراء أعطوا مساحات شاسعة من الأراضي التي لم يكن لدينكا نوك فيها وجود لا في عام 1905، ولا حتى في عام 1965 والذي شهد أكبر انتشار لهم نحو الشمال، وهي في الواقع أراضٍ لقبيلة المسيرية الحمر.
6- إن قرار المحكمة هو في الحقيقة مزيج متناقض بين رغبة الأكثرية في تحصين تقرير الخبراء من الطعن به من جهة، ومن جهة أخرى رغبتهم في الوصول إلى حل وسط يعطي للسودان بعضاً من حقوقه في النفط، ولكنه لا يأخذ بعين الاعتبار حقوق القبائل العربية في جنوب كردفان.
7- إن الترسيم الذي قامت به المحكمة هو مبني على تفسير مغالط لآراء الموظف البريطاني هول 1951، والتي قال فيها إن دينكا نوك يعيشون تقريباً بين خط الطول 29 ولكنه لم يكن كذلك عام 1905، وحتى وإن كان فليس هنالك أي دليل من أقوال هول وغيره على أن دينكا نوك وصلوا إلى خط العرض 10 .10 شمالاً، وبالتالي فإن إعطاءهم أراضي تعادل مساحة بلجيكا لا يقوم حتى على دليل واحد.
أبيي سيناريوهات الحلول والمستقبل
كما حلل القاضي الخصاونة كل الوثائق والشهادات وأثبت أن دينكا نوك كانوا حوالي عام 1905 في منطقة صغيرة محصورة بين بحر العرب ورقبة أم بيرو.
ويرى الخصاونة أن محكمة التحكيم أيضاً قد تجاوزت صلاحيتها لأن تفويضها لم يخولها الإبطال الجزئي لتقرير الخبراء، فهي مخيّرة بين أمرين: إما أن تتبناه بالكامل أو ترفضه بالكامل، ثم تباشر المحكمة نفسها تحديد الحدود على أساس المرافعات.
؛؛؛
القاضي الأردني عون الخصاونة عضو محكمة العدل الدولية وأحد القضاة الخمسة في هيئة التحكيم سبق الجميع بإعلان اعتراضه الشديد على الحكم المتعلق بمنطقة أبيي
؛؛؛
ثم يقول: "أما وقد قامت المحكمة بمحاولة إيجاد حل وسط، وهو ليس عمل المحاكم أصلاً، فقد حطمت بنفسها الأساس المنطقي الذي قام عليه تعليلها لتقرير لجنة الخبراء.
معتبراً أن قرار المحكمة من الناحية المنطقية والقانونية يفتقر إلى الدقة في تحديد الحدود الذي يمكن أن تقبل به أي دولة، وهو صفعة لعلم تحديد الحدود، وأن منطقة ايبي لم تكن قط داراً لدينكا نوك بحيث يطلب العرب منهم الإذن بدخولها والرعي فيها.
بل على العكس من ذلك فقد كانوا يدخلونها دونما إذن من الدنيكا أو غيرهم، وهذا واضح وموثق بشهادات المحايدين من البريطانيين وغيرهم.
ورأى الخصاونة أن المحكمة ضيّعت فرصة ذهبية ونادرة للمساعدة في إحلال السلام، وذلك أن الحل الوسط الذي توصلت إليه لم يأخذ بعين الاعتبار حقوق المسيرية، وقد يؤدي إذا ما حُدِدت الحدود وأصبحت فيما بعد حدوداً دولية بعد الانفصال إلى حرمانهم حتى من حقوق الرعي التي تقوم عليها حياتهم منذ أكثر من قرنين من الزمان، وهو ماحدث فعلاً.
بقراءة المشهد بعمومياته شمالاً وجنوباً، يتضح أن الصورة قاتمة اقتصادياً وسياسياً، مما يحتم حلولاً عاجلة للطرفين، ومنذ فتح قضية أبيي للنقاش كثرت المقترحات في سبيل إيجاد حلول آخرها المقترح الأميركي "العلف مقابل الأرض".
حيث تعهدت الحكومة الأميركية بزراعة أراضي المسيرية حتى ترعى فيها المواشي مقابل التنازل عن بقية الأراضي ووجد هذا المقترح الرفض من قبل الحكومة والمسيرية.
الإطار المحلي
وآخر المقترحات التي تسربت الدعوة لتحويل أبيي إلى منطقة تكامل منزوعة السلاح تتبع للشمال والجنوب معاً في حالتي الوحدة أو الانفصال، مع منح مواطنيها الجنسية المزدوجة وحق ممارسة حقوقهم الدستورية كاملة في الشمال والجنوب في آن واحد، وصياغة اتفاق جديد حول أبيي بعيداً عن بروتوكول المنطقة، بجانب توزيع السلطة والوظائف مناصفة بين المسيرية والدينكا نوك.
مع التأمين على الحقوق التقليدية للمواطنين، ومنحت حكومتي الشمال والجنوب في حالتي الوحدة أو الانفصال نسباً في ثروات باطن الأرض في المنطقة، على أن تمنح حكومة الشمال 40% والجنوب 40% ومواطني المنطقة 20%.
ويتضمن المقترح توقيع حكومتا الشمال والجنوب على اتفاق بعدم التدخل في شؤون المنطقة وضمان سلامتها وعدم ضمها لأي منهما، إلا أن هذا المقترح رفض من قبل الحركة الشعبية.
؛؛؛
المراقبون يرون أن حل أزمة المنطقة لن يتم إلا في الإطار المحلي بعيداً عن محاصصة الطرفين بحيث تكون أبيي منطقة محايدة
؛؛؛
وبحسب مراقبين فإن حل الأزمة لن يتم إلا في الإطار المحلي بعيداً عن محاصصة الطرفين بحيث تكون أبيي منطقة محايدة، وهذا لن يتم إلا بإرادة دولية إقليمية واضحة تلزم الطرفين بالقرارات التي يقرّرها الوسطاء، والتي تضمن للدينكا والمسيرية العيش المشترك مثلما كان يحدث في السابق، فالجميع يدرك أن تسييس الأزمة والقبائل بالمنطقة من الشريكين السابقين والحكومتين حالياً هو الذي قاد إلى هذا الواقع.
ومن أغرب ماطرح من حلول ما اقترحه وسيط اتفاقية السلام الشامل الكيني لازاروس سومبيو بإنشاء دولة مستقلة في أبيي على غرار مملكة ليسوتو بجنوب أفريقيا كحل للمأزق الحالي الخاص بنزاع شمال وجنوب السودان على ملكية الأرض، وبالرغم من طرافة الاقتراح إلا أن الكثير مما يبدو طريفاً في لعبة الأمم يجد طريقه إلى التنفيذ ولو بعد حين.
والواقع الماثل في المنطقة يستوجب البحث الجاد عن السبل الكفيلة بإبعاد المنطقة عن أي مواجهة جديدة خاصة، فالمواجهة لن تكون بين دينكا نوك والمسيرية أو الجنوب والمسيرية، وإنما بين الدولتين السودان وجنوب السودان، وإن ما حدث بهجليج ليس ببعيد، لأن عوامل الحرب موجودة ووقودها ينتظر الإشعال فقط.
من الواضح أن جوهر حل القضية بحسب الملمين بجوانب الصراع يكمن في ترسيم المنطقة وإعطاء حق الاستفتاء للمواطنين، وأخذ رأي المكون المحلي للمنطقة، وهما في هذه الحالة المسيرية ودينكا نوك، واتفاق القبيلتين حول نقاط الصراع سيحسم القضية من أساسها ويسهم في حل الصراع بشكل جذري، فهما أصحاب المصلحة الحقيقية في تحقيق السلام في المنطقة.
ورغم ذلك فإن احتمالات الحل والتصعيد ستظل مفتوحة على كل الجبهات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.