يُعد التسريب المصور للدكتور عبدالله حمدوك أثناء حديثه في لندن اعترافاً بالغ الخطورة، حين أعلن الاصطفاف مع دولة الإمارات العربية المتحدة بذريعة محاربة الإسلام السياسي في السودان، وتعرض فيه لدول أخرى باتهامات خارج الإطار المحدد لعلاقات الدول، وليس الميليشيات. هذا التصريح لا يمكن تبريره، إذ لا يحمل دعوة إلى السلام، بل يسهم في تصعيد الحرب ويمنحها غطاءً خارجياً. وما زاد الأمر سوءاً أن فكرة سيطرة الإسلام السياسي على الحكومة القائمة في السودان ما هي إلا افتراء وأكاذيب، وذر للرماد في العيون، تُقدم مبرراً زائفاً لتدخلات خارجية ولإراقة المزيد من الدماء. فدماء الضحايا الذين سقطوا في حرب الجنجويد والمرتزقة ليست إلا نتيجة مباشرة لهذا النهج، ولخطة خبيثة تقف خلفها حكومة أبوظبي، ويبررها أو يصمت عنها حمدوك ومن معه. ويجب التنويه إلى أن هذا الحديث يضع حمدوك أمام تبعات قانونية وأخلاقية جسيمة، إذ يقدم تصريحاً يدعم تدخلاً أجنبياً في شؤون السودان، ويغذي خطاب العنف والصراع، ما يجعل مسؤولياته أمام القانون والشعب مباشرة. ولم يكتفِ حمدوك ومن يدور في فلكه بهذا الخطاب المضلل، بل مضوا إلى ترويج مزاعم أخرى لا تقل خطورة، قوامها اتهام القوات المسلحة السودانية زوراً باستخدام أسلحة كيميائية، وهو اتهام باطل يفتقر إلى أي دليل، ويشكل جريمة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون افتراء إعلامياً. إن هذا الادعاء الخطير لا يمكن فصله عن سياق الانكسارات المتتالية التي مُنيت بها الميليشيا في الميدان، ولا يُقرأ إلا كمحاولة يائسة لتشويه صورة الجيش السوداني والنيل من انتصاراته، واستدرار تعاطف دولي عبر تلفيق سرديات مفبركة. فحين تعجز البنادق عن الصمود، تلجأ الأبواق إلى الكذب، وحين تنهزم الميليشيا عسكرياً، يسعى داعموها إلى تعويض الهزيمة بحملات تضليل رخيصة لن تغير من الحقائق شيئاً، ولن تحجب شمس النصر التي تشرق لصالح الجيش وإرادة الشعب السوداني، كما حدث مؤخراً في مدينتي الدلنج وكادقلي. لكن ليعلم حمدوك ومن يسير في ركبه، ومن يدعون زوراً محاربة الإسلام السياسي، أن السودانيين شعب عظيم، صهرته المحن وحير المستعمرين عبر الزمان. إرادته لا تُشترى، وهويته لا تختزلها ميليشيا، ولا يصادرها عابرون للحدود والتاريخ. فماذا يمثل حميدتي ومن معه من مرتزقة كولومبيا ودول الجوار، ومن يقفون خلفه متخفين باسم محاربة الإسلام السياسي، أمام شعب راسخ الجذور، ماض بثقة، ووطن لا يُهان؟ ومن كان يظن أن الخرطوم، التي غطى الدخان سماءها، ستنهض من جديد بعد هذا العبث ومحاولة الانقلاب الفاشلة؟ لكنها الخرطوم، حالها حال كل مدن السودان، تسقط واقفة، وتحول المحنة منحة، والتحدي وعداً بالمآل. وبلا شك أن السودان سيمضي بخطى ثابتة وعزيمة لا تلين؛ لا يثنيه جرح، ولا توهنه المحن. فمن بين الركام يولد الحلم، ومن عمق الألم يشرق الأمل، ويتجدد الوئام، ويتماسك الوطن. وأمام هذا المجد المتجذر في تاريخ البلاد، يتهاوى أي خطاب يبرر الارتهان للخارج أو يساوم على دماء الأبرياء. فما قاله حمدوك في هذا التسريب المصور لا يقف في صف هذا المجد، بل يصطدم بإرادة شعب صنع تاريخه بدمه وصبره، لا بوصاية ولا بتحالفات مشبوهة. وسيبقى السودان، رغم كل محاولات التشويه، أكبر من الأفراد، وأبقى من المشاريع العابرة، ماضياً نحو مجده بإرادة شعبه وحده. لقد شاهدنا مقدم برنامج ندوة حمدوك ووفده وهو ينبه الحاضرين إلى ما أسماه بروتوكول مغادرة القاعة خشية مواجهة جمهور المتظاهرين بالخارج، لكن الأهم أن يفكر حمدوك ومن معه في بروتوكول العودة إلى السودان قبل بروتوكول مغادرة القاعة التي أقاموا فيها ندوتهم في لندن، وهم يهمون بالخروج تحت وقع هتافات الجماهير الرافضة لهم ولممارساتهم. نعم، على الدكتور حمدوك أن يفكر بجدية في صياغة موقف وطني يعيد للوطن أمنه واستقراره وسلامه المجتمعي، بعيداً عن الروح التعبوية الاستعدائية التي لا طائل منها، وبعيداً عن البحث عن بروتوكولات للخروج من الورطات الأخلاقية والسياسية. فالسودان لا يحتاج إلى مناورات خطابية، ولا إلى اصطفافات خارجية، بقدر ما يحتاج إلى مواقف وطنية مسؤولة تنحاز للداخل، وتحترم دماء أبنائه، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وليس خدمة مصالح الدول التي تُسِعِر نيران الحرب وتقتل الأبرياء من أبناء وبنات السودان. وهنا أستغل هذه الفرصة لأذكر الدكتور عبدالله حمدوك بيوم لقائي معه في مكتبه يوم 5 ديسمبر 2021، عندما جئته مودعاً بعد نجاح مجهودات عودته إلى منصبه كرئيس للوزراء بعد توقيعه الاتفاق السياسي. كما أذكره باللقاء الذي جمعني معه في منزله بمدينة بحري قبل ذلك في يوم 19 نوفمبر 2021، قبل توقيع الاتفاق السياسي بيومين، وعندما كان قيد الإقامة الجبرية. وقد أكدت له في كل لقاءاتي هذه أن السودان يحتاج إلى مجهودات صادقة، وأن المرحلة الانتقالية يجب أن تبنى على أساس متين يقوم على الإخلاص والتجرد والوفاء لوقف نزيف الدماء. وهنا أوضح مرة أخرى أن لقاءاتي معه، سواء في منزله أو في مكتبه، لم تتناول على الإطلاق أي مطالب شخصية كما حاول أن يروّج البعض، وهو يعلم ذلك جيداً ويشهد به، بل كان محورها الرئيس هو البحث عن سبل وقف نزيف الدماء، وسمو الهدف فيها خدمة مصالح الشعب والوطن. واليوم أجدد ذات المطالب، عسى أن تجد من قبله أذناً صاغية.