البرهان: تم التشاور مع المهدي والسنهوري بشان التطبيع مع إسرائيل .. نريد تغيير النظرة لبلادنا عبر السعي لمصالحنا .. الشراكة بين الحكومة الانتقالية في افضل حالاتها    الخرطوم: لن نقبل التفاوض على سد النهضة بالأساليب القديمة    يا ناس زين كمّلوا زينكم! .. بقلم: محمد التجاني عمر قش    السودان واسرائيل: الجزء الثانى .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان    نظرات في ثقوب التطبيع .. بقلم: محمد عتيق    كم كنت مظلوما ومحروما ومحجوبا عن العالم...يا وطني! .. بقلم: د.فراج الشيخ الفزاري    مؤتمر المائدة المستديرة للحريات الدينية العالمي .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    الخارجية: اجتماع بين السودان وإسرائيل الأسابيع القادمة لابرام اتفاقيات    الوالد في المقعد الساخن .. بقلم: تاج السر الملك    المريخ يهزم الهلال بصاروخ السماني ويحتفظ بلقب الدوري الممتاز    فى إنتظار قرار الدكتور عبدالله آدم حمدوك .. بقلم: سعيد أبو كمبال    "أوعك تقطع صفقة شجرة" .. بقلم: نورالدين مدني    مفارقات غزوة كورونا للبيت الأبيض!! .. بقلم: فيصل الدابي    رسميًا.. المريخ يضم مهاجم الأولمبي السوداني    "370" مليون دولار منحة من البنك الدولي للسودان    د. أشراقة مصطفي أبنة كوستي والدانوب يعرفها .. بقلم: عواطف عبداللطيف    مجموعة تسطو على مكتب عضو بلجنة إزالة التمكين    توثيق وملامح من أناشيد الأكتوبريات .. بقلم: صلاح الباشا    التطبيع طريق المذلة وصفقة خاسرة .. بقلم: د. محمد علي طه الكوستاوي    اذا كنت يا عيسى إبراهيم أكثر من خمسين سنة تعبد محمود محمد طه الذى مات فأنا أعبد الله الحى الذى لا يموت!! (2) .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه /باريس    ارتفاع وفيات الحمى بالولاية الشمالية إلى 63 حالة و1497 إصابة    عن العطر و المنديل ... تأملات سيوسيولوجية .. بقلم: د. محمد عبد الحميد    نيابة الفساد توجه الاتهام لبكري وهاشم في قضية هروب المدان فهد عبدالواحد    المحكمة تطلب شهادة مدير مكتب علي عثمان في قضية مخالفات بمنظمة العون الانساني    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بروتوكول جنوب كردفان والنِّيل الأزرق.. عثراته ومآلاته (4 من 11)


[email protected]
المشكلات الأمنيَّة قبل وبعد اتفاقيَّة السلام الشامل
إذا كان هناك من ثمة شيء بزَّت به حكومة "الإنقاذ" سابقاتها من الحكومات الوطنيَّة التي حكمت السُّودان فهو المؤتمرات الحكوميَّة والشعبيَّة التي عقدتها طيلة سنواتها في الحكم. فلتجدنًّها قد أقامت مؤتمرات حول الإسترتيجية السياسية، نظام الحكم، الاقتصاد، السلام والتعايش السلمي، حوار الأديان؛ وكذلك أخرجت للناس مواثيقاً للسلام وقدَّمت مبادرات من أجل السلام وهلمجراً. ومن ضمن هذه المؤتمرات مؤتمر حوار الأديان في الخرطوم في نيسان (أبريل) 1993م، وميثاق التعايش السلمي بين القبائل في دارفور وغيرهما. وبالطبع، لا نستطيع أن نحصي عدد الأشعار التي قُرضت، والقصائد التي قيلت بمداد دابق وروح غافلة، والأغاني التي غنَّى بها الموسيقيُّون في سبيل الوحدة الوطنيَّة والتآخي والتساكن السلمي. غير أنَّ الشعر وحده لا شريك له لا يستطيع أن يغيِّر المجتمع وتركيبته؛ ولا يغني الغناء عن أمر الواقع شيئاً. إذ علينا أن نغيِّر بنيته التي تشمل – فيما تشمل – الأسرة والمدرسة والإعلام والسياسات المنتهجة، وليس الفن بقادر على أن يحقِّق هذا العمل كله، ولكنه يمكن أن يغيِّر العلاقة بين الأشياء والكلمات لكيما يُولد وجه جديد للعالم. بيد أنَّ النظام "الخرطومي" امتلك طرائقاً قدداً لإفساد تطور الوعي الجماهيري وسيكولوجيَّته. وطبعاً، توهيم الجمهور على المستويين الديني والسياسي يحتاج إلى قيادات تلجأ هي الأخرى إلى أدوات ومؤثرات تجيش بها كل المجتمع، وخصوصاً أنَّ الجمهور، كما خلص عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لو بون (1841-1931م)، عاجز عن التفكير المتعقل، ولا يملك الروح النقدية، مما يؤدي إلى انجذابه إلى الجوانب الأسطورية المولِّدة للأوهام، أو الآراء التي يشكلها المتخيل الجمعي. وبما أنَّ الجمهور لا ينفصل عن رأس القيادة الكاريزمية والتوهيمية في الغالب، حدَّد لو بون أهم النقاط المؤثرة في تأطير العلاقة بين الطرفين: فللكلمات الرنانة سطوتها، وللأوهام حضورها الأسطوري، على اعتبار أنَ الجماهير غير قادرة على استيعاب الحجج العقلية؛ ثمَّ إنَّ الخطاب العقلاني لا يجذبها: لأنَّها في اللاوعي تفضِّل كل ما هو وهمي وفوضوي. لذا فإنَّ محرِّكي الجماهير من الخطباء لا يتوجَّهون إلى عقلها، بل إلى عاطفتها.
ففي هذا الإطار نظَّم مجلس التعايش الديني السُّوداني بالتعاون مع معهد السلام الأمريكي ملتقىً للحوار حول "دور القيادات الدينيَّة في بناء السَّلام" بقاعة الصداقة في يومي 25 و26 تموز (يوليو) 2005م. إذ تدارس الملتقى أربع أوراق تحت عنوانين رئيسين:
(1) دور القيادات الدينيَّة في صنع ودعم سياسات السَّلام.
(2) دور رجال الدين في تخفيف مرارات الحرب والتئام الجراح للمتضررين في مناطق النِّزاع.
فقد شارك اثنان من الأساتذة المسلمين واثنان من المسيحيين في كتابة الأوراق المطروحة للنقاش، وضم الملتقى أكثر من أربعين شخصيَّة يمثلون قيادات مسيحيَّة وإسلاميَّة لمختلف الكنائس والطوائف، وشخصيات قوميَّة وأكاديميَّة. أمَّن المجتمعون على أهميَّة مثل هذا اللقاء وعلى الدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه رجال الدين بمختلف مللهم وطوائفهم في بناء السلام في السُّودان، وفي تخفيف مرارات الحرب. وانتهت المداولات، التي استمرت لمدة يومين يسودها التفاهم والحرص على التعاون من أجل دعم السلام في السُّودان، إلى التوصيات التالية:
أ/ صنع ودعم سياسات السَّلام:
(1) رحَّب الملتقى باتفاقية السَّلام الشامل التي أوقفت نزيف الحرب، ودعا لتنفيذها بجدية وإخلاص، خاصة فيما يتعلق بالحقوق والحريات الدينيَّة التي نصت عليها. وحث القيادات الدينيَة على تبني برنامج يدعم سياسات السَّلام في كل ربوع السَّودان يكون مكملاً لإستراتيجيَّة الدولة، وأن تلعب القيادات دورها كوسيط محايد بين القوى السياسية، وخاصة بين الشركاء في الحكومة إذا ما نجم خلاف يهدِّد التعاون والوفاق، ويعوق تنفيذ اتفاقية السلام.
(2) تتعاهد القيادات الدينية على ميثاق فيما بينها يقوم على المساواة واحترام الحريَّة الدينيَّة لكافة المعتقدات، خاصة ما جاء في مواد الدستور الانتقالي، والذي يحدَّد الأمور التي تعتبر مصالح عليا لا يجوز الاختلاف عليها، أو الإضرار بها، ويرسم السلوك السياسي والاجتماعي السليم، الذي ينبغي على الأحزاب والطوائف الالتزام به، ويدعو إلى القيم الدينيَّة والأخلاقيَّة المشتركة التي يجب احترامها وعدم الإساءة إليها، لأنَّها تقوِّي كيان المجتمع وتعزز وحدته.
(3) عقد اللقاءات المشتركة بين القيادات الدينيَّة والمسؤولين في الدولة والزعماء السياسيين لتبادل المعلومات والتشاور حول معالجة المشكلات، وتحديد المهام التي يمكن أن تؤديها المؤسسات الدينية، خاصة في حالة السلوك المنفلت أو التحرش أو الاعتداء بين أتباع الطوائف الذي قد يتفاقم ويهدِّد السلام والوحدة. نوصي بإعادة تكوين المجلس الاستشاري لوزير الإرشاد بصورة مقبولة لجميع الأطراف ليكون ملتقى دوريَّاً بين الدولة والقيادات الدينيَّة تُناقش فيه المشكلات المشتركة والقضايا العامة.
(4) نشر مفهوم التسامح الديني واحتمال الاختلافات السياسيَّة والثقافيَّة باعتبار التعدد سنة كونيَّة لا سبيل لتجاوزها، بل فيه قوة ومنعة إن أحسن التعامل معه، وتغيير الخطاب السياسي-الديني من لغة التعبئة والصراع إلى خطاب السلام والتعايش والمحبة، والتصدي للعناصر المتشددة في كل ملة والتي تعرض نهج الوفاق والتعايش بحوار ديني مستنير يعتمد على نصوص الدين المحكمة التي تدعو إلى التعارف والتعاون والسَّلام.
(5) تعاون القيادات والمؤسسات الدينيَّة لاستقطاب الدعم المادي والمعنوي من داخل وخارج السًّودان، لتنمية المناطق الفقيرة وإعمار المناطق المتأثرة بالحرب، وتكوين لجنة قيادية مشتركة لهذا الغرض. ويمكن في هذا السبيل الدعوة إلى مؤتمر عالمي جامع لرجال الدين الإسلامي والمسيحي بقصد دعم السلام والوحدة في أداء دورها الإنساني بتقديم خدمات إغاثيَّة وصحية وتعليمية، خاصة في المناطق الفقيرة، وفي معسكرات النازحين وأن تشجعها الدولة وتساعدها في أداء هذا الدور.
(6) ضرب القيادات الدينية المثل للتعاون المشترك في المجالات الإنسانيَّة والاجتماعيَّة، وأخذ المبادرة في تطوير العلاقات الاجتماعيَّة والشخصيَّة بينهم، من أجل مزيد من التعارف والتعاون، ودعوة أتباعهم لتجنب الاستهزاء وإهانة المعتقدات الأخرى، وتجريح من يختلفون معهم، والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة الكراهية ضد الآخرين، وتجنيب المؤسسات الدينيَة مزالق التورط في صراعات لمصالح أشخاص أو جماعات أو أحزاب لمنافع ماديَّة، وتجاوز العرقيَّة والإقليميَّة من أجل كيانات أوسع سياسيَّة وثقافيَّة واجتماعيَّة مختلطة تتبنى أهدافاً مشتركة تخدم مصالح البلاد وتمازجها ووحدتها، ونشر ثقافة السَّلام والتعقل والتحقق من صدق مرويات الأخبار والأقوال قبل إذاعتها ونشرها.
(7) تفعيل مجلس التعايش الديني ودعمه والمشاركة الإيجابيَّة في نشاطاته، حتى يؤدِّي دوره كمنظمة فاعلة للتواصل والتعاون بين الطوائف الدينيَّة المختلفة، وأن تكون له فروع في أقاليم السُّودان المختلفة.
(8) تطوير برامج لتدريب قيادات شبابيَّة ودينيَّة ومدنيَّة على فض النزاعات، وعلى قيم التسامح الديني والتعايش السلمي.
ب/ تخفيف مرارت الحرب والتئام الجراح:
(1) دعوة رجال الدين الجماهير المتضررة من ويلات الحرب لأن تقتدي بتعاليم الدين في نسيان المآسي التي تعرَّضت لها، وإزالة البغضاء والكراهية من قلوبها لأنَّها تفسد النفوس وتجلب الشر، وأن تستمسك بقيم الصبر والعفو والغفران، لأنَّ في ذلك مرضاة للرب وتأسياً به ومجلبة لغفرانه ومحبته. وأن يضرب رجال الدين أنفسهم المثل والقدوة في تجاوز الضغائن وإعلاء قيم السَّلام والعفو والمحبة، ويمدوا حبال التواصل والتعارف فيما بينهم.
(2) يقوم رجال الدين بخطاب مشترك في التجمعات والمناسبات الدينيَّة والاحتفالات الوطنيَّة للتذكير بمعاني العفو والتسامح من أجل التعايش السلمي وتعمير الوطن، ومن أجل تهيئة مستقبل أفضل للأجيال القادمة. وأن يذكِّروا الناس بقيمة الصلاة والدعاء من أجل بناء السَّلام وفعل الخير ونشر المحبة، فهي تغسل الحقد من النفوس كما يغسل الثوب الأبيض من الدنس، وإنَّ الإيمان الحق مرتبط بالعمل الصالح لا ينفك عنه.
(3) يجهر رجال الدين بمحاربة الظلم والفساد والفقر، وينصحوا قيادات المجتمع المدني والدولة بالتزام العدالة وتكافؤ الفرص واستقامة السلوك ومساعدة الضعفاء والمحتاجين، وتعويض المتضررين، لأنَّ السلام والعفو والمحبة لا تزدهر في مجتمع يعاني من الظلم والفساد والمحسوبيَّة والفقر.
(4) تكوين مفوضيَّة مشتركة من القيادات الدينيَّة والشخصيات القوميَّة تتولى الدعوة إلى المصالحة والتعافي المتبادل لتزيل ما علق بالنفوس من إحن وضغائن، والاعتراف بما لحق بالمواطنين من ضرر وظلم، والتطلع إلى مستقبل أفضل يسوده العدل الاجتماعي والسلم، وتنتشر فيه قيم التسامح والرحمة والمحبة.
(5) تكثيف برامج السلام والتعايش الديني والمصالحة في وسائل الإعلام والتوجيه، وتدريسها مادة في المدارس والمعاهد. وأن تكون برامج الإعلام ومناهج التعليم معبرة بتوازن على التعدديَّة والتنوع التي يذخر بها المجتمع السُّوداني.
وفي خاتمة مؤتمرهم أقاموا الصلاة وكانت دعواتهم من الإنجيل والقرآن، على التوالي، تقول: "طوبى لصانعي السَّلام لأنَّهم أبناء الله يدعون"، و"اللهم أنت السَّلام ومنك السَّلام تباركت يا ذو الجلال والإكرام." ثمَّ اصطفوا لأداء الصلوات، وبسطوا أيديهم إلى السماء ضارعين إلى الله تعالى أن يكلأهم بعين رعايته، ويبسط عليهم جناح رحمته، وأن يهيء لهم من أمرهم رشداً. هذا ما بدا منهم ظاهراً، وما خفي كان أعظم. وفي الحق، ينبغي ألا يرتبط احتمال الآخر مع التكافؤ في الاعتقاد، أو مكان الميلاد، أو لغة التخاطب، أو أيَّة فوارق اجتماعيَّة وثقافيَّة وأثنية وغيرها. إذ يمكن أن يحتمل الناس بعضهم بعضاً وفي الآن نفسه يعتقدون فيما شاءوا أن يعتقدوا، بحيث يمكن أن يعبِّروا عن ذلك في المنابر العامة، ولا نرى إشكالية في ذلك. أفلم يكن هذا شرط من أشراط الديمقراطية المبتغاة؟ أجل! ويجب علينا كلنا أجمعين أكتعين أن نقر بأنَّ المساواة للجميع شيء مرغوب، ولا تعني هذه المساواة تجاهل العقيدة الإسلاميَّة في شيء، بل التأكيد على أنَّها لسوف تتحلَّى بالحقوق المتساوية مع غيرها من المعتقدات الأخرى لا أكثر ولا أقل. غير أنَّ المسلمين القانتين من جماعة الحركة الإسلاميَّة في السُّودان أخذوا يستظهرون على غيرهم ما عندهم من دين، ويستفضلونه على ما عند غيرهم من الأديان، حتى على أولئك الذين يقيمون "الصَّلاة لدُلُوك الشَّمس إلى غسق اللّيل وقرآن الفجر إنَّ قرآن الفجر كان مشهوداً" (الإسراء: 17/78)، وعلى ذلك يرون الحق على أهوائهم كأنَّما ينظرون بأقفائهم، وهذا – وأيم الله – هو الإيتاغ، والإيتاغ هو الإثم وإفساد الدين. فما علينا إلا أن نستذكرهم بقوله تبارك وتعالى: "قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين" (البقرة: 2/93).
بيد أنَّ كل هذه المؤتمرات والندوات والمواثيق والمناشدات وتحبير الخطب وتدبيج فصول الكلام لم تحقق للناس شيئاً من الأهداف التي من أجلها أُقيمت. فعلى سبيل المثال أصدرت جماعات إسلاميَّة متطرفة فتاوي تكفيريَّة ضد الحركة الشعبيَّة عقب التوقيع على اتفاقيَّة السلام الشامل العام 2005م، واعتبار منسوبيها "كفرة فجرة"، وأخذت تحرِّض الناس ضد الانتماء إليها، وضد التعاون معها، أو إيجار القاعات والدور أو غيرها لها لإقامة نشاطاتها السياسية. كذلك أصدرت هذه الجماعات العقائديَّة المتزمتة فتاوي إرهابيَّة ضد كل من اختلف معهم فكرياً من الصحافيين والكتاب والساسة وأصحاب الأديان والملل والنحل الأخرى. والحال هذه طفق أحد نواب المؤتمر الوطني يشهر غدارته في البرلمان لترهيب الأمين العام للحركة الشعبية (قطاع الشمال) النائب ياسر سعيد عرمان. هذا، ولم يكن السُودانيُّون قبل ذلك الوقت مسلحين في البرلمان، وإنَّما استحدثت "ديمقراطيَّة المؤتمر الوطني" هذه العادة في زمن متأخر، وبعد أن أخذوا بأيديهم أعنة الحكم. فما الذي يجعل أولئك وهؤلاء المتزمتين يتمادون في غيهم وتجبرهم ضد الأغيار؟ أولاً، هذه الجماعات تمثل أنابيب رجال السلطة، بحيث يسخرونها كمتنفس لإرهاب خصومهم السياسيين؛ ثانياً، هم فئة فوق القانون ولا تطالهم العدالة. فعدم احترام القانون، من جانب المقربين من السلطة، هو ما يسفه القانون، ويحط من قيمته وقيمة ممثليه. وتُعرف مثل هذه الظاهرة في سوريا ب"التشبيح". ذاك أنَّ التشبيح، تعريفاً، هو كل ممارسة تنتهك القانون الرسمي، وتستهتر به وتحقره. والشبيحة هم أعداء القانون، الذين اغتالوا هيبته عبر سلوكهم الخاص الذي أثَّر في جيل أو جيلين ممن تماهوا مع أساليب الشبيحة وصورتهم في أعمال التهريب والترهيب. فما لم تكف الحكومة عن تسخير هذه الموارد البشريَّة المتأسلمة لأغراضها السياسيَّة، وما لم يسود القانون ضد الكبرياء بحيث يستقوى به الضعفاء، تمسي مقررات وتوصيات هذه المؤتمرات الدينية مداداً على ورق. إذن، أين دور الحكومة في إقرار العدل، ورفع الظلم، وإنصاف الضعفاء من الأقوياء، وتحقيق المساواة بين الناس، والعناية بأمر القريب والبعيد، والرفق بأحوال المجتمع في أوقات اليسر والعسر، والقيام فيهم بالحزم كل الحزم حتى لا يطمح منهم طامح إلى ما لا ينبغي له أن يبلغه إلا بالحق!
مهما يكن من شيء، فلعلَّ واحداً من السياسات العرجاء التي انتهجتها الحكومات الوطنيَّة في السُّودان بعد الاستقلال العام 1956م هو اقتفاء أثر الاستعمار في نهجه المعروف ب"سياسة فرِق تسد". وفي هذه الأثناء لم يتعلَّق الأمر فقط بافتتان المواطنين ببعضهم بعضاً عن طريق الدسائس السياسيَة والفوارق الدينيَّة والعرقيَّة فحسب، ولكن بتسليح أثنيات معينة، وبخاصة إبَّان الحروب الأهليَّة، لتكون عضداً يشد من أزر القوات المسلحة، أو هكذا يرويدوننا أن نصدِّقهم. فإنَّ الإنسان بطبعه لظلوم جهول؛ فهناك النفس الأمارة بالسوء؛ وهناك الجشوع الذي له تسع وتسعون نعجة ويبغي، مع كثرة نعاجه، أن يأخذ من أخيه نعجة واحدة ليضيفها إلى نعاجه، وإنَّ كثيراً من الخلطاء – أي الشركاء والأخوان – ليبغي بعضهم على بعض؛ ثمّ هناك الملك العضوض أو الطاغية المستبد الذي يقول لرعيته – فيما يقول: "ما أريكم إلا ما أرى، ولا أرى إلا سبيل الرشاد". فعلى سبيل المثال، حين هزم الإسكندر المقدوني الفرس "أراد أن يكون ملكاً شرقيَّاً، وسلك إلى ذلك سُبل ملكوك الشرق من المصريين والفرس، فأراد أن يُعبد ويُتخذ إلهاً. ولم يكتف بأخذ الشرقيين وحدهم بهذه العبادة، بل أراد أن يفرضها على اليونان والمقدونيين الذين كانوا قد تعوَّدوا الحريَّة والأنفة، والذين كانوا يزدرون "ذلة الشرقيين" وتقديسهم لرجال مثلهم. فلما طلب الإسكندر ذلك إلى اليونان ظنوا أنَّه يمزح، فاستضحكوا، فلما آنسوا منه أنَّه جاد سخروا منه، وهزَّأوا به، ثمَّ أطاع بعضهم كارهاً، وعصى بعضهم مذكراً هذا الإله الجديد بمولده ونشأته وفضل اليونان والمقدونيين عليه، ومن ذلك الوقت ساءت الصلة بين الإسكندر وأعوانه، فأتمر به بعضهم."(32) فمثل هؤلاء وغيرهم حين يمتلكون مصادر القوة المادية لسوف لا يتردَّدون في استغلالها لتحقيق أغراضهم الذاتيَّة، العشائريَّة، القبليَّة، الدينيَّة، الطائفيَة، أو السياسيَّة.
فالمتتبع لتأريخ السُّودان الحديث والشأن السياسي فيه، وفي ظل حكوماته الوطنية، وبخاصة تعاطيها مع مشكل الحرب الأهلية، يدرك أيما الإدراك أنَّ التسليح القبلي لم يحسم النِّزاع المسلح في يوم ما، فالأمر سيان في الحرب الأهلية الأولى (1955-1972م)، والثانية (1983-2005م)، والنزاع الدارفوري (2003م-؟). بيد أنَّ الإصرار والاستمرار في تسليح قبائل بعينها يعكس شيئاً غير خاف على من له أبسط فهم بقواعد اللعبة السياسية السُّودانيَّة، ألا وهو العنصرية التي ترتديها وترتادها الأنظمة الحاكمة في محاولاتها الدؤوبة لإبادة عرق معين، والوقوف مع الآخر الذي تربطهما رابطة العرق العربي المزعوم من ناحية. ومن ناحية أخرى، محاولة إبقاء الهامش الحامل السلاح بعيداً عن مراكز القرار وتصديه ضد الاقتراب إلى العاصمة حتى لا تختل موازين القوى السياسية، وبذلك تضمن العناصر الحاكمة المتحكِّمة استمراريتها في السلطة، حراصاً على الحكم واستئثاراً بالسلطان. فحين سيطر الجيش الشعبي لتحرير السُّودان على مدينتي الكرمك وقيسان العام 1987م إبَّان حكومة رئيس الوزراء السُّوداني الصادق المهدي (1986-1989م) حدث استنفار حكومي وشعبي منقطع النظير، فخرجت "المسيرات المليونية" – برغم من أنَّه لم يحصهم أحد – بقيادة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة (المؤتمر الوطني والشعبي حالياً) لدعم القوات المسلحة، وتبرَّعت الأحزاب السياسيَّة الشماليَّة بالمال، وأكثر أئمة المساجد من الخطب الدينيَّة التي تحث على الجهاد، وعلت أصوات النعرات العنصريَّة ضد الأغيار، وسافر السيد محمد عثمان الميرغني (راعي الحزب الإتحادي الديمقراطي) إلى العراق، وعلى ضوء هذه الزيارة والمباحثات التي جرت بينه وبين الرئيس العراقي صدام حسين أرسل الأخير المقاتلات العراقيَّة وقصفت المدينتين. وقد وقفت القوات المسلحة السُّودانيَّة عاجزة محبطة حين استعانت الدولة بطائرات أجنبيَّة وطيَّارين أجانب لإجلاء قوات الجيش الشعبي من هاتين المدينتين. هذا، فلم ينتقل إلينا هذا الحديث وأمثاله من خلال القًصَّاص والمؤرِّخين مكتوباً، ولم يُنقل إلينا مشافهة، حتى تصنع فيه الذاكرة صنيعها، وتعرض بعضه للنسيان، وبعضه لتغيير اللفظ، أو تصنع فيه الأهواء السياسيَّة صنيعها أيضاً، بل شهدنا ذلك العهد، ووقفنا على حيثياته، وألممنا بمجرياته.
على أيَّة حال، فمما لا شك فيه هو أنَّ النزاعات القبيليَّة – وبخاصة في غرب السُّودان، وفي غالبها الأعم – تنشأ نتيجة الشجار حول المراعي، ومصادر المياه، ونهب المواشي، والإبل، والماعز والضأن. ولكن ما أن ضرب الجفاف إقليم دارفور في الثمانينيَّات من القرن الماضي، حتى نزح كثر من سكان السُّودان عن بلادهم وآووا إلى المدائن يلتمسون فيها ما يقيم الأود، وازدادت حدة التنافس حول المراعي الصيفيَّة المحدودة. وفي خضم هذه الصراعات كان أخطر نزاع وقع هو الذي نشب بين قبيلتي الكبابيش والزياديَّة في شمال كردفان وشمال دارفور في الثمانينيَّات، مما أدى إلى مصرع 12 شخصاً. وقد بدأ النزاع حين نهب أثنان من قبيل الزياديَّة 10 من إبل النوراب (أحد بطون قبيل الكبابيش)، الذين قُتِلوا من بعد بواسطة 12 من النوراب الذين طاردوهما وأطلقوا عليهما النار، وانتقمت الزياديَّة بقتل وسرقة بعض الإبل من اثنين من رعاة الكبابيش، حيث فرَّ أحدهما وطُورِد الآخر حتى قُتل بعد أن بدأ هو بإطلاق النار وأصاب أحد أفراد الزيادية السارقين بجراح خطيرة. وبعد سلسلة من أعمال القتل الانتقامية والاعتقالات، حُسِمت هذه القضية بعقد مؤتمر حضره زعماء القبائل وموظفو الحكومة المحلية، وتقرر على كل طرف دفع تعويضات للطرف الآخر قيمة للحيوانات المفقودة والأرواح التي زُهقت (الدية)، وكانت تكلفة الدية 1000 جنية سوداني في ذلك الحين من الزمان.
وقبل عدة سنوات من ذلك الرّدح من الزمان هاجم أفراد من قبيل الكبابيش قافلة من قبيل الميدوب الإفريقيَّة وهي في طريقها إلى دنقلا، وقتلوا كثراً من أفرادها. وعلى سبيل الانتقام قامت مجموعة مكونة من 50 شخصاً من الميدوب ومسلحة بالبنادق، وأغارت على آبار الحكومة في كتيماني، وقتلت مسؤول الآبار الكباشي، ونهبت ممتلكات نساء كباشيات كثيرات من الحلي والأساور الذهبيّة قبل عودتها إلى جبالها الحصينة في شمال دارفور. وفي العام 1984م قامت العواجدة (إحدى عشائر الكبابيش) بسرقة 16 إبلاً من الميدوب وذبحها في الصحراء. وفي جنوب دارفور نشب صراع بين بني هلبة (أبالة) والمهيريا (أبالة ورعاة ماعز أيضاً). وبدأ الصراع حين دخلت ثلاثة من إبل المهيريا مزارع بني هلبة، واستاق الأخير هذه الإبل. وحين حضر صاحبها لاستردادها رفض بنو هلبة الاستجابة لطلبه ونشب نزاع فيما شجر بينهم من خلاف، حيث أطلق المهيري النار على ثلاثة من بني هلبة. ومن بعد، تصاعدت العدائيات بين الطرفين، مما أدَّت إلى مصرع 15 شخصاً من النساء والرِّجال، ومقتل مئات من الحيوانات. وبرغم من حل المشكل بواسطة مؤتمر الأجاويد، إلا أنَّ العداوة استمرت بين القبيلين ردحاً من الزمان.
والحال هذه إذ تُعتبر الصراعات الدموية بين الزرَّاع والرعاة إحدى الوجوه المستديمة في حيوات الناس في غرب السُّودان. فحين يعود العرب البدو بحيواناتهم إلى الجنوب بعد هجرتهم الشمالية وقبل الحصاد، فإنَّ حيواناتهم لتدمر المحاصيل. والصراع الذي نشب العام 1984م بين قبيل المحاميد (من القبائل العربية البدوية الرحل) من جانب، وبين قبيل المساليت (من القبائل الإفريقية المستقرة) من جانب آخر في المنطقة الحدودية مع تشاد وبالقرب من الجنينة، هو كان من هذا الطراز؛ وكان هذا النزاع عبارة عن صراع مستديم استمر لعدة سنوات، وخلف أكثر من 10 من القتلى وسط المجموعتين.
وفي ذلكم الوقت هاجمت عشيرة سرجاب (الكبابيش) تسعة من التجار من قبيل البرتي الإفريقية، وهم في طريق عودتهم من سوق أم درمان، وعلى ظهور الحمر كانوا مسافرين، حيث تم نهبهم وقتلهم. وفي مستهل العام 1985م تعرّض سائح ياباني شاب، كان مسافراً وحيداً على ظهر بعير، للضرب المبرح بواسطة العرب البدو من قبيل المحاميد. ونجا الرجل من الموت شبه محقق بأعجوبة بعد أن أسعفته رجلاه جرياً، وبعد أن تعرّضت ذراعاه للكسر. وكذلك تمثل الهجمات على قطيع التصدير من الإبل – أو ما يسمى ب"الدلوكة" – إلى مصر أحد أضلاع النزاع في غرب السًّودان، لأن المصدِّرين السُّودانيين غير مسموح لهم بحمل السلاح لأنَّهم يعبرون حدوداً دولية. ففي شباط (فبراير) 1985م تعرَّضت دلوكة مكوَّنة من عرب الرزيقات ومسافرة من الفاشر لهجوم بالقرب من "رويبة" في وادي الملك بواسطة عشيرة سرجاب (الكبابيش)، وجُرح دليل الدلوكة في فخذه. وفي حادثة أخرى دخلت دلوكة منطقة دنقلا ونفد ماؤها، وحين ذهب الدليل لشحذ الماء من عشيرة أم ميتو المحليَّة، أُطلِق عليه النار في ساقه، ومن ثم قام البدو بنهب أفضل حيواناته.
فبالإضافة إلى الأسباب التقليدية لنشوب مثل هذه الصراعات المسلحة كان هناك الجدب الشديد الذي أصاب الناس في مناطقهم، وانقطع عنهم الغيث وكان قوام حياتهم، وصارت الأرض قفراء بلقع، وحلَت بالسُّودان الفاقة، حتى وجد السُّودانيُّون عسراً عسيراً في الحصول على أقواتهم ومرتزقهم. ثمَّ كان هناك الصراع التشادي-التشادي أو التشادي-الليبي في الثمانينيَّات، وكانت لهذه الأسباب كلها أثراً كبيراً في استفحال الصراع المسلح. وبما أنَّ العرب الرحل يزعمون بأنَّهم يحملون أسلحتهم لحماية أنفسهم وقطعانهم وأسرهم، إلا أنَّهم يستخدمونها في الإغارة على القبائل الأخرى، وفي النهب والسلب والعمليات الانتقامية خارج نطاق القضاء. هكذا أخذ المسيريَّة يصرون على حمل أسلحتهم والعبور بها الحدود الدولية إلى دولة جنوب السُّودان، مما يعتبر ذلك انتهاكاً للأعراف والقوانين الدولية. وكان من الخطوات الإيجابية، التي أقدمت عليها حكومة الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، مصادرة الشرطة نحو 47 قطعة سلاح غير مرخص من أفراد قبليَّة محليَّة في شمال كردفان في أيار (مارس) 1984م. وهؤلاء الأفراد كانوا من الرعاة الذين ينتمون إلى النوراب، العشيرة الحاكمة في قبيل الكبابيش، وهي أكبر مجموعة بدوية والأكثر نفوذاً في الإقليم، وينتمي إليها ناظر الكبابيش التوم حسن التوم، والذي كان يمثِّل أيضاً قاضياً محليّاً.(33) ومما سبق نستطيع هنا أن نشير إلى السؤال الذي قد يتبادر إلى البال، ألا وهو من يملك الأراضي والمراعي وآبار الري؟ وما هو حجم الإساءات العنصريَّة التي تفجر هذه الصراعات وتزيدها اشتعالاً؟ ولِمَ يقتل العرب الغائرون ضحاياهم من الرِّجال وينزون على نسائهم قبل أن تجف دماء بعولهن الذين غُدِر بهم؟ وما أكثر من أقدم على ذلك من الأعراب غصباً لهم واستبداداً بهم دون أن يكون له أهلاً، يقتلون منهم من قتلوا، ويفتنون منهم من فتنوا، ويحرقون بعضهم بالنار، وينصبون بعضهم هدفاً للرماية، ويأخذون أناساً منهم لضرب أبشارهم بالعصي أو السياط حتى شعبت (أي جرت) جروحهم دماً، وذلك لكي يرعبوا الناس، كما هي الحال في جبال النُّوبة حيث التقتيل والترهيب للإثنية النُّوبويَّة دون سواها.
بيد أنَّ المشكلات الأمنيَّة التي حدثت في ولاية جنوب كردفان قبيل وبعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل العام 2005م كانت ذات طابعين: فهناك الطابع السياسي كظهور بعض الحركات المسلحة ذات أهداف سياسيَّة في المنطقة، مثلاً: "حركة تهامة" في تشرين الأول (أكتوبر) 2004م، تمدُّد العمليات العسكريّة لحركة العدل والمساواة في المنطقة، واحتجاجات أبناء المسيريَّة في المجلد والفولة بخصوص الفاقد التنموي والوظيفي والمطالبة بنصيب معلوم من حصص البترول. من جانب آخر، كانت النِّزاعات الأخرى ذات طابع قبلي واجتماعي واقتصادي. فهناك النزاعات التي نشبت بين النُّوبة (الزرَّاع) والعرب (الرعاة) تارة، أو بين العرب والعرب تارة أخرى، أو بين النُّوبة والنُّوبة تارة ثالثة، وذلك بسبب المراعي، ومصادر المياه، وخط سير الماشية والإبل والماعز، أو النزاع حول الأراضي.(34) فما هو الجديد في الأمر، إذن؟ لا مريَّة في أنَّ الظلم الذي صاحب عمليَّة التوظيف في آبار النفط والتفرقة الممارسة حتى في بعض الوظائف الدنيا كالسواقين الذين جئ بهم من خارج المنطقة قد صبَّ الزيت على النار، مع العلم أنَّ أي مشروع اقتصادي إذا لم يوفر التنمية والخدمات الاجتماعيَّة والصحيَّة والتعليميَّة والترفيهيَّة للمواطنين في المنطقة المعنية فهو بلا شك فاشل. حتى في حال الكوارث الطبيعيَّة فلسكان المنطقة المتأثرة بالكارثة نصيب مما قد تحوله هذه الكارثة إلى منفعة اقتصادية أو سياحيَّة. ففي شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يتفجر البركان في جبل نياموراقيرا كل عامين أو ثلاثة أعوام حتى تحولت هذه الظاهرة إلى أثر سياحي يرتاده الناس من كل أصقاع العالم من سواح وهواة تصوير وعلماء الطبيعة ورجال الصحافة وغيرهم. إذ تطلب منهم السلطات دفع مبلغ 300 دولاراً أمريكياً لزيارة البركان، ويذهب ثلث هذا المبلغ للسكان المحليين لأنَّهم يتأثرون بهذه الكارثة في حيواتهم الاقتصادية والاجتماعية من حين إلى آخر.
مهما يكن من شأن، ففي اشتباكات عنيفة بين قبيلي الرزيقات والمسيرية، في جنوب كردفان، أسفرت عن مقتل أكثر من 130 شخصاً من الطرفين، منهم 100 من المسيرية، ونحو 30 من الرزيقات، طبقاً لأقوال أعيان من القبيلين. فيما قالت الشرطة في الخرطوم إنَّ عدداً من قواتها قًتِلوا وأًصِيب آخرون، عندما تدخّلت قوة من الشرطة لفض الاشتباك. وكان الطرفان قد عقدا قبل أشهر مؤتمراً للصلح في مدينة الأبيض، ولكن بعض بنود المؤتمر واجهت صعوبات في التنفيذ. وقال بيان صادر من الشرطة إنَّ قواتها تعرّضت إلى إطلاق النار من ميليشيات تتبع لقبيل الرزيقات في منطقة "شقادي"، وذكر أنَّ قوات القبيل التي هاجمت قوات الشرطة يبلغ تعدادها نحو 3 آلاف مسلح على ظهور الخيول، وترافقها نحو 35 سيارة، وأكد أن الصدام وقع أثناء قيام قوات الشرطة بفض الاشتباك بين المسيرية والرزيقات. وفي الآن نفسه قال محمد عبد الله عضو البرلمان عن "كتلة سلام دارفور": "إنَّ معارك دارت أمس منذ الصباح الباكر في جنوب كردفان في منطقة "شقادي"، وخلفت أكثر من 20 قتيلاً، وذكر أنَّ حجم القوة والأسلحة والذخيرة والتنظيم والترتيب يشير إلى أنَّ المعركة مبيتة وليست معركة قبلية، وحذر من محاولة نقل صراع دارفور إلى كردفان." واستطرد قائلاً: "إنَّ الهجوم نفذته مجموعة مسلحة استهدفت قوة أرسلها والي جنوب كردفان، وتم تدميرها بالكامل واعتبره تمرداً جديداً على الحكومة، وطالبها بالتصدي للأمر حفاظاً على أرواح المواطنين هناك، واتهم جهات قال إنَّ لها خصومة في المنطقة،" وأضاف: "فعلاً تشهد المنطقة صراعاً بين المسيرية والزريقات، لكن ما تم يتعدى هذا الصراع ويشي باستغلاله من جهات داخلية وإقليمية وخارجية لإحداث فوضى في المنطقة." وقال: "إنَّه تقدم بمسألة مستعجلة لوزيري الدفاع والداخلية حول الأحداث وتعرَّضت قوة تتبع للاحتياطي المركزي لإطلاق نار مكثف من جانب قبيل الرزيقات بمنطقة شقادي بولاية جنوب كردفان، الأمر الذي أدى لقتل وجرح عدد من قوات الاحتياطي المركزي وبعض المواطنين."(35)
وفي أحداث مماثلة ذكرت مصادر قبلية أنَّ 75 شخصا قُتِلوا وجُرِح المئات في نزاع قبلي بين مجموعتين قبليتين تنتميان لمجموعة المسيرية الرعوية في غرب ولاية جنوب كردفان التي تشهد مواجهات بين القوات الحكومية ومتمردي الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان. وفي ذلك الحين قال أحد زعماء قبيل المسيرية محمد عمر الأنصاري لفرانس برس عبر الهاتف من منطقة نائية بجنوب كردفان: "إنَّ توسع نطاق المواجهات بين مجموعة أولاد سرور من جهة، وأولاد هيبان من جهة أخرى قد امتدت من حول بليلة، أكبر حقول النفط في الولاية. واندلعت المواجهات في منطقة "قلودة" على 7 كيلومترات شمال حقل بليلة إثر خلاف حول مورد مياه يستخدم لشرب الأبقار." وقال شهود عيان لفرانس برس: "إنَّ المقاتلين من أولاد سرور وأولاد هيبان يستخدمون دراجات نارية في التنقل ومهاجمة الطرف الآخر، مما وسع نطاق المواجهات كما أرسلت الحكومة أعداداً من الشرطة والجيش للمنطقة للسيطرة على الأمور." وقبل أسبوعين من تلك الحادثة قُتِل مهندس صيني يعمل في حقل بليلة للنفط بعد أن اختطفه مسلحون ينتمون لمجموعة المسيرية. ففيما تصاعدت الأحداث وصلت حصيلة الاشتباكات إلى 200 قتيل (140 شخصاً من طرف أولاد هيبان، و60 شخصاً من أولاد سرور) بينما لا تُعرف على وجه الدِّقة حصيلة الجرحى، لكنه مع ذلك استقبلت مستشفى المجلد نحو 37 جريحاً. وبعد تحركات مكثفة قادها أعيان المنطقة وزعماء الإدارات الأهلية، هدأت الأوضاع. لكن يظل التساؤل مشروعاً: ما الذي يجعل الصراع دموياً إلى هذا الحد؟ أي أين جاءت الأسلحة الفتاكة التي يستخدمها أفراد القبائل المتنازعة لحصد أرواح بعضهم بعضاً بهاتين الشراسة والهمجيَّة؟ وهل هذه النزاعات قبليّة فقط فيما تدعي أجهزة الإعلام الحكومية؟ أي بصورة أخرى هل السلطات الأمنية الحكومية غير متورطة في هذه الصراعات لأسباب سياسية واجتماعية وثقافية لصالح الحزب الحاكم؟
علاوة على ما تقدَّم من إيضاح نجد أنَّ تسييس هذه الجماعات القبليَّة المسلحة، وإغداقها بالسلاح الحديث، ووضعها تحت حماية سلطان الدولة، وإيقاد الثأرات القديمة، وإشباعها بأدبيات جهاديَّة ونعرات عنصريَّة لكراهيَّة الآخر المختلف سياسيَّاً، دينيَّاً أم أثنياً، قد فاقم الأوضاع. هكذا استغلت الحكومة المركزيَّة (والمحليَّة في أحايين كثيرة) هذه الأسباب لإشعال الفتن بين المجموعات الأثنيَّة المختلفة، التي تقيم في الولاية. هذا هو الجديد في أمر هذه الصراعات المسلحة في المنطقة. فالانتشار الأفقي لتسييس وعسكرة الميليشيات القبليَّة، وتفشي نشاط النَّهب المسلح، والنِّزاعات الدمويَّة بين الرعاة والزرَّاع، وما يعقبها من اختطاف النساء والأطفال سمة سائدة في ثلاثة أقاليم في وسط وغرب السُّودان حيث تلعب القبائل العربيَّة فيها دوراً مقيتاً: وهي دارفور، كردفان وشمال بحر الغزال. وقد أسمينا هذه الأقاليم الثلاثة "مثلث الميليشيات العربيَّة". وتعود أزمات هذه المعضلة الإجراميَّة إلى حقب موغلة في القدم، إلا أنَّها تم تسييسها من جهة، ودعمها بالمدد والحماية القانونيَّة من جهة أخرى، وغُيِّبت العدالة من جهة ثالثة. وما يحدث في كل إقليم يحدث في الإقليمين الآخرين؛ ولئن اختلف الحدث في الزمان والمكان، فالأهداف والمعايير المستخدمة واحدة. بيد أنَّه لا شك في أن الجانب المعتدي دوماً هو القبائل العربيَّة في رحلاتها الشتويَّة والصيفيَّة، والضحايا هم القبائل الإفريقيَّة المستقرة سواء في أنفسهم أم عروضهم أم ممتلكاتهم؛ أو بمعنى آخر اقترافهم لجرائم القتل واغتصاب النساء وسبيهم، ونهب قطعانهم من الماشية وتدمير محاصيلهم ومنازلهم. وكل ذلك العدوان والاستعلاء يتم باسم الإسلام والعروبة مها يكن من أمر الأخير. فالعرب الأقحاح لا يرضون بغيرهم عرباً، وبخاصة أولئك الذين امتزجت دماؤهم بأخرى إفريقيَّة، أو اختلطت عقيدتهم الإسلاميَّة بكريم المعتقدات الإفريقيَّة بشيء هنا وهناك. وكان العرب العمانيُّون – على سبيل المثال – يحتقرون إخوتهم في جزيرة زنجبار (بر الزنج) في أقبح ما يكون الاحتقار، وذلك بعد أن حوَّل الأخير مركز السلطة إلى هذه الجزيرة في القرن التاسع عشر من الميلاد، وجعلوها سوقاً وميناءاً هامين للاتجار بالبشر وتصديرهم إلى شبه الجزيرة العربيَّة وبلاد الفرس والهند. إذ أخذ هؤلاء العمانيُّون يزورون زنجبار ويزدرون بعربها المستوطنين، ويستغشون ثيابهم على وجوههم تجنباً للتلوث بالروائح النتنة، وعصمة من الأمراض الوبائيَّة. وكانوا يستهترون بهم الاستهتار كله، ويتعالون عليهم في أشد ما يكون العلو، وذلك بحكم التمازج العرقي بين العرب والسواحيليين والأفارقة من أعماق القارة، وكان هذا الامتزاج سمة من سمات النمو السكاني في الجزيرة، ثم كانوا يبغضون في أشد ما يكون البغض تغلغل العادات والتقاليد الإفريقيَّة في شعائر سكان الجزيرة الدينيَّة. وبرغم من تلك الدونيَّة التي وجد فيها العرب المتأفرقون أنفسهم في جزيرة زنجبار والامتعاض والإشفاق منهم، كانوا أثرياءاً بفضل عائدات تجارة الرق وعاج الفيل وريش النعام وجلود الحيوانات والتوابل وصيد الحيوانات البريَّة وهلمجراً.(36)
على أيَّة حال، ففي الفترة ما بين 1-5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008م وزَّعت الحكومة السُّودانيَّة على 20 قبيلة عربيَّة 9684 قطعة سلاح كلاشنكوف، 232 مدفع قرنوف، 8 بنادق آليَّة ثقيلة (عيار 12.7 ملم)، و26 مدفع هاون (عيار 82 ملم). وهذه القبائل هي: المعاليا، حَمَر، جمع، قبائل تندلتي، الهوارة، العتايقة، أولاد حميد، الحوازمة، المسيريَّة الحُمُر، المسيريَّة الزُّرُق، أولاد سليم، البديريَّة، الهبانيَّة، الجوامعة، الرزيقات، التعايشة/سلامات. فقد ذهب أغلب الأسلحة إلى البقارة حيث انتهت في يد الحوازمة، إضافة إلى إحدى بطونها المتواجدة في منطقة أم برمبيطة في جنوب كردفان، والبديريَّة في شمال جبال النُّوبة. وجاء التصنيف على النحو التالي:
(1) 400 قطعة كلاشنكوف إلى الحوازمة/البديريَّة.
(2) 600 قطعة كلاشنكوف، 10 بنادق آليَّة (عيار 7.62 ملم) لإحدى بطون الحوازمة في منطقة أم برمبيطة.
(3) 400 قطعة كلاشنكوف، 10 بنادق آليَّة (عيار 7.62 ملم)، 10 مدافع هاون (عيار 60 ملم)، و10 مدافع هاون (عيار 75 ملم) للحوازمة، وذلك استجابة لنداء عثمان قادم، أحد قادة أولاد حميد (من بطون الحوازمة)، وهو عضو بارز في حزب المؤتمر الوطني الحاكم.
ثم ذهبت الشحنة الكبيرة الثانية إلى المسيريَّة على النحو التالي:
(1) 600 قطعة كلاشنكوف، 27 بندقيَّة آليَّة (عيار 7.62 ملم)، 6 مدافع هاون (عيار 66 ملم)، و6 مدافع هاون (عيار 75 ملم) إلى المسيريَّة الحُمُر.
(2) 392 قطعة كلاشنكوف، 10 بنادق آليَّة (عيار 7.62 ملم)، و2 مدفع هاون (عيار 82 ملم) للمسيريَّة الزُّرُق.
إذ توزَّعت هذه القبائل في ولايات شمال وجنوب كردفان، النيل الأبيض، شمال وجنوب دارفور، مما جعلت منطقة جبال النُّوبة عبارة عن جزيرة محاطة ومحاصرة من جميع الجهات بميليشيات عربيَّة مسلحة، علاوة على القوات المسلحة الحكوميَّة. وبرغم من الإنكار المنكر بصوت جهور في وسائل الإعلام المسموعة والمرئيَّة والمقروءة كذلك، كانت قيادات المؤتمر الوطني تتململ من تسريب المعلومات التي كانت دوماً تُصنَّف بأنَّها "سريَّة للغاية"، وتتأذَّى أن تجد أسرار الدولة الأمنيَّة والعسكريَّة وخفايا مؤامرات حزبهم في المواقع الإلكترونيَّة السُّودانيَّة بالشبكة العنكبوتيَّة العالميَّة (الإنترنيت)، وكانت وجوههم تسودُّ من أثر الغيظ غير المكظوم، أو ينظرون كشحاً حين تغدو هذه المعلومات الأمنية مواد المؤتمرات الصحافية، أو حديث المنابر العامة عند شريكهم في الحكم. ولعلَّ هذا التضجُّر كان جليَّاً في الخطابات المتبادلة بين تلك القيادات تارة، أو في المذكِّرات المرسلة إلى موظَّفي الدولة في الخدمة المدنيَّة أو القوات النظاميَّة تارة أخرى. ففي 27 آب (أغسطس) 2009م بعث وزير الدِّفاع السُّوداني الفريق أول ركن مهندس عبد الرحيم محمد حسين برسالة إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة يقول فيها:
(1) تلاحظ في الآونة الأخيرة التصريحات عبر وسائل الإعلام بتسليح بعض القبائل في الشمال والجنوب، وعزوا تدهور الأوضاع في الجنوب إلى ذلك، مما يدل على أنَّ هناك تسريباً للمعلومات إلى جهات معادية (الحركة الشعبيَّة)، وما بين المعقوفتين من عندنا.
(2) يتم إيقاف عمليات التسليح في الوقت الحالي، على أن يتم التسليح لاحقاً عبر الاستخبارات (العسكريَّة).
(3) سوف تصلكم التوجيهات في حينه.
وقد توقَّفت عمليات التسليح بعد تسريب معلوماتها عبر الإنترنيت، ولكن فقط بعد أن تمَّ توزيع أكثر من 50000 قطعة سلاح. وبعد استئناف عمليَّة التسليح – بصورة أكثر سريَّة، وبواسطة الاستخبارات العسكريَّة – في أيلول (سبتمبر) 2010م كانت المحليات الثلاث المستهدفة هي: رشاد وأبوجبيهة في الجبال الشرقيَّة، والدلنج في المنطقة الغربيَّة. وفي هذه الأثناء تمَّ صرف 2000 قطعة كلاشنكوف إلى الجبال الشرقيَّة، 6000 قطعة أخرى – بالإضافة إلى 600 بندقيَّة آليَّة – إلى المنطقة الغربيَّة، حيث تمَّ توزيعها وسط ثمانية معسكرات مسلَّحة.
وبرغم من كل هذه الأدلة الواضحة للعيان بعث محمد المهدي مندور – أمين الشؤون السياسيَّة في المؤتمر الوطني – بمذكرة إلى كل رؤساء المؤتمر الوطني بالولايات يدحض فيها اتهام المؤتمر الوطني بتسليح القبائل. فماذا كتب مندور في وثيقة الدفاع اليتيم في يوم 6 أيلول (سبتمبر) 2009م؟ كتب مندور يقول: "لعلَّكم تعلمون – وحسب متابعتكم – بأنَّه يُوجد اتهام للمؤتمر الوطني بتسليح القبائل بالجنوب والشمال. هذا محض افتراء، بل يصرِّح بذلك مراراً باقان أموم (الأمين العام للحركة الشعبيَّة)، وكذلك ين ماثيو (الناطق الرسمي باسمها). هذه مجرَّد تكهنات تفتقد للإثبات، وسوف نطالبهم بالأدلة حتى يثبت هذا الاتهام. كثرت علينا الاتهامات من قِبل شريكنا في الحكم، ولكن من الآن سوف لن نسمح بأي اتهام يمر عفواً حتى نقف على حيثياته، لأنَّنا كمؤتمر وطني، دولة لنا الحق في التحقيق في أي اتهام. مثل هؤلاء لا يثنون على المؤتمر الوطني، ولا يحمدون له بأنَّه ملكهم الحكم والسيطرة على أرض الجنوب، بل يؤلِّبون الجهات المعادية للضغط علينا لتمرير أجندتهم، بل وإزالتنا من السلطة ليسهل لهم البقاء في السُّودان، ويوجِّهونه كما يشاءون، ولكن إنَّ ما يرونه هو حلم يصعب تحقيقه." وإذا تركنا لغة الوعيد والتهديد واللفظ الجشب (الغليظ) جانباً وولجنا إلى مجاهل حديث المن والأذى الذي قيل في حمية وتكبر وفي غير موضعه من الإعراب قد نخلص إلى الحق الحقيق، الذي يعجز دوماً أصحاب القصور والدور وأهل السلطة عن النطق به، أو التطرق إليه. فلم يملِّك المؤتمر الوطني الحركة الشعبيَّة الحكم في جنوب السُّودان، ولا السيطرة على أرض الجنوب، بل ناضل أهل الجنوب حقباً عجافاً، تعصف بهم عواصف الدهر وتبطش بهم أرزاء البشر، ثمَّ ابتلوا بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، حتى استحقوا هذا الحق بجدارة. فالحريات ليست بأعطيات، بحيث تُعطى بدون تضحيات؛ فمن أراد أن يهنأ بطعم العسل عليه أن يرضى بلسع النَّحل.
مهما يكن من أمر، ففي يوم 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2009م تمَّ صرف وتسليم كميَّة من الأسلحة – حسبما ورد في خطاب مدير هيئة الاستخبارات العسكريَّة إلى مدير هيئة الإمداد المشتركة – إلى "القوات الصديقة في جنوب كردفان وأعالي النيل." والأسلحة هي: 800 قطعة كلاشنكوف، 300 بندقيَّة ج/3، 20 (مدفع) قرنوف، 9 ديكتريوف، 8 مدافع هاون (عيار 60/75 ملم)، 5 مدافع هاون (عيار 82 ملم)، 4 مدافع هاون (81 ملم)، و18 قاذف صاروخي (أربجي). وكانت هذه الأسلحة مصحوبة بالذخيرة على النحو التالي: 400 صندوق ذخيرة كلاشنكوف، 200 صندوق ج/3، 60 صندوق قرنوف، 45 صندوق دانة هاون (عيار 60/75 ملم)، 30 صندوق دانة هاون (عيار 82 ملم)، 25 صندوق دانة هاون (عيار 81 ملم)، 36 صندوق دانة أربجي، و3 صناديق قنبلة يدويَّة (قرنيت). فالصرف "البذخي" للسِّلاح للمواطنين بناءاً على أثنية بعينها تعكس قضايا شائكة، ألا وهي تمادي الحكومة في تأجيج الصراعات الأثنية االمسلحة، وبعث الأحقاد القديمة المندثرة وتسييسها، والتغاضي عن الأعراف التليدة التي كان يستعين بها أعيان القرى في الأرياف لفض النِّزاعات التي تنشأ دوماً بين أفراد المجتمعات المختلفة بين الفينة وأخرى، وتأجيج الفوارق العرقيَّة والدينيَّة واستفحالها. إذن، فما بال من امتلك أحدث السلاح في بيئة يحترف أهلها العنف ويمجِّدونه ويكدُّون في اقتناء وسائله؟ وماذا تتوقَّعون من شخص قُتِل أهله، واستاقوا أطفاله، ورُوِّعت عشيرته، ونُهِبت حيواناته، وأُضِرمت النار على محاصيله وبيته لتفتك به المخمصة (المجاعة)، ولم يجد إلى الإنصاف سبيلاً من أهل السلطة، وبعدئذٍ اقتنى سلاحاً ناريَّاً وجاء المغيرون تارة أخرى بعد أن استمرأوا الأمر؟
ثم نقفز إلى ما بات يُعرف في الأدب الحربي في السُّودان ب"القوات الصديقة". وحق السماء لم نر فيما رأينا من عجائب الأشياء وغرائبها أغرب من تلك الحكومات التي تصنِّف مواطنيها إلى "قوات صديقة" وأخرى "عدوة خائنة"، إلا حكومات السُّودان! ولعلَّ واحداً من الذين عملوا كحلقة وصل بين حكومة جماعة المؤتمر الوطني في الخرطوم من جهة، وهذه القوات المدعاة صديقة من جهة أخرى هو برشم أيوق أقا، حيث أذعنت له نفوسهم، وإطمأنَّت إليه قلوبهم، حتى بات يوكل إليه سائر المهام الأمنيَّة والعسكريَّة في جنوب كردفان وأعالي النيل. هكذا بعثت الحكومة بعميلها المدعو "المجاهد برشم أيوق أقا" إلى جبال كاو-نيارو (وويرني) في شرق جبال النُّوبة، واجتمع بالقيادات الأهليَّة والمك والعمد، ولكن تمَّ كشف خطة "المجاهد" المذكور بواسطة معتمد أبو جبيهة التابع للحركة الشعبيَّة، وغادر "المجاهد" المذكور إلى أعالي النيل بعد أن ترك بعض الخلايا للقيام بأيَّة مهمة تُوكل إليهم لاحقاً. والجدير بالذكر أنَّ منطقة جبال كاو-نيارو هذه تطل على ولايتي النيل الأبيض وأعالى النيل، حيث تشهد الأخيرة تمرداً في جنوب السُّودان بمعاونة حكومة الخرطوم، ومن ثم يمكن أن تكون منطقة كاو-نيارو ممراً آمناً في سبيل دعم ميليشيات جورج أطور بالسلاح والمال لعرقلة التنمية في دولة جنوب السُّودان الوليدة، وتسبيب عدم الاستقرار وزحزحة الأمن فيها. إذ لم يكن اختيار منطقة جبال كاو-نيارو وورني عبثاً. فسكان هذه الجبال قد استرعوا انتباه العالم باكراً. أو هكذا نظر الأكاديميُّون – أمثال الأمريكي جيمس فارس – إلى ثقافة هذه المنطقة من منظور بحثي ونفسي واجتماعي يتجلى في الوسائل التصويريَّة والتعبيريَّة التي يعبِّر بها النُّوبة عن تقاليدهم وعاداتهم ومعتقداتهم التليدة في هذه الجبال. ولهذا اصطدم الأكاديميُّون والمصوِّرون في تفاسيرهم للمادة التصويريَّة والظاهرة الفنيَّة لدي سكان كاو-نيارو من النُّوبة: جيمس فارس من الجانب الأكاديمي، والبريطاني جورج رودجر والألمانيَّة ليني ريفينستال من الجانب الفني، بالإضافة إلى النقاد الفنيين الآخرين. وبالطبع، أثار هذا الهيط والميط حفيظة السلطات السُّودانيَّة في الخرطوم، وذلك بعد ظهور الصور الفوتوغرافيّة التي التقطتها المخرجة السينمائيَّة ليني ريفينستال، والبث التوثيقي التلفزيوني الذي صاحب هذه الصور. وما أن شاهد أهل العقد والحل في الخرطوم هذه الصور حتى نشطوا في تطبيق برنامج إسلاموي صاخب، ابتداءاً بتوزيع الملابس والمصاحف وإنشاء المساجد وغيرها من وسائل الأسلمة القسريَّة المعروفة. ثم جاءت حكومة الإنقاذ لتواصل هذه الوصفة الإسلامويَّة بصورة أكثر نشاطاً من ذي قبل. ولعلَّ الكاتب الروائي عباس مصطفى صادق كان صدوقاً فيما عبَّر عنه بالتغيُّر الاجتماعي والثقافي والبيئي الذي شهدته منطقفة كاو-نيارو في روايته "هيربو". فالرواية – أيَّة رواية – في حد ذاتها تمثِّل التعبير الأصدق في وصف التمفصلات الاجتماعيَّة والعراك الثقافي عند أي مجتمع يترك مرحلة تأريخيَّة وراءه ويبدأ بأخرى. ولنا في سبيل ذلك عدة أمثلة: فهناك رواية "توترات القبطي" للكاتب أمير تاج السر التي هي إعادة لإنتاج "مذكِّرات يوسف ميخائيل"، وتحفيز للواقع التأريخي المستلهم من فترة زمانيَّة معيَّنة في تأريخ السُّودان الحديث (فترة الثورة المهديَّة)، وعرضه في شكل رؤيوي. فالرواية تحكي عن انقضاء فترة التركيَّة-المصريَّة وظهور المهديَّة وما بين العهدين من تغيُّرات اجتماعيَّة وثقافيَّة وسياسيَّة. وهناك كذلك الرواية الإفريقيَّة الذائعة الصيت "الأشياء تتداعى" (Things Fall Apart) للأديب النيجيري تشنوا أشيبي، الذي فيه سرد التراث الشعبي وألوان الحياة الاجتماعيَّة، والعادات والتقاليد المتعدِّدة، والسحر والتعاويذ والخوف من الغابة، والحال الاقتصاديَّة والسياسيَّة والثقافيَّة والدينيَّة عند مجتمع "الإيبو" بنيجيريا، وذلك قبل مجيء الاستعمار البريطاني. وما أن جاء المستعمرون البريطانيُّون والمبشِّرون المسيحيُّون حتى تغيَّر شكل الحياة الذي كان مألوفاً، وانفرطت الوحدة التي كانت تمثِّل العقد الاجتماعي، وضاع جمال الموروث الثقافي والاجتماعي في مجتمع "الإيبو" خاصة، ونيجيريا عامة.(37)
ومع ذلك، هل أدلَّكم على دليل آخر من أدلة التسليح الحربي لميليشيات قوات الدفاع الشعبي! ففي يوم 29 كانون الأول (ديسمبر) 2010م تمَّ صرف سلاح وذخائر لقائد قوات الدِّفاع الشعبي (قطاع جنوب كردفان/كادقلي)، حيث اشتملت كميَّة الأسلحة على 10000 قطعة كلاشنكوف، 10000 رشاش ديكتريوف، 1000 رشاش قرنوف، 1,000 قاذف صاروخي، 200 هاون (عيار 60/70 ملم)، 50 هاون (عيار 82 ملم). أما الذخيرة المصاحبة لهذه الأسلحة فقد احتوت على 4000 ذخائر كلاشنكوف، 500 ذخائر قرنوف، 1000 ذخائر لقاذف صاروخي، 1000 دانة هاون (عيار 60/75 مملم)، 1000 دانة هاون (عيار 82 ملم). فمن يتحصَّل على قطعة سلاح من هذا النمط الباهظ الثمن، وليس له من قوت عياله ونفسه قد يضطر الاضطرار كله أن يبتاعها ليقبض ثمنها نقداً يصرفه على عائلته في الغذاء والدواء والكساء. وبهذا قد يقع السِّلاح في أيادي أناس آثمين يستحبون أخذ القانون بأيديهم، ومن ثم تفقد السلطات أيَّة فرصة لنزع هذه الأسلحة من المدنيين مستقبلاً إن عادت إلى رشدها، أو فرضت عليها مواثيق وعهود السَّلام أن تجمع هذه الأسلحة التي وزَّعتها على أولئك وهؤلاء الذين لا ينبغي لهم في بادئ الأمر أن يحملوا السِّلاح خارج نطاق القوات النظاميَّة من الجيش والشرطة وحرس الصيد والحدود. وإنَّ مخاطر حمل السِّلاح لكثيرة، مما اضطرَّت دولة أوربيَّة عظمى (بريطانيا) أن تحرم على شرطتها حمله، إلا وحدات محدَّدة يتم استدعاؤها عند الضرورة الملجئة التي يكون فيها أمن المواطنين وسلامتهم في خطر من مشهري السِّلاح من المجرمين العتاة أو الإرهابيين القساة. وإذا كانت هذه هي الحال بالنسبة للشرطة حماة القانون، فأنَّى يكون ذلك للمدنيين العاديين في السُّودان.
إذن، ماذا توضِّح هذه الوثائق والمستندات والمراسلات بين حزب المؤتمر الوطني من جهة، وبين الاستخبارات العسكريَّة ووزارة الدَّفاع من جهة أخرى؟ إنَّها توضِّح بما لا يدع مجالاً للشك ما يأتي:
(1) تورُّط المؤتمر الوطني والحكومة الاتحاديَّة في زعزعة الأمن والاستقرار ليس في جنوب كردفان فحسب، بل في جنوب السُّودان ودارفور.
(2) تعامل حزب المؤتمر الوطني مع الحركة الشعبيَّة – أي شريكه في الحكم – كعدو لدود لدرجة أنَّه يتم التصنُّت على هواتف قياداتها السياسيَّة، وذلك بالاتفاق مع شركات الهاتف النقَّال، وهو أمر لا تقرَّه أيَّة أعراف قانونيَّة في العالم.
فلا جدال في أنَّ استرقاق السَّمع على الاتصالات الهاتقيّة الخاصة بالمواطنين بغرض الابتزاز أو نحوه يعتبر عملاً غير قانوني وغير أخلاقي في الآن نفسه. ألم تر كيف فعل القضاء الأمريكي بأصحاب "ووترغيت"؟ وما يدريك عن "ووترغيت"! "ووترغيت" فضيحة سياسيَّة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبطلها الرئيس الأمريكي السابع والثلاثين – ريتشارد نيكسون (1913-1994م)، والذي خدم في الفترة ما بين (1969-1974م). إذ بدأت الحكاية باعتقال خمسة أفراد بواسطة عملاء مكتب التحقيقات الفيدراليّة بجريمة السطو على مكتب اللجنة القومية للحزب الديمقراطي في مباني "ووترغيت" في واشنطن دي سي في يوم 17 حزيران (يونيو) 1972م. إذ حاولت إدارة نيكسون مواراة الجريمة، ومع ذلك استطاع القضاء اتهام ومحاكمة وسجن مسؤولين كبار في إدارة نيكسون. أما هو الآخر فحين أدرك بأنَّه لا محالة سوف تتم محاكمته في مجلس النواب وتجريمه بواسطة مجلس الشيوخ، آثر أن يقدِّم استقالته في يوم 9 آب (أغسطس) 1974م، كأول رئيس أمريكي يقدِّم استقالته. وجاء خلفه جيرالد فورد وأعفا عنه.
مهما يكن من شيء، ففي بريطانيا في تموز (يوليو) 2011م تعرض قطب الإعلام روبرت مردوك إلى استجواب بواسطة البرلمان البريطاني في فضيحة التنصت على الاتصالات الهاتفيَّة، وكلفت الشرطة البريطانيّة (اسكوتلنديارد) فريقاً للتحقيق في الفضيحة، مما ارتفع عدد المحققين فيها من 45 ضابطاً إلى 60. ويأتي قرار زيادة عدد المحققين بعد تقرير للجنة الشؤون الداخلية أشاد بقرار أكرز بعد الاتصالات بجميع الضحايا المحتملين للتنصت في فضيحة "نيوز أوف ذا وورلد". وتأتي هذه الفضيحة ضد "قانون حماية المعلومات" للعام 1998م وغيرها من القوانين التي تحمي الملكية الفردية. وكوَّن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كامرون لجنة للتحقيق في هذه القضية برئاسة القاضي اللورد ليفرستون.(38) وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّه في العام 2003م قاد مكتب مفوَّض الشرطة لشؤون الإعلام "عمليَّة موتورمان" وحرَّر ملفاً يحتوي على 4 آلاف طلب للحصول على معلومات سريَّة من محققين خاصين، تقدَّم بها 300 صحافي و31 مطبوعة، وكثير منها تمّ الحصول عليها بطرق غير مشروعة. ووجد التحقيق أنَّ صحيفة "ديلي ميل" تقدّمت بأكبر عدد من الطلبات، تليها "صنداي بيبول" و"ديلي ميرور".
على أّيَّة حال، فقد تم تشكيل لجنة أمنيَّة من ضباط متقاعدين بتعليمات من وزارة الدِّفاع في يوم 5 كانون الأول (ديسمبر) 2008م، ومهمتها الإشراف على عمليات زعزعة الاستقرار في منطقة كردفان الكبرى، أبيي، وولاية الوحدة. وقد مُنِحت هذه اللجنة الأمنيَّة الخماسيَّة، التي شُكِّلت لإدارة شؤون كردفان الكبرى أمنيَّاً، صلاحيات كافية لتمثيل وزير الدِّفاع في القطاع المذكور، وطُلِب منها مباشرة أعمالها من داخل العاصمة أو من أي مكان من كردفان الكبرى، ورفع تقارير دوريَّة لوزارة الدفاع بكل الأحداث الماثلة. إذ تكوَّنت اللجنة من الضباط الآتية أسماؤهم: الفريق/ مهدي بابو نمر (رئيساً)؛ اللواء ركن/ أحمد خميس بخيت (عضواً)؛ اللواء ركن/ أحمد الفكي الزين (عضواً)؛ اللواء ركن/ حامد إبراهيم حامد (عضواً)؛ والعميد/ محمد مركزو كوكو (عضواً). فلتجدنَّ في هذا الرهط من غلا في استباحة أرواح النُّوبة منذ الثمانينيَّات، وذلك في عهد حسبناه لم يعد أبداً، ولكن خاب رجاؤنا، وبات أملنا ميؤوساً. وفي هذه المحنة التي امتُحن بها النُّوبة ظلَّ اسم اللواء أحمد خميس يتردَّد بذبذبات دمويَّة عالية في أفواه أهالي النُّوبة الذين خرجوا من محرقة الموت سالمين، وفي تقارير منظَّمات حقوق الإنسان المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة، ولكن هيهات لا عدالة انتصاراً لهم، ولا تعويض لإفراج الكرب عنهم، ولا حتى عبارات الاعتذار للإشفاق منهم. وإنَّ مأساتهم لحزينة مؤثِّرة كانت ثمَّ تستثير الأشجان وتستذرف الدموع، وكان شأنهم في ذلك العهيد لا يحفل بهم العالم، ولا يعني بسماع شيء من أخبارهم وأنينهم، إلا بعد أن بلغ السيل الزبى وبلغت القلوب الحناجر. فمهما كتبنا عما حاق بالنُّوبة في مستهل الثمانينيَّات ومقتبل الألفية الثانية وأكثرنا في الكتابة، ومهما قلنا فيه وأسرفنا في القول، ومهما تمعَّنا فيه وأدمنا النَّظر، ومهما قرأنا عنه وأعدنا قراءته، لم نستطع أن ندرك حجم المأساة الذي وقع عليهم، وشكل البلاء الذي فتك بهم؛ ثمَّ لم نكد نستطيع أن ننفذ عميقاً إلى أفئدة الذين قاموا بهذا الإثم المبين من الذين نصبوا أنفسهم أئمة المسلمين في السُّودان. ومع ذلك، لم نندهش حين نجد وسط هؤلاء النجوميين شخصيَّة نوبويَّة. فهذه هي حال التأريخ قديمه وحديثه، والذي ما فتأ يمددنا بمرتزقة في كل زمان ومكان، وبين الطبقات والفئات الاجتماعيَّة والعسكريَّة والسياسيَّة. وقد أرفدنا الأستاذ طالب حمدان تية بسلسلة من المقالات الجياد في المواقع الإلكترونيَّة السُّودانيَّة ب"الإنترنيت" عن "النُّوبة المرتزقة وأثرهم في تدمير الشَّعب النُّوبي على مر التأريخ". فلتجدنَّ هؤلاء يغالون في سدرهم غلواً عنيفاً، ويسرفون على أنفسهم في أكثر ما يكون الإسراف، ومثلهم كمثل الذي صبأ – أي بدَّل دينه – حديثاً، وكدَّ في دينه الجديد لكي يترك انطباعاً حسناً وسط حوارييه بأنَه أهل للمهمة الموكلة إليه مهما يكن من شأنها. ولكن حين يتمسَّك المرء بخلال الفضيلة، ويستفيد من العظات والعبر، يستطيع أن يشق طريقه في الحياة التي يحياها رافع الرأس، موفور الكرامة، محبوباً مبجَّلاً من كل من يعرفه ومن لا يعرفه.
كذلك توضِّح هذه الوثائق والمستندات العلاقة الوثيقة بين الميليشيات المسلَّحة وحكومة المؤتمر الوطني. إذ تتضح هذه العلاقة الوطيدة في أذونات صرف الأسلحة والذخيرة لقادة هذه الميليشيات، وإمضاءاتهم على استلامها كما فعل المدعو "برشم أيَّوق أوقا"، الضابط السَّابق بالجيش الشعبي لتحرير السُّودان والعضو حاليَّاً بالحركة الشعبيَّة – التغيير الديمقراطي (جناح الدكتور لام أكول أجاوين) والمحافظ السَّابق لمقاطعة ماينو بأعالي النيل، الذي تسلَّم أسلحة بمدينة كوستي تابعة لميليشيات الحركة الشعبيَّة – التغيير الديمقراطي. إذ كان الغرض من إغداق الميليشيات القبليَّة في جنوب كردفان وأعالي النيل بالسِّلاح هو:
(1) استعداد الحكومة السُّودانيَّة للحرب في حال إصرار مزمِّتي حزب المؤتمر الوطني على رفض نتيجة استفتاء الجنوب في كانون الثاني (يناير) 2011م، وذلك إذا صوَّت أهل للجنوب لصالح الانفصال.
(2) تعطيل أو إطالة إجراءات ترسيم الحدود بين شمال وجنوب السُّودان.
(3) تعطيل استفتاء أبيي، المتوقع أن ينضم أهله من قبيل دينكا نقوك لجنوب السُّودان؛ ومن هنا – وبالتحديد – جاء تسليح المسيريَّة في غرب كردفان وحول حقول النفط في أبيي.
(4) الاستعداد لإعلان الحرب في حال فوز الحركة الشعبيَّة في الانتخابات التكميليَّة في ولاية جنوب كردفان، أو في حال فوز حزب المؤتمر الوطني ب"التزوير" ورفض الحركة الشعبيَّة الاعتراف بهذه النتيجة.
لقد صار العنف سياسة وحيدة عندما فشل القادمون الإسلامويُّون إلى منصَّات الحكم في تحقيق ما وعدوا به السُّودانيين في سبيل البناء والإعمار والتنمية والسلام والأمن ورتق النسيج الاجتماعي. فقد استخدموا العنف لمحاربة المعارضة، حتى المدنيَّة منها، دافعين إيَّاها إلى "التعسكر"، ولم يكن هؤلاء القادة الجدد مستعدين للتنازلات لا في الداخل ولا في الخارج. هكذا ارتسم المأزق السُّوداني إزاء خيارين حدَّدهما النظام السُّوداني نفسه: إما الاستسلام أم المواجهة. وقد لجأ المعارضون إلى الخيار الثاني، وذلك بعد أن صرَّح رئيس الحكومة بأنَّهم جاءوا إلى السلطة عن طريق القوة والسلاح ومن أرادها فعليه أن ينازلهم في الميدان. وفي الحين ذاته أشاع النظام الغرير العنف في المجتمع السُّوداني وأخذ بأسبابه، وأكثر فيه أيما الإكثار: أكان ذلك في التعامل مع الطلاب العزل في الجامعات والمعاهد العليا، أو الاحتجاجات السلميَّة التي يقوم بها المواطنون حينما تصعب عليهم الحياة، وتشتد بهم المسغبة، أو محاولاته الدؤوبة للتصدي للنِّضال المسلَّح في أقاليم السُّودان المختلفة. وهو – أي النظام الإنقاذي – علاوة على ذلك قام بإغداق السلاح على مجموعات أثنيَّة بعينها ليكشف عجزه عن حل المشلات السياسيَّة، وليؤكد تبنيه للعنصريَّة الماكرة، وليفصح عن وجهه الكالح وعن استهتاره بأرواح المواطنين الأبرياء، وليطيل من أمد الصِّراع المسلَّح دون التفكير في البحث عن المعالجات السلميَّة السياسيَّة. وفي تلسيحه للميليشيات القبيليَّة في سبيل قتال الجيش الشعبي كان هذا قولاً باطلاً، وكانت الحكومة تعتقد أيَّما الاعتقاد أن قتلها للمدنيين بحكم الارتباط الأثني مع منسوبي الحركة الشعبيَّة سيفُل من عزم قوات الجيش الشعبي، ويفتر من همَّتها، ويثبطها عن الانسياح في حرب التحرير. وقد دفعت هذه السياسات القميئة كثراً من السُّودانيين إلى الالتحاق بالحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان واستنصروا بها، حتى عظم وكثر عدد أنصارها. فقد دعا إليها الفقر من أصابه إملاق، ودعا إليها الخوف من كان يخشى أن يحرمه مولده أو عرقه أو دينه أو لغته أو ثقافته أو ضعه الاجتماعي حق الانتساب إلى مرامي السلطة والاستقواء بآلياتها.
وفوق ذلك، لم يعرف السُّودانيُّون، وما أراهم سيعرفون في يوم من الأيَّام، رئيساً يشبه عمر البشير من قريب أو بعيد. فقد رأيت أنَّه أكثر من حكموا السُّودان إزهاقاً للأرواح وإراقة للدماء، وأشدهم ازدراءاً بأهل السُّودان، وأعظمهم نفوراً من الحق. علاوة على ذلك، هو الرئيس السُّوداني الوحيد الذي كتب تأريخ السُّودان بدماء مواطنيه في جنوب السُّودان وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السُّودان وغربه؛ وهو الرئيس الوحيد في العالم الذي اتهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيَّة والإبادة وهو ما يزال في السلطة، هو وسدنته، مثل أحمد محمد هارون والي ولاية جنوب كردفان الحالي والفريق ركن عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع الحالي. ثمَّ إن عمر البشير لسوف يذهب في تأريخ السُّودان الحديث بأنَّه هو الذي فرَّط في انفصال الجنوب بسياسات حزبه الرعناء المثيرة للشحناء والبغضاء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.