"منطقة حرة ورخصة ذهبية" في رأس الحكمة.. في صالح الإمارات أم مصر؟    عثمان ميرغني يكتب: «منبر جدة» والتوافق السوداني المفقود    مجلس السيادةينفي ما يتم تداوله حول مراجعة الجنسية السودانية    شركة توزيع الكهرباء في السودان تصدر بيانا    تصريحات جديدة لمسؤول سوداني بشأن النفط    إقصاء الزعيم!    برشلونة: تشافي سيواصل تدريب الفريق بعد تراجعه عن قرار الرحيل    إيفرتون يصعق ليفربول بثنائية    لطرد التابعة والعين.. جزائريون يُعلقون تمائم التفيفرة والحلتيت    السيسي: قصة كفاح المصريين من أجل سيناء ملحمة بطولة وفداء وتضحية    حدثت في فيلم كوميدي عام 2004، بايدن كتبوا له "وقفة" ليصمت فقرأها ضمن خطابه – فيديو    تشكيل وزاري جديد في السودان ومشاورات لاختيار رئيس وزراء مدني    الحلم الذي لم يكتمل مع الزعيم؟!    الجيش يقصف مواقع الدعم في جبرة واللاجئين تدعو إلى وضع حد فوري لأعمال العنف العبثية    أحلام تدعو بالشفاء العاجل لخادم الحرمين الشريفين    دخول الجنّة: بالعمل أم برحمة الله؟    السودان..رصد 3″ طائرات درون" في مروي    البيت الأبيض: يجب على الصين السماح ببيع تطبيق تيك توك    دبابيس ودالشريف    كواسي إبياه سيعيد لكرتنا السودانيةهيبتها المفقودة،،    في أول تقسيمة رئيسية للمريخ..الأصفر يكسب الأحمر برعاية وتألق لافت لنجوم الشباب    خادم الحرمين الشريفين يدخل المستشفى    فيديو.. مشاهد ملتقطة "بطائرة درون" توضح آثار الدمار والخراب بمنطقة أم درمان القديمة    وزير الخارجية المكلف يتسلم اوراق اعتماد سفير اوكرانيا لدى السودان    عملية عسكرية ومقتل 30 عنصرًا من"الشباب" في"غلمدغ"    جريمة مروّعة تهزّ السودانيين والمصريين    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يترك عمله في عمان ويعود للسودان ليقاتل مع الجيش في معركة الكرامة.. وثق رحلته من مسقط حتى عطبرة ليصل أم درمان ويحمل السلاح ويطمئن المواطنين    شاهد بالصورة والفيديو.. "دعامي" يظهر في أحضان حسناء عربية ويطالبها بالدعاء بأن ينصر الله "الجاهزية" على "الجيش" وساخرون: (دي بتكمل قروشك يا مسكين)    شاهد بالصورة والفيديو.. إعلامية مصرية حسناء تشارك في حفل سوداني بالقاهرة وتردد مع الفنانة إيلاف عبد العزيز أغنيتها الترند "مقادير" بصوت عذب وجميل    إثر انقلاب مركب مهاجرين قبالة جيبوتي .. 21 قتيلاً و23 مفقوداً    العين إلى نهائي دوري أبطال آسيا على حساب الهلال السعودي    تطعيم مليون رأس من الماشية بالنيل الأبيض    مدير شرطة ولاية نهرالنيل يشيد بمجهودات العاملين بالهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس    عن ظاهرة الترامبية    مدير شرطة محلية مروي يتفقد العمل بادارات المحلية    إيقاف حارس مرمى إيراني بسبب واقعة "الحضن"    «الفضول» يُسقط «متعاطين» في فخ المخدرات عبر «رسائل مجهولة»    سعر الريال السعودي مقابل الجنيه السوداني من بنك الخرطوم ليوم الإثنين    نصيب (البنات).!    صلاح السعدني ابن الريف العفيف    أفراد الدعم السريع يسرقون السيارات في مطار الخرطوم مع بداية الحرب في السودان    بالصور.. مباحث عطبرة تداهم منزل أحد أخطر معتادي الإجرام وتلقي عليه القبض بعد مقاومة وتضبط بحوزته مسروقات وكمية كبيرة من مخدر الآيس    جبريل إبراهيم: لا توجد مجاعة في السودان    لمستخدمي فأرة الكمبيوتر لساعات طويلة.. انتبهوا لمتلازمة النفق الرسغي    عام الحرب في السودان: تهدمت المباني وتعززت الهوية الوطنية    مضي عام ياوطن الا يوجد صوت عقل!!!    مصدر بالصحة يكشف سبب وفاة شيرين سيف النصر: امتنعت عن الأكل في آخر أيامها    واشنطن: اطلعنا على تقارير دعم إيران للجيش السوداني    إصابة 6 في إنقلاب ملاكي على طريق أسوان الصحراوي الغربي    مفاجآت ترامب لا تنتهي، رحب به نزلاء مطعم فكافأهم بهذه الطريقة – فيديو    راشد عبد الرحيم: دين الأشاوس    مدير شرطة ولاية شمال كردفان يقدم المعايدة لمنسوبي القسم الشمالي بالابيض ويقف علي الانجاز الجنائي الكبير    وصفة آمنة لمرحلة ما بعد الصيام    الطيب عبد الماجد يكتب: عيد سعيد ..    بعد نجاحه.. هل يصبح مسلسل "الحشاشين" فيلمًا سينمائيًّا؟    السلطات في السودان تعلن القبض على متهم الكويت    «أطباء بلا حدود» تعلن نفاد اللقاحات من جنوب دارفور    دراسة: القهوة تقلل من عودة سرطان الأمعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الماركسية والتفكيكية …كيت سوبر
نشر في حريات يوم 31 - 01 - 2014


بقلم : كيت سوبر
اعداد وترجمة: سعدي عبد اللطيف*
في هذا المبحث، كما يوحي العنوان، سأقدم بعض الافكار حول التجابه بين الماركسية والتفكيكية كما تجسد في مثال كتاب جاك دريدا الأخير "أطياف ماركس"(1). وأقترح قبل كل شيء، كطريقة لتقديم خلفية وإطار لمناقشتي هذه، ايراد ملاحظات عمومية حول وضع الماركسية اليوم، والتأثير الذي تركته عليها النظرية المعروفة عموما باسم "ما بعد الحداثة" وعلم سياستها.
قلة، كما اعتقد، تخالف حقيقة ان الاضطراب الفكري والسياسي معا، في السنوات الاخيرة – وبخاصة هيمنة أنماط تفكير ما بعد الحداثة في الغرب سوية مع انهيار "الاشتراكية القائمة" في وسط وشرق اوروبا، والزوال اللاحق لبنية الحرب الباردة – قد غير دراماتيكيا الإطار الذي يتناوله اي شكل من الفكر الاشتراكي الآن. وأدى ذلك الى ان يجادل البعض من جهة اليسار بأننا يجب الا نحاول بعد الآن انقاذ فلسفة انهارت فيها الثقة مضاعفا. وانه في ضوء الاحداث التي جرت في اوروبا الشرقية يجب تقبل حقيقة تحليل ما بعد الحداثة للماركسية على اعتبارها عقيدة من عقائد "السرديات الكبرى" تنتهي لامحالة الى ممارسة توتاليتارية، وأن ننكر بالتالي مثل هذه الخطط الفخمة للتطوير الاجتماعي، فيما تبنى آخرون موقف الرد المضاد فكريا، مجادلين انه لم يطرأ شيء على هذا الإطار المتبدل بما يستدعي السماح بتشويش اتزان الفكر الماركسي. وأشار هؤلاء الى ان الأسس النظرية للاشتراكية وبرامجها لم تتهدد اطلاقا، لا بانهيار نظام أبعد ما يكون عن "الاشتراكية الحقة"، ولا بمختلف تيارات نظرية ما بعد الحداثة، وهي تيارات لا تشكل الا انعكاسا لمنطق الرأسمالية المتشيئ سلعيا ولا تمثل الا آخر شكل للتعبير عن فكر البرجوازية الليبرالية. وطبقا لوجهة النظر هذه بصدد التطورات الاخيرة، ليس ثمة ما يدعو قط للقيام بأي نوع من اعادة بناء الفكر الاشتراكي او الماركسي، بل ان الواجب يقضي، على العكس من ذلك، بإعادة توكيد معتقداته الاساسية بقوة أكبر لمجابهة ليبرالية اليسار الزاحفة.
وأرى وجوب رفض كل من هذين الاتجاهين. فكلاهما يخطئ في فهم تعقيدات الوضع الفعلي الذي نواجهه الآن، وكلاهما يعتمد نظرة مبسطة (رغم انهما يستخلصان استنتاجات متباينة) عن التعارض بين المنظور الاشتراكي ومنظور "ما بعد الحداثة".
ان الاتجاه الاول يغفل بجلاء النكوص والارتداد الذي يميز على نحو مباشر الكثير مما حصل منذ الايام المنتشية لثورة 1989، فلعل الاشتراكية القائمة قد رحلت، لكن الفضاء الذي اخلته بقي خاليا، دون ان تملأه اليوتوبيا التعددية الداعية لغزارة الاختلاف التي طرحها علينا دعاة ما بعد الحداثة في هجماتهم المستديمة على الماركسية ومنطقها "الكلاني". وتمكن المجادلة على العكس من ذلك، ان كل اشكال ثقافة الضد المعارضة (من النزعة الانثوية، والبيئية، والمضادة للعسكرة، والديمقراطية الاشتراكية) قد اقصيت وحرمت من اي مجال للتمثيل السياسي الفعلي في اوروبا الوسطى والشرقية، رغم ان ثقافة الضد المعارضة هذه كانت تطمح الى تأسيس نوع من "طريق ثالث" يتجاوز التضاد الثنائي للحرب الباردة. وبهذا المعنى، بتنا نشهد، ليس تأسيس منطق بديل لتضاد الرأسمالية مع منطق الشيوعية، بل تطوير زخم اقتصادي وسياسي يهدد بابتلاع كل " الاختلاف" المعارض داخل "هوية" مجتمع السوق ذي النمط الغربي.
لكن بلورة اعتراضي على الاتجاه الأول بهذه الصيغة، يتوخى لفت الانتباه الى خطيئة الاتجاه الثاني، الماركسي المتزمت، في اغفال اهمية الطابع البناء لأشكال النشاط السياسي القائمة على "الاختلاف" والتي اعترضت على الطريقة التي تجاهلت بها الماركسية المتزمتة قضايا السلام والبيئة والاضطهاد العرقي والجنسي والتمييز الجنسي(2)، أو سعت الى اخضاع هذه القضايا لمتطلبات النظرة الطبقية في السياسة.
وبقدر ما يمكن ان توصف هذه الحركات الاجتماعية الجديدة التي برزت في مجرى هذا الاعتراض بانها "ما بعد حديثة" نظرا لتوكيدها على "هويات جديدة" واعتمادها فاعلين سياسيين جددا، وارتيابها في اشكال معينة من النزعة الانسانية لعصر الأنوار ومذاهبه العلمية، فبودي اطرح قول مؤداه ان تأثير فكر ما بعد الحداثة على الاشتراكية المتزمتة لم يكن كله سلبيا تماما. حقا ان من المهم تمحيص عقلانية عصر الانوار والايمان بالعلم والتكنولوجيا ومفاهيم " الحياة الحسنة" المستلهمة من هذه العقلانية، وذلك لأنها، في الاقل، قد شجعت ظهور نظرة أبوية وتقنية جامدة الى الرفاه الانساني، وحفزت ظهور نماذج للنمو والاستهلاك، سرعان ما باتت ادامتها مستحيلة من الوجهة البيئية، وولدت توزيعا للثروة يهدد بالانفجار على النطاق الكوني بصورة أعتى من اي وقت مضى.
وبالمثل، فقد كنا وما نزال بحاجة الى الاعتراض على فكرة النزعة الانسانية، وبمعنى اننا بحاجة الى ان نكون واعين بحال الجماعات والمجتمعات التي جرى اقصاءها وتهميشها بفعل الادعاءات الشاملة، وفي بعض الاحيان الامبريالية تحديدا، لهذه النزعة. وبهذا الخصوص، فان الاندفاع الى التمسك بالاختلاف مقابل التماثل، والى فضح الميول الاستعمارية في خطاب النزعة الانسانية، واثارة قضية ((التولتارية)) المتأصلة في النظرية الكلانية، امور هامة بالنسبة الى اليسار. وان الانعطاف الذي جاءت به مدرسة ما بعد الحداثة في مقاربة موضوع العلم والسلطة الذاتية واللغة، يمكن ان يلفظ جانبا بوصفه اشكالا متنوعة من ((التحريفية البرجوازية)) ولكن ثمن ذلك سيكون حرمان الفكر الماركسي من الانغمار في معاينة تلك القضايا والانخراط في هموم تلك الجماعات مما قد يجدد للفكر الماركسي قواه.
مع ذلك، اعتقد ان علينا الاقرار بان حركة ما بعد الحداثة تمتلك ديناميكية تقذف بها في مواقع نظرية تضع فكرها في موضع التصادم مع العديد من التطورات الثقافية التي ساعدت هي نفسها على بلورتها ونشوئها في البداية. ان المنطق الذي يعارض انواعا معينة من فكر الهوية (التماثل)، ويفكك مفاهيم معينة حول الحقيقة، والتقدم والنزعة الانسانية وما شابه ذلك، قد مضى الى التشكيك في امكانية التوصل الى الموضوعية او الاشارة في اللغة الى مالم ينشأ عن خطاب. وهذا منطق لا يطلب منا فقط ان نتخلى عن الفرضيات المنمقة عن التضامن والمصالح المشتركة حسب، بل ان ننظر بارتياب عميق الى كل ما يتصل بالتضامن. كما يفترض هذا المنطق ان اي محاولة لتقديم تشخيص او علاج سياسي عام تعني الوقوع في مطلب نظرية ((كلانية))، تنزلق الى ممارسة توليتارية. وبتعبير اخر، ثمة ديناميكية ((نظرية)) في ما بعد الحداثة تسحب البساط من تحت اقدام الاصرار الأصلي المتجسد في الحركات الاجتماعية الجديدة، تجعلنا نفكر بلغة ((هويات جديدة)). واذا ما جنح منطق الاختلاف الى حده الاقصى، فانه يستبعد اي نوع من التحليل الكلي والموضوعي الذي يتيح لنا تحديد الهويات والحركات بأنها ((رأسمالية)) أو ((بطرياركية)) أو حتى ((توليتارية))، كما يستبعد التوصل الى مشاريع تغيير مما يدعو اليه مثل هذا التحليل.
والتلازم الفلسفي الناشئ عن ذلك هو نزعة نسبية كلية تدعونا الى نبذ التطلع الى الحقيقة بوصفها هدفا يتعذر بلوغه من حيث المبدأ، حتى لو كان الامر يتعلق بفكرة ناظمة. فالنظريات، حسب مدرسة ما بعد الحداثة، لا تزيد عن مجرد ((سرديات))، وبإزاء السرديات يمكن للمرء ان يختار ذاتيا ما يبدو الاكثر نفعا او ما يمنح راحة أكبر. ومن هذا المنظور، تغدو الاحكام الاخلاقية مسائل تفضيل شخصي، مما يحرمنا من اية ارضية موضوعية، لتأييد أو شجب اية ممارسة ثقافية محددة. والنتيجة، كما حاجج النقاد، ان نظرية ما بعد الحداثة تلغي امكانية الاستمرار في اي نوع من الانغماس النقدي في عصرنا، وان هذه النظرية اذ ترفض أي تأسيس ثابت للقيم فإنها تتغاضى، من حيث المبدأ، عن اكثر الممارسات السياسية قمعا ورجعية(2).
ولعل من الادق، والاكثر انصافا، القول ( مادام انصار تعددية ما بعد الحداثة، يدافعون دوما عن هذا باعتباره الاساس للسياسات الاكثر ديمقراطية) ان المسألة المطروحة هنا هي مسألة مدى تساوق الخطاب السياسي لفكر ما بعد الحداثة مع موقفها الانطولوجي المضاد للواقع، مسألة المدى الذي تستطيع ان تحافظ به ، بصورة متماسكة، على التزاماتها الديمقراطية والمساواتية الجازمة بينما هي ترفض الاعتراف باي خواص للعالم او لأنفسنا تكون خواص غير معيارية او خارج ادراك الذات العارفة، خواص قد تتيح تفسير او تسويغ الخيار الاخلاقي الموائم لالتزاماتها.
لا يمكن للمرء ان ينكر الانتهاكات التي ارتكبت تحت ستار الخطاب الليبرالي، ذي النزعة الانسانية، ولا ينكر الى اي حد جرت حماية مصالح نخب سلطوية معينة عبر الادعاء المنافق الذي يصور هذه المصالح باعتبارها مصالح شاملة تمثل المجتمع الانساني ككل. وحين نقوم بفضح شرور الامبريالية الغربية، او اشكال السطوة الثقافية في بلادنا ذاتها، فإننا نستهجن ازدراء هذه الممارسات بالقيم الانسانية، وكرامة وحقوق المتعرضين للاضطهاد من دون الاعتراف، ضمنا على الاقل، بان هناك حاجات انسانية مشتركة. واذا لوينا العصا الى ابعد حد في صالح وجود الاختلاف والنسبية الثقافية، وأنكرنا وجود أية قيم اخلاقية شاملة، أو خصائص مشتركة بين بني البشر، فإننا عندئذ لن نقوض الأسس ذاتها التي يرتكز اليها اي تضامن اصيل مع معاناة الاخرين حسب، بل نمضي الى اعتبار اي فارق مهما كان بين الاشخاص باعتباره مظهرا جوهريا، متأصلا فيهم، ومظهرا لا فكاك له عن هوياتهم الفردية.
وباختصار، إذا رضخنا لمنطق الاختلاف وحده، فإننا سنلغي الاساس، بالتأكيد، لأي دعاوى بأن للهويات المختلفة حقوقا متساوية في نيل الاعتراف ذاته: أي اننا نفكك الاساس الذي يمكن ان تترسخ عليه أية سياسات ديمقراطية ترسخا معقولا. وقد يجادل أحدهم قائلا ان حساسية دريدا بالذات من طابع "سياسة الاختلاف" المدمرة لذاتها بذاتها، قد دفعته، حتى الآن، الى الاحجام عن قول اي شيء محدد حول علم الاخلاق وعلم السياسة القائمين على مذهب التفكيكية. لكن دريدا أعرب، في الوقت نفسه، عن تحسسه لاتهامات نقاده بأن التفكيكية تظاهرت، طويلا، بالتزام اخلاقي وسياسي، "يساروي"، بينما رفضت الاقرار بذلك صراحة، او رفضت اضفاء شرعية فلسفية على هذا الالتزام. من هنا مبعث الاثارة في كتاب اطياف ماركس، ذلك لان دريدا، في هذا الكتاب بالذات، يرقى اخيرا الى تحدي متهميه بالمراوغة في هذه القضايا، مما يدفعه الى تسليط بض الاضواء عليها.
دعوني ابدأ بالاشارة الى ثلاثة جوانب في أطياف ماركس وثيقة الصلة بهذا الموضوع.
في المقام الاول، يقدم الكتاب بيانا محددا عن الانتماء السياسي. فدريدا يعلن بوضوح ابتعاده عن المحتفين بزوال الماركسية وعن جميع الذين يرجعون صدى نبوءات فوكوياما الظافرة عن "نهاية التاريخ" (3). ويبدي دريدا استعداده التام للإقرار بأننا اذا قسنا درجة "اضطراب" عصرنا(4) بدرجة التعاسة الانسانية سواء القائمة منها او الوشيكة، فان عصرنا منحرف بلا مراء. ويبين دريدا بوضوح تام- من خلال اتهاماته العشرة للرأسمالية الكونية(5) انه يتبنى وجهة نظر قريبة عموما من الماركسية حول منابع الاضطراب.
وفيما يتناول دريدا بتفصيل لا يكل القضية الفلسفية المتعلقة بمعنى "اضطراب" العصر أو "استقراره"، ويخبرنا، حقا، بأن من الخطأ السعي الى تحديد ما يجعل العصر "مستقرا" (مادام ذلك يؤدي الى تجسيد انطولوجي ( وجودي)، أو فرض جسد على ما هو روح أو وعد طيفي، يتشوه بمجرد السعي الى تجسيده ماديا…)، وفيما يحجم، أبدا، عن الافصاح عن اي قول محدد يعين ماهية "استقرار" العصر، او الافصاح ايضا عن الوسائل العملية لتكييف العصر باتجاه الاستقرار، فان دريدا يستهجن ومع ذلك، في لحظات مكاشفاته النقدية، حالات الاستغلال والاضطهاد في النظام العالمي المعاصر، استهجانا جليا ومعتبرا الاقتصاد الرأًسمالي جذر المشكلة فينحاز، في هذه الحدود، الى صف ماركس.
ثانيا، يعكف دريدا هنا، ولأول مرة، على تناول كتابات ماركس بتفصيل مسهب، فيقدم في مجرى ذلك عددا من القراءات ذات الصلة الوثيقة بالموضوع. ان بعض هذه القراءات بعيد عن الجدة الاصيلة (فالمثالب المميزة لنهج ماركس الواقعي في تصوير الايديولوجيا في كتاب، الايديولوجيا الالمانية، قد حظيت باهتمام هائل من جانب دارسين سابقين) لكن هناك انتقادات فريدة تخص دريدا، ابرزها التعليق المسهب الذي يقدمه حول القسم المنبوذ الى حد كبير في كتاب الايديولوجيا الالمانية الذي ينغمر فيه ماركس انغمار مهوسا بطرد "اشباح" انوية ماكس شتيرنر. وقد تساءل محللون كثيرون لماذا يبذل ماركس هذا القدر الهائل من الجهد ليدقق دفاع شتيرنر عن فرادة الفرد في كتابه الأنا وخاصيته(6). واعتقد ان دريدا يقطع شوطا حسنا في الاجابة عن السؤال، حين يلمح الى ماركس، هنا، كان حبيس صراع لإنكار الذات مع نفسه – اي صراع مع شبح مزدوج لذاته، او لأفكاره.
والقضية المطروحة اساسا، هنا، على الرغم من ان دريدا لا يفصح عن الامر بالطريقة التي سنوردها تماما، هو مدى اعتماد دفاع شتيرنر عن الانوية على الافكار ذاتها التي استخدمها ماركس وأنجلز، تحديدا، ضد النزعة الانسانية التجريدية لدى فيورباخ وما يقترن بها من معتقدات شيوعية. (الحق، ان الكتاب "انطلى" على انجلز بحيث انه كتب الى ماركس عام 1844 يقول ان هناك "هفوات قليلة"، ينبغي اثارتها بصدد شتيرنر، "لكن علينا القبول بما هو صحيح في مبادئه "). واذا ما كان كتاب شتيرنر مثيرا لقلق ماركس ، فمرد ذلك انه اضطره الى ان يبين كيف يمكن في ان واحد ، رفض النزعة الانسانية التجريدية، والدفاع عن الشيوعية ضد التهمة القائلة انها تؤدي الى التضحية بالفرد الفعلي على مذبح مجتمع تجريدي. ان كتاب شتيرنر قد لسع ماركس مما حفزه الى تبيان ان الشيوعية التي يتوقان اليها هو وأنجلز، لا تنسجم مع تحقق الفردية حسب، بل انها الطريق الوحيد لتحقيق الفرد لذاته.
لعل دريدا لا يتفق مع ذلك تماما. ولكن يبدو لي ان جزءا من اهتمامه بنزاع ماركس – شتيرنر، وجزءً من انشغاله بهذا الموضوع في كتاب اطياف ماركس، يستهدف تناول تلك النقطة في كتابات ماركس التي كان ماركس نفسه يصارع، خلالها، بنوع من مبدأ تفكيكي- أولي لتوكيد الاختلاف "الفردي" بوجه دمج أو تذويب الاثنين (الفرد والمجتمع) من جانب الجماعة الشيوعية.
دعوني اتوقف عن الاستطراد في هذه القضية، لأتناول ما اعتبره المظهر الثالث البارز في كتاب دريدا، وأعني تحديدا قرار الكتاب بأن ربط التفكيكية بعلم الاخلاق او علم السياسة، سيجعل التفكيكية معتمدة، عندئذ، في نظرتها على عنصر يتعذر اختزاله، عنصر يقاوم عملية التفكيك، ولا بد للتفكيكية من ان تركز على اساس من القيم. او حسب قول دريدا نفسه، فان اي سياسة تحررية بحاجة الى نوع من ((مهدوية)) (خلاصية) فكرة معينة عن العدل والديمقراطية. وكتب يقول ((ان ما يتعذر اختزاله الى اي تفكيك، وما يبقى عصيا على التفكيك، شأن امكانية التفكيك ذاتها، يتمثل في تجربة معينة من الوعد التحرري، او لربما شكلانية المهدوية البنيوية، مهدوية بلا دين، بل مهدوية بلا مهدي مخلص، فكرة عن العدالة)) (7).
ويمكن لنا ان نتساءل عن هذه ال((ربما)) في المقتبس اعلاه( هل يرغب دريدا حقا ان نفهم ان عليه، بعد، ان يحسم رأيه حول هذه النقطة؟) بل بالطبع يسارع دريدا الى التوكيد بأن هذه ليست بالفكرة العادية عن العدالة، بل هي عدالة ينبغي تمييزها عن اي من المفاهيم المتداولة عنها ومحمولاتها المتعينة. مع ذلك، يعترف دريدا، اعترافا جازما، بضرورة تبني موقف ارشادي معين- وهذا تنازل هام لأولئك الذين دأبوا على الاشارة الى وجود تناقض بين نزعة اللاحسم الاخلاقي للتفكيكية، واستخدام التفكيكية أداة لدعم برنامج سياسي تحرري. لابد اريد بذلك الالماح الى ان دريدا لم يتحدث سابقا عن الاساس المتعذر تفكيكه في النقد التفكيكي، بل اقصد ان يعترف ، في مواجهته مع ماركس، بوضوح اكبر من ذي قبل، بلزوم تثبيت الأهداف او الغايات المستقبلية التي يمكن للمرء، في ضوئها، ان يرفض ما هو قائم فعلا، ولربما ايضا لزوم قول شيء عن وسائل تحقيق تلك الغايات، مهما كان هذا التثبيت والقول مقتضبا.
بعد هذا لابد من القول انه حيثما تتميز محاججات دريدا في اطياف ماركس، بأنها متوقعة تماما، وقليلة الجدة، فان ذلك يكمن في الطابع الشكلي الخالص لاعتراف دريدا المذكور اعلاه. ورغم استعداد دريدا للقبول بفكرة ان النقد التفكيكي لن يكون معقولا الا على خلفية او في إطار التزام اخلاقي محدد، فانه يبدو عازفا تماما عن ان يعطي لهذا الالتزام اي محتوى. اذ حين يأتي الامر على ذلك، فان المغزى الطاغي في كتابه يظل يكمن في وجوب الامتناع عن التجسيد الانطولوجي ابدا، وان نبقى مسكونين بروح السياسة التحررية ليس الا، والا نسعى الى تجسيدها في اية مجموعة من السلع والمؤسسات والاستراتيجيات، فمثل هذا التجسيد – كما يقول ضمنا- يضارع خيانة الروح نفسها لامحالة.
ويقول دريدا ان ما يجمع بين ماركس وخصوم الشيوعية هو خوف من طيفها – خوف يتضاد مع خوفهم، ذلك لأنه كان هلعا ليس من ان تكتسي الشيوعية لحما وتغدو حضورا مجسدا، بل ذعر من الا يتحقق لها ذلك، اي ان تبقى كائنا طيفيا ، والنتيجة وجود خوف مشترك من الطيفية ذاتها. وعلى حين ان دريدا يؤكد ان ما ينبغي التخوف منه أكثر من اي شيء اخر، بل والحذر منه أكثر من سواه، هو الاندفاع نحو طرد الارواح – الانطلاق نحو اكساء الروح لحما وتحويل توقنا المهدوي للخلاص الى كيان ملموس. فينبغي ان نحب الشبح، ونعانق الطيف – وهذا يعني ان علينا ان نفكر ونتصرف دوما داخل الفضاء القائم بين المثل الاعلى ، الشكلي بصورة مطلقة، والناظم بلا محتوى، وبين تجسيد او تمثيل هذا المثل الاعلى بأي حضور ((ممتلئ)). ويطالبنا المنطق الطيفي، ان جاز القول، بأن نقبل فكرة ان الموضع الوحيد للفضيلة السياسية يكمن في الافتراض بالذات.
وهكذا يتوجب علينا ان نمارس نقدا محايثاً متصلا ضد عجز الواقع القائم عن الارتفاع الى مستوى مثله العليا عن العدل والديمقراطية. ولكن يتوجب علينا، في الوقت ذاته، نقد تلك المثل العليا ذاتها في ضوء عدالة لا صلة لها بعدالة القانون والحق، وديمقراطية لا يجوز خلطها مع اي من مفاهيمها الحالية – اي نوع من عدالة وديمقراطية لا يجوز لنا ان ننتظر من اي واقع فعلي بديل ان يحققها لنا قط، ولا ان يعرضها لنا باعتبارها قابلة للتحقق. بل يجب علينا ان نمضي في اطار روح عدالة مرجأة بلا حدود: اي ما يسميها دريدا ((عدالة العطاء)) التي لا تتوقع من الاخر ولا تتطلب منه اي مقابل، بروح ديمقراطية مرجأة بلا حدود التي تقوم اخلاقها في ((قبول الغريب)) على الضيافة المطلقة التي لاتضع شروطا على الاستقبال، اخلاق تحجم عن جميع تمثلات الهوية، ولا تفرض مطاليب على ((الاخر)) لكي يمتثل لأي نظام قائم من الحقوق والشرعية، او لاي قواعد محددة سلفا عن الشرف او العدالة.
وهناك الآن عدة نقاط يمكن تناولها بصدد اعادة الصياغة التفكيكية للوعد التحرري الماركسي. فأولا، يمكن لنا بالتأكيد، ان نتساءل عن معنى القول، ان كان لذلك من معنى، بان المرء ماركسي حتى بالروح. ولنأخذ النقطة التي يثيرها دريدا (وهي ليست نقطة خلافية اصلا مما يرفضه الماركسيون، ذلك لأنهم هم أنفسهم قد طرحوها مرارا) ومفادها ان نوع الماركسية الموائم لعصرنا هو ماركسية جرى اصلاحها او حتى تنقيحها تنقيحا جذريا. مع ذلك يمكن للمرء ان يجادل قائلا ان التفكير وفق روح ماركس يملي علينا القيام بما يتجاوز شجب ما هو قائم فعلا في ضوء المستحيل.
او دعونا نعالج هذه المسألة من زاوية مختلفة بعض الشئ، وعندها يمكن لنا ان نتساءل: هل يوجد حقا شيء اسمه روح ماركس، طالما ان سائر كتاباته ( نعني ان كتاباته عن الحتمية الاقتصادية، وعن البنية الفوقية والقاعدة، عن التناحر الطبقي وصراع الطبقات، عن الايديولوجيا والمادية وعن((البشر الفعليين وظروفهم)) وباختصار عن انطولوجيا نمط الانتاج الرأسمالي ووسائل واتجاه تحوله، قد غلفت بالغموض وحولت الى اطياف)قد شجبت على اساس انها لم تعد ملائمة لعصرنا، او انها افرغت من معناها الحرفي.
ان دريدا يحيل نفسه الى ماركس، ويريدنا ان نحيل انفسنا الى ماركس، لكن ما يعرضه علينا هو ماركس كما يراه صالحا للتقديم (له ولنا ولعصرنا) شريطة ان نرجئ ثقتنا بمعانيه الحرفية، ليس هو ماركس((غير الماركسي)) فقط بل ليس ماركس اصلا. بمعنى، وعندها ينبغي ان نسأل لماذا- لماذا ماركس؟ وباختصار نتساءل متى يكف العمال بروح ماركس فقط عن ان يكون ماركسيا- ويصبح، مثلا ، ليبرالية – يسارية ، او ((ديمقراطية راديكالية)) مثل فكر ارنستو لاكلاو وشانتال موف اللذين لا يترددان عن وصف نفسيهما بأنهما ((ما بعد ماركسيين))(8) رغم ان صيغة الماركسية التي ينزع دريدا تجسدها الواقعي هي اقرب الى تحليلاتهما منها الى الاعمال الفعلية لماركس نفسه.
ومثلما انني لا اعتبر هذه المسائل لفظية محضة، فأنني لا استبق الحكم في الاجابة عنها، لكن نصيحة دريدا تتضمن معاني عديدة جديرة بالاعتبار، وأود ان اعبر عن معارضتي الاكيدة لها. فأولا، لماذا ينبغي ان نلتزم بمنطق تنصب تأكيداته، كما يبدو، على الطبيعة التساومية لأية سياسة ملتزمة، نشيطة، وليس على المكاسب التي تستطيع هذه السياسة تحقيقها؟ وقد يبدو ان ذلك يفترض ضمنا ان ليس بمقدرونا ان نكون حساسين سياسيا الا في الفكر والا في الفلسفة، لا في الممارسة الفعلية. دعوني اضيف بهذا الخصوص بأني لم استطع مقاومة الاحساس بان دريدا لا يعطي انتباها كافيا، من طراز((ان تكون او لا تكون)) لجانب كبير من النشاط السياسي لليسار، وعلى سبيل المثال السعي النشيط والملموس لليسار من اجل بلورة ((طريق ثالث))يخترق انطولوجيات الحرب الباردة، بإصراره على المناداة بالعدالة والمساواة والديمقراطية، دون الوقوف الى جانب العدالة والمساواة والديمقراطية التي تنادي بها الشيوعية او الرأسمالية الليبرالية، والتزامه بطائفة من البرامج الوسطية (بين الماركسية والوجودية، بين الاستجابات البروميثيوسية والاستجابات اللاعقلانية تجاه ازمة البيئة، بين السياسة القائمة على اساس الطبقات من جهة، والسياسة القائمة على كل ما يصلح لان يكون ما بعد حداثة ، من جهة اخرى). لا أقصد بذلك ان التمثيلات المحددة لهذه المواقف السياسية منيعة على النقد التفكيكي، بل بالأحرى ان هذا النقد انصهاري أكثر مما ينبغي، فهو يدعونا الى اعتبار كل الممارسة العملية مقضي عليها بالفشل مسبقا لعجزها عن ان تجسد ديمقراطية اصيلة او حقيقية، ولا يقدم لنا اي ضمان او معيار للمفاضلة بين الطابع الاكثر تقدما او الاقل تقدما مما يميز مختلف الافعال والممارسات وأشكال المؤسسات. وأن قولي هذا يؤكد ان دريدا لا يهتم الا قليلا بالطرائق التي يمكن ان يقال بها عن الممارسات اليسارية انها جسدت ((الاطياف)) وانها انطلقت في هدى روح وساوسها. وان قيام دريدا بتغليف احتراساته ضد الماركسية ((اللاهوتية))ببلاغة لفظية جديدة ينبغي الا تحجب عن اعيننا حقيقة ان الروح العامة التي يحرك بها هذه الاحتراسات، قد وردت مرارا وتكرارا داخل معسكر الماركسيين والاشتراكيين، بل انها تجسدت، احيانا، في بعض الاشكال، النظيفة نسبيا، من الممارسات العملية.
ولكن اذا كان منطق الطيف يدعونا الى اسقاط التمايزات بين السياسات المتحققة لليسار، قهو بالمقابل، يخطئ في الالماح الى امكان وجود سياسة لا تتضمن نوعا من الاختيار، نوعا من القرار، حول اسلوب وتوقيت التحرك، ونوعا من تمثيل الاخر كشرط لذلك التحرك. وإذا كان ذلك نوعا من التلوث، فسنقول نعم ليست هناك من سياسة بلا تلوث. فنحن لا نستطيع تغيير العالم، مهما التغيير ضئيلاً، إذا التزمنا القول بالابتعاد عن التجسيد الانطولوجي. ولن يترسخ ويتسع التعاطف او التضامن مع ضحايا الاضطهاد ولن يكون ((بريئاً)) (اذا كان هذا التعبير دقيقا) من قراءة او تمثيل محنة الضحايا في ضوء هويتنا نفسها، اي في ضوء تصور ماسيكون عليه حالنا لو كنا في مثل ظروفهم – او ماذا كنا سنشعر لو كنا سنعاني مصيرهم. ان الانفتاح او الضيافة المهدورية (الخلاصية) نحو الاخر امر حسن لو طرح ببساطة كاحتراز مضاد للصهر السياسي العجول – او كتحد للسياسات الحكومية الراهنة حول هجرة الاجانب. ولكن اذا كان دريدا يعني اننا نستحق اللوم عما يصيب الآخرية المطلقة للآخرين من الازدراء في كل تمثيل للآخر واي تمثيل للآخر مثل تمثيل الذات، فان ذلك يبدو بمثابة توصية، لا من اجل العدل والديمقراطية، بل من اجل السكوت السياسي: فنحن ، بحرفية القول، قد نجرح الاخر بمجرد افتراضنا ان هذا الاخر يعاني العذاب او الاذلال على يد المعذب او المضطهد، ولعل من الافضل الا نتدخل. فيا منظمة العفو الدولية انتبهي!
سيقال ان دريدا نفسه يعترف باستحالة ما يدعو اليه، وهذا صحيح بمعنى ما. فدريدا يكتب عن الانفتاح المهدوي (الخلاصي) قائلا ((ان الامر سيكون سهلا، بل سهلا تماما، ان نبين ان مثل هذه الضيافة المفتوحة بلا حدود هي المستحيل بعينه، رغم انها شرط الحدث وبالتالي شرط التاريخ نفسه (….)، وان شرط امكان الحدث هذا هو ايضا شرط استحالته)) لكن الاعتراف جاء في اطار فكرة مفادها انه من دون تجربة المستحيل هذه، فان المرء قد يتخلى عن اية عدالة، وعن اي مطالبة بسياسة تقوم على ((ضمير سليم)). ويدعي دريدا ((ان المرء قد يقرأ ايضا بالحساب الاقتصادي ويعلن عن جميع الحواجز التي ما تزال الاخلاق والضيافة او مختلف ضروب المهدوية (الخلاصية) تنصبها على حدود الحدث، من اجل تفتيش القادم …))(9). ان السياسة العادلة اي تجربتنا لها امر مستحيل من جهة، ومن جهة اخرى ليست هناك سياسة نزيهة او عادلة بدون ان نجربها.
ولكن بمقدور المرء الادعاء ايضا ان شرط اي سياسة ذات ((ضمير سليم)) انما يكمن في رفض هذه الثنوية المتقابلة. اذ ما ان نطرح السؤال عن سبب ((استحالة)) ما يدعى بديمقراطية الضيافة المفتوحة، حتى نواجه حقيقة ان فكرة ((المستحيل)) تخفي، هنا، العجز عن الالتزام السياسي- الاخلاقي. ان ذلك مستحيل (كما اشرت سابقا) لأنه لا يمكن قول ((لا)) امام معاناة الآخر، إذا كان قول ((نعم)) للغريب يعني الاحجام عن اي وكل تصور مسبق عن الطريقة التي ينبغي ان يعيش بها الغرباء. ان ذلك مستحيل لان احترام الاختلاف المطلق للآخر – عدم فرض اية شروط على الضيافة – سيحرم الاخر، منطقيا، ومن اي اساس للاعتراض حتى على اكثر اشكال الاستقبال بعدا عن الضيافة، وسيتطلب من كل وأي ((مضيف)) قبول جميع اولئك الغرباء الذين تكمن غربتهم في عجزهم الجذري عن قبول او استيعاب المبادئ الاساسية للضيافة، والديمقراطية ، او العدالة. ان ذلك مستحيل لان العدالة ليست مسألة سخاء او احسان، بل علاقة متبادلة لا يمكن ان تقوم، بحكم طبيعتها بالذات، الا في إطار التزامات ومسؤوليات متبادلة. ان بوسعنا ان نفهم ممانعة دريدا من الاعتراف بهذه الشروط المتعلقة بإمكانية الديمقراطية والعدالة في ضوء انعدام المساواة والتفاوتات في التوزيع المرتكبة باسم مفاهيمها القائمة واشكالها المحددة. لكن نقد هذه التفاوتات داخل الاقتصاد العالمي لن يكون له اي معنى الا اذا تجذر في فكرة العدالة بوصفها نوعا من المشاركة – اي كونها تنطوي على التزام بتوزيع منصف للسلع والموارد. اما انا، على اية حال ، فلا ارى كيف يكون من العدل تجاوز مثل هذا المفهوم عن العدالة، واعتقد يقينا ان البلاغة اللفظية في الحديث عن ((عدالة العطاء)) منكودة اذا كان يراد بها ان اشكالا معينة من ((العطاء)) غير المشروط التي يمكن عبرها تحقيق هكذا عدالة بصورة افضل- الغاء ديون العالم الثالث مثلا- ماهي الا ((هبات)) او ((عطايا)) عوض ان تكون ارجاع ما أخذ ونهب وصودر في السابق.
إن رفض دريدا لمبدأ التجسيد الانطولوجي – اي مقاومته المعترضة على التفكير في الاشكال والمؤسسات السياسية التي قد تحقق مفهومه المتعالي عن الديمقراطية والعدالة يجعله عرضة لتهمة انه لا يعنى حقا بأخلاقيات العدالة والديمقراطية اطلاقا، بل حتى عرضة للادعاءات التهكمية القائلة بان ((عدالة العطاء)) هي أكثر ما تحقق في الوقت الحاضر، ولكن القسط الاكبر من عدالة العطاء هذه قائم لصالح المجتمعات الاكثر غنى وامتيازات في عالمنا. هناك حدود لمدى قبولنا بفكرة ان توصيات دريدا للحفاظ على سياسات ((الضمير السليم))هي توصيات ذات ضمير سليم، وذلك نظرا لغياب اي مخطط (او برنامج) يحدد شروط الامكانية، او اي انخراط في النزاعات الاخلاقية التي تتيح لها الضيافة المفتوحة مجالا لا حدود له.
لكن هناك جانبا آخر في اخلاقيات دريدا بقول ((نعم للغريب)) مما يوجب الاحتراس والحذر حياله، الا وهو دعوة هذه الاخلاق الى اسقاط او تفتيت التمييزات المفهومية بين ((الانسان)) و((الحيوان))، او بتعبير أكثر دقة دعوة دريدا الى التعامل مع كل التمايزات الحدسية التي تفصل بين ((الآخر)) الانساني والآخر اللاانساني كشكل من الرقابة البوليسية المفاهيمية غير المبررة. فمثلا نجد ان دريدا يوصي في مقابلة جرت مؤخرا، ان ((الشخص ما)) الذي يعامل بانفتاح مهدوي (خلاصي) هو ((شخص ما)) لا يجوز ولا يمكن لنا ان نحدد ماهيته مسبقا – ولا يجوز ان نتحدث عنه ((لا كذات، ولا كوعي ذاتي، ناهيك عن ان يكون بمثابة حيوان او اله، او شخص، او رجل او امرأة، او كائن حي، او ميت))(10)، وهناك عدد من الاقوال بالمعنى ذاته مما يرد في كتاب أطياف ماركس. ولكن هل يجوز لنا حتى ان نقرر ما هو ((الشخص ما)) او ما ليس هو، اذا ما رضخنا لهذا الحكم من دريدا: فماذا يعني ان نكون ((شخصا ما)) في ظل غياب اي تعريف او تحديد؟ بتعبير اخر، هل هذا الحكم من دريدا متماسك منطقيا؟ وحتى لو كان متماسكا، فهل يمكن ان يكون اخلاقيا؟ هل يمكن لهذا اللاتمييز ان يشكل اساسا لنظام سياسي عادل؟ لعلني صرت، هنا، ساذجة، لكني اجد من المحير ان يعمد دريدا الى مناصرة منظور اخلاقي يبدو، للوهلة الاولى، ميالا تماما للتجرد والتنصل من تلك الاختلافات- من قبيل استخدام اللغة، او ادراجنا في منظومة رمزية- التي تميز بني البشر عن المخلوقات الاخرى، هذه الاختلافات التي احتلت بؤرة اهتمام المذهب البنيوي وما بعد البنيوي.
ألا يقوم دريدا هنا بإيراد حججه على نحو قد يضع الاخلاق التفكيكية في موضع الاصطفافات مع أكثر اشكال المذهب الطبيعي تبسيطا واختزالا، مع اولئك الداعين الى توسيع المجموعة الاخلاقية لكي تشمل الثدييات الحيوانية من غير البشر. او مع خصوم ((مركزية الانسان)) الذين يرفضون اي امتياز لبني البشر على اشكال الحياة الاخرى؟ ومن الواضح ان لابد من مناقشة هذه القضايا، وان هناك طيفا من المواقف التي قد يتبناها المرء فيما يتعلق بها. واعتراضي هنا ان دريدا يشير الى التفتيت المفهومي للتمايز بين الانسان والحيوان، دونما اي اعتبار للصعوبات المضادة للواقع في ذلك، وذلك بمعزل تام عن النقاشات الهامة والمحتدمة التي تدور حول هذه القضايا في ميدان الاخلاق البيئية.
اخيرا، دعوني اعرض هذه النقطة الواضحة، وهي ان قول دريدا بأن ((ليس ثمة مستقبل بدون ماركس)) امر معين، وانه لأمر اخر تماما ان نفترض بأننا سنرى تفويضا شعبيا للاشتراكية في المستقبل. انه لشيء ان ننصح بمعالجة الدين الخارجي بروح النقد الماركسي (أيا كان معنى ذلك بالتحديد)، ولكنه شيء اخر ان نفترض بان ذلك سيحقق عبر القضاء على الرأسمالية العالمية. وإذا كانت مسألة هل ان ماركس سيعود ثانية تفسر باعتبارها مسألة عودة التأييد الساحق للبرنامج الاشتراكي، فعندئذ ارى انه قد يكون ثمة مستقبل بدون ماركس لفترة طويلة قادمة، في الاقل. الواقع ليس ثمة حقبة لا يجول فيها شبح الشيوعية في اوروبا مثل هذه الحقبة الراهنة. ولكن إذا كان هناك شبه بهذا الشبح، مهما كانت درجة الشبه بعيدة، يراد الابقاء عليه في متناول اليد كوسيلة مضمونة لكسب الاصوات في المستقبل، فأظن ان ذلك يتطلب من كل الملتزمين بروحه ان يتمردوا على الفيتو الدريدي: ان يكسو هذا البديل عن الواقع الفعلي باللحم، وان يفكروا في الاشكال المؤسساتية التي قد تحقق هذا السراب المسمى اشتراكية ديمقراطية او اشتراكية اصيلة. وعلى اية حال، يتهيأ لي ان ما يبقي على النظام الرأسمالي لا يكمن في الايمان الواسع بقدرته على ضمان الحياة الحسنة او درء الازمات الرئيسية لعصرنا، بقدر ما يكمن في التشكيك العميق، والمبرر من نواح عدة، في قدرة اي بديل عن هذا النظام في التحقق الفعلي. وبهذا المعنى، قد يجادل المرء ان مشكلة اليسار لا تكمن في وفرة البرامج والخطط، بل في شحتها- اي الاستعداد المفرط لطرح فكرة ((الاشتراكية الأصيلة)) كطريقة للتنصل مما جرى باسم الماركسية، والانتباه الهزيل تماما المكرس للأشكال الملموسة التي يمكن بها تحقيق هذا المثل الأعلى.
واذا كنا نرغب حقا في ان نتصدى لحوادث افظع من البؤس الإبادة، والبربرية البيئية، والحروب القاضية (كما يلمح دريدا) فان سائر الالتزامات العملية لليسار- العمل النظري على اشتراكية السوق، وعلى السياسات الاقتصادية البديلة، وعلى المفاهيم الجديدة للمواطنة، وعلى اشكال التفويض الديمقراطي للحكم، وعلى التحرر من العمل، وعلى المؤسسات ذات الطابع الكوزموبوليتي الجديد: ان ذلك كله يبدو انفع بكثير من تحذيرات دريدا المستمرة من استباق الاشكال التي سيتحقق بها المستقبل.
وبهذا الخصوص، لا يسع المرء الا ان يلاحظ اية مفارقة صارخة تكمن في ان يوصي دريدا بماركسي طيفي، إذا ما عرفنا مدى اشمئزاز ماركس نفسه من الا يفعل شيئا سوى استحضار شبح الشيوعية، وإذا ما عرفنا معارضة ماركس لتحديد المؤسسات السياسية التي يمكن ان تجسد تلك الاطروحات التجريدية الشهيرة: مجتمع الوفرة، مستقبل لا يقاس بأي معيار اخلاقي راهن، التوزيع حسب الحاجة، التطور الثري والشامل للفرد. ولعل بالوسع القول ان أكثر موضع يقترب فيه ماركس من روح التفكيكية انما يتمثل في هذه الاشارات الفكرية الى مجتمع ما يزال متعاليا على الواقع الفعلي القائم بحيث لا يمكن، بعد، بلورة شروط تحققه في صيغة مفاهيم. وان ماركس هو طيف ماركس في رفضه رسم صورة تفصيلية عن الشيوعية في تصوره لها، وفي طوباويته المضادة للطوباوية(11). انني لا أرثي لحال هذه الرؤيا بذاتها، واعتقد ان عالما لا يتوق، بعد، الى اي سمو سياسي من هذا النوع، عالم جديب. اقصد بذلك ان الفراغ الانطولوجي قد يقدم نفسه رهينة للمقادير، وان رفض ماركس التفكير في العالم السياسي للشيوعية خلق عددا من هذه الفراغات، وانه بمقدار ما ان هذه الفراغات ملئت ب((الاشتراكية القائمة)) فإنها لعبت دورا في انهيار الماركسية نفسها. دعونا نعبر عن ذلك بصيغة اخرى: ان رفض المرء للتجسيد الانطولوجي قد لا يجنبه، بالضرورة، فظائع التوتاليتارية المهدوية (الخلاصية)، بل انه قد يفسح لها بذلك مجالا أرحب، ولابد لنا، قطعا، من الاحتراس من جميع اولئك الذين يعرفون كيف يغيرون العالم، والاحتراس مما سيبدو عليه هذا العالم بعد ان يفرغوا من تغييره. ولكن مادام العالم سيتغير من كل بد، فهناك ايضا مخاطر تتمثل في ان يحصر المرء نفسه، على نحو ضيق تماما، في مهمة ((النقد النقدي)): النقد الدائم لاضطراب جميع العصور، والفشل الأزلي للواقع الفعلي في قياس عقلانية لن تأتي ابدا(12). ان دريدا يمقت سياسة ((الحاضر الممتلئ))، سواء اتخذت شكل احتفاء بنهاية التاريخ، او شكل معرفة مطلقة بالكيفية التي ينتهي بها هذا التاريخ. وأني لأوافقه على ذلك. لكن خير احتراس من انماط الكمال هذه لا يتحقق بترك الفراغات الانطولوجية كليا.
الهوامش
(1)Jacques Derrida, Spectres of Marx, trans. Peggy Kamuf (Routledge, New York and London.1994)
(2) هناك حكاية استشهدت بها مارثا نيوسباوم في مقالة اخيرة لها تحت عنوان (الوظيفة الانسانية والعدالة الاجتماعية: دفاعا عن الماهيوية الأرسطية) نشرت في مجلة (Political Theory، Vol. 20، No. 2، May 1992)، تقدم توضيحا بارعا للنزاعات التي نشبت في النطاق الاكاديمي حول هذه القضية. وتروي نيوسباوم انها حضرت مؤتمرا دوليا حول القيمة والتكنولوجيا حيث قدم عالما انثروبولوجي فرنسي محاضرة عبر فيها عن أسفه على ادخال البريطانيين لقاح الجدري الى الهند لأنه قضى على عبادة احدى الالهات التي اعتادت احدى المجموعات المحلية الصلاة لها لتفادي الجدري. وعندما اعترض أحد الحاضرين انه افضل بالتأكيد المعافاة على المرض . اجاب العالم ان الطب الغربي لايفكر الا وفق التناقض الثنائي للصحة مقابل المرض ، والحياة مقابل الموت ، ولهذا فان بصيرته عمياء عن الاخرية الراديكالية للثقافات الأخرى.
(3) Fracis Fukuyama The End of History and the Last Man (The Free Press, 1992 New York .)
(4) يلعب كتاب اطياف ماركس مطولا على فكرة العصور، المضطربة، (انظر خاصة الفصل الاول ، وصفحة 77-78) والاشارة هنا الى كلمة هاملت ردا على ظهور شبح والده في بداية المسرحية، فالزمان مضطرب، اه ياللكيد اللعين، ان اكون قد ولدت لاصلح منه مساره. (هاملت، الفصل الاول، المشهد الخامس).
(5) انظر اطياف ماركس 81-86. يورد دريدا قائمة ب (كوارث)) النظام الدولي المعاصر وهي: 1)البطالة الجديدة 2) التشرد 3) المنافسة الاقتصادية 4) تناقضات (السوق الحر) 5) الدين الخارجي 6) صنع الاسلحة 7) الاسلحة النووية 8) الحروب بين الاثنيات 9) (الدول الشبحية ) للرأسمالية مثل المافيا وكارتيلات المخدرات 10) هيمنة الغرب على تفسير وتطبيق القانون الدولي.
(6) القسم الاطول من الايديولوجية الالمانية مكرس لمناقشة كتاب شتيرنر رغم ان ماركس يصف مؤلفه بأنه يمتلك ، اضحل عقل، بين الهيغيليين الشباب.
(7) دريدا ، اطياف ماركس.
(8) Ernest Laclau and Chantal Mouffe، Hegemony and Socialist Strategy (Verso، London، 1985)، Ernesto Laclau، New Reflection of Our Time (Verso، London،1990)، Chantal Mouffe، The Return of the Political (Verso, London, 1993).
(9) دريدا ، أطياف ماركس.
* سعدي عبد اللطيف: كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة واستاذ سابق للأدب الانكليزي في العراق والجزائر. ترجم ونشر عشرات النصوص الفلسفية والشعرية والوثائق السياسية الى جانب ما له من دراسات ومحاولات في النقد الادبي المعاصر والفن.
- See more at:
http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?t=2&aid=398228#sthash.5Mr5oHPi.dpuf


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.