ارتفاع حصيلة أعمال العنف القبلي بالجنينة إلى 243 شخصاً    الكتل الثورية ترهن عودتها لتجمع المهنيين بتوقيعه على الميثاق    صحة الشمالية تكشف عن ارتفاع الوفيات بكورونا الى 91 وفاة    الثروة الحيوانية قد لا تظل طويلا ثروة متجددة! .. بقلم: اسماعيل آدم محمد زين    ويسألونك عن العيش .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    عامٌ من حزمة الإصلاحات الاقتصادية: هل بالإمكان أفضل مما كان ؟ .. بقلم: شريف إسماعيل محمد بنقو    أهلي شندي يسقط أمام الشرطة القضارف .. فوز هلال كادوقلي على مريخ الفاشر    المحكمة ترفض طلبا للدفاع باستبعاد الشاكي في قضية علي عثمان    مقتل مواطن سوداني في انفجار جسم غريب    الي جنات الخلد يا نهلة والتعازي للأخ الصحفي مصطفي سري وآل عبد الرسول الجاك ببري واسرة مانشستر الكبري ببريطانيا .. بقلم: د. سعاد الحاج موسي    كائن اسطوري: ربع قرن على الرحيل .. الموسيقار مصطفى سيد احمد .. بقلم: اسماعيل عبد الله محمد حسن    مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الماركسية الغربية.. دوغلاس كلنر ..ترجمة: كامل شياع
نشر في حريات يوم 09 - 05 - 2013


ترجمة: كامل شياع
في بحث أصول وتكوّن المجتمعات الحديثة، طوّر كارل ماركس وفريدريك أنجلز نظرية مادية جديدة للتاريخ والمجتمع من خلال تقديم مفاهيم مثل نمط الإنتاج، قوى وعلاقات الإنتاج، تقسيم العمل، الأيديولوجيا والصراع الطبقي بوصفها مداخل أساسية لفهم المجتمع والتاريخ. وبلور ماركس وأنجلز رؤية للتاريخ بوصفه تعاقباً لأنماط الإنتاج، ووضعا مخططاً لنشوء المجتمع البرجوازي الحديث وتحوله مستقبلاً إلى مجتمع شيوعي.
طُرحت الرؤية الماركسية حول المجتمع والتاريخ في " البيان الشيوعي" (1848) على شكل قصة مثيرة تصف صعود الرأسمالية والمجتمع البرجوازي وتغييرها الثوري على يد البروليتاريا الصناعية. لقد طوّر كتاب "رأس المال" والنصوص الماركسية الكلاسيكية الأخرى نظرة نقدية إلى الرأسمالية، نموذجاً للإشتراكية ومشروعاً لثورة في النظرية الخاصة بالحداثة والعولمة يجمع بين الإقتصاد السياسي، النظرية الإجتماعية، الفلسفة، التاريخ، والسياسة الثورية التي إستثارت موالاة متحمسة ومعارضة عارمة.
نظر ماركس وأنجلز إلى التاريخ كعملية تسير من خلال نفي أشكال الحياة القديمة وإنتاج أخرى جديدة بديلة عنا. فالمجتمعات الرأسمالية الحديثة، على وجه الخصوص، قد جعلت من التغيير والتجديد والتطور جزءاً لا يتجزأ من طريقتها الخاصة لإعادة إنتاج الإجتماعي ذاته. بالنسبة للماركسية الكلاسيكية، ما أن تطلق الرأسمالية الصناعية الحديثة طاقاتها الكامنة، حتى يحصل تطور عاصف لوسائل الإنتاج، وتدمير تام لما هو قديم وخلق لما هو جديد، وكل ذلك يحدّث ويحوّل على نحو مستمر المجتمع البرجوازي: " ما يميز العصر البرجوازي عن جميع العصور السابقة هو التثوير الدائم للإنتاج، الإخلال المتواصل بجميع الشروط الإجتماعية، وحالة عدم يقين وهياج دائمة. كل العلاقات الثابتة والشديدة الجمود سوية مع قاطرتها من الأحكام المسبقة والآراء القديمة والهشة، تزاح من الطريق، كل الأشكال الجديدة منها تصبح قديمة قبل أن تتحجر. كل ما هو صلب ينصهر في الهواء، كل ما هو مقدس يدنّس، والإنسان في النهاية مجبر على أن يواجه بحسّ متزن الشروط الحقيقية للحياة، وعلاقاته بنوعه الإنساني (ماركس وأنجلز، الجزء 6 ص 487.)
هناك نسخ مختلفة كثيرة من الماركسية برزت بعد وفاة ماركس وأنجلز. ففي حين إتخذ الجيل الأول من المنظّرين والناشطين الماركسيين منحى التركيز على الإقتصاد والسياسة، فإن أجيالاً لاحقة من الماركسيين الغربيين ظهرت في أوربا بعد الثورة الروسية وطورت نظريات ماركسية عن الثقافة، الدولة، المؤسات الإجتماعية، علم النفس، وموضوعات أخرى لم يتم التعامل معها بطريقة منهجية من قبل جيل الماركسية الأول. حاولت هذه الأجيال تحديث النظرية الماركسية لكي تفسر التطورات الحاصلة في الزمن المعاصر. عدد كبير من المنظرين الماركسيين في القرن العشرين يضم جورج لوكاش، كارل كورش، أنطونيو غرامشي، آرنست بلوخ، والتر بنجامين، ويشمل جان بول سارتر، هربرت ماركوزة، لوي ألتوسير، فرديريك جيمسون، وسلافوي زيزيك إستخدموا النظرية الماركسية لتحليل الأشكال الثقافية والإقتصادية والسياسية والإجتماعية القديمة والراهنة في إطار علاقتها بالإنتاج، وفي تداخلها مع الإقتصاد والتاريخ، وأثرها ووظائفها داخل الحياة الإجتماعية.
أستخدم مصطلح الماركسية الغربية للمرة الأولى من قبل الشيوعيين السوفييت للإنتقاص من العودة إلى أنواع محددة من الماركسية الهيغلية والنقدية في أوربا الغربية، لكنه سرعان ما تم تبنّيه من قبل مفكرين كلوكاش وكورش لوصف ماركسية أكثر إستقلالية ونقدية إزاء حزبية و" علمية " ماركسية الأممية الثانية والثالثة. وقد فسّر بيري أندرسن(1976) التحول من التحليل الإقتصادي والسياسي إلى النظرية الثقافية كأحد أعراض هزيمة الماركسية الغربية بعد سحق الحركات الثورية الأوربية في عشرينيات القرن الماضي وصعود الفاشية. بيد أن منظّرين من أمثال لوكاتش، بلوخ، بنجامين وأدورنو كانوا مثقفين ذوي إهتمام عميق وملتزم بالظواهر الإجتماعية والثقافية، ولذلك فمن الطبيعي أن يجلبوا تلك الإهتمامات إلى الماركسية.
في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي وتحت تأثير الطيف العالمي الواسع للحركات الثورية والنضالات، إلتفت الراديكاليون الشباب والطلاب إلى دراسة تقاليد الماركسية الغربية التي ظهرت في العقود الأولى من القرن العشرين. في هذه الدراسة سأتتبع بروز الماركسية الغربية في أوربا عقب الثورة الروسية والإنتشار الواسع للأفكار الماركسية لتغطي الجيل الأول من الماركسين الغربيين، مدرسة فرانكفورت، وماركسية ما بعد الستينات. وسأركّز على وصف الأفكار الأساسية مقيّماً المساهمات المهمة والقصور المتحقق في فهم المجتمع والتاريخ المعاصر ضمن تقاليد الماركسية الغربية.
صعود الماركسية الغربية
وظّفت الحركات السياسية الماركسية السائدة التي تمتد من الإشتراكية الديمقراطية الألمانية حتى الحزب البلشفي في روسيا، الماركسية كنظرية جازمة وعلمية للمجتمع والتاريخ. طيف واسع من المثقفين الأوربيين قد إنجذبوا للماركسية بعد الثورة الروسية وطوروا نماذج أكثر نقدية من النظرية الماركسية ليثيروا تضاداً داخل الماركسية بين النزعة "العلمية" و المستقيمة "الأورثودوكسية" فيها ونزعة "الماركسية النقدية". وعند العودة إلى ماركس وأنجلز فأن القاعدة الإقتصادية للمجتمع تتجسد في قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وتنشأ منها الثقافة والأيديولوجيا لضمان هيمنة الجماعات الإجتماعية الحاكمة. هذا النموذج الواسع الإنتشار ل " القاعدة والبناء الفوقي" يعتبر الإقتصاد قاعدة أو أساس المجتمع، ويرى في الثقافة، والأشكال القانونية والسياسية، وسواها من أشكال الحياة الأخرى " بنى فوقية" تنمو من القاعدة الإقتصادية وتخدم إعادة إنتاجها. لقد أدرك العلم الماركسي أولوية القاعدة والعلاقة مع البنى الفوقية، فوفّر بذلك أساس قيام علم خاص بالمجتمع والتاريخ.
ركّز ماركس وأنجلز جهودهما الفكرية والسياسية على تحليل النمط الرأسمالي للإنتاج، التطورات الإقتصادية والصراعات السياسية الجارية آنذاك، وتقلبات السوق العالمي والمجتمعات الحديثة التي صارت تصنّف نظرياً في وقتنا الراهن تحت مصطلحي العولمة والحداثة. أما الجيل الثاني من الماركسيين الكلاسيكيين الذي يشمل الإشتراكيين الديمقراطيين الألمان والثوريين (الراديكاليين) والماركسيين الروس، فقد ركّز، بدقة أكبر، على الإقتصاد والسياسة. وقد تحولت الماركسية إلى عقيدة رسمية لعدد كبير من الحركات العمالية الأوربية، وإلتزمت بمقتضيات النضال السياسي منذ تاريخ وفاة ماركس 1883 حتى القرن العشرين.
وفي حين جرى توحيد الماركسية، في مطلع القرن العشرين، مع العقائد الإقتصادية والسياسية والتاريخية، حصل في عشرينات القرن العشرين تحول في الإهتمام نحو الظواهر الثقافية والنظرية الإجتماعية. الناقد الثقافي الهنغاري الأصل جورج لوكاش ألف كتباً مهمة مثل "الروح والشكل" (1900) و" نظرية الرواية" (1910) وذلك قبل أن يعتنق الماركسية ويشارك لبعض الوقت في الثورة الهنغارية 1918. في السنوات الأولى من عشرينات القرن العشرين ركز لوكاش كماركسي متطرف، بشكل خاص، على تطوير أبعاد فلسفية، إجتماعية وسياسية للماركسية وذلك قبل أن يعود للتحليلات الثقافية في وقت لاحق من ذلك العقد. ذهب بعد ذلك إلى روسيا، وإنسحب داخلياً من الستالينية، في وقت كان يعمل فيه على سلسلة نصوص أدبية، لم تأخذ حقها من التقييم رغم ما لها من أهمية في مجال الدراسات الثقافية.
الدراسات الأدبية المبكرة للوكاش قد إغتنت في العشرينات عند إنعطافه نحو الماركسية حيث صار يستعمل مفاهيم مثل نمط الإنتاج، الطبقات والصراع الطبقي، وتحليل ماركس لرأس المال الذي وفر الأساس الإقتصادي لدراساته الإجتماعية- الثقافية. نتيجة لهذا تم النظر إلى التاريخ من خلال توسّط أو تدخل الإقتصاد والمجتمع والأشكال الثقافية، وهذه فهمت في علاقتها بالتطور الإجتماعي- التاريخي داخل نمط الإنتاج، بينما تقوم الأشكال الثقافية، إذا ما أحسن تفسيرها، بتسليط الضوء على ظروفها التاريخية.
في كتاب لوكاش الأكثر أهمية " التاريخ والصراع الطبقي" (1923) جادل لوكاش بأن النظرة الماركسية للكلية وتركيزها على أولوية البضاعة والإنتاج الإقتصادي وفرت أفضل الأدوات المنهجية للتحليل النقدي للمجتمع الرأسمالي المعاصر، وأكتشفت القوى التي ستقوم بتغييره إلا وهي طبقة البروليتاريا الثورية. وقد أكد لوكاش على أن تبني نظرة الطبقة العاملة تمكّن المرء من أن يرى كيف أن المجتمع الرأسمالي ينتج التشيؤ الذي يعني تحويل البشر إلى أشياء على جميع مستويات الحياة الإجتماعية: في عملية العمل والإنتاج الثقافي وحتى العلاقات الحميمة تم إختراقها بالضرورات الإقتصادية وصارت موضوعاً للقوانين الإقتصادية. البروليتاريا، كما يعتقد لوكاش، تحتل موقع فريداً من نوعه لإدراك التشيؤ الإجتماعي ولتنظيم القوى من أجل تجاوزه، وبذلك تصبح البروليتاريا، بتعبير هيغلي مغال فيه، ذات التاريخ وموضوعه في آن واحد. وبإعتناق موقف شيوعي تقليدي أدعى لوكاش أن ثورة الطبقة العاملة، والإشتراكية هما الحلان لمشاكل المجتمع البرجوازي، وأصبح منتمياً بعمق للحركة الشيوعية.
في ألمانيا، وبعد ثورة 1918 المجهضة، طوّر الناشط السياسي والمنظر كارل كورش نسخة هيغيلية ونقدية للماركسية فحواها أن الماركسية نظرية نقدية جدلية توفر أدوات نقد النظرية والمجتمع البرجوازيين، وتهيء القوة القادرة على التغيير. بالنسبة لكورش، فإن وحدة النظرية والممارسة هي معيار أصالة الماركسية التي عدّها النظرية الثورية لحركة الطبقة العاملة، وطور مفهوم " الإشتراكية العملية". في عمله المتأخر المعنون" كارل ماركس" ( 1938) أكد كورش بأن مبدأ الخصوصية التاريخية هو معيار أساسي للنظرية الماركسية التي إعتقد أنها قد وفرت نقداً تاريخياً محدداً للمجتمع الرأسمالي وطرحت بدائل عنه.
آرنست بلوخ، وهو منظر ألماني آخر، عبّر هو الآخر عن ردِّ فعل إيجابي على الثورة الروسية والحركات الثورية الأوربية في عشرينات القرن العشرين، لكنه طوّر نسخة خلاصية وطوباوية للماركسية. كتاب بلوخ الضخم ذو الأجزاء الثلاثة المعنون " مبدأ الأمل" (1986) طرح تحليلاً منهجياً لما تنطوي عليه الحكايات والأساطير، الثقافة الشعبية، الأدب، المسرح، وكل أشكال الفن، المدن الخيالية السياسة والإجتماعية، الفلسفة والدين- التي تنبذ غالباً بالجملة بوصفها أيديولوجيا من قبل نقاد الأيديولوجيا الماركسيين- من لحظات تحررية تتجلى في تصورات ورؤى مختلفة لحياة أفضل تضع، بدورها، موضع التساؤل تنظيم وبنية الحياة في ظل الرأسمالية (أو إشتراكية الدولة). في عمله الموسوعي آنف الذكر، طوّر بلوخ في آن واحد تحليلاً شاملاً لطرق وجود الأمل والرؤى النازعة نحو عالم أفضل في كل التعبيرات الممكنة: من أحلام اليقظة إلى الأديان الكبرى، وطرح دراسات ثقافية تعقبت عبر التاريخ الرؤى التوقعية والحدسية لما سيتم لاحقا تصنيفه وتنظيمه ونشره تحت إسم المذهب الإشتراكي من قبل كارل ماركس وأتباعه. وهكذا فقد وضع بلوخ منهج تأويل نقدي للأشكال التي يدل فيها التاريخ الثقافي والتطورات الإجتماعية – الإقتصادية على الإشتراكية كونها تجسيداً لأعمق أحلام وآمال الإنسانية. وعمل كهذا يشجعنا اليوم على البحث عن المضمون التقدمي والتحرري للمصنوعات الثقافية (بدلاً من تركيز النظر عليها بوصفها منتجات أيديولوجية ومثيرة للتعمية.)
من غرامشي إلى مدرسة فرانكفورت
تقيم القوى الفكرية والثقافية السائدة في عصر من العصور، بالنسبة للمنظر الماركسي الإيطالي أنتونيو غرامشي، نوعاً من الهيمنة أو السيطرة بواسطة الأفكار والأشكال الثقافية التي تستحث على أو تغري بقبول حكم الجماعات القائدة للمجتمع. وقد حاجج غرامشي بأن وحدة الجماعات السائدة عادة ما تنتج من قبل الدولة (كما في الثورة الأمريكية أو توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر)، ولمؤسسات "المجتمع المدني" أيضاً دور في إقامة وتدعيم الهيمنة. والمجتمع المدني، المقصود هنا، يشمل مؤسسات الكنيسة، التعليم، الإعلام وأشكال الثقافة الشعبية، وسواها. هذا المجتمع يتوسط بين المجال الخاص للمصالح الإقتصادية والعائلة والمجال العام المتمثل بسلطة الدولة. إن المجتمعات، في نظر غرامشي، تحافظ على إستقرارها من خلال الربط بين "السيطرة" أو القوة و"الهيمنة" المنظور إليها كقبول ب أو إجماع على "القيادة الفكرية والإخلاقية". لذلك نرى وجود النظم الإجتماعية وإعادة إنتاجها يتحقق عبر بعض المؤسسات والجماعات بإتباع العنف لممارسة السلطة والسيطرة لحفظ الحدود والضوابط الإجتماعية (مثال ذلك نجده في قوات الشرطة، الجيش، لجان الأمن الأهلية)، في حين أن مؤسسات (كالدين والتعليم والإعلام) تدفع بإتجاه القبول بالنظام السائد من خلال ثبيت الهيمنة، أو السيطرة الأيديولوجية لنمط محدد من النظام الإجتماعي (مثلا، السوق الرأسمالية، الفاشية، الشيوعية وهكذا…). إضافة إلى ذلك، تثبت المجتمعات هيمنة الرجال وبعض الأعراق عبر إضفاء طابع مؤسسي للنظرة الأبوية وتفوق الذكور أو سيادة عرق حاكم أثنية على جماعات أخرى تابعة.
المثال الرئيسي الذي يسوقه غرامشي في " دفاتر السجن" (1971) هو الفاشية الإيطالية التي إستأصلت النظام البرجوازي الليبرالي الذي سبقها (في إيطاليا) من خلال سيطرتها على الدولة وممارستها، القمعية غالباً، التأثير على التعليم، الإعلام، والمؤسسات الأخرى الثقافية والإجتماعية والسياسية. إن نظرية الهيمنة عند غرامشي تتضمن في وقت واحد تحليل قوى الهيمنة القائمة والأساليب التي بواسطتها تحوز جماعات سياسية معينة سلطة مهيمنة، وترسيم خطوط القوى والجماعات والإفكار المضادة للهيمنة والتي بوسعها قلب وضع الهيمنة السائد. كمثال على هذا فإن تحليل كيفية فوز النظامين المحافظين لمارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في الولايات المتحدة بالسلطة في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات يتطلب دراسة تفصيلية لتمكن الجماعات المحافظة من الهيمنة عبر السيطرة على الدولة، إستخدام الإعلام، التكنولوجيا الجديدة، والمؤسسات الثقافية مثل مراكز البحث، جمع التمويل، والجماعات السياسية الفاعلة. إن تفسير صعود وهيمنة السياسة المحافظة لتاتشر وريغان يتطلب تحليل كيفية فرض هيمنة تلك السياسة في الإعلام والمدارس والثقافة بصورة عامة. ولا بد لهذا التحليل من أن يناقش كيف تم النظر إلى السوق، على المستوى العام أو المعولم، وليس إلى الدولة كمصدر لجميع أشكال الثروة وكحلّ لكل المشاكل الإجتماعية، في مقابل ذلك، صُورت الدولة كمصدر لنظام ضريبي مفرط، تقييدات مبالغ فيها، وعطالة بيروقراطية.
حدد غرامشي الأيديولوجيا بأنها الأفكار السائدة التي تشكل " السمنت الإجتماعي" الذي يوحّد النظام الإجتماعي السائد ويضفي عليه التماسك. ووصف فلسفته بأنها "فلسفة ممارسة" لكونها تمثل نمطاً من الفكر المناقض للأيديولوجيا ونوعاً من الفعل الذي ينازع المؤسسات والعلاقات الإجتماعية السائدة، وذلك بهدف إنتاج "هيمنة إشتراكية مضادة". في مقاله " موضوعات ثقافية: مادة الأيديولوجيا" لاحظ غرامشي أن الطباعة في زمنه كانت الوسيلة السائدة لإضفاء الشرعية الأيديولوجية للمؤسسات وللنظام الإجتماعي القائم، رغم ذلك، هناك مؤسسات أخرى كثيرة مثل الكنيسة، المدارس والجمعيات الثقافية-الإجتماعية والجماعات لعبت هي الأخرى دوراً في ذلك. ودعا إلى توجيه نقد مستديم لهذه المؤسسات وللأيديولوجيا التي تضفي الشرعية عليها، وبموازاة ذلك، دعا إلى إيجاد مؤسسات وأفكار مضادة من شأنها أن تنتج بدائل للنظام القائم.
نقد غرامشي لنمط الثقافة السائدة والمجتمع إستأنفته مدرسة فرانكفورت والدراسات الثقافية البريطانية، اللتان وفرتا العديد من الأدوات النافعة للنظرية الإجتماعية والنقد الثقافي. إن مفاهيم مثل الأيديولوجيا واليوتوبيا والنظرية الإجتماعية المادية التاريخية التي أسهم كل من لوكاش وبلوخ في تطويرها، قد أثّرت في مسار مدرسة فرانكفورت. يشير مصطلح " مدرسة فرانكفورت" إلى نتاج مجموعة معهد البحث الإجتماعي الذي تأسس في فرانكفورت/ ألمانيا عام 1923 وكان أول معهد ذا توجه ماركسي مرتبط بجامعة ألمانية مهمة. تحت قيادة مديره، كارل غرونبيرغ، نهج عمل المعهد في عشرينيات القرن الماضي نهجاً تجريبياً وتاريخياً متوجهاً نحو مشاكل حركة الطبقة العاملة الأوربية. في عام 1930 تولى رئاسة المعهد ماكس هوركهيمر الذي جمع حوله شلّة من المنظرين الموهوبين أمثال أريك فروم، فرانز نومان، هربرت ماركوزة، تيودود أدورنو. وسعى المعهد بتوجيه من ماكس هوركيمر إلى تطوير نظرية إجتماعية متعددة الإختصاصات يمكن توظفيها كأداة للتحول الإجتماعي. كان عمل المعهد في تلك الحقبة يقوم على جمع وتركيب الفلسفة والنظرية والإجتماعية، عبر الربط بين علم الإجتماع وعلم النفس والدراسات الثقافية والإقتصاد السياسي.
المشروع الكبير الأول للمعهد في عهد هوركهيمر تمثّل في طرح دراسة منهجية للسلطة، هي عبارة عن بحث في أفراد إستسلموا لسلطة غير عقلانية في نظم سلطوية. وتوج هذا العمل بكتاب من جزءين بعنوان " دراسات في السلطة والعائلة" (1936) وبسلسلة دراسات عن الفاشية. كان أغلب باحثي المعهد من اليهود والماركسيين الراديكاليين الذين أضطروا لمغادرة ألمانيا بعد صعود هتلر إلى السلطة. أغلب هؤلاء هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تم إلحاق المعهد بجامعة كولومبيا بين عامي 1931 و1949 وهو تاريخ إنتقال المعهد مجدداً إلى فرانكفورت. منذ عام 1936 إلى يومنا هذا وسم المعهد عمله بأنه " النظرية النقدية للمجتمع". وأضحت "النظرية النقدية" لسنوات طويلة علامة مميزة للطابع الماركسي للمعهد، وتفردت في محاولة إيجاد نظرية إجتماعية نقدية متعددة الإختصاصات متجذرة في الديالكتيك الهيغلي- الماركسي، المادية التاريخية، ونقد الإقتصاد السياسي، ونظرية الثورة. أظهر أعضاء المعهد أن مفاهيم ماركس عن البضاعة، النقود، القيمة، التبادل، الفيتشية (الصنمية) لا تنطبق فقط على الإقتصاد الرأسمالي ولكن أيضاً على العلاقات الإجتماعية في ظل الرأسمالية، حيث تتحكم السلعة وعلاقات وقيم التبادل بالعلاقات الإنسانية وبجميع أشكال الحياة الأخرى.
حاجج هوركيمر في مقال من مقالاته الرئيسية المعنون " النظرية التقليدية والنظرية النقدية" (1937) بأن النظرية التقليدية ( تشمل الفلسفة الحديثة والعلم منذ ديكارت) تنزع عموماً إلى التجريد، موضوعانية ( تنظر إلى الموضوع من الخارج. المترجم) ومعزولة عن الممارسة الإجتماعية. على نقيضها، فإن النظرية النقدية النابتة في النظرية الإجتماعية والإقتصاد السياسي "الماركسي"، تقدم نقداً منهجياً للمجتمع القائم، وتتحالف مع الجهود المبذولة لإنتاج بدائل للرأسمالية والمجتمع البرجوازي( الذي كان آنذاك يمر في طور الفاشية بالنسبة لأغلب بلدان أوربا). كتب هوركيمر بأن " محتوى" النظرية النقدية " يكمن في تغيير المفاهيم التي هيمنت على الإقتصاد إلى نقائضها: تبادل عادل بدلاً من اللاعدالة الإجتماعية المترسخة، إقتصاد حر بدلاً من الهيمنة الإحتكارية، العمل المنتج بدلاً من تعزيز العلاقات التي تمنع الإنتاج، الحفاظ على حياة المجتمع بدلاً من إفقار حياة الناس" ( 1972). إن هدف النظرية، عند هوركيمر، هو تغيير الشروط الإجتماعية، وتوفير نظرية ل " للحركة التاريخية للحقبة التي أوشكت الآن على نهايتها" (نفس المصدر). أنتجت النظرية النقدية تحليلاً نظرياً لتحول رأسمالية المنافسة إلى رأسمالية الإحتكار والفاشية، وتطلعت لأن تكون جزءاً من الحركة التاريخية التي تستبدل فيها الرأسمالية بالإشتراكية. أدعى هوركهيمر بأن " المقولات التي برزت تحت تأثير (الإشتراكية) تتجه نحو نقد الحاضر. والمقولات الماركسية عن الطبقة، الإستغلال، فائض القيمة، الربح، الإفقار والإنهيار هي لحظات في إطار كلي يتطلب البحث عن معناه ليس في إعادة إنتاج المجتمع الحاضر، بل في تحويله إلى مجتمع سليم" (1972). لذلك فإن النظرية النقدية تجد حافزها في مصلحة التحرر، وهي فلسفة للمارسة الإجتماعية المنخرطة في " النضال من أجل المستقبل". لذلك يجب على "النظرية النقدية" أن تكون مناصرة ل " فكرة مجتمع المستقبل بوصفه تجمعاً لبشر أحرار، مادام هذا المجتمع ممكن التحقيق، مع الأخذ بالإعتبار الوضع الحالي للوسائل التقنية" (1970).
في سلسلة من الدراسات المنجزة في عقد الثلاثينات من القرن الماضي، طوّر معهد البحث الأجتماعي نظريات عن الرأسمالية الإحتكارية، الدولة الصناعية الجديدة، دور التكنولوجيا والشركات العملاقة في إطار الرأسمالية الإحتكارية، الأدوار المهمة للثقافة الجماهيرية والإتصال في إعادة إنتاج المجتمعات المعاصرة، والإنحدار الحاصل في الديمقراطية ومكانة الأفراد. وإستندت النظرية النقدية على ديالكتيك هيغل، النظرية الماركسية، نيتشه، فرويد، ماكس فيبر والإتجاهات الأخرى في الفكر المعاصر. ورسمت ملامح واضحة لنظريات إحتلت موقعها في مركز النظرية الإجتماعية لعدة عقود قادمة. ولم يحصل إلا نادراً أن إجتمعت في وقت واحد نخبة من مفكرين موهوبين كهؤلاء في مجال الدراسات المتعددة الإختصاصات تحت رعاية معهد بحثي واحد. وقد تمكن هذا الفريق من إدامة حضور النظرية الإجتماعية الراديكالية خلال فترة تاريخية صعبة، ووضع ملامح نظرية ماركسية محدثة لواقع إجتماعي متغير ولوضع تاريخي جديد في طور إنتقال من رأسمالية المنافسة إلى الرأسمالية الإحتكارية.
خلال الحرب العالمية الثانية ونتيجة لضغوطها إنقسم المعهد وتفرق أعضاؤه، فأنتقل أدورنو وهوركهيمر إلى كاليفورنيا، في حين عمل لوينثال وماركوزة ووفومان وآخرون في خدمة الحكومة الأمريكية كمساهمين في الصراع ضد الفاشية. في تلك الفترة تعاون أدورنو وهوكهيمر لإنجاز كتابهما المشترك " ديالكتيك التنوير" (1947) الذي إستعرضا فيه رؤية التاريخ منذ اليونانيين القدماء حتى الوقت الراهن، ناقشت(الرؤية) كيف أن العقل والتنوير إنقلبا إلى نقيضهما من حيث الجوهر، ليحولا ما كان يعدّ وسائل للحقيقة والحرية إلى مجرد وسائط للهيمنة. كنتيجة لضغط نظم الهيمنة الإجتماعية، أصبح العقل أداتياً يميل لإختزال الكائنات الإنسانية إلى أشياء ومواضيع، والطبيعة إلى أرقام. ولئن مكّنت أنماط تفكير تجريدي كهذه العلم والتكنولوجيا من التطور المطّرد، فإنها أنتجت فعلياً تشيؤاً إجتماعياً، توجته معسكرات الإعتقال التي نظرت للموت نظرة نفعية (مجردة من أي إعتبار إنساني. المترجم). يُظهِر كتاب " ديالكتيك التنوير" كيف غدا العقل ذو طابع أداتي ( العقل المستخدم كأداة وليس العقل كقيمة بناءة للحياة.المترجم)، وكيف أن العلم والتكنولوجيا أنتجا وسائل مرعبة للتدمير والموت، وكيف جرى تسليع الثقافة بصناعة الإنتاج الواسع للثقافة، وكيف آلت الديمقراطية إلى فاشية حين إختارت الجموع حكاماً مستبدين ومضللين. علاوة على ذلك، أوضح الكتاب كيف أن الأفراد، برؤيتهم المفرطة في تشاؤمها، قد قمعوا حاجاتهم الجسدية وتخلوا عن رغباتهم نتيجة دمجهم وتسليمهم بمعتقدات كبتية، وتركوا إنفسهم يتحولون إلى أدوات للعمل والحرب. طرح هوكهيمر وأدورنو نقداً حاداً للنزعة العلمية العقلانية في فكر التنوير، ولنظم السيطرة الإجتماعية، وسحبا نقدهما ضمناً على الماركسية لأنها هي الأخرى أكدت على أولوية العمل والعقل الأداتي في نزعتها العلمية وأحتفائها ب " الإنتاج الإشتراكي" وإقتسامها " مسلمات" الحداثة الغربية والهيمنة على الطبيعة.
بعد الحرب العالمية الثانية عاد أدورنو وهوركهيمر وبولوك إلى فرانكفورت لإعادة تأسيس المعهد في ألمانيا، في حين بقي لوينثال، ماركوزة وآخرون مقيمين في الولايات المتحدة.
في ألمانيا نشر أدورنو وهوكهيمر ومساعدوهم سلسلة كتب وأصبح المعهد يمثل تياراً فكرياً بارزاً. وأصبح مصطلح "مدرسة فرانكفورت" أنذاك منتشراً كسمة مميزة لطريقتهم في البحث الإجتماعي المتعدد الإختصاصات، وبشكل خاص للنظرية الإجتماعية التي طورها أدورنو، هوركهيمر ومساعدوهما. وقد إنخرط ممثلو هذه المدرسة في نقاشات منهجية وجوهرية مع منظرين إجتماعيين آخرين، وتحديداً في ما عرف ب "الخلاف الوضعي"، حيث إنتقدوا المقاربات التجريبية والكمية في النظريات الإجتماعية، ودافعوا عن نسختهم التأملية والنقدية للنظرية الإجتماعية. وكانت المجموعة التي تحلقت حول أدورنو وهوركهيمر قد عبّرت عن عداء متزايد للماركسية الجامدة، وتبعاً لذلك إنتقدوا بأشكال مختلفة " الماركسية- اللينينة" و"الماركسية العلمية" لتخليهما عن المنظور الثوري العلمي للماركسية.
ولعل أفضل ما عرفت به مدرسة فرانكفورت هو النظريات التي قدمتها عن " المجتمع المدار كلياً" (الخاضع للإدارة الشاملة. المترجم) أو " مجتمع البعد الواحد" والتي حلّلت السلطة المتزايدة للرأسمالية على جميع مناحي الحياة الإجتماعية وتطور أشكال جديدة من السيطرة الإجتماعية. لكن خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي، حصل تباعد بين العمل الذي إضطلع به المعهد في فرانكفورت والنظريات التي طرحها أريك فروم، لوينثال، ماركوزة وآخرون من الذين لم يعودوا إلى ألمانيا، وجاءت متعارضة مع البحوث السابقة والجارية آنذاك لأدورنو وهوركهيمر. لذلك من غير الصحيح النظر إلى عمل المنظرين النقديين المختلفين خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كوحدة متماسكة ومنسجمة مع نفسها. وبينما كان هناك إحساس مشترك بغاية محددة وعمل جماعي في مجال النظرية الإجتماعية المتعددة الإختصاصات منذ عام 1930 وحتى بداية الأربعينات، فقد سار منظرو هذه المدرسة في مسالك متعارضة، وصار مصطلح " مدرسة فرانكفورت" يشير فعلياً خلال الخمسينات والستينات إلى عمل المعهد في ألمانيا فقط.
يورغن هابرماس الذي هو أحد طلاب أدورنو وهوركهيمر أنتج مادة غنية من الأعمال الدائرة حول إشكالية الماركسية الغربية، لتفضي تدريجياً إلى تقديم مساهمة فلسفية خاصة به عن العقل التواصلي والنظرية النقدية الإجتماعية. في عمله المبكر، طرح هابرماس رؤى تاريخية نقدية حول الإنتقال من الثقافة التقليدية والحيز العام الديمقراطي إلى مجتمع الإعلام الجماهيري والإستهلاك. في كتابه الرائد " التحول البنيوي للحيز العام" وضع هابرماس في السياق التاريخي تحليلات أدورنو وهوركهيمر لصناعة الثقافة. من خلال عرض الخلفية التاريخية لإنتصار صناعة الثقافة، ناقش هابرماس كيفية تميز المجتمع البرجوازي في نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر من خلال صعود مكانة الحيز العام الذي يقف بين المجتمع المدني والدولة والذي يلعب دوراً وسيطاً بين المصالح العامة والخاصة. فلأول مرة في التاريخ صار ممكناً للأفراد والجماعات تحديد ملامح الرأي العام وإعطاء تعبير مباشر لحاجاتهم ومصالحهم أثناء تأثيرهم على الفعل السياسي. فالحيز العام البرجوازي جعل من الممكن تشكيل حقل للرأي العام المعارض لسلطة الدولة والمصالح المتنفذة التي صنعت ملامح المجتمع البرجوازي.
لقد حلل هابرماس التحول من الحيز العام الليبرالي الذي نشأ في عصر التنوير ومن الثورتين الأمريكية والفرنسية إلى الحيز العام المسيطر عليه من قبل الإعلام في المرحلة الراهنة التي يدعوها مرحلة "دولة الرفاه الرأسمالية والديمقراطية الجماهيرية."
وهذا التحول التاريخي يجد أساسه في نظرية هوركهيمر وأدورنو عن صناعة الثقافة حيث سيطرت شركات عملاقة على الحيز العام وحولته من حقل للتحاور العقلاني إلى حقل يتحكم فيه الإستهلاك والروح السلبية. في هذا التحول إنتقل " الرأي العام" من الإجماع العقلاني النابع من المجادلة والنقاش والتأمل إلى رأي مصنّع من قبل إستطلاعات الرأي وخبراء الإعلام. وبالنسبة لهابرماس، فإن الترابط الداخلي بين مجال المناظرة العامة والمشاركات الفردية قد انكنسر وتحول إلى مجال التحكم السياسي والإستعراض، حيث يستقبل المواطن- المستهلك ويمتص بصورة سلبية مواد التسلية والمعلومات. لذلك تحوّل المواطنون إلى مشاهدين لبرامج وخطابات وسائل الإعلام التي تتحكم بالنقاش العام وتختزل مشاهديها إلى مواضيع للأخبار والمعلومات والشؤون العامة. ويلخص هابرماس ذلك قائلا: "طالما أن الإعلام الجماهيري اليوم يزيل القشرة الأدبية من التأويل الذاتي البرجوازي ويستخدمها كأشكال قابلة للتسويق للخدمات العامة المقدمة من ثقافة المستهلكين، فإن المعنى الأصلي قد إنقلب رأساً على عقب (1989).
لكن نقاد هابرماس حاججوا مدعين أنه قد أضفى بعداً مثالياً على المجال العام البرجوازي المبكر لأنه قدمه كمنتدى للنقاش العقلاني في حين أنه جرى، في الواقع، إستبعاد بعض الجماعات، وتم تجاهل عدة قوى معارضة كالطبقة العاملة، عامة الناس، والحقل العام للنساء، تلك القوى التي نمت إلى جوار الحقل العام البرجوازي لتمثل أصوات ومصالح بقيت مستبعدة من هذا المنتدى.
رغم ذلك فإن هابرماس محقّ حين إعتبر أنه خلال عهد الثورات الديمقراطية برز مجال عام سمح للمرة الأولى في التاريخ للمواطن العادي بالمشاركة في النقاشات والمناظرات السياسية، والتنظيم والنضال ضد السلطة غير العادلة. إضافة إلى ذلك، أشار هابرماس إلى الدور المهم المتزايد للإعلام في السياسة والحياة اليومية وإلى الوسائل التي إتبعتها الشركات لإحتلال هذا المجال(العام) مستخدمة الإعلام والثقافة للترويج لبرنامجها ومصالحها.
النسخة الخاصة للنظرية النقدية التي صاغها هابرماس وظّفت اللسانيات، والأبعاد التواصلية في الفلسفة والنظرية الإجتماعية التي لم يكترث لها الأعضاء الآخرون لمدرسة فرانكفورت، وضمت إليها طيفاً واسعاً من النظريات القديمة والمعاصرة. في كتاب " النظرية والممارسة" (1973) برز هابرماس كنصير للطابعين القيمي والعملي للنظرية الإجتماعية النازعة إلى التحرر والتحول الإجتماعي التقدمي. أما كتابه " المعرفة والمصالح الإنسانية" (1971) فقد إقتفى الإختلافات بين النظرية الإجتماعية ذات المنهج التحليلي (الوضعي) الهادفة إلى السيطرة والمعرفة الموضوعية، والنظرية التأويلية الهادفة إلى الفهم (كما في نموذج العلوم الإنسانية)، والنظرية الإجتماعية النقدية التي تتخذ من التحرر غاية لها.
لكن القطيعة الأكثر وضوحاً لهابرماس مع النظرية الإجتماعية لمدرسة فرانكفورت ومع الماركسية الغربية تمثلت في كتابه ذي الجزئين " نظرية الفعل التواصلي" (1983). في هذا العمل الكبير أظهر هابرماس بأن كلاً النظرية الكلاسيكية (القديمة) والنقدية قد أخفقتا في تطوير أفكار عن الفعل التواصلي، ولذلك لم تقدما نماذج وافية للتحليل اللغوي والمعياري وكذلك للنظرية الديمقراطية عن الإجماع. عبر حوار مع المنهج التأويلي، نظرية النظم، البراغماتية، فلسفة التحليل اللغوي وبعض الإتجاهات الوضعية في العلوم الإجتماعية حاول هابرماس تطوير أسس معيارية جديدة للنظرية النقدية رابطاً إياها مع مشروع الديمقراطية الجذرية.
وقد واصل هابرماس وآخرون ممن تأثروا بمدرسة فرانكفورت سعيهم لإيجاد نماذج مختلفة للنظرية الإجتماعية النقدية بربطها بالنظرة النسوية (كنانسي فريزر وشليا بن حبيب وآخريات) التعددية الثقافية وموضوعات وحقول كثيرة أخرى.
من استعراض حقل النظرية النقدية، يلاحظ المرء وجود عدم إنسجام في النظريات والمنظرين والمشاريع ذات الصلة الضعيفة بالإلتزام بالبحث المتعدد الإختصاصات في النظرية الإجتماعية، وبالإهتمام بالنقد الإجتماعي والتحول تحت تأثير أعمال منظرين كأدورنو، هوركهيمر، ماركوزة، هابرماس وآخرين. النظريات النقدية تنزع لأن تكون متشككة ومتحفظة إزاء النظرية الإجتماعية التجريبية والكمية، ومتعاطفة مع التركيب النظري، النقد الإجتماعي والتحول الإجتماعي. وقد واصلت دورها كنظرية ذات نزعة فاعلة رغم أنها غالباً ما تكون هامشية حيث نازعتها خلال ستينات القرن الماضي أشكال ماركسية أكثر فاعلية.
الماركسية الغربية منذ الستينات حتى يومنا هذا
لعل الشكل الأكثر ثورية وتحريفية للماركسية الذي سجل حضوراً قوياً في الستينات هو ذلك الذي طوره هربرت ماركوزة. كان ماركوزة عضوا في مدرسة فرانكفورت ونزح مع بقية أعضاء المدرسة إلى المنفى عام 1934، لكنه عمل مع المخابرات الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية ثم في وزارة الخارجية، وبقي بعدها في الولايات المتحدة يعمل في المجال التعليم الجامعي بعد أن غادرها أدورنو وهوركهيمر وبقية أعضاء مدرسة فرانكفورت. خلال الستينات صعد نجم ماركوزة كأب روحي لليسار الجديد. وماركوزة ذلك الفيلسوف المقتدر، وضع ما يمكن أن يعد أفضل كتاب عن هيغل وماركس هو كتاب " العقل والثورة" (1941)، وتوصل إلى تفسير فلسفي لافت للنظر لفرويد في كتاب "الحب والحضارة" (1955). قدم كتاب "العقل والثورة" النظرية الإجتماعية النقدية والطريقة الجدلية لهيغل وماركس إلى قراء اللغة الإنكليزية ليمنح الأجيال اللاحقة من ممثلي النظرية النقدية ومناضلي اليسار الجديد أدوات الفكر الجدلي والنظرية الموجهة بالممارسة( أي مصطلح البراكسيس الذي شاع تداوله في عقد الستينات). أما كتاب "الحب والحضارة" فأقترح مدخلاً باهراً لفكر فرويد ولسبل دمج أفكار التحليل النفسي بالنظرية الإجتماعية النقدية والثقافة والممارسة التحررية. لقد إستشرف هذا النص على نحو بارع، بفضل تأكيده على تعدّد أشكال التحرر الجنسي وعلى اللعب وتطوير النازع الجمالي والرغبة التواقة لعالم ونمط حياة مختلفين، ظهور الثقافة المضادة في الستينات والتي كانت إمتداداً بأشكال متنوعة للأفكار الأساسية لماركوزة.
في عام 1964 نشر ماركوزة في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد" نقداً كاسحاً للرأسمالية المتطورة والمجتمعات الشيوعية. وطرح فيه تصوره النظري عن نضوب المكامن الثورية في المجتمعات الرأسمالية وتبلور أشكال جديدة للضبط الإجتماعي. وقد إدعى ماركوزة أن "المجتمع الصناعي المتطور" يخلق حاجات زائفة تفعل فعلها في دمج الأفراد ضمن نظام الإنتاج والإستهلاك القائم. فالإعلام الجماهيري والثقافة، الإعلان، نظم الإدارة الصناعية، وأنماط الفكر المعاصر تساهم كلها في إعادة إنتاج النظام القائم بهدف محو أوجه السلب والنقد والمعارضة فيه. والحصيلة الناتجة عن ذلك قيام " عالم ذي بعد واحد" من الفكر والسلوك تتلاشى فيه الجدارة والقدرة على التفكير النقدي والسلوك المخالف. فالرأسمالية لم تدمج فقط الطبقة العاملة التي هي مصدر المعارضة الثورية، بل أنها طورت آلية جديدة للإستقرار من خلال سياسات الدولة، وأنواعاً جديدة للضبط الإجتماعي. لذلك فإن ماركوزة وضع موضع التساؤل مسلمتين أساستين من مسلمات الماركسية التقليدية أو المحافظة، وهما: البروليتاريا الثورية وحتمية الأزمة الرأسمالية. فبدلاً من حصر قوى التغيير الثوري في الطبقة العاملة ( كما ترتأي الماركسية التقليدية)، بشّر ماركوزة بالقوى غير القابلة للإندماج للأقليات، للخارجين عن النظام، للأنتليجسيا الراديكالية، وحاول تنمية إتجاه ضدي في الفكر والسلوك بالترويج لفكر نقدي معارض أسماه " الرفض الكبير".
وكان لمفهوم " الإنسان ذو البعد الواحد" تأثير ملهم على الراديكاليين الشباب الذين أسسوا حركة اليسار الجديد. فخلاف اليسار القديم الذي إعتنق الماركسية السوفيتية والإتحاد السوفيتي، إنجذب اليسار الجديد لأشكال من الماركسية النقدية الممزوجة مع الديمقراطية التشاركية (المباشرة) والإنفتاح على طيف واسع من الأفكار والتحالفات السياسية. ومقابل اليسار القديم النازع نحو مسالك عقيدية وتطهيرية، بدا اليسار الجديد تعددياً شاملاً الأشكال الثقافية والحركات الإجتماعية الصاعدة. وفي حين أن اليسار القديم نزع، مع بعض الإستثناءات، نحو فرض إمتثال للعقيدة وعزل نفسه عن الجماعات الليبرالية، فإن اليسار الجديد إجتذب خليطاً واسعاً من الحركات الإجتماعية المتبنية لقضايا مثل التمايز الجنسي، العرق، الحياة الجنسية، البيئة، السلام وقضايا أخرى.
في الفكر والسياسة معاً جسّد ماركوزة الكثير من الدوافع المميزة لليسار الجديد. ولذلك فإن الجيل الجديد من الناشطين يبجّل ذلك اللاجئ الألماني الأبيض الشعر البالغ منتصف الستينات من عمره، ويستمد منه الهداية النظرية والسياسية. بفعل إستياء ذلك الجيل الذي صنع اليسار الجديد من الرفاهية المفرطة للمجتمعات الصناعية المتطورة، والتدخل العنفي للإمبريالية الجديدة ضد البلدان النامية فيما كان يدعى آنذاك ب "العالم الثالث" فإنه عثر على مصادر إلهامه النظري والسياسي في كتابات ماركوزة. وماركوزة، من جانبه، لم يكلّ عن نقد "المجتمعات الصناعية المتطورة"، إمبريالية الولايات المتحدة، العنصرية، التمييز الجنسي، تدمير البيئة وأشكال القمع والهيمنة التي رأى أنها في تنام متزايد في الشدة والمدى. الإستجابة الحماسية للراديكاليين الشباب ولعدد كبير من زملائه الأكاديميين ولرفاقه المهاجرين اليساريين، حفزت ماركوزة ووضعته في مسارات مميزة ليصبح رمزاً رئيسياً للحركة المتصاعدة ضد الحرب، ورائداً للحركة الثقافية المضادة، ومدافعاُ قوياً عن اليسار الجديد. وقد شغل ماركوزة نفسه أيضاً بقضايا النسوية، البيئة، الجنسيين المثليين وحركات المعارضة الإجتماعية الأخرى آنذاك، فيما غدت كتاباته ومحاضراته ومداخلاته السياسية جزءاً من تاريخ تلك الحقبة.
أما في فرنسا الستينات والسبعينات فقد تطورت أشكال من "الوجودية الماركسية" إرتباطاً بإشتغالات جان بول سارتر التي جمعت الفلسفة، السياسة والنظرية الإجتماعية الناقدة للمجتمع الرأسمالي، إلى جانب الدعوة إلى التحرر الفردي والثورة الإجتماعية. ركزت الوجودية الماركسية على معاناة ورغبات الأفراد داعية إلى تحريرهم من جميع أشكال القمع. وإنطلاقاً من مفهوم سارتر عن الحرية، إنتقدت الوجودية الماركسية جميع أشكال القمع السياسي بطريقة ثورية متطرفة وغالباً حسب موضة الناشطين السياسيين.
في الكتاب المهم " نقد العقل الديالتيكي" (1976) جمع سارتر بين مفاهيم الوجودية الفردية والماركسية ليشيّد نهج المعارضة الثورية للرأسمالية والإمبريالية. وكان سارتر محفزاً ومؤيداً لفكرة العنف الثوري التي طرحها فرانز فانون في كتاب " معذبو الأرض"، وهو الموقف الذي أثار موجة جدل كبيرة وكان موضع إنتقاد بعض من زملائه السابقين كريمون آرون وآخرين.
في أيار 1968 سيطر الطلبة الثائرون على الجامعات في فرنسا ورافقوا العمال في إضراب عام هزّ القناعة السائدة في المجتمعات الرأسمالية المتطورة بأنها في منجى من التغيير الثوري والإضطرابات. إن أحداث عام 1968 قد تأثرت أيضاً بالأفكار الماركسية الجديدة لهنري لوفيفر الذي طوّر، مثل آرنست بلوخ، نقد الحياة اليومية، وغي ديبور وجماعة " الموضعيين العالميين" ( Situationist Internationalٍ) الذين إنتقدوا بشدة المجتمع والثقافة الرأسمالية وسعوا في البحث عن بدائل ثورية. عدد كبير من المثقفين الفرنسيين الشباب إنعطفوا نحو الماركسية الجديدة بضمنهم جان بودريار وجان- فرانسوا ليوتار الذي أصبح لاحقاً واحداً من منظري حركة ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة التي سعت إلى تخطي الماركسية. في عمله المبكر طور ليوتارد نقداً ماركسياً جديداً لمجتمع الإستهلاك والإعلام، لكنه خصّ الماركسية بالنقد في كتاب " مرآة الإنتاج" (1973) لأنها برأيه عكست وأظهرت أولوية الإقتصاد كما فعلت الرأسمالية قبلها. وإدعى بأن الماركسية لم تقطع بصورة كافية مع منظورات الرأسمالية والمجتمعات الصناعية لتقدم بديلاً جذرياً أصيلاً. نتيجة تأثر بودريار بجورج باتاي وآخرين من المفكرين المستقلين الذي لم ينضوا تحت إتجاه محدد، فإنه (بودريار) إستكشف عدة بدائل طوباوية وضدية قبل أن يعلن أن بزوغ عصر ما بعد الحداثة يتطلب وجود أشكال مختلفة تماماً من النظرية السياسية والسياسة الراديكالية، وبذلك قطع صلته بالماركسية.
في رد فعل على الوجودية والماركسية الهيغيلية والجماعات اليسارية المتطرفة المتأثرة بها، طوّر لوي ألتوسير وعدد آخر من الماركسيين البنيويين " أنواعاً أكثر علمية" من الماركسية محتفظين في الوقت ذاته بالإلتزام بسياسة التغيير الثوري. ألتوسير الذي كان عضواً في الحزب الشيوعي الفرنسي حاجج في " من أجل ماركس" ( 1970) بأن الماركسية تزودنا بمنظورات علمية لفهم الرأسمالية التي هيأت أسباب الإنتقال الثوري إلى الإشتراكية. أما في كتاب " قراءة رأس المال" فقد أكد ألتوسير بأن ماركس قد طرح نقداً علمياً للإقتصاد السياسي الرأسمالي موفراً الأساس لنظرية عامة للمجتمع. الماركسية البنيوية لألتوسير تولت تحليل العلاقات بين بنى الإقتصاد، الدولة، الأيديولوجيا، والمؤسسات الإجتماعية، والطريقة التي تجد هذه البنى أساسها في علاقات الإنتاج الرأسمالية التي هي " في نهاية المطاف" القوة المحددة لجميع مجالات الحياة الإجتماعية.
على غرار سابقه لوكاش، تصوّر ألتوسير الماركسية كنظرية ل("كلية" وحدة جامعة) تضم المجتمع والتاريخ الرأسمالي، لكنه أصرّ بأن ماركس قد أخذ على عاتقه إحداث " قطيعة معرفية" جذرية مع هيغل، وتولى ألتوسير بنفسه تطهير العناصر الهيغيلية والمثالية التي خالطت الماركسية الغربية داعياً إلى إحداث علم ماركسي. في دعوته " للمارسة النظرية" وقف ألتوسير إلى جانب الإستقلال النسبي للأيديولوجيا والنظرية وحاول تطوير فلسفة ماركسية قادرة لأن تهيئ أدوات التحليل الإجتماعي الصارم والتغيير السياسي.
قوبلت نسخة ألتوسير النظرية العالية التجريد للماركسية بإنتقادات عديدة، وفي المقابل، جرى في العالم الناطق بالإنكليزية تطوير نوع أكاديمي مختلف للماركسية، عرف " بالماركسية التحليلية". على طريقة ألتوسير بلغ هذا النوع درجة عالية من التجريد النظري، وقد تبنى أكثر الماركسيين التحليليين الصرامة منهجية، مدافعين عن العلم والبحث التجريبي ضد الديالكتيك الهيغلي، وحذو حذو ألتوسير لتوضيح مفاهيم ماركس الأساسية ومنهجه. أحد هؤلاء المنظرين هو جي. أي. كوهين الذي تبنى في كتابه المهم " نظرية كارل ماركس في التاريخ" ( 2000/الطبعة الثانية) قراءة وظيفية خالصة للمادية التاريخية. بينما طرح زميله جون أليستر في " فهم ماركس" (1985) ما مفاده أن منهجية ماركس قابلة للفهم فقط إذا ما نظرنا إليها من زاوية النزعة الفردية ونظرية الإختيار العقلاني. وعلى النهج ذاته للماركسية التحليلية قام أريك أولين رايت ( 1988) بتفسير المفاهيم الماركسية عن الطبقة ورأس المال، وكذلك تناول جون رومر الأسس التحليلية للإقتصاد السياسي الماركسي ( 1989).
أما في إيطاليا عقد السبعينات، فقد نشأ نوع من الماركسية الثورية المتطرفة على يد جماعة عرفت بالماركسية المستقلة ( أنظر كليفر 1977، نيغري 1989 وهارت ونيغري 2000). في قراءته لرأس المال قراءة سياسية، إنتقد هاري كليفر (1977) مدرسة فرانكفورت والأشكال الأخرى للماركسية الغربية لأنها بالغت بقوة الهيمنة الرأسمالية وقلّلت من قوة نضالات الطبقة العاملة. أما "الماركسية المستقلة" فقد سعت إلى تطوير نظرية وسياسة ثورية من خارج الأحزاب الرسمية الماركسية التي عدّتها إصلاحية وميالة للتسويات أكثر مما ينبغي. وقد واصلت هذه النزعة تأثيرها في كتاب هارت ونيغري المعنون "الإمبراطورية"(2000) الذي عرض تناقضات العولمة بصيغة منطق إمبريالي للإمبراطورية، وكإطار لنضالات متنوعة تصدر من عامة الناس أو الجمع تؤدي إلى نشوء وضعية تناقضية مشحونة بالتوتر. من خلال سحب خطابات " الما بعد" إلى حقول جديدة " للنظرية والسياسة، صوّر هارت ونيغري ظهور الإمبراطورية مترافقاً مع ظهور أشكال جديدة من السيادة، الإقتصاد، الثقافة، النضال السياسي من شأنها أن تفتح بداية الألفية الثالثة على تيار غير قابل للتنبؤ والتوقع من المستجدات والمفاجآت والإضطرابات.
أشكال أخرى من الماركسية الغربية ذات منحى ثقافي حملت أيضاً تأثيراً كبيراً في أنحاء أوربا والعالم الغربي خلال عقدي الستينات والسبعينات حين كان الفكر الماركسي في أعلى مراحل الهيبة والغزارة. فمنظرون مثل رولان بارت وجماعة " تيل كيل" في فرنسا، وكالفانو ديللا فولبه ولوتشيانو كوليتي وآخرين في إيطاليا، وعدد كبير من المنظرين في بلدان العالم الأخرى إستخدموا الماركسية الثقافية لتطوير دراسات إستهدفت تحليل الإنتاج، التأويل وإستقبال المنتجات الثقافية ضمن شروط إجتماعية – تاريخية ملموسة، دراسات نازعت التأثيرات والإستخدامات السياسية والأيديولوجية المباشرة (أنظر أندرسون 1976). أحد أشكال الدراسات الثقافية الأكثر شهرة ونفوذاً، الذي عكس تأثيرات الماركسية الغربية، برز من مركز الدراسات الثقافية المعاصرة في برمنغهام بإنكلترا.
الدراسات الثقافية البريطانية
بينما كشفت مدرسة فرانكفورت تمفصل الشروط الثقافية في طور رأسمالية الدولة الإحتكارية أو الفوردية التي ولّدت نظام الإنتاج والإستهلاك الواسع، فإن الدراسات الثقافية البريطانية التي ظهرت في ستينات القرن الماضي، في سياق مقاومة عالمية واسعة لمجتمع الإستهلاك وإنبثاق الحركات الثورية ومن ثم ظهور طور جديد لرأس المال، قد إستخدمت مصطلح "ما بعد الفوردية" أو ما بعد الحداثة أو سواهما لوصف تشكيلة إجتماعية وثقافية أكثر تنوعاً وإثارة للجدل. بالإضافة إلى هذا، فإن أشكال المجتمع والثقافة الموصوفة في الطور الأول من الدراسات الثقافية البريطانية في الخمسينات وبداية ستينات القرن الماضي قد واجهت شروط مرحلة كانت ما تزال تشهد توتراً مهماً، في بريطانيا وكثير من بلدان أوربا، بين الثقافة الأقدم المستندة على الطبقة العاملة والثقافة الجماهيرية المنتجة حديثاً والتي صدرت نماذجها عن الصناعة الثقافية الأمريكية. المشروع الأولي للدراسات الثقافية الذي طوّره ريتشارد هوغارت، ريمون ويليامز، أي، بي تومسون إستهدف الحفاظ على ثقافة الطبقة العاملة إزاء إنقضاض الثقافة الجماهيرية للصناعات الثقافية. وقد إستقصى تومسون في "تاريخ الطبقة العاملة الإنكليزية" مؤسسات ونضالات هذه الطبقة، وكان دفاعه ودفاع هوغارت عن ثقافة الطبقة العاملة وهجومهم على الثقافة الجماهيرية وتصديهم لها جزءاً من مشروع يعنى بإشتراكية الطبقة العاملة. إفترض هذا المشروع أن الطبقة العاملة الصناعية هي قوة للتغيير الإجتماعي التقدمي وأنه يمكن تعبئتها وتنظيمها للنضال ضد أشكال عدم المساواة في المجتمعات الرأسمالية القائمة ومن أجل مجتمع إشتراكي أكثر مساواة.
وقد إنخرط ويليامز وهوغارت بعمق في مشاريع تعليم الطبقة العاملة وتوجيهها نحو سياسة إشتراكية خاصة بها معتبرين الدراسات الثقافية أداة للتغيير الإجتماعي التقدمي.
ويمكن ملاحظة نوع من التوازي بين النقد المبكر للموجة الأولى من الدراسات الثقافية البريطانية للأمركة والثقافة الجماهيرية عند هوغارت ويليامز وآخرين خلال سنوات نهاية الخمسينات وبداية الستينات، وبين النقد المبكر لمدرسة فرانكفورت. رغم ذلك، فإن مدرسة فرانكفورت إنطلقت من رؤية الطبقة العاملة في ألمانيا والجزء الأكبر من أوربا كطبقة مهزومة خلال الحقبة الفاشية، ولم تجد فيها مصدراً قوياً للتغيير الإجتماعي التحرري. أما إشتغالات مدرسة برمنغهام في الستينات فكانت إستمراراً للنزعة الراديكالية للموجة الأولى من الدراسات الثقافية البريطانية عند هوغارت، تومبسون وويليامز وإتجاه مجلة "الثقافة والمجتمع"، وكذلك تواصلاً، إلى حد كبير، مع مدرسة فرانكفورت. رغم ذلك، فإن مشروع برمنغهام قد فتح الطريق تدريجياً لإنعطافة ما بعد حداثية شعبية في الدراسات الثقافية.
خلال تلك الفترة (الستينات) طور المركز نظرات ثقافية متباينة لتحليل وتفسير ونقد المنتجات الثقافية. وعبر سلسلة من المناظرات الداخلية، والإستجابة للنضالات والحركات الإجتماعية في الستينات والسبعينات توصلت جماعة برمنغهام إلى التركيز على التفاعل بين التمثيلات والأيديولوجيات في النصوص الثقافية، بضمنها ثقافة الإعلام، حول الطبقة الإجتماعية والتمايز الجنسي، العرق، الأثنية (أو الهوية العرقية)، والقومية. وكان أساتذة برمنغهام من بين أوائل دارسي تأثيرات الصحف، الراديو، التلفزيزن، والسينما والأشكال الأخرى للثقافة الشعبية على الجمهور المتلقي. وقد ركزوا إهتمامهم أيضاً على كيفية تفسير وإستخدام مجموعات مختلفة من المتلقين لثقافة الإعلام التي تتجلى بأشكال متنوعة في سياقات متباينة، محللين أيضاً العوامل التي تجعل الجمهور المتلقي يستجيب بطرق متعارضة لنصوص الإعلام.
على غرار مدرسة فرانكفورت، لاحظت الدراسات الثقافية البريطانية إندماج الطبقة العاملة ضمن النظام الرأسمالي القائم وإنحدار مستوى الوعي الثوري، ودرست شروط التبعة الكارثية لهذا على مشروع الثورة الماركسي. وتوصلت الدراسات الثقافية البريطانية إلى إستنتاج مماثل لما توصلت إليه مدرسة فرانكفورت بأن الثقافة الجماهيرية تلعب دوراً مهماً في دمج الطبقة العاملة في المجتمعات الرأسمالية القائمة، وبأن الثقافة الجديدة للإستهلاك والإعلام تجسد نمطاً جديداً للهيمنة الرأسمالية. وكلا المدرستين ينظران إلى الثقافة كنوع من المقاومة للمجتمع الرأسمالي، وكلا المؤسسين الأوائل للمدرستين، وبشكل خاص رايموند ويليامز، ومنظرو مدرسة فرانكفورت يعتبران الثقافة الراقية قوة مقاومة للحداثة الرأسمالية. وقامت الدراسات الثقافية البريطانية لاحقاً بإضفاء قيمة خاصة على تجليات المقاومة في ثقافة الإعلام وتفسيرات الجمهور المتلقي وإستخدامه للمنتجات الإعلامية. مقابل ذلك، نزعت مدرسة فرانكفورت، مع بعض الإستثناءات، إلى رؤية الثقافة كشكل متجانس وقوي للهيمنة الأيديولوجية- وهذا إختلاف يفرّق بشكل جدي بين تقليدي المدرستين.
بإستخدام نموذج غرامشي للهيمنة ولمقاومة الهيمنة، حاولت الدراسات الثقافية البريطانية تحليل " هيمنة" أو حكم القوى الإجتماعية والثقافية السائدة والبحث عن قوى مقاومة ونضال " مضادة للهيمنة". واستهدف مشروعها إحداث تحول إجتماعي وتشخيص قوى الهيمنة والمقاومة من أجل إسناد عملية النضال السياسي والتحرر من الإضطهاد والهيمنة.
بخلاف المراحل السابقة، فإن الدراسات الثقافية التي طورت منذ نهاية سبعينات القرن الماضي حتى يومنا هذا، قدمت تصوراً نظرياً للتحوّل من رأسمالية الدولة الإحتكارية التي توصف أيضاً ب " الفوردية" المتجذرة في الإنتاج والإستهلاك الواسعين إلى نظام جديد لرأس المال والضبط الإجتماعي يوصف أحياناً ب " مابعد الفوردية" (هارفي 1989)، أو (شرط مابعد الحداثة جيمسون 1991). هذا الطور الأخير يتميز برأس المال فوق الوطني أو المعولم يحتفي بالإختلاف والتعددية والإنتقائية والشعبوبة والنزعة الإستهلاكية المفرطة في مجتمع المعلومات والتسلية. من هذا المنظور، فإن إنتشار ثقافة الإعلام، العمارة ما بعد الحداثية، مراكز التسوق الكبيرة، وثقافة الإستعراض ما بعد الحداثي أصبحت القوة المروّجة والمجال المكشوف لمرحلة جديدة من الرأسمالية المندمجة بالتكنولوجيا، وهي آخر ما بلغه رأس المال، مرحلة تجتمع فيها صورة وثقافة إستهلاك ما بعد حداثية.
منذ بداياتها كانت للدراسات الثقافية البريطانية علاقة معقدة مع الماركسية. ورغم أن ستيوارت هول وريتشارد جونسون ( 1986 و 1987) قد أرسوا الدراسات الثقافية ضمن النموذج الماركسي لحلقات رأس المال (الإنتاج- التوزيع- التبادل- الإستهلاك)، فإن هول وممثلين رئيسيين آخرين للدراسات الثقافية البريطانية لم يتبعوا على نحو متماسك التحليل الإقتصادي، وأنسحب أغلب الممارسين للدراسات الثقافية من البريطانيين والأمريكيين الشماليين في عقد الثمانينات عن الركون إلى الإقتصاد السياسي تماماً. ورغم أن هول إدعى بأنه يسير، على خطى غرامشي، لكنه لم ينكر " الجوهر الحاسم للنشاط الإقتصادي" (1988)، بيد أنه من غير الواضح أن هول قد ضمّ بشكل مناسب التحليل الإقتصادي في عمله المخصّص للدراسات الثقافية والنقد السياسي. فعلى سبيل المثال، توحي كتابات هول في " ما بعد الحداثة المعولمة" بالحاجة إلى تصورات أكثر نقدية للرأسمالية المعولمة المعاصرة، وإلى فهم نظري للعلاقات بين العاملين الإقتصادي والثقافي من النوع المرتبط بجهود مدرسة فرانكفورات. بالنسبة لهول، تتضمن ما بعد الحداثة المعولمة تعددية الثقافة، إنفتاح تجاه الهوامش والإختلاف والأصوات المستثناة من مرويات الثقافة الغربية. بخلاف هذا التفسير، بوسع المرء أن يحاجج بروح مدرسة فرانكفورت بأن ما بعد الحداثة المعولمة تمثل أيضاً إنتشار الرأسمال المعولم على أرضية الإعلام والتكنولوجيا الجديدين، وبأن ذلك الإنفجار في المعلومات والتسلية في ثقافة الإعلام يمثل مصادر قوية لتحقق رأس المال والضبط الإجتماعي. من المؤكد، إن نظام العالمي الجديد للتكنولوجيا والثقافة والسياسة في الرأسمالية المعولمة المعاصرة يمتاز بالكثرة والتعددية والإنفتاح على الإختلاف وعلى الأصوات الصادرة من الهوامش. لكن ذلك النظام محكوم ومقيّد بالشركات فوق القومية التي أصبحت قوى سياسية وثقافية مؤثرة تهدد بتحجيم مدى التعبير الثقافي بدلاً من توسيعه.
الخاتمة: إنهيار الشيوعية، العولمة والماركسية الغربية
لئن كان عمل ماركس وأنجلز قد إستلهم وشكّل ملامح الحركات العمالية في عام 1848 ( عام كتابة البيان الشيوعي. المترجم)، فإن تشكل وإنتشار تقاليد الماركسية الغربية قد حفزه أولا نجاح الثورة البلشفية لعام 1917 التي ساعدت على خلق تقاليد الماركسية الأوربية، ومن ثم الحركات الثورية العالمية في الستينات. لقد سعى الطلاب والمناضلون الشباب نحو ماركسية نقدية وثورية مستقلة عن النسخ المحافظة والتسويات الوسطية للأحزاب السياسية ونظم الحكم كما في الإتحاد السوفيتي؛ كما أنهم رفضوا أيضاً الماركسية العلمية التي تم الترويج لها من قبل النزعات السائدة في الأمميتين الثانية والثالثة، ومن قبل كثير من الأكاديميين الماركسيين، مفضلين نسخة أكثر نقدية للماركسية، مفتوحة النهاية وبأقل قدر من الجمود العقائدي. نتيجة لذلك، حصلت في السبعينات تراجم، ونقاشات والكثير من المناظرات، وتطورات في الاتجاهات الرئيسية للماركسية الغربية التي ناقشتها في هذا المقال، وكذلك أشكال متعددة لنقد التقاليد السائدة.
في عقد الثمانينات من القرن الماضي، هدأ الحماس السياسي لجيل الستينات وجرى تدشين حقبة محافظة مثلها نظامي تاتشر وريغان. في هذا السياق، إنحصرت الماركسية الغربية إلى حد كبير في مجال الجامعات حيث وجد عدد كبير من الناشطين السياسيين السابقين والمتأثرين بالحماسة الثورية لعقد الستينات فرص عمل فيها. أفراد من جميع حقول المعرفة الممتدة من الفلسفة والنظرية الإجتماعية والإقتصاد وحتى الدراسات الثقافية وجدوا النسخ النقدية والمفتوحة للماركسية مفيدة لنقد المجتمع المعاصر، ولثقافته وإقتصاده وسياسته.
مع إنهيار (النظم) الشيوعية في شرق أوربا ثم في الإتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، حصل إنعطاف ضد الكثير من نسخ الماركسية، وميل نحو أشكال أكثر جدة لنظرية ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية ونظرات التعددية الثقافية بمختلف أشكالها المستندة غالباً على سياسة الهوية، وكذلك تحول عدد كبير من اليساريين السابقين إلى النظرية والسياسة الليبرالية. وقد ساعد كتاب أرنست لاكلو وشانتال موف المعنون " الهيمنة والإستراتيجية الإشتراكية" (2001) على رسم ملامح نسخة واسعة التأثير لما بعد الماركسية وجهت سهام نقدها للنموذج اليساري المحافظ وطورت نموذجا ل "الديمقراطية الجذرية" المرتكز على الحركات الإجتماعية الجديدة. الحوارات اللاحقة بين لاكلو، جوديث بتلر، وسلافوي زيزيك واصلت إعادة تشكيل مشروع الماركسية الغربية بالإستناد إلى مقدمات ما بعد البنيوية والتعددية االثقافية ( 2000). وهناك العديد من الكتب التي حاولت تفسير إنهيار الشيوعية ولتقييم مستقبل الماركسية بعد زوال الإتحاد السوفيتي، مستخدمة الماركسية لتوضيح عيوب الماركسية التقليدية والإتحاد السوفيتي وأسباب إنهيارهما. فمثلاً، حاجج كاغارليتسكي (1990) بأن الشيوعية الروسية ليس شيوعية بما فيه الكفاية، وبأنها قمعت وغرّبت الطبقة العاملة، لتنتج بذلك نقيضها. وكذلك فعل كالينيكوس (1991) الذي أراد أن يبرهن على أن الإتحاد السوفيتي كان لينينياً وستالينياً منذ البداية وأنه كان من المحتم العودة إلى نماذج أكثر أصالة للماركسية الثورية ممثلة بتروتسكي. وإدعى آخرون بأن الإتحاد السوفيتي لم يرتقِ كما ينبغي للتطور التكنولوجي وبقي متخلفاً عن الرأسمالية، إضافة إلى أن صور حياة الرخاء في البلدان الرأسمالية المجاورة خلقت خيبة أمل ومعارضة وإضطراب في النهاية. وقد جادل آرنسن ( 1995) بأن الماركسية نظرية تعود إلى القرن التاسع عشر وماعادت وثيقة الصلة تماماً بالزمن المعاصر، وبأن الماركسية الغربية لم تعالج هي الأخرى بطريقة مناسبة قضايا مثل التمايز الجنسي، العرق، الجنسية، وعدد لا يحصى من أشكال القمع، مركزة بدلاً من ذلك وبصورة ضيقة على الطبقة والبعد الإقتصادي. بالنسبة لآرنسن مثلت الماركسية النقدية وحدة النظرية والممارسة، وإن أرضية طموحاتها للثورة وقيام مجتمع بديل كانت موجودة في القوى التاريخية الفعلية. وعندما هزمت الأحزاب والطبقة التي كانت أساس آمال الماركسية الكلاسيكية، وكفت النظرية الأصلية عن أن تكون قادرة على فهم تعقيدات الواقع المعاصر، غدا من المناسب، كما يدعي آرنسن، المضي إلى ما بعد الماركسية نحو نظريات وسياسات جديدة.
رغم ذلك وخلال الفترة ذاتها، حصل إنفجار في الكتب، المتأثرة غالباً بالمواقف الماركسية، تناولت الحداثة والعولمة. في هذه الفترة برز تأثير فكر ماركس في أغلب نسخ النظريات الإجتماعية الكلاسيكية كأحد مؤسسي هذه النظريات إلى جانب دوركهايم وماكس فيبر وآخرين. ورغم هبوط تأثير الكثير من المفكرين الماركسيين الغربيين بشكل عام، إلا أن النسخة النظرية النقدية والجدلية وغير الجامدة والمفتوحة للماركسية الغربية عن المجتمع الحاضر قد إمتدت بأشكال متغيرة إلى الكثير من نسخ النظرية المعاصرة وحددت بعمق ملامج الدراسات الثقافية.
بمعنى ما، فإن الماركسية الغربية قد تم تجاوزها بأشكال نظرية أكثر عالمية، لكنها إستمرت كتيار أساسي في النظرية المعاصرة. في صيغتها الأولى، ظهرت الماركسية الغربية في القارة الأوربية كإستجابة للثورة الروسية وأنتشرت عالمياً بعد ذلك كأثر لاحق للحركة الثورية الواسعة في الستينات والسبعينات. وبقي مفكروها إلى اليوم مثيرين للإنتباه جداً، لكن الكثير مما يصار يعتبر نسخاً كلاسيكية لها مرتبط بالأصول التي نشأت منها. إن منظرين من أمثال لوكاش وغرامشي وبلوخ وبنجامين وأورنو وماركوزة وآخرين الذين إرتبطت أسماؤهم بالماركسية الغربية ما زالت لهم فائدة وصلة بالنظرية الإجتماعية بفضل ما تبنوه من منظورات نقدية لجميع أشكال الحياة الإجتماعية، التحليل النظري لزمننا المعاصر وتنظير هادف عملياً نحو التغيير. وبينما فقدت النظرية النقدية الهيمنة التي كانت تمتلكها يوماً في بعض حلقات اليسار، فإنها بقيت جزءاً مهماً من أجهزة وأدوات النظرية الإجتماعية المعاصرة. وما زال المنظرون يستعينون بالماركسية الغربية في حقول كثيرة، بضمنها النظرية الإجتماعية النقدية. هذه الأشكال من الماركسية الغربية التي تقوم على إختصاصات متعددة إلى حد كبير، وتشمل طيفاً واسعاً من الحقول والموضوعات، هي غالباً ذات طبيعة عالمية وتزود منظورات نقدية متعددة للحقول المعرفية الأكاديمية السائدة وللمجتمعات المعاصرة. لذلك فإن الماركسية الغربية لم تتوقف عن أن تكون خصبة نظرياً، مانحة نظرات نقدية عميقة لمشاكل وأزمات عديدة للرأسمالية والعولمة، وكذلك أجوبة لقضايا مثل البيئة، الإرهاب، وإنتشار أشكال جديدة من التكنولوجيا.
**************
مسرد المصطلحات
المجتمع المدني: مصطلح إستخدم من قبل كارل ماركس وغدا واسع التداول بفضل انتونيو غرامشي ويصف مجال الحياة المحمي من قبل الكنيسة ونظام التعليم والإعلام والثقافة الشعبية والمؤسسات الإجتماعية الأخرى. والمجتمع المدني يتولى دور الوساطة بين المجال الخاص للمصالح الإقتصادية الشخصية والعائلة والسلطة العامة للدولة، ويكون موقعاً لما أسماه هابرماس ب "الحقل العام."
صناعة الثقافة: تمت صياغة هذا المصطلح من قبل مدرسة فرانكفورت للإشارة إلى عملية تصنيع ثقافة الإنتاج الواسع والقواعد التجارية التي تحرك النظام. وللصناعات الثقافية مهمة محددة هي منح الشرعية الأيديولوجية للمجتمعات الرأسمالية القائمة، ودمج الأفراد في طريقة حياتها. وتشمل الصناعات الثقافية الإذاعة وعالم الأزياء والإعلان والسينما والأشكال الأخرى لثقافة الإعلام.
الهيمنة: وتعني بمفهوم الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي العملية التي تتمكن من خلالها المجتمعات المختلفة من ضمان إستقرارها بفضل الجمع بين السيطرة، أو القوة، والهيمنة من حيث هي قبول ب " زعامة فكرية وأخلاقية". لذلك، تتأسس النظم الإجتماعية ويعاد إنتاجها بوجود مؤسسات وجماعات (كالشرطة والجيش ولجان الأمن الأهلية..ألخ) تمارس بعنف منطق القوة والسيطرة للحفاظ على الحدود والقواعد الإجتماعية، وكذلك بوجود مؤسسات أخرى ( مثل الدين والنظام التعليمي والإعلام) تقوم بإستمالة الناس للقبول بالنظام القائم نتيجة الهيمنة أو السيطرة الأيديولوجية لصورة نظام إجتماعي محدد ( رأسمالية السوق، الفاشية، الشيوعية وهلم جرا). بالإضافة إلى ذلك، تؤسس المجتمعات هيمنة جنس الرجال أو بعض الأعراق من خلال مأسسة تفوّق الرجل أو سيطرة عرق حاكم أو أثنية معينة على جماعات تابعة.
الحيز العام: عرّفه يورغن هابرماس منظّر مدرسة فرانكفورت بأنه مجموعة مؤسسات وأماكن عمومية تقف بين المجتمع المدني والدولة، وتمارس الوساطة بين المصالح العامة والخاصة. والحيز الذي دعاه هابرماس ب " الحيز البرجوازي العمومي" يتكون من صالونات أدبية ومنابر النشر، المشارب والمقاهي، والأماكن الأخرى التي تجعل من الممكن قيام مجال للرأي العام يعارض سلطة الدولة والمصالح المؤثرة التي كانت في طور صياغة ملامح المجتمع البرجوازي. ولذلك فإن وجود حيز عمومي حيوي مكون أساسي للديمقراطية بالنسبة لهابرماس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.