والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صفا – إنتباه
نشر في حريات يوم 11 - 04 - 2014


يحيي فضل الله
دخل حامد مكتب الناظر ، ناظر المدرسة الثانوية العامة- ج – ، دخل بعد ان طرق الباب عدة مرات و حين قرر ان يرجع سمع صوت الناظر يقول :- اتفضل
دخل حامد و الحيرة تحتل خطواته ، وجلا ، خائفا ، وقف امام الناظر الذي كان مستغرقا في تصحيح الكراسات التي امامه مما جعل حامد يخمن ماهو موضوع الناظر ، من تحت نظارته السميكة شمل الناظر حامد بنظرة سريعة
:- ايوه ، في شنو ؟
:- انا حامد ، حامد محمود
:- ايوه يا حامد ، في شنو ؟
:- ما انت رسلت لي
:- آآ ، انت حامد
:- ايوه يا استاذ
:- حامد انت بتسف تمباك ؟
:- انا ؟ ، يا استاذ ، ابدا ، ما بسف
وقف الناظر كالملدوغ ، بعثر الكراسات التي امامه بينما كان حامد يرتجف من الخوف ، اخذ الناظر احد الكراسات ، لوح به امام حامد قائلا :- ده كراسك و لا لا ؟
نظر حامد الي الكراس و اجاب بصوت بعيد :- نعم يا استاذ
:- طيب ، تعال ، قرب هنا ، شوف ده شنو ، البقعة دي شنو ؟ ، كاستر يعني ؟ ، دي مش بقعة تمباك ؟ ، كمان ما خايف ، تمسح السفه في كراس الحساب ؟ ، يعني داير تثبت إنك صعلوك ولا شنو ؟
امام هذا الاثبات الدامغ لم يحاول حامد ان يستنكر هذه التهمة لذلك حين وضع الناظر نظارته علي المكتب بانتصار واضح و اخرج عينيه بطريقة بوليسية امام وجه حامد وصرخ فيه :- انت بتسف تمباك ؟
لم يملك حامد الا ان يجيب و باستسلام شديد :- اي يا استاذ ، بسف تمباك
:- ايوه ، احسن تعترف
بانفعال واضح فتح الناظر الدولاب ، اخرج سوط العنج المشهور و اتجه نحو حامد الذي ايقن تماما انه في مصيدة ولا فكاك لذلك إنحني ممسكا اقرب كرسي و اغمض عينيه استعدادا لتحمل لسعات السوط ، رفع الناظر السوط الي اعلي و حين هم بانزال اول ضربة علي جسد حامد ، برقت منه العيون و توقف عن ذلك ، نظر الي حامد المنحني علي الكرسي ، رجع الي المكتب ، ازداد بريق العيون ، نظر الي حامد الذي تشجنت اعصابه اكثر بسبب إنتظاره الذي طال لاول ضربة من ذلك السوط الشهير
:- تعال هنا
صرخ الناظر ، إزداد خوف حامد اكثر لجهله بخطوة الناظر القادمة ، إقترب من المكتب ، نظر اليه الناظر بذلك البريق
:- حامد
:- ايوه يا استاذ
:- طبعا ، بتعرف كل الطلبة البسفو تمباك
:- والله يا استاذ …
:- ما عايز كلام كتير ، بتعرفهم و لا ما بتعرفهم ؟
:- بعرفهم يا استاذ
:- بس خلاص ، بكره في الطابور تطلعهم لي كلهم ، مفهوم ؟
:- مفهوم يا استاذ
:-عشان كده انا بطلت اجلدك
:- …………
صمت حامد و هو يحس بصعوبة المهمة
:- بكره في الطابور ، كلهم ، اوعك تنسي زول ، مفهوم ؟
:- مفهوم يا استاذ
:- خلاص امشي
خرج حامد بينما إبتسم الناظر بخبث شديد قبل ان يستغرق في عملية التصحيح ، رجع حامد ليقول :- يا استاذ ، بس بكره الجمعه
:- خلاص يوم السبت يا غبي ، تعال هنا ، الموضوع ده سري جدا ، اوعك تقول لي زول ، مفهوم ؟
خرج حامد من المكتب و خطواته تنوء بعبء تلك المهمة السرية الخطيرة .
عباس التوم ، ناظر المدرسة الثاتوية العامة – ج – مثار إهتمام الطلاب بسبب تصرفاته الغريبة ، متقلب المزاج ، يظهر ذلك في لبسه قبل تصرفاته ، صاحب صوت جهور و له همس مميز حين يرغب في ذلك ، مهاب جدا و لكن لا تمنع تلك الهيبة من ان يكون موضوع نكات الطلاب ، حين يضحك يضحك بعمق و حين يغضب يرتجف من الغضب ، لكن ، يجهل الجميع ما يضحكه و ما يغضبه ، كتلة من النشاط و الحيوية ، يفعل كل ذلك بإستغراق كلي يجعله ينسي كل التفاصيل ، يدرس مادتي الانجليزي و الرياضيات بمتعة يحسها الطلاب و يفرحون يها ، حدث مرة انه كان يدرس الرياضيات للصف الثاني و حيث انه كان مستغرقا في عملية التدريس ، كان يكتب المسائل الحسابية و يحلها علي السبورة بمتعة متناهية و حين إمتلأت السبورة تماما لم يفكر مطلقا في مسحها بل إستمر بكل ذلك الإستغراق يكتب بالطباشير علي الحائط القريب من السبورة و استمر يكتب علي الحائط وسط همهمات الطلاب الضاحكة ، عادة ما يخلع الاستاذ عباس التوم حذاءه حين يبدأ الحصة و عادة ما يخرج من الفصل حافيا ، حينها يتخاطف الطلبة الحذاء كي يحمل اليه في مكتبه تعبيرا عن الحميمية تجاهه ، حدث ان حمل احد الطلبة الفردة اليمين من الحذاء و هرول بها الي مكتبه بينما حمل طالب اخري الفردة اليسار و هرول بها نحو المكتب ايضا و حين وصل الحذاء الي مكتب الناظر عباس التوم بتلك الطريقة ، إستنكر الامر تماما و اخرج سوط العنج من الدولاب و جلد الطالبين بعد ان اوضح سبب العقوبة قائلا :- ما في جزمة بشيلوها نفرين ، ده خطأ في التصرف ، ما في علاقة بين الجهد و الفعل
يقال إن السبب في تصرفات وشطحات الاستاذ عباس التوم التي تقترب من الجنون هو انه نجا من الموت باعجوبة لا تعزي الا الي الاقدار ، كان ذلك إبان التمرد في الجنوب في الستينات حيث تم حرق ميز المدرسين في – اكوبو – و مات كل المدرسين ماعدا الاستاذ عباس التوم المستغرق الان حتي الجنون في كل ما بفعله .
تسلل حميدان و مجدي من حصة المذاكرة في ذلك المساء عن طريق فتحة في سور السلك الشائك البعيد عن الفصول ، كانت تلك التسللات ذات تراكم في النجاح و لكن لسوء حظ حميدان و مجدي إكتشف الناظر عباس التوم تلك الفتحة مصادفة حين كان يركض مستغرقا وراء عدد من الاغنام التي دخلت حوش المدرسة عن طريق تلك الفتحة ، لذلك وضع عباس التوم تلك الفتحة تحت المراقبة و هكذا ، تسلل مجدي و حميدان في ذلك المساء و عيون الناظر قد احتلها ذلك البريق و تحرك من مكانه لمتابعتهما و بكل ذلك الإستغراق تسلل مثلهما عبر نفس الفتحة ، حرص علي متابعتهما من بعيد ، كان حميدان و مجدي يتحهان نحو السينما التي تعرض فيلم – جانوار – مرا بالسوق و الناظر عباس التوم يتبعهما من بعيد ، تجاوزا – حي السوق – و الناظر مستمر في المتابعة ، – زريبة العيش – متابعة الناظر مستمرة ، – سوق الرواكيب – يحافظ الناظر علي المسافة المعقولة ، تجاوزا الفسحة بين موقف البصات و اللواري والسينما ، وقفا في صف التذاكر ، وقف الناظر في الصف خلفهما حريصا كل الحرص علي عدم إكتشافه ، دخل مجدي و حميدان السينما ، دخل بعدهما الناظر عباس التوم ،كانت المناظر قبل الفيلم قد بدأت ، وسط تلك العتمة كان الناظر يبحث بين المقاعد عن حميدان و مجدي مثيرا الكثير من المشاكل مع رواد درجة – الشعب – ، اخيرا وجد الناظر عباس التوم حميدان ومجدي و اقتلعهما من تلك المتعة التي هربا من اجلها و خرج بهما خارج السينما ، يقودهما امامه صامتين بينما إستغرق الناظر يحكي عن اعظم فيلم شاهده و هو – سقوط الامبراطورية الرومانية – و حين وصل الناظر و معه الرهينتان الي المدرسة كانت حصة المذاكرة قد إنتهت و اطفئت انوار المدرسة حينها نظر الناظر عباس التوم الي حميدان و مجدي قائلا :- معليش يا شباب يوم الجمعه انا عازمكم سينما
في احدي الصباحات خرجت المدرسة الثانوية العامة- ج – مشاركة في مظاهرات الطلاب بمختلف المراحل الدراسية ، في ذلك الصباح دخل الاستاذ عباس التوم الفصل الاول ليدرس حصة الانجليزي حسب الجدول الموضوع ، وجد الفصل خاليا الا من ثلاثة طلاب ، كان الناظر عباس التوم يعلم بامر المظاهرات ، نظر الي الثلاثة طلاب المتخاذلين عن بقية زملائهم و شعر بالإشمئزاز و صرخ فيهم :- وانتو مالكم ؟ ، مكسرين . ، مالكم ما طلعتو مع زملاكم . ، خايفين ؟
رد احد المتخاذلين و بصوت متمكن من منطقه
:- يا استاذ نحن دايرين نقرأ بس ، مالنا و مال المظاهرات
عندها إرتجف عباس التوم من الغضب و نادي الخفير الذي اسرع و احضر سوط العنج و بإنفعال واضح اغلق الناظر كل الشبابيك و باب الفصل بإحكام و صرخ في اولئك المتخاذلين :- الليله انا حاوريكم القرايه ام دق يا جبانات
وكانت معركة نموذجية تحكي دائما حين يتحدث المتحدثون عن شخصية الاستاذ عباس التوم .
يوم السبت ، الطابور الصباحي ، الناظر عباس التوم يقف علي دكة عالية ، يبدو انيقا هذا الصباح ، إنتهت الاصوات التي تنادي باسماء الطلاب للتاكد من الحضور و الغياب
:- صفا ، إنتباه ، صفا ، إنتباه
من تلك الدكة العالية جاء صوت الناظر ، تحدث عن النظام و الضبط و الربط و عن الاخلاق الحميدة ، بعدها برقت منه العيون و قال : – انا عارف إنو في بعض الطلبه بيسفو تمباك و الليله هنا و في الطابور ده حنطلعهم واحد واحد
احد الطلبة لكز زميل بجانبه مشيرا الي – حقة -عبارة عن علبة بحاري كانت لتباكو تقبع مشكلة دائرتها في جيب بنطال الناظر
:- زميلكم حامد محمود حيتولي هذه المهمة ، حامد محمود ، تعال هنا
جاء حامد محمود يتصبب منه العرق ، وقف امام الناظر ، همس الناظر في أذنه ، تحرك حامد نحو الطابور و حيث ان الطابور يتشكل من ثلاثة فصول يقف كل فصل علي طريقة صف في الامام و صف في الخلف لذلك كان خط سير حامد بين الصفين الخلفي و الامامي .
تحرك حامد بين صفي الفصل الاول ، مر حامد بين الصفين ، في مروره ذاك همس متعاطو التمباك باصوات تدين هذا السلوك
:-خلي عندك ذوق يا حامد
حامد مستمر في مروره
:- ما ما معقول ياحامد
قالها احد الطلبة في الصف الامامي دون ان يلتفت الي الوراء
حامد يتصبب منه العرق و يحس بالانهيار
:- تكون بالغت يا حامد
خرج حامد من صفي الفصل الاول دون ان يعلن عن احد ، في مروره بين صفي الفصل الثاني تكررت تلك النداءات الهامسة و الزاجرة تدين و تشجب مبدأ الخيانة ، خرج حامد من صفي الفصل الثاني دون ان يشير الي احد ، في صفي الفصل الثالث تضخمت كذلك نداءات الزملاء في أذن حامد بحيث لم يستطع ان يؤدي تلك المهمة التي اوكلها له الناظر ، خرج حامد من الطابور دون ان يعلن عن متعاط واحد للتمباك ، تحرك نحو الناظر الذي يقف علي تلك الدكة العالية ، إقترب من الناظر بحذر و قال بصوت مخنوق :- ما في زول بسف يا استاذ
هنا ، صرخ الناظر عباس التوم بكل فرح الدنيا لتشمل الدهشة عقول الجميع
:- برافو ، برافو يا ابني ، إنت رفضت الخيانة ، برافو ، برافو يا ابني
و احتضن الناظر عباس التوم الطالب حامد محود بحضن حميم وضج الطابور بالفرح و تعالت الضحكات ، عندها إنتبه الناظر لتلك الفوضي و صرخ في الطابور
:- صفا ، إنتبا ، صفا ، إنتباه .
Post your free ad now! Yahoo! Canada Personals
تداعيات
=========
يحيي فضل الله
=============
صفا – إنتباه
==============
دخل حامد مكتب الناظر ، ناظر المدرسة الثانوية العامة- ج – ، دخل بعد ان طرق الباب عدة مرات و حين قرر ان يرجع سمع صوت الناظر يقول :- اتفضل
دخل حامد و الحيرة تحتل خطواته ، وجلا ، خائفا ، وقف امام الناظر الذي كان مستغرقا في تصحيح الكراسات التي امامه مما جعل حامد يخمن ماهو موضوع الناظر ، من تحت نظارته السميكة شمل الناظر حامد بنظرة سريعة
:- ايوه ، في شتو ؟
:- انا حامد ، حامد محمود
:- ايوه يا حامد ، في شنو ؟
:- ما انت رسلت لي
:- آآ ، انت حامد
:- ايوه يا استاذ
:- حامد انت بتسف تمباك ؟
:- انا ؟ ، يا استاذ ، ابدا ، ما بسف
وقف الناظر كالملدوغ ، بعثر الكراسات التي امامه بينما كان حامد يرتجف من الخوف ، اخذ الناظر احد الكراسات ، لوح به امام حامد قائلا :- ده كراسك و لا لا ؟
نظر حامد الي الكراس و اجاب بصوت بعيد :- نعم يا استاذ
:- طيب ، تعال ، قرب هنا ، شوف ده شنو ، البقعة دي شنو ؟ ، كاستر يعني ؟ ، دي مش بقعة تمباك ؟ ، كمان ما خايف ، تمسح السفه في كراس الحساب ؟ ، يعني داير تثبت إنك صعلوك ولا شنو ؟
امام هذا الاثبات الدامغ لم يحاول حامد ان يستنكر هذه التهمة لذلك حين وضع الناظر نظارته علي المكتب بانتصار واضح و اخرج عينيه بطريقة بوليسية امام وجه حامد وصرخ فيه :- انت بتسف تمباك ؟
لم يملك حامد الا ان يجيب و باستسلام شديد :- اي يا استاذ ، بسف تمباك
:- ايوه ، احسن تعترف
بانفعال واضح فتح الناظر الدولاب ، اخرج سوط العنج المشهور و اتجه نحو حامد الذي ايقن تماما انه في مصيدة ولا فكاك لذلك إنحني ممسكا اقرب كرسي و اغمض عينيه استعدادا لتحمل لسعات السوط ، رفع الناظر السوط الي اعلي و حين هم بانزال اول ضربة علي جسد حامد ، برقت منه العيون و توقف عن ذلك ، نظر الي حامد المنحني علي الكرسي ، رجع الي المكتب ، ازداد بريق العيون ، نظر الي حامد الذي تشجنت اعصابه اكثر بسبب إنتظاره الذي طال لاول ضربة من ذلك السوط الشهير
:- تعال هنا
صرخ الناظر ، إزداد خوف حامد اكثر لجهله بخطوة الناظر القادمة ، إقترب من المكتب ، نظر اليه الناظر بذلك البريق
:- حامد
:- ايوه يا استاذ
:- طبعا ، بتعرف كل الطلبة البسفو تمباك
:- والله يا استاذ …
:- ما عايز كلام كتير ، بتعرفهم و لا ما بيتعرفهم ؟
:- بعرفهم يا استاذ
:- بس خلاص ، بكره في الطابور تطلعهم لي كلهم ، مفهوم ؟
:- مفهوم يا استاذ
:-عشان كده انا بطلت اجلدك
:- …………
صمت حامد و هو يحس بصعوبة المهمة
:- بكره في الطابور ، كلهم ، اوعك تنسي زول ، مفهوم ؟
:- مفهوم يا استاذ
:- خلاص امشي
خرج حامد بينما إبتسم الناظر بخبث شديد قبل ان يستغرق في عملية التصحيح ، رجع حامد ليقول :- يا استاذ ، بس بكره الجمعه
:- خلاص يوم السبت يا غبي ، تعال هنا ، الموضوع ده سري جدا ، اوعك تقول لي زول ، مفهوم ؟
خرج حامد من المكتب و خطواته تنوء بعبء تلك المهمة السرية الخطيرة .
عباس التوم ، ناظر المدرسة الثاتوية العامة – ج – مثار إهتمام الطلاب بسبب تصرفاته الغريبة ، متقلب المزاج ، يظهر ذلك في لبسه قبل تصرفاته ، صاحب صوت جهور و له همس مميز حين يرغب في ذلك ، مهاب جدا و لكن لا تمنع تلك الهيبة من ان يكون موضوع نكات الطلاب ، حين يضحك يضحك بعمق و حين يغضب يرتجف من الغضب ، لكن ، يجهل الجميع ما يضحكه و ما يغضبه ، كتلة من النشاط و الحيوية ، يفعل كل ذلك بإستغراق كلي يجعله ينسي كل التفاصيل ، يدرس مادتي الانجليزي و الرياضيات بمتعة يحسها الطلاب و يفرحون يها ، حدث مرة انه كان يدرس الرياضيات للصف الثاني و حيث انه كان مستغرقا في عملية التدريس ، كان يكتب المسائل الحسابية و يحلها علي السيورة بمتعة متناهية و حين إمتلأت السبورة تماما لم يفكر مطلقا في مسحها بل إستمر بكل ذلك الإستغراق يكتب بالطباشير علي الحائط القريب من السبورة و استمر يكتب علي الحائط وسط همهمات الطلاب الضاخكة ، عادة ما يخلع الاستاذ عباس التوم حذاءه حين يبدأ الحصة و عادة ما يخرج من الفصل حافيا ، حينها يتخاطف الطلبة الحذاء كي يحمل اليه في مكتبه تعبيرا عن الحميمية تجاهه ، حدث ان حمل احد الطلبة الفردة اليمين من الحذاء و هرول بها الي مكتبه بينما حمل طالب اخري الفردة اليسار و هرول بها نحو المكتب ايضا و حين وصل الحذاء الي مكتب الناظر عباس التوم بتلك الطريقة ، إستنكر الامر تماما و اخرج سوط العنج من الدولاب و جلد الطالبين بعد ان اوضح سبب العقوبة قائلا :- ما في جزمة بشيلوها نفرين ، ده خطأ في التصرف ، ما في علاقة بين الجهد و الفغل
يقال إن السبب في تصرفات وشطحات الاستاذ عباس التوم التي تقترب من الجنون هو انه نجا من الموت باعجوبة لا تعزي الا الي الاقدار ، كان ذلك إبان التمرد في الجنوب في الستينات حيث تم حرق ميز المدرسين في – اكوبو – و مات كل المدرسين ماعدا الاستاذ عباس التوم المستغرق الان حتي الجنون في كل ما بفعله .
تسلل حميدان و مجدي من حصة المذاكرة في ذلك المساء عن طريق فتحة في سور السلك الشائك البعيد عن الفصول ، كانت تلك التسللات ذات تراكم في النجاح و لكن لسوء حظ حميدان و مجدي إكتشف الناظر عباس التوم تلك الفتحة مصادفة حين كان يركض مستغرقا وراء عدد من الاغنام التي دخلت حوش المدرسة عن طريق تلك الفتحة ، لذلك وضع عباس التوم تلك الفتحة تحت المراقبة و هكذا ، تسلل مجدي و حميدان في ذلك المساء و عيون الناظر قد احتلها ذلك البريق و تحرك من مكانه لمتابعتهما و بكل ذلك الإستغراق تسلل مثلهما عبر نفس الفتحة ، حرص علي متابعتهما من بعيد ، كان حميدان و مجدي يتحهان نحو السينما التي تعرض فيلم – جانوار -مرا بالسوق و الناظر عباس التوم يتبعهما من بعيد ، تجاوزا – حي السوق – و الناظر مستمر في المتابعة ، – زريبة العيش – متابعة الناظر مستمرة ، – سوق الرواكيب – يحافظ الناظر علي المسافة المعقولة ، تجاوزا الفسحة بين موقف البصات و اللواري والسينما ، وقفا في صف التذاكر ، وقف الناظر في الصف خلفهما حريصا كل الحرص علي عدم إكتشافه ، دخل مجدي و حميدان السينما ، دخل بعدهما الناظر عباس التوم ،كانت المناظر قبل الفيلم قد بدأت ، وسط تلك العتمة كان الناظر يبحث بين المقاعد عن حميدان و مجدي مثيرا الكثير من المشاكل مع رواد درجة – الشعب – ، اخيرا وجد الناظر عباس التوم حميدان ومجدي و اقتلعهما من تلك المتعة التي هربا من اجلها و خرج بهما خارج السينما ، يقودهما امامه صامتين بينما إستغرق الناظر يحكي عن اعظم فيلم شاهده و هو – سقوط الامبراطورية الرومانية – و حين وصل الناظر و معه الرهينتان الي المدرسة كانت حصة المذاكرة قد إنتهت و اطفئت انوار المدرسة حينها نظر الناظر عباس التوم الي حميدان و مجدي قائلا :- معليش يا شباب يوم الجمعه انا عازمكم سينما
في احدي الصباحات خرجت المدرسة الثانوية العامة- ج – مشاركة في مظاهرات الطلاب بمختلف المراحل الدراسية ، في ذلك الصباح دخل الاستاذ عباس التوم الفصبل الاول ليدرس حصة الانجليزي حسب الجدول الموضوع ، وجد الفصل خاليا الا من ثلاثة طلاب ، كان الناظر عباس التوم يعلم بامر المظاهرات ، نظر الي الثلاثة طلاب المتخاذلين عن بقية زملائهم و شعر بالإشمئزاز و صرخ فيهم :- وانتو مالكم ؟ ، مكسرين . ، مالكم ما طلعتو مع زملاكم . ، خايفين ؟
رد احد المتخاذلين و بصوت متمكن من منطقه
:- يا استاذ نحن دايرين نقرأ بس ، مالنا و مال المظاهرات
عندها إرتجف عباس التوم من الغضب و نادي الخفير الذي اسرع و احضر سوط العنج و بإنفعال واضح اغلق الناظر كل الشبابيك و باب الفصل بإحكام و صرخ في اولئك المتخاذلين :- الليله انا حاوريكم القرايه ام دق يا جبانات
وكانت معركة نموذجية تحكي دائما حين يتحدث المتحدثون عن شخصية الاستاذ عباس التوم .
يوم السبت ، الطابور الصباحي ، الناظر عباس التوم يقف علي دكة عالية ، يبدو انيقا هذا الصباح ، إنتهت الاصوات التي تنادي باسماء الطلاب للتاكد من الحضور و الغياب
:- صفا ، إنتباه ، صفا ، إنتباه
من تلك الدكة العالية جاء صوت الناظر ، تحدث عن النظام و الضبط و الربط و عن الاخلاق الحميدة ، بعدها برقت منه العيون و قال : – انا عارف إنو في بعض الطلبه بيسفو تمباك و الليله هنا و في الطابور ده حنطلعهم واحد واحد
احد الطلبة لكز زميل بجانبه مشيرا الي – حقة -عبارة عن علبة بحاري كانت لتباكو تقبع مشكلة دائرتها في جيب بنطال الناظر
:- زميلكم حامد محمود حيتولي هذه المهمة ، حامد محمود ، تعال هنا
جاء حامد محمود يتصبب منه العرق ، وقف امام الناظر ، همس الناظر في أذنه ، تحرك حامد نحو الطابور و حيث ان الطابور يتشكل من ثلاثة فصول يقف كل فصل علي طريقة صف في الامام و صف في الخلف لذلك كان خط سير حامد بين الصفين الخلفي و الامامي .
تحرك حامد بين صفي الفصل الاول ، مر حامد بين الصفين ، في مروره ذاك همس متعاطو التمباك باصوات تدين هذا السلوك
:-خلي عندك ذوق يا حامد
حامد مستمر في مروره
:- ما ما معقول ياحامد
قالها احد الطلبة في الصف الامامي دون ان يلتفت الي الوراء
حامد يتصبب منه العرق و يحس بالانهيار
:- تكون بالغت يا حامد
خرج حامد من صفي الفصل الاول دون ان يعلن عن احد ، في مروره بين صفي الفصل الثاني تكررت تلك النداءات الهامسة و الزاجرة تدين و تشجب مبدأ الخيانة ، خرج حامد من صفي الفصل الثاني دون ان يشير الي احد ، في صفي الفصل الثالث تضخمت كذلك نداءات الزملاء في أذن حامد بحيث لم يستطع ان يؤدي تلك المهمة التي اوكلها له الناظر ، خرج حامد من الطابور دون ان يعلن عن متعاط واحد للتمباك ، تحرك نحو الناظر الذي يقف علي تلك الدكة العالية ، إقترب من الناظر بحذر و قال بصوت مخنوق :- ما في زول بسف يا استاذ
هنا ، صرخ الناظر عباس التوم بكل فرح الدنيا لتشمل الدهشة عقول الجميع
:- برافو ، برافو يا ابني ، إنت رفضت الخيانة ، برافو ، برافو يا ابني
و احتضن الناظر عباس التوم الطالب حامد محود بحضن حميم وضج الطابور بالفرح و تعالت الضحكات ، عندها إنتبه الناظر لتلك الفوضي و صرخ في الطابور
:- صفا ، إنتبا ، صفا ، إنتباه .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.