هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    توضيح من سوداتل حول مشروع ممر Bypass الإقليمي لحركة الترافيك العالمية عبر السودان    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    (ده ماهلالك ياهلال؟؟)    السعودية تدين بشدة الهجمات الإجرامية لقوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري وعلى قافلة إغاثية لبرنامج الغذاء العالمي    مهارات يامال تعجز مبابي ونجم مانشستر سيتي    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إيمان الشريف تشعل حفل زواج صديقها "حتة" بأغنية (الزعلان كلمو) والعريس يتفاعل معها بالرقص    شاهد بالفيديو.. نجم السوشيال ميديا "حتة" يضع يده على عروسه ويحتفل معها بطريقة طريفة على أنغام (الما بحبونا والبكرهونا)    بالصورة.. دكتورة من مريدات شيخ الأمين تكتب: (الشيخ بجيب القروش دي من وين؟ داير تتأكد تعال مسيده في الثلث الاخير من الليل)    بالصور.. الشيخ محمد هاشم الحكيم يحتفل بزواج إبنته الدكتورة من زميلها بالجامعة (قلت له لا أريد منك شيئا سوى أن تتقي الله فيها وتعينها في دراستها)    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    ذكرى رحيله.. قصة حب نور الدمرداش وكريمة مختار وزواجهما    الهلال يتلقى أول خسارة بدوري المجموعات أمام مولودية الجزائري    أبل تفتح CarPlay أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتية    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    شاهد بالصور.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا السودانية الحسناء ثريا عبد القادر تخطف الأضواء من معرضها ببورتسودان    الجوهرة السودانية عامر عبد الله ينضم رسمياً لأحد الأندية الخليجية    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    المركزي يوجه بنك الخرطوم بإيقاف الاستقطاعات وإرجاع المبالغ المخصومة للعملاء    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    صلاح يتحدى مرموش.. موعد مباراة ليفربول ضد مانشستر سيتي بكلاسيكو إنجلترا    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    تعرف على سعر الأسمنت اليوم الاثنين 2 -2 -2026 فى مصر    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السُخرة باسم القانون : سجن دبك.. اغمض عينيك وسد أنفك
نشر في حريات يوم 16 - 02 - 2015


(شوقى عبد العظيم – اليوم التالى)
السُخرة باسم القانون : سجن دبك.. اغمض عينيك وسد أنفك
دبك: شوقي عبد العظيم
كل شيء تم ترتيبه بعناية فائقة.. المكان يقع بمنطقة منعزلة في أقصى الطرف الشمالي لولاية الخرطوم.. ليس على الطريق العام، لكن في أبعد نقطة ممكنة.. من عند مصفاة الجيلي ستتجه غربا في اتجاه النيل.. وبعد مسيرة وجهد يظهر أمامك سجن دبك.. بعد أن تستنشق أبخرة الكمائن والعفونة المنبعثة منها ستشاهد جدران وحوائط شاهقة تلفها أسلاك خشنة طليت بلون أصفر باهت وكئيب.. هذا الجدار لم يكن يحبس نزلاء سجن دبك وحسب، لكن يخفي خلفه عالما لا يخطر على قلب بشر، عالم لا حياة فيه ولا إنسانية ولا كرامة.. عالم سقط سهوا أو عمدا من اهتمامات الناس خارج السجن.. لم يكن الاقتراب من السجن مهمة سهلة، أما التلصص والكشف عما بداخله هو الخطر بعينه، لكن كان هنالك ثمة ما يستحق، بعد أن سمعنا حكايات وقصص أقرب للخيال وأفلام الآكشن عما يجري بالداخل.. الإذلال والإهانة والضرب لم يكن فقط ما لفت اهتمامنا ولا البيئة التي قد لا تليق بالحيوان دعك من الإنسان، لكن الاستغلال الفظيع الذي يتعرض له المساجين والذي يفوق حد السخرة والاستعباد.. في هذا التحقيق حصلنا على إفادات من سجناء وهم في أسوأ أحوالهم.. منهم من تحدث إلينا والدموع تملأ عينيه ويحمل في كتفه أحمالا من (الطوب) وهو كهل لامس الستين من العمر، ومنهم من اكتفى بالدعاء على إدارة السجن.. وكذلك إفادات من طلقاء عاشوا أهوالا وتعرضوا لكل أنواع التنكيل في ظروف أقسى ما تكون.. كما تحدثنا لسجانين ساخطين على ما يحدث، والأهم من ذلك كنا هناك شاهدنا وسمعنا.. ووقفنا على السخرة والعبودية في أظهر تجلياتها باسم القانون.
اكتظاظ لا يليق
على باب السجن المخيف وضعت لافتة من الواضح أنها قديمة، كتب عليها (سجن دبك أسس سنة 1955) ومنذ ذلك الوقت ظل السجن عبارة عن أربعة عنابر كبيرة تفصل بينها باحة واسعة، حتى وقت قريب لم يكن في هذه الباحة ما يقي من شمس النهار الحارقة، وكان على المساجين أن يستظلوا بحوائط العنابر وأن يجلسوا صفا ليقتسموا الظل إلى أن رقت لحالهم الكنيسة وشيدت مظلة من الزنك وسط العنابر.. بجانب العنابر يوجد مطبخ متهالك سقفه مهترئ وتظن أنه سيسقط الآن وعلى سقفه وجدرانه آثار الدخان وأوساخ تراكمت لسنوات ويوجد أيضا مسجد وكنيسة.. العنابر التي تحمل أرقاما من واحد حتى أربعة يحشر فيها جميع المساجين في دبك وهم دائما بين 600-700 نزيل.. وعلى كل واحد من السجناء أن يجد له مكانا في أرضية العنبر.. وتجدهم متراصين إلى جانب بعضهم بسبب الاكتظاظ الذي لا يليق بآدميين مهما ارتكبوا من جرم.. ولا تكفي المساحة لأحدهم أن يرقد مستلقيا على ظهره وعليه فقط أن يستند إلى شقه للنوم.. وفي العنبر الواحد دائما ما تجد أكثر من (80) سجينا.. في العنابر الجيدة ستجد مروحة سقف تعمل وللأسف ستجدها تعمل ببطء شديد بسبب أن الكهرباء ضعيفة، أما بقية مراوح الهواء فهي ساكنة دون حركة، ومنذ أن تعطلت لم يكلف أحد نفسه صيانتها.. الكهرباء الضعيفة تسببت أيضا في إضاءة شبه منعدمة داخل العنابر.. أما لماذا هي ضعيفة، هذا ما لا يعلمه أحد.؟
(الركشة).. التغوط في كيس!
ربما ما سنورده في هذه الفقرة قد يبدو مدهشا للحد البعيد.. لذلك سنورد أسماء من تحدثوا إلينا من داخل السجن بعد أن أكدوا أن لا ضرر سيصيبهم.. وقبل أن نفعل سنذهب لنر القانون وماذا قال في حق السجين.. وكيف يجب أن يعامل.؟.. في قانون تنظيم السجون ومعاملة النزلاء القومي لسنة 2010.. في فقرة المبادئ والأهداف الإدارة القومية وفي البند(1) (ب) جاء الآتي: يجب تهيئة السجون بما يتناسب مع كرامة الإنسان وآدميته.. نعم القانون قال: (تهيئة السجون بما يتناسب مع كرامة الإنسان وآدميته).. في العنابر التي يحشر فيها السجناء مع ظروف التهوية التي أشرنا إليها، على كل نزيل أن يتدبر ماء شربه أثناء ساعات الليل، وبالذات إن كان الماء مقطوعا وهو عادة ما يقطع من السادسة مساءً ولا يتم ملء البرميل الموجود في العنبر.. لكن ليست هذه المشكلة، إذ كيف يقضي النزلاء حاجتهم بالليل؟.. النزيل (حسن أحمد) – وهو يقضي عقوبة طويلة تزيد عن عشر سنوات- تحدث ل(اليوم التالي) وقال: ( ما نعيشه في الليل وضع سيء لأبعد حد، نرقد متراصين في زحام خانق، وما يزيد من سوء الوضع الروائح المنبعثة من داخل وخارج العنبر)، ومضى قائلا: ( في الليل على السجين حال احتاج للتبول أن يذهب خلف "كجرة" صغيرة ويتبول على فتحة في الحائط ويذهب البول إلى بلاعة صغيرة بالخارج، وهي دائما ما تطفح وتبلل المكان وتشعر برطوبتها في حوائط العنبر وتخلف رائحة كريهة تمنعك من النوم، وبالذات في ليالي الصيف، وفي الصباح يقوم السجناء بقرف هذا البول المتجمع من الليل إلى مجار ليتم تصريفه)، (حسن) ذهب في وصف الروائح الخانقة والأمراض التي تصيبهم جراء الرطوبة المنبعثة من بالوعات البول جوار العنابر، لكن هنالك سؤال ماذا إن كان السجين يحتاج إلى ما هو أكثر من البول.؟ الإجابة كانت مذهلة.. ضحك (حسن) بأسى وحسرة وربما بألم وقال: ( دي المعاناة بعينها)، ومضى في حديثه: (في هذه الحالة عليك أن تستخدم "الركشة" – ضحك- وهي أن تحصل على كيس نايلون وهي دائما متوفرة في العنبر لهذا الغرض وتجلس خلف الفاصل الصغير وتتغوط داخل الكيس، والمؤسف أن الطعام في السجن كثيرا ما يتسبب في إسهالات للنزلاء وخاصة الجدد منهم). (حسن) والألم يتدفق من كلامه قال: (في تلك اللحظات تنعدم إنسانيتك تماما عند تجرتك الأولى مع هذه الفعلة، وعليك أن تفعلها وسط جمع من البشر وإن كانوا سجناء)، المعاناة لم تنته وهدر الكرامة مستمر، كما ظل يردد (حسن): ( هدر كرامتك يكون بتغوطك داخل الكيس أولا، ثم هدر كرامة السجناء الآخرين باحتفاظك بهذه المخلفات حتى الصباح للتخلص منها، وعليك أن تتخيل كم عدد الذين يفعلونها ليلا، وكيف سيكون الوضع داخل العنبر الضيق سيء التهوية) .
هل هؤلاء بشر؟.. الأكل في علبة!
القانون كما أوردنا قال يجب أن يعامل السجين معاملة كريمة، وأمر بتهيئة السجن ليتناسب مع كرامة الآدميين، وحثت على ذلك كافة المواثيق والقوانين الدولية المتعلقة بحقوق نزلاء السجون.. وقبل أن نكشف مزيدا من الفظائع وأخطرها التي سترد في الفقرات التالية، سنرى كيف يأكل هؤلاء البشر وكيف يعيشون داخل سجن دبك؟.. الأكل يطبخ بالسجن في مطبخ مهترئ السقف آيل للسقوط حوائطه وأرضياته قذرة للحد البعيد، هكذا تحدث (إبراهيم الصافي) أحد نزلاء سجن دبك ل(اليوم التالي)، ومضى قائلا: ( أول يوم رأيت فيه المطبخ كدت استفرغ ما في جوفي لحالته السيئة وسقفه يكاد أن ينهار ومعالمه مخفية بالسواد والأوساخ)، أما الطعام فهو عبارة عن قليل من الفول لا يزيد كثيرا عن جرام.. وفي وجبة الغداء تطبخ رجلة أو أي خضار آخر.. وقال (إبراهيم) يتم غرف الطعام للنزلاء من كباية بلاستيك تم قطعها لتكون مقياسا لطعام النزيل وهي متسخة للحد البعيد.. لكن المدهش فيما يتعلق بالطعام ما ذكره (الصافي) الذي قال: ( عندما حضرت في أول يوم سألني بعض السجناء إن أحضرت معي صحنا، استغربت أول الأمر، لكن بعد قليل اتضح أن على كل نزيل أن يتدبر ما سيتناول عليه طعامه في دبك.. أحدهم رق لحالي وتبرع لي بعلبة تم توضيبها لهذه المهمة كان يستخدمها هو شخصيا، لكن تمكن من الحصول على صحن)، (إبراهيم) قال إنه ظل يأكل في العلبة لأيام إلى أن حصل على صحن وبدوره دفع بها إلى نزيل جديد.. أما الحمامات فكانت الأسوأ بكل المقاييس وهي تسعة حمامات لتخدم نزلاء يبلغ عددهم (700) نزيل.. والحمامات على قلتها عدد منها بلا أبواب، لكن هذا لا يعفيها من الخدمة في لحظات الذروة.. والمشكلة أن هذه الحمامات بلا ماء طوال الوقت حتى إن بعضها لا توجد به حنفيات بعد أن أزيلت من مكانها وعلى مستخدميها توفير الماء بأي طريقة وفي بعض الأحيان لا يتم توفيره واستخدامها هكذا.. ومؤكد أن منظرها كالح لدرجة بعيدة، أما ما يتصاعد منها من أبخرة وروائح فلا يطاق.. أما الوحدة الصحية في السجن فكل من تحدث ل(اليوم التالي) قال إنها تفتح في أوقات يكون فيها المساجين في العمل، وحتى حال وجدتها مفتوحة أو سمح لك بأن تجلس منتظرا أن تفتح أبوابها لا تمنحك أكثر من البندول وحبوب الملاريا في بعض المرات وفي أيام كثيرة تكون مغلقة ومع ذلك تتحدث القوانين عن حقوق الإنسان.
لكن السماء تمطر!
السجن الذي تأسس قبل الاستقلال ولا أحد يعلم هل سيكون سجنا أم ثكنة عسكرية؟ بذات مبانيه التي يتم استخدامها حتى اليوم، ومع استخدامه لأكثر من ستين سنة تصدعت المباني وشاخت, خاصة السقف المعمول من الزنك.. (حسن أحمد) قال: ( السقف مخلع تماما وترى عددا من خشب "المسنايت" المعمول تحت الزنك كسقف مستعار يكاد أن يسقط )، وذكر أنهم في أوان الخريف يتعرضون لظروف بالغة الحرج، إذ أن السقف المخرم من كل ناحية تتصبب منه المياه بغزارة وعليهم أن يضعوا كل ما توفر ليجمعوا فيه مياه السقف، وفي تلك الليالي ستجدهم متكومين في أركان العنبر خشية البلل.. وماذا يحدث في ليالي البرد والحر.؟ قال (حسن): ( عدد من المساجين المحبوسين لعجزهم عن تسديد غرامات يسمح لهم بالمبيت في الحوش، بينما لا يسمح للمحكومين تأديبا بالعقوبة، وفي أيام البرد الأخير نام كبار السن داخل العنابر، فيما نام الأقل منهم عمرا في الخارج حتى ولو عليهم محكوميات). وعن الغطاء قال: كانت لا توجد أغطية وبطاطين، لكن قبل مدة أحضروها، وسمعنا أن فاعل خير تبرع بها.. والمفارقة التي أشار إليها (حسن) أنهم لم تكن تصرف لهم ملابس سجن (بردلوبات)، لكنهم أخيرا وفي الأسبوع الماضي أحضروها لهم.. (إبراهيم الصافي) قال: (طوال فترتي التي أمضيتها في دبك لم تصرف لي ملابس بردلوبات وكل الفترة كنت أرتدي البنطلون الذي أعتقلت به، بجانب جلابيه أحضرها أصدقائي)، أما ماهو متبع أن يغسل أحدهم ملابسه الخارجية وينتظر بالداخلية حتى تجف، ثم يرتديها مرة أخرى وبعضهم يلف نفسه بقطعة قماش حتى تجف ملابسه.
الضرب.. هل شوقي حسين يعلم؟
قد لا يعلم كثيرون من هو شوقي حسين.. هو وكيل وزارة العدل الأسبق.. لكن للمفارقة هو القانوني الضليع السوداني الجنسية الذي كان على رأس اللجنة العربية المشتركة التي كونتها جامعة الدول العربية لوضع قانون ولوائح تحكم معاملة السجناء في الوطن العربي وأطلق عليه القانون النموذجي العربي الموحد لتنظيم السجون، وتم التصديق عليه من الجامعة العربية.. ونص هذا القانون كغيره من المواثيق والقوانين بما فيها القانون السوداني على ضرورة معاملة السجين معاملة كريمة لائقة، غير أن القانون النموذجي تحدث كثيرا عن معاملة السجناء وأورد العقوبات والجزاءات التي يمكن أن تقع على النزيل إن أحدث مخالفة داخل السجن، ومن بينها الحبس الانفرادي وخلافه، وكل العقوبات يجب أن تتم بعد تكوين لجنة تحقيق.. في السجون السودانية قد يستخدم الضرب للمخالفين من السجناء، لكن بعد أن يخضع السجين للجنة تحقيق -دائما ما تشكل في مكتب مأمور السجن- لكن في سجن دبك الوضع مختلف، ويمكن أن تتعرض للضرب بسبب ومن دونه.. (إبراهيم الصافي) يحكي: ( أول ضرب تعرضت له كنت أقف مع عدد من النزلاء للشراء من دكان السجن، وعندها مر علينا عسكري ودون أن يتحدث معي ضربني في ظهري ضربة موجعة، وقال اقيفوا في صف، نظرت إليه بغضب وقلت له كان يمكن أن تأمرنا أن نقف في صف وإن لم نفعل أضربنا، بعدها في تلك اللحظة وبسرعة تجمع حولي عدد من العساكر وبدأوا في ضربي على ظهري وكتفي، وأمروني أن أجلس وفعلت حتى يتوقف الضرب)، وأفاد (إبراهيم) أن الضرب في دبك أمر عادي ويمكن أن يحدث في أي لحظة.
السخرة.. صدق أو لا تصدق!
بلغنا المرحلة الخطيرة في هذا التحقيق عندما زرنا سجن دبك، ووجدنا أن المساجين مسخرون.. وقبل كل شيء طبيعة العمل الذي يسخر فيه المساجين نفسه كان مخالفة بأمر الدولة.. وحتى لا نطيل.. وجدنا إدارة سجن دبك تستخدم المساجين في عمل الكمائن وصناعة الطوب الشاقة.. مستفيدة من موقع السجن على ضفة النيل.. ومعلوم أن الدولة منعت عمل الكمائن وصناعة الطوب من طمي النيل وتحارب التجار حربا شعواء إن هم فعلوا.. والعمل في دبك لا يستثنى منه أحد ولو كان كبيرا في السن.. قد نجد أن القانون يسمح بتشغيل المساجين غير أنه وضع شروطا لهذا العمل وقيده بقيود، أول هذه القيود أن يكون لائقا للعمل عمريا وطبيا، أي أن يكون دون (45) عاما ولا يخدم في عمل شاق إلا بعد التأكد من لياقته الطبيبة بالفحص من قبل الطبيب، كما اشترط القانون أن يمنح جزاء هذا العمل أجرا مناسبا.. كل ذلك لا يحدث في دبك، بل العكس تماما.!!
عمل مقابل "5″ جنيهات
بطبيعة الحال العمل إجباريا لجميع السجناء في سجن دبك وبالذات المحكومين بالسجن لعجزهم عن سداد الغرامات، وقد يتم استثناء المحكوميات الطويلة خوفا من هربهم.. الكل يعمل في كمائن الطوب وهي منقسمة لقسمين؛ كمائن خاصة يملكها تجار وكمائن تتبع للسجن، وتقع خلف السجن مباشرة في المساحة التي تفصله عن النيل.. في الكمائن الخاصة التي يملكها تجار من المنطقة يطلع المساجين في شكل طلبة بعد أن يسدد التاجر إيصالا ماليا لإدارة السجن.. أحد العاملين في السجن -طلب عدم ذكر اسمه- قال ل(اليوم التالي): (على التاجر أن يسدد مقابل الطلبة إيصالا ماليا يبلغ 500 جنيه تتحصله إدارة السجن، وفي نهاية اليوم تدفع إدارة السجن للسجين 5 جنيهات)، سجناء تحدثوا لنا من داخل كمائن الطوب الخاصة بأحد التجار قالوا: ( العمل ملزم ولا يمكن أن تتهرب، وهو عمل شاق وخطر وفي نهاية اليوم تصرف لنا 5 جنيهات نشتري بها شايا وصابونا من دكان السجن، وفي مرات ننفقها كلها في اتصال هاتفي من الدكان نفسه، إذ أن سعر الدقيقة جنيه وكل الأسعار مرتفعة)، سجين سألناه إن خيروه بين البقاء في السجن أو الخمس جنيهات، قال ( طبعا سأختار البقاء في السجن رغم عدم توفر أي شيء بالداخل، والخمسة جنيهات لا تفعل شيئا والعمل في الكمائن متعب للحد البعيد).. ومن الملاحظ أن بعضهم كان يسير بتعب شديد وهم كبار في السن.. وكل مجموعة تعمل في كمينة يحرسها عسكري مسلح يراقب عملهم ويصدر لهم الأوامر بأن يرفعوا همتهم، وفي بعض الأحيان يجلس إلى جواره التاجر صاحب الكمينة ويطلب منه بعد الفينة والأخرى أن ينهر المساجين لينشطوا أو يهتموا ولا يتلفوا الطوب.. وتقسم الطلبة إلى عجانين يعجنون الطين وآخر يضربه في قوالب ومجموعة تعمل على رصه تحت أشعة الشمس ليجف.. ومجموعة أخرى تعمل على رص الطوب الجاف في الكمينة ليحرق.. وهنالك مجموعة صغيرة تعمل على التحطيب وتوضيب جذوع الأشجار لتناسب عملية الحريق.. ذكرنا أن القانون قال مجزية، هل تعلم أن أجر العامل العادي في ذات العمل وذات الإنتاج قد يتجاوز الخمسين جنيها في اليوم في كمائن الحكومة.. الأجر كيس (تمباك)..
في كمائن السجن كان الوضع مدهشا للغاية.. إذ ينتدب للعمل عدد هائل من السجناء.. وفي الغالب يختار لهذه المهمة الجدد. والعمل في كمائن السجن شاق وتحت حراسة مشددة والحراس أكثر عنفا وغلظة حتى يحققوا إنتاجا عاليا.. وهي الكمائن – بشهادة الجميع- الأكثر إنتاجا في المنطقة، إذ يتم حرق أربع كمائن في الشهر الواحد في بعض الأحيان.. والمدهش أن أجر السجين في كمائن الحكومة (كيس تمباك وسجارتين) من ماركة اللورد.. أحد العساكر عندما سألناه قال: ( نعم إدارة السجن تمنح كل سجين "كيس تمباك وسجارتين" وفي بعض الأحيان تخير بين "السجارتين أو كيس التنمباك")، في مقدمة القوانين واللوائح دائما نجد أن هدفها الأسمى هو تهذيب الجانحين ودمجهم في المجتمع وأن تخرجهم أفرادا صالحين في المجتمع.
إلى من يهمه الأمر
سيدي من يهمه الأمر.. هذا بعض ما تمكنا من نقله والحصول عليه في سجن دبك.. غير أن كثيرا مما سمعناه لا يمكن أن يكتب هنا، وكثيرا مما رأيناه لا يمكن أن نرويه هنا.. لكن ما يحدث هناك أمر فظيع يحتاج التدخل السريع قدر الإمكان.. ومؤكد أن في السجن مظالم، لذا ليس كل من دخل دبك مجرما، لكن كل من يخرج منه مجرم وأكثر إجراما وحقدا مما يتوقع الناس لما يجده ويشاهده ويتعرض له هناك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.