صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    الرابطة السليم تكتسح بركيه بخماسية اعداديا    ساردية تختتم التحضيرات لمواجهة الموسياب    جاهزية فنية متكاملة تسبق انطلاق "عربية القوى" في تونس    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    الصحفية عائشة الماجدي: (لاحظت في الخرطوم مجموعة من الناس نشطة عايزة تبيع بيوتها وفي كمية عرض بيوت للبيع ما طبيعية)    بالفيديو.. شاهد ماذا قالت الفنانة توتة عذاب عن أغنيتها التي تصدرت "الترند" في الوطن العربي؟ وتوجه رسالة للمطربة بلقيس فتحي والممثلة إيمي سمير    وزير التربية يدشن استلام الدفعة الثانية من كتب الصف الاول الثانوي للولايات    "معاناة 5 سنوات".. برشلونة يتلقى نبأ سارا من رابطة الليجا    شاهد بالفيديو.. علاء الدين نقد يدخل في حالة بكاء هستيري في سرادق عزاء القيادي بحكومة "تأسيس" أسامة حسن    تغيير كبير في هيكلة الجيش السوداني والعطا رئيسا لهيئة الأركان    الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الذكرى الستين للإستقلال: وثائق .. في دفتر النضال الوطني !! (2-2)
نشر في حريات يوم 05 - 01 - 2016

كتب الأستاذ التجاني عامر، المؤرخ السوداني المعروف، رحمه الله، وهو يتحدث عن الاحزاب السودانية ( الحزب الجمهوري: قد يكون هذا الحزب من أقدم الأحزاب السودانية بحساب الزمن، وهو أول حزب صغير، يعمل خارج نطاق النفوذ الطائفي باصرار، بل بمناجزة وصدام، واسمه يدل على المنهج الذي انتهجه لمصير السودان ومؤسس الحزب هو الاستاذ محمود محمد طه، الذي كان من أبرز الوجوه الوطنية، في مستهل حركة النضال ) الى ان يقول ( وقد تعرض محمود للسجن الطويل، في خصومات أيجابية مع الانجليز، منها حادث " الطهارة الفرعونية" في رفاعة، وهو حدث اجتماعي، رفعه محمود الى مستوى المساس بالدين والوطن)( صحيفة الصحافة 16/4/1975م).
وحادث رفاعة الي أشار إليه الأستاذ التجاني جاء في الصحف السودانية في ذلك الوقت على النحو التالي:
( نشرنا قبل أيام ، أن السلطات في رفاعة حكمت على امرأة بالسجن تحت قانون منع الخفاض ، لأنها خفضت بنتاً، وأن الجمهور قابل هذا العمل بروح الاستياء العميق واضطرت السلطات الى اطلاق سراح المرأة بضمانة .. وجاءنا اليوم تلغرافيا، بتوقيع أهالي رفاعة، أن السلطات عادت فسجنت المرأة ، وعندما علم الجمهور بالأمر خرج من الجامع، واقتحم السجن، وأطلقوا سراح المرأة، ومكث أفراده الذين ملأوا السجن بدلا عنها .. فأمر المفتش بسجن الضامنين ، ولكن الجمهور رفض ذلك أيضا ، وفي منتصف ليلة البارحة اقتحم البوليس منزل المرأة، وأخذها الى جهة غير معلومة .. فقامت رفاعة بأسرها قاصدة الحصاحيصا، ومنعت السلطات المعدية من العبور، وأضربت المدارس، وأغلق السوق، وقامت مظاهرة عمومية، ويحتشد الجمهور الآن بالشاطيء، وفي كل مكان. تعليق :- رغم منع السلطات عبور المعدية فان الجمهور عبر بقوارب الصيد) (الرأي العام 21/9/1946م)
وجاء أيضاً( وقفنا بالقارئ أمس الأول عند تجمع سكان رفاعة على شاطئ النهر، ومنع المعدية من العبور .. وقد عبر بعد ذلك فريق من المتظاهرين الى الحصاحيصا، ومن هناك انضم اليهم خلق كثير من الناس .. فتوجه الجمع الى المركز في مظاهرات واسعة، وبدأوا في قذف المركز بالطوب وغير ذلك، فتحطم كثير من الأبواب، والنوافذ، واصطدم المتظاهرون بالبوليس الذي عمل جاهدا لتفريق المتظاهرين .. وعلى أثر ذلك ، أمر سعادة مدير الجزيرة بالنيابة باطلاق سراح المرأة السجينة، فأخذها جمع من الناس وتوجه بها الى منزلها برفاعة)(الرأي العام 23/9/1946م).
وجاء أيضاً :(جاءت قوة كبيرة من البوليس من مدني ، برئاسة مفتش المركز وفي نفس الوقت عسكر خارج رفاعة البلوك الرابع من فرقة الهجانة بقيادة الصاغ أحمد عبد الله حامد الذي دخل الى رفاعة برفقة ضابط سياسي ، وقابل المفتش، وقمندان البوليس، ورجع الى مقر فرقته .. واعتقل الأستاذ محمود محمد طه، وأحضر الى المركز .. وأثر ذلك تحرك جمهور كبير نحو المركز، وفي الحال نقل الأستاذ محمود الى معسكر البلوك الرابع، خارج المدينة .. وتحركت فصيلة من البلوك الرابع لتعزيز قوة بوليس مركز رفاعة .. وكان اطلاق الرصاص بأمر مفتش المركز، عندما رفض الجمهور اطاعة أوامر البوليس المتكررة بأن يتوقفوا عن تقدمهم صوب المركز، وقد أطلق البوليس دفعة فوق رؤوس الجمهور وهم على بعد 40 ياردة تقريبا من المركز، ولما لم يقفوا، أطلقت دفعة أخرى على الأرض أمام أقدامهم، في وقت كانت فيه مقدمة الجمهور على بعد 25 ياردة من المركز، ولم يصب غير أربعة أشخاص، أثنان منهم باصابات بسيطة جدا، وأما الرابع ، فقد كسرت ساقة كسرا سيئا)(الرأي العام 7/10/1946م).
كما جاء ( حكمت محكمة كبرى بودمدني برئاسة القاضي أبورنات، بسنتين سجن على الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري، بتهمة اثارة الشغب في رفاعة .. كما حكم عليه بوضعه تحت المراقبة لمدة سنة أخرى بعد اتمام مدة سجنه)( الرأي العام 17/10/1946م) .
وجاء في الأخبار ( علمنا أن الاستاذ محمود محمد طه رفض ان يقبل محامياً للدفاع عنه وانه أعلن بأنه لن يدلي بأية اقوال للتحقيق إلا على أساس مناقشة قانون منع الخفاض الفرعوني . وكان الاستاذان المحاميان الاستاذ أحمد خير والأستاذ زيادة قد تقدما للدفاع عن الاستاذ فشكرهما الاستاذ واعتذر لهما بأنه سيباشر القضية بنفسه )(الرأي العام 12/10/1946م).
حين وقف الاستاذ محمود، أمام القاضي ابورنات، في محكمة مدني، مدافعاً عن نفسه، كان مما قاله :
(1-أهالي رفاعة جميعهم أبرياء، وزملائي الذين سجنوا أبرياء، وأنا برئ، والمسألة في الحقيقة، سلسلة أخطاء من الإدارة، من أولها إلى آخرها .. كلما أخطأت الإدارة مرة، وتمسك الناس بحقهم، اعتبرته مساساً بهيبتها، فاستعلت، وأخذتها العزة بالإثم، فقفزت في خطأ آخر، هو في زعمها، يعيد لها هيبتها في نفوس الناس .. وما علمت أن إجتماع الأغلاط، لا ينتج منه ولا صواب واحد.
2-الوضع الصحيح المجمل لهذه المسألة، هو أن الإدارة قد ضربت أهالي رفاعة فصاحوا من ألم الضرب بصوت خفيض، ثم ضربتهم فصاحوا، ثم ضربتهم فصاحوا ، فاستاءت من أن يصيح المضروب المتألم ، فقدمتنا للمحاكمة، فكانت هذه المحكمة.. ولو كنا نملك ما تملك، لقدمناها نحن لهذه المحكمة، ولكنا لا نملك جيشاً، ولا بوليساً، ولا سجوناً وقيوداً، ولو ترك القطا ليلاً لنام.
3-قلت بالأمس، إني وبالمثل أي عضو من أعضاء الحزب الجمهوري، لا أنكر تهمة الإثارة، لمجرد أنها تهمة إثارة، إنما أنكر تهمة الإثارة، بالنقد الذي لا يحترم الحقائق وبالتشويش المغرض .. ولقد كان من دواعي الشرف لي، ولحزبي، لو صح أني أنا الذي أثرت أهالي رفاعة حول هذه القضية، لأنها من القضايا التي نقدنا فيها الحكومة، وسننقدها الى ان تقلع عنها .. ولكن للأسف، فإن الإدارة قد سبقتني الى هذا الشرف، فاثارت أهالي رفاعة، واثارتني معهم .. فلننظر .
7-قالت جريدة الرأي العام في يوم 24 سبتمبر، تحت عنوان رئيسي " القضاء ينظر في قضية الخفاض برفاعة " ، بعد حديث لها " وقد علمنا من مكتب الصحافة هذا الصباح ، أن قضية الخفاض التي سببت كل هذا الشغب، هي الآن ، تحت نظر رئيس القضاء بالمصلحة القضائية، وان التهم الموجهة الى الذين اعتقلوا في هذه الحوادث، لا دخل لها بآرائهم في موضوع الخفاض .. ولكنها تتعلق اولاً وأخيراً باستخدام القوة ، لتحقيق غاية، في الوقت الذي كان فيه باب الاستئناف مفتوحاً أمام المتظاهرين.
8-هل باب الاستئناف مفتوح أمام المتظاهرين ؟ .. لننظر .
9-قالت الحكومة في بيان رسمي، في الصحف، ما يأتي " حصلت أخيراً في رفاعة حادثة أدينت فيها إمرأة لخفضها ابنتها خفاضا غير مشروع وحكم عليها بأربعة أشهر سجناً، وقد قدم استئناف لمدير المديرية، فرفضه، وحبست المرأة في السجن" .. ومع ذلك فالحكومة تقول إن باب الاستئناف مفتوح !! وهذا الاستئناف رفض مع ان المرأة ، مسجونة بغير أدلة كافية للإدانة، وفيما أعلم لم يخبر المستأنفون، ولا نحن مندوبي الهيئات، الذين قابلنا المفتش، بهذا الاستئناف، وإنما أعيدت المرأة للسجن والسلام .. فإن لم يكن هذا سوء النيّة والاستخفاف بالناس فماذا عساه يكون؟
12- مفتش رفاعة، سجن أمرأة مصونة شابة، في سجن عمومي مع خادمة عاهرة .. فحدثناه في ذلك، فاعترف بعدم صلاحية السجن للنساء، في رفاعة، فأطلقها بضمانة، وظل ما ظل في رفاعة لا يذكرها، فلماذا عندما ذهب الى الحصاحيصا، أمر باعادتها الى نفس السجن ؟! فهل تسمي هذا استخفافاً بدين الناس، واخلاقهم، أم تسميه جهلاً بالناس أم هما معاً ؟! سمه ما شئت فهو برهان ثالث.
13- إن تصرف المفتش هذا، يجعل ما قمت به أنا، في الجامع، وما قام به الناس بالمركز، شيئاً مفروضاً علينا، في واجب الدين، وواجب الاخلاق، وواجب الحياة نفسها، بل إن الناس قد سلكوا سلوكاً يستحق الثناء، وقد شرحنا تفصيله للمحكمة .
15- وضعت المرأة بسجن مدني، وما أدراك ما سجن مدني ؟! بهذا السجن اليوم 23 إمراة ، منهن أربع مجنونات، يفحشن بالفاظ يندى لها وجه الرجل، وسائرهن عهر، أحضرن من بيوت عامة، وحوكمن في جرائم خمرة .. بين عنبرهن وعنبر الرجال، نحو 15 متر يفصل بينهم السلك الشائك …. مع هؤلاء، في هذا السجن، يراد سجن إمرأة شابة حرة ، مسلمة، مصونة ، تشرف على تربية بنات وأولاد، تركهم لها زوجها الذي توفى قبل شهر .. فاذا قال أهلها لا، وناصرهم إخوانهم في الدين، وفي الجنس، وفي الوطن، قالت الحكومة هذا شغب، وهذه فتنة، وهذا تهديد !!
16- تتهمني الإدارة باني أثرت أهالي رفاعة، وهي تتهمني هذه التهمة، لأنها تجهل الناس جهلاً، شنيعاً، وتستخف بأحلامهم ، وأخلاقهم، وإلا فهل أحد يحتاج الى من يثيره مع كل هذا ؟! وهل أستطيع أنا، أو يستطيع أبلغ خطيب، أن يثير الناس أكثر من إثارة الإدارة هذه أياهم ؟! وأهالي رفاعة، خارج رفاعة، من الذي أثارهم ؟ أسمع تلغراف أهالي رفاعة، من مدني وتندلتي … هؤلاء الناس، لو كانوا شهوداً، لتولوا كبر الثورة .. هل اثارت هؤلاء واخوانهم الإدارة ، أم أثارهم محمود في جامع رفاعة ؟!)(إرشيف الإخوان الجمهوريين-مرافعة الأستاذ في محكمة مدني 1946م).
وكما سجل الشاعر المطبوع محمد المهدي مجذوب موقف الأستاذ في السجن الأول سجله أيضاً بقصيدة عصماء في السجن الثاني ومما جاء فيها:
أقالُوا دفعْنا عن أمورٍ قديمةٍ ؟ وأمسُوا ، لهمْ في كلِّ كارثةٍ عذرُ؟
نحطّم أظفارَ الأعادي وهمُّهمْ حمايتُها ، والغدِرُ يمنعُه الغدُرُ
لحانا أشقاءُ نَعَمٍ ، كلُّ مُطمِعٍ شقيقٌ لهم في مصرَ ترزقُهُ مِصرُ
وكمْ سرقَ الأصواتَ لصٌ مغامرٌ ويربَحُ بالأصواتِ ما يربَحُ التُّجرُ
إذا جاهدُوا عادوا بشايٍ وسّكرٍ وخيْشٍ، وشيخُ الحزبِ منْ حِزبِه التّمرُ
أُبايعُ محموداً على الحقِّ بيعة هي الصبرُ والرضوانُ في عقدِها بدْرُ
أبى اللهُ أنْ تلقى هواناً مصونةٌ وما ذنبُها ، إلا العَفافةُ والطُّهرُ
حماها أبيُّ الدينِ والعقلِ ثائرُ له مِنبرٌ ما فيه خوفٌ ولا سترُ
تخطَّى إليها السِّجنَ والنّارُ دونَه ولمْ يُجدِ إنذارُ المفّتشِ والزأْرُ
لك النصرُ يا محمودُ والنورُ باقيا وأُعطيتَ ، ما أعْطى بصائرَنا الفجرُ
عَرفْنا رجالاً قدرُهمْ ليسَ قادِراً وغيرُكَ في السودانِ ليسَ لهُ قدرُ
وحين خرج الأستاذ محمود من السجن لم يواصل العمل السياسي كما توقع الكثيرون بل إختفى تماماً من ساحة العمل العام ولم يعد الناس يسمعون عنه فجاء عن ذلك ( لفت نظري "قفشة" وردت في عددكم الثالث منسوبة إلى المجاهد " محمود محمد طه" فإنها قد أعادت لنفسي أملاً كاد أن يفلت، لما اكتنفني من شكوك وأوهام، وعلى الأقل أعادت لنفسي بأن هناك صحافة حريصة على أعمال المجاهدين. إن اسم "محمود" قد اختفى منذ حين، وكأنه لم يفعل شيئاً، بل كأنه لم يكن في عالم الوجود ! ولكني أخرق ذلك الصمت وأقول، أليس محمود ذلك الرجل الذي آمن بقضية شعبه وعمل لها ما وسعه العمل رغم العراقيل التي وضعت في سبيله؟ أليس هو ذلك الرجل الذي يقوم ولا يتردد ولا يتنازل مهما قابلته الصعاب من بطش ومعارضة حكومية وحزبية –كل ذلك لأنه يؤمن بأن الشعب الذي يريد الحرية ويسعى لها، يجب أن يكون في كفاحه صلباً لا يتزحزح وقوياً لا يلين وثابتاً لا يتنازل؟ ثم إنه يريد أن يضرب لهذا الشعب –الذي لم يكتمل فهمه لقضيته-مثالاً صادقاً، بأن به فئة فدائية تضرب مثالاً عالياً في التضحية بكل شئ في سبيل المبدأ والعقيدة … وأليس هو الذي سجن مرات دون أن يحرك الزعماء ساكناً للدفاع عنه والوقوف بجانبه؟ وأليس هو الذي وقف وقفة الرجل المؤمن بحقه يوم حادث رفاعة –يوم مشكلة الخفاض –التي تمخضت عن سجنه عامين؟ وهل هو غير ذلك الرجل الذي رفض المنصب والجاه في سبيل حرية رأيه ؟ وهل هو غير ذلك الرجل الذي أراد أن نكون في هذا الظرف العصيب مكافحين قبل أن نكون ساسة وعاملين على أخذ حريتنا دفعة واحدة وحالاً، ونكفر بتقسيط الحرية وسياسة التطور … وهذه الحركة العمالية التي تحركت اليوم تحركاً ملحوظاً –ألم تكن لمحمود يد في غرسها؟ وألم تكن له يد في تربيتها أيام كانت فكرة في المهد ؟ أجيبوني يا أصحاب الشأن ! وأخيراً أقول الحزب الجمهوري من أنشأه ؟ وأحب أن أسأل الزعماء سؤالين أرجو أن أحظى منهم بإجابة عاجلة على صفحات الشعب:
أولاً : كيف يعيش محمود ؟ وقد وردت في ذلك الأقاويل. ثانياً: سمعنا إشاعة لم تؤكد بعد تقول إن "محمود" ينوي الخوض في المعترك السياسي من جديد. وهل نأمل في زيارة الصحفيين لمحمود برفاعة ليشعروه بأن أثره في المجتمع وفي الحركة الوطنية باق؟ سعيد الطيب شايب)( صحيفة الشعب 13 يناير 1951م)
كان هذا تساؤل أستاذ سعيد الطيب شايب-رحمه الله- عن الأستاذ محمود فجاءه الرد التالي:
(بسم الله الرحمن الرحيم "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) صدق الله العظيم
جريدة الشعب السبت 27 يناير 1951م
حضرة صاحب جريدة الشعب ، ص ب 226 الخرطوم
تحية طيبة وبعد،
فقد اطلعت بعددكم السادس، على كلمة من الأخ سعيد يتساءل فيها عني، وقد أعلم أن كثيراً من الإخوان يتساءلون، كما تساءل، فلزمني لهم حق الشكر، ولزمني لهم حق الإيضاح.
عندما نشأ الحزب الجمهوري أخرج، فيما أخرج، منشورين أحدهما بالعربية : قل هذه سبيلي، والآخر
ضمنهما اتجاهه في الدعوة إلى الجمهورية الإسلامية .. ثم أخذ يعارضIslam the way outبالانجليزية
الحكومة في الطريقة التي شرعت عليها تحارب عادة الخفاض الفرعوني، لأنها طريقة تعرض حياء المرأة السودانية للابتذال، وعلى الحياء تقوم الأخلاق كلها، والأخلاق هي الدين.
ثم نظرت موضوع الدعوة إلى الإسلام، فإذا أنا لا أعرف عنها بعض ما أحب أن أعرف .. فإن قولك "الإسلام" كلمة جامعة، قد أسيئ فهم مدلولها الحقيقي، لأن الناس قد ألفوا، منذ زمن بعيد، أن تنصرف أذهانهم، عند سماعها إلى ما عليه الأمم الإسلامية اليوم من تأخر منكر .. وما علموا أن المسلمين اليوم ليسوا على شئ. فإنت إذا أردت أن تدعو إلى الإسلام، فإن عليك لأن ترده إلى المعين المصفى الذي استقى منه محمد، وأبوبكر، وعمر .. وإلا فإن الدعوة جعجعة لا طائل تحتها .. ولم تطب نفسي بأن أجعجع.
وبينما أنا في حيرة من أمري إذ قيض الله " مسألة رفاعة" تلك المسألة التي سجنت فيها عامين أثنين، ولقد شعرت، حين استقر بي المقام في السجن أني جئت على قدر من ربي، فخلوت إليه .. حتى إذا ما انصرم العامان، وخرجت، شعرت بأني أعلم بعض ما أريد .. ثم لم ألبث، وأنا في طريقي إلى رفاعة، أن أحسست بأن علي لأن اعتكف مدة أخرى، لاستيفاء ما قد بدأ .. وكذلك فعلت.
فهل حبسني ابتغاء المعرفة ؟؟ لا والله !! ولا كرامة ..وإنما حبسني العمل لغاية هي أشرف من المعرفة .. غاية ما المعرفة إلا وسيلة إليها .. تلك الغاية هي نفسي التي فقدتها بين ركام الأوهام والأباطيل.. فإن علي لأن أبحث عنها على هدي القرآن- أريد أن أجدها .. وأريد أن أنشرها .. وأريد أن أكون في سلام معها، قبل أن أدعو غيري إلى الإسلام .. ذلك أمر لا معدى عنه .. فإن فاقد الشئ لا يعطيه .. فهل تريدون أن تعلموا أين أنا من ذلكم الآن ؟؟ إذن فاعلموا : إني أشرفت على تلك الغاية، ويوشك أن يستقيم لي أمري على خير ما أحب. المخلص محمود محمد طه)(صحيفة الشعب 27 يناير 1951م)
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.