السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    بدر للطيران تدشن رسميا خط بورتسودان دنقلا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    توجيهات بحجز جميع المركبات والشاحنات المخالفة لقرار حظر تداول الحديد الخردة ونقل الحطب بالخرطوم    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    لجنة (الجاز).. المريخ (هوَ اللي بيطلع جاز)..!!    وزير الشباب والرياضة بنهر النيل يؤكد دعمه لتفعيل العمل الشبابي والرياضي بالولاية    المنصوري يتعهد بتقديم الدعم لتنمية الثروة الحيوانية بمحلية الحصاحيصا وجامعة الجزيرة    موعد تجربة سيري 2.0 لأول مرة على آيفون    مان سيتي يسرق الفوز من ليفربول    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    عبلة كامل حديث السوشيال ميديا رغم الغياب    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    انخفاض أسعار النفط والذهب والفضة يواصلان مكاسبهما    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    السودان.. الإعلان عن توفير 40 ألف وظيفة حكومية    السودان..تمديد فترة تسجيل طلاب الشهادة الثانوية للوافدين    ترامب يهاجم مغنيا شهيراً.. "رقصه مقزز وكلامه غير مفهوم"    وزير الشباب والرياضة يخاطب جماهير السَّلَمة الكباشي ويتكفّل برعاية البراعم والناشئين    مدير مستشفى سنار التعليمي يشيد بالمقاومة الشعبية والمنظمات لتطوير المستشفى    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    مشروب من مكونين يخفض وزنك ويحافظ على استقرار سكر الدم    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني من أبناء "المسيرية" يعلن انشقاقه من الدعم السريع ويقسم على المصحف بسحب كل أبناء القبيلة من المليشيا    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رسائل تولستوي وغاندي : عن المحبة والعنف وحقيقة الروح البشرية
نشر في حريات يوم 19 - 07 - 2016


ترجمة مروة عبد الله
هكذا صاغها «الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي» المعروف ب«ليو تولستوي» أحد أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر والمفكرين العظام. ولعلك تميزه من روايتيه المتربعتين على قمة الأدب الواقعي «الحرب والسلام» و«أنَّا كارنينا». كما أنه أشتهر بفلسفته عن المقاومة النابذة للعنف أو السلمية، التي عرضها تفصيلًا في كتابه «مملكة الرب بداخلك» والتي أبهرت شخصيات عظامًا حول العالم، لعل أبرزهم ال«مهاتما غاندي».
«موهانداس كرمشاند غاندي» المحامي الهندي الأصل، الذي ما لبث أن صار سياسيًا بارزًا خلال فترة تواجده في جنوب أفريقيا، ثم صار زعيمًا روحيًا في الهند ورائدًا لفلسفة مقاومة الاستبداد اللاعنفية. يبدو هناك تشابه في فلسفتي تولستوي والمهاتما غاندي، وهو ما برز جليًّا من خلال مجموعة رسائل بينهما.
نشر موقع «brainpickings» تقريرًا يستعرض أهم ما ورد في مراسلاتهما بشأن فلسفتهما في المقاومة اللاعنفية أو بعبارة أخرى «المقاومة السلمية».
في عام 1908، كتب «تاراكناث داس» الثوري الهندي مقالًا داعيًا فيه «تولستوي» لدعم استقلال الهند عن الحكم الاستعماري البريطاني. في 14 ديسمبر، بالفعل رد عليه «تولستوي» في رسالة طويلة، فهو الذي قضى الأعوام العشرين الأخيرة في عمره بحثًا عن إجاباتٍ للأسئلة الأخلاقية الكبرى في الحياة. وبعد نشر «داس» رد «تولستوي» في صحيفة «هندوستان الحرة» الهندية، انتشرت الرسالة حتى وقعت في يد «مهاتما غاندي» أثناء تواجده في جنوب أفريقيا.
سارع «غاندي» بمراسلة تولستوي طالبًا الإذن بإعادة نشر رده مترجمًا للإنجليزية في صحيفته «الرأي الهندي» في جنوب أفريقيا، ونشر الرد كاملًا تحت عنوان «رسالة إلى هندوسي».
تقول الكاتبة إن هذه الرسالة فجرت سيلًا من المراسلات بين «غاندي» و«تولستوي»، لم ينقطع إلا بوفاة الأخير. فتمخض عن تراسل كهذا مجموعة رسائل عظيمة جُمِعَت في كتابٍ واحدٍ بعنوان «Letters from One: Correspondence (and more) of Leo Tolstoy and Mohandas Gandhi» والذي ينافسه في أهميته مراسلات «أينشتاين» و«فرويد» عن العنف والطبيعة البشرية.
تطلق رسالة «تولستوي» دعوة واضحة للمقاومة «اللاعنفية»، إذ حذَّر فيها من الأيديولوجيات المضللة والفارغة -الدينية أو العلمية على حد سواء – التي تشجع على استخدام العنف الذي يعتبره «تولستوي» غير طبيعي في روح الإنسان، بل دخيلًا عليها.
فيدعو الإنسانية إلى العودة إلى حالتها الأساسية الطبيعية، المتمثلة في «المحبة». فكما يعتقد «تولستوي»، إن الشر لا يُقَاوَم إلا بالمحبة، وليس العنف. وهو ما ظهرت أصداؤه الرائعة في كتابات «مايا أنجلو» بعد عدة عقود.
تقول الكاتبة إن مقدمة غاندي للنسخة الأصلية، حيث يصف «تولستوي» بأنه «أحد أكثر المفكرين وضوحًا في العالم الغربي فضلًا عن كونه أحد أعظم الكتاب الغربيين»؛ تبين مدى فصاحة تحذيرات «تولستوي» لدرجة تطابقها مع وقتنا الحالي كما كانت منذ قرن مضى.
يقول غاندي: «لا شك أن ما يدعو له تولستوي ليس بجديدٍ، لكن بالتأكيد هناك قوة منعشة في عرضه الجديد لحقيقةٍ قديمةٍ، فمنطقه في العرض متفرد، لا سيما أنه يسعى جاهدًا لتطبيق ما يدعو له عمليًا، فهو صادقٌ يعظ ليقنع بالحجة، وجدي، وما يدعو له يستحق الانتباه».
في افتتاحيات خطابات «تولستوي» عادة ما كان يقتبس من «كريشنا» مصورًا خلفية لموضوع الخطاب، سواء أكان سياسيًا أو أخلاقيًا أو إنسانيًا. فكانت كلماته بمثابة تنبؤ غير طبيعي لما تواجهه الإنسانية اليوم من موجات عارمة من الاضطرابات السياسية والعنف الطائفي العرقي والصراع العالمي. فقد حاول «تولستوي» الوصول للسبب وراء خضوع السواد الأعظم من الناس لحفنة من الأشخاص، الذين بالتبعية يسيطرون على حياتهم، سواء كان الظالم والمظلوم من نفس الجنس أو من أجناس مختلفة.
وتوصل «تولستوي» أن السبب في ذلك هو غياب التعاليم الدينية العقلانية، والتي من شأنها تفسير معنى الحياة بما يقدم قانونًا أسمى، يكون بمثابة دليل مرشد للإنسان، إضافة إلى أن حلت محل التعاليم الدينية والعلمية المبهمة الزائفة، استنتاجات لا أخلاقية مستقاة منها بالأساس، وأطلق عليها «حضارة».
تتوقف الكاتبة عند تناول «تولستوي» للتعاليم الدينية، فهو يأخذها على محمل «التوجيهات الروحانية»، إذ كرس جزءًا كبيرًا من حياته محاولًا تمييز التوجيهات الروحية لنفسه عن طريق تَخَيُّر وانتقاء الحكمة من كل الديانات الرئيسية والمذاهب الفلسفية. وبالفعل يتناول هذا المنظور بمزيد من التوسع في بقية رسائله، فيقول «يتجلى داخل كل إنسان عنصر روحاني، يضفي حياة على كل ما هو موجود، ويجتهد هذا العنصر الروحاني كي يتحد مع كل شيء ذي طبيعة تشبهه، ولا يحقق هذا إلا بالمحبة».
يرى «تولستوي» أن ظهور تلك الفكرة في عصور وبلاد مختلفة، هو خير دليل على أنها حقيقة متأصلة في الطبيعة الإنسانية. إلا أن تجلي تلك الحقيقة أمام من يعتقدون أن الحفاظ على تماسك المجتمع ووحدته لا يتحقق إلا من خلال سيطرة فئة قليلة وخضوع الأخرى – الكبرى – لها، جعلها تبدو غير متسقة مع المجتمع القائم فعليًا، فضلًا عن إظهارها أنها حقيقة بها بعض القصور، فأنكروها.
ويشرح تولستوي كيف تمكنت الأيديولوجيات السياسية على مر العصور من سلب شريعة المحبة الأساسية واستبدلت بها قانون الخضوع العنفي. يذكر في رسالته أن في المجتمعات القائمة على الإذعان العنيف للسلطة، لطالما كان نشر الحقيقة محصورًا في يد طرف واحد فقط: الحكام ومن في السلطة. وإذا ما استشعروا أن الاعتراف بتلك الحقيقة سينتقص من مكانتهم ويقوض من سلطتهم، فهم يحرفونها – عمدًا أو لا شعوريًا أحيانًا – من خلال تفسيرات مغلوطة أو إلصاق إضافات غريبة إليها.
وبسبب هذا التحريف المتعمد أحيانًا، يدعو تولستوي لوجوب اعتماد حياة الإنسان في توجيهها على العنصر الروحاني الأساسي فيها، المتجلي في شريعة المحبة، «فتلك الحقيقة –المتأصلة في طبيعة الإنسان- شقت طريقها لإدراكه بصعوبةٍ وسط غموضٍ وتشويهاتٍ متعمدة أو أحيانًا غير متعمدة. فضلًا عن نضالها ضد العنف المتعمد الذي أقرته وسائل الاضطهاد والعقاب، التي سيق الإنسان لقبولها وأجبر على الخضوع لقانون ديني –محرف- أقره الحكام والمتعارض مع الحقيقة المتأصلة داخله».
تحاول الكاتبة تتبع الأسباب التي انتهت بشريعة المحبة مفرغة من محتواها فتعرض ما ذكره تولستوي في هذا الشأن. أكد «تولستوي» أنه لم يحدث على مر التاريخ أن أنكر أحد كون «المحبة» أسمى الأخلاقيات، لكن تشابك تلك الحقيقة مع كل أنواع الزيف والتضليل التي شوهتها أدى في النهاية إلى تفريغها من محتواها، فلم يتبق منها سوى كلمات خاوية.
علاوة على أنه تم تدريس «شريعة المحبة» -أسمى الأخلاقيات- على أنها حقيقة يمكن تطبيقها فقط في حيز الحياة الخاصة – أي داخل المنزل الواحد فقط -، بعكس الحال في الحياة العامة، حيث مباح استخدام جميع أنواع العنف كالاعتقال والإعدام والحروب من أجل حماية الأغلبية من شر البعض، على الرغم من تعارض تلك الوسائل مع «شريعة المحبة». فالفطرة السليمة والمنطق يؤكدان أنه إذا ادعى البعض بأحقيتهم في تقرير خضوع البعض الآخر للعنف – أيًّا كان نوعه – لأجل مصلحة المجتمع، فإنه من الطبيعي أن يصل المظلوم – الواقع عليه العنف – لاستنتاج مماثل، فيبيح لنفسه استخدام العنف ضد الفئة التي وظفت العنف لمصلحتها أولًا.
ومع ذلك، يذكر تولستوي أنه على الرغم من تنبؤ رجال الدين العظماء بهذا التحريف لشريعة المحبة، لم يتوانوا عن محاولة لفت الانتباه للحالة الوحيدة غير المتغيرة للمحبة (المتمثلة في تحمل الأذى والإهانة وجميع أنواع العنف دون مقاومة الشر بالشر). إلا أن الناس (بغض النظر عن دوافعهم) استمروا في محاولة توحيد المتناقضات: أي توحيد فضيلة المحبة مع ما يتعارض معها متمثلًا في مقاومة الشر بالعنف.
ولعل أبرز مظاهر التناقض الداخلي هو اعتراف البعض بفضيلة المحبة بينما يقبلون بنظام حياة تأسس على شريعة العنف متمثلة في التعذيب بل والقتل أيضًا.
يصوغ تولستوي تلك «الحقيقة البسيطة القديمة» قائلًا:
وكما تقول الكاتبة إنه بالإضافة إلى التفسيرات الخاطئة للدين، يتناول تولستوي قضية موازية تتمثل في «الاختزال العلمي» الذي شكل تهديدًا جسيمًا في بدايات القرن العشرين، حيث كان العلم في بداية اكتشاف تجزئة الكون المادي إلى وحداته الذرية الأساسية. فقد خشي الكثيرون أن يصل هذا الاكتشاف إلى الاعتقاد الأجوف بأن الإنسان ليس إلا مجموعة «أشياء» فيزيائية. يقول «تولستوي» إن الدين والعلم على حدٍ سواء يمكن أن يتسببا في خلق عقيدة خطيرة جامدة تعمينا عن رؤية أساسيات شريعة المحبة، وذلك إذا أُخِذت بقيمتها الصورية وجُرِدَت من الفوارق المميزة، ويصبح الأمر مجرد «استبدال خرافات علمية بخرافات دينية».
يرى تولستوي أنه من الخطأ فهم مصطلح «علمي» بنفس طريقة فهمنا السابقة لمصطلح «ديني»، فكل ما هو ديني كان فوق مستوى الشك ومنزهًا عن التساؤل بشأنه ببساطة لأنه ديني.
فكانت النتيجة أن كل ما يطلق عليه «علمي» صار منزهًا عن التشكيك فيه. فتحت تأثير الانبهار ب«الحقائق العلمية» أصبح السواد الأعظم من المرتدين يقبلون بسخافات «علمية» على أنها حقائق مقدسة منزهة عن التشكيك، مثلما قبلوا من قبل التبريرات «الدينية» الزائفة المضللة بحجة أنها مقدسة.
ويعود تولستوي للنقطة المركزية لرسالته مؤكدًا على دعمه دعوة «غاندي» للمقاومة اللاعنفية فيقول «المحبة هي السبيل الوحيد لإنقاذ الإنسانية من كل أمراضها، وفي المحبة ستجد الطريقة الوحيدة لإنقاذ شعبك من الاستعباد. فالمحبة ومقاومة الظالمين بالقوة ينطويان على تناقض مشترك، كفيل بأن يدمر مفهوم المحبة».
وبالنظر للاستعمار البريطاني للهند، يتساءل تولستوي متعجبًا كيف استعبدت مجرد شركة تجارية أمة تعدادها مائتا مليون شخص؟ فيقول إن مثل ذلك يكون ممكنًا فقط بسبب الناس أنفسهم، الظالم والمظلوم، وفشلهم في التواصل.
ويعتقد تولستوي أنه بمجرد أن يعيش الإنسان في تناغم تام مع طبيعة شريعة المحبة، فتترسخ في قلبه، يتكشف له أنها تشترط استثناء العنف من أي نوع من مقاومة الشر. وبمجرد حدوث ذلك، لن تتمكن أي فئة قليلة من استعباد الملايين، بل لن يقدر الملايين على استعباد شخص واحد.
فتلك الحالة التي يمر بها الشرق سبق وأن اختبرها الغرب، وهي تشبه ما يمر به كل شخص في انتقاله من مرحلة الطفولة للمراهقة للشباب فالنضج، فهو قد يفقد في كل مرحلة ما كان يرشده، فيعيش فترة بدون أي توجيه حتى يوجد معيار جديد يتناسب مع سنه، ولهذا اخترع الإنسان كل أنواع الوظائف والاهتمامات والملهيات وحتى السخافات ليصرف انتباهه عن البؤس وعبثية الحياة، ومثل تلك الحالة ربما تستمر طويلًا حسب رأي تولستوي.
عندما يتجاوز الإنسان مرحلة من حياته إلى أخرى، يأتي عليه حينٌ لا يستطيع التمادي في نشاطات عبثية كما السابق. ويعي أنه على الرغم من نموه فإن ما سبق يساهم في إرشاده، ولا يعني ذلك أنه سيعيش حياته بدون توجيه منطقي عقلاني، لكن يقول «تولستوي» إنه بالأحرى «يتحتم عليه أن يسبك لنفسه فهمًا للحياة يتناسب مع عمره».
إلا أن «تولستوي» يرى أنه لن يتسنى للناس الاعتراف بحقيقة شريعة المحبة إلى أقصى مداها إلا عندما يتحررون تمامًا من كل الخرافات الدينية والعلمية، ومن جميع ما يترتب عليها من تحريفات وتشويهات سفسطائية عرقلت الاعتراف بها عدة قرون.
ويضرب مثلًا، فيقول:
«لإنقاذ سفينة من الغرق، قد يتحتم إلقاء الصابورة في البحر، ففي حين أنها كانت ضرورية في مرحلة ما، الآن قد تتسبب في إغراق السفينة».
تقول الكاتبة إن تولستوي استشعر في تلك المرحلة أن التوتر العالمي كان على وشك الانفجار. وبالفعل اندلعت الحرب العالمية الأولى بعد أقل من خمس سنوات. تلك الكارثة التي بلغت حد التطرف في شدتها، وتصفها الكاتبة بأنها إحدى أشد الكوارث التي جلبتها البشرية على نفسها قتامة، مثلها مثل حروبنا الحديثة. ولا يزال الطريق أمامنا طويلًا حتى نصل لنقطة العودة لطبيعتنا الأساسية ألا وهي «المحبة». فجاءت الكلمات الختامية لتولستوي تصف المطلوب تحقيقه في الهند، وهو نفسه ما يحتاجه الإنجليزي والفرنسي والألماني والروسي.
فالمطلوب ليس دساتير أو ثورات، لا مؤتمرات أو مجالس شيوخ، وبالتأكيد ليس التقنيات الإبداعية في ملاحة الغواصات تحت الماء أو الملاحة الجوية أو حتى المتفجرات، كما لا حاجة لكل أنواع الإقناعات المسلية للأثرياء والحكام، ولا مضاعفة الأوراق أو الكتب، فضلًا عن عدم الحاجة للتصوير الفوتوغرافي أو السينمائي، أو ذلك الهراء الطفولي الفاسد الذي يطلق عليه «فن»، إنما يحتاج الإنسان إلى شيء واحدٍ فقط:
الحقيقة التي لا تحقرها أي من خرافات الدين أو العلم. حقيقة أن هناك شريعة واحدة فقط تصلح لحياتنا كافة، ألا وهي «شريعة المحبة»، فهي تجلب السعادة القصوى لكل شخص، كما تجلبها للإنسانية كلها.
ويدعو تولستوي «غاندي» إلى تحرير عقله من كل تلك الحماقات المتزايدة ضخامتها فتعوقه عن التعرف على الحقيقة. وبمجرد تحرره ستبزغ الحقيقة أمامه من وسط التَّرَّهات الدينية المضللة الزائفة التي لطالما ضيقت الخناق على الحقيقة. فتلك الحقيقة الأبدية التي لا شك فيها والمتأصلة في الإنسان، هي نفسها في كل الديانات العظيمة حول العالم.
وتختتم الكاتبة مقالتها بعرض مقدمة «رسالة إلى هندوسي» والتي كتبها «تولستوي» إلى «غاندي» في 7 سبتمبر (أيلول) 1910، أي قبل وفاته بثمانية أسابيع، مفتتحًا رسالته بطريقة مقنعة أكثر ودية:
«كلما تقدم بي العمر، وخاصة الآن بينما أشعر بدنو الأجل، تزداد رغبتي في إخبار الآخرين بما أستشعره بداخلي بكل قوة، وما أراه ذا أهمية بالغة – في رأيي – هو ما ندعوه بنبذ كل المعارضة بالقوة، والذي يعني ببساطة سيادة شريعة المحبة، دون تحريفات السفسطائيين. المحبة، أو بمعنى آخر توق روح الإنسان للاتحاد والسلوك المهادن الناتج عنه، تمثل شريعة الحياة الوحيدة والعليا، فكل شخص يعرف في قرارة نفسه ويستشعر في أعماق قلبه (وهو ما نراه بوضوح في الأطفال) أن أي توظيف للقوة بالتأكيد لن يتسق مع شريعة المحبة، وذلك طالما أنه لم ينخرط في شبكة أكاذيب الأفكار الدنيوية».
بالتأكيد تستحق «رسالة إلى هندوسي» قراءتها كاملة، فهي تعد إحدى محاولات «تولستوي» لإيجاد معنى في عالم فقد معناه، فكتاباته بلا شك عابرة لحاجزي الزمان والمكان.
مترجم عنWhy We Hurt Each Other: Tolstoy's Letters to Gandhi on Love, Violence, and the Truth of the Human Spirit
للكاتب
MARIA POPOVA
https://www.brainpickings.org/2014/08/21/leo-tolstoy-gandhi-letter-to-a-hindu/


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.