رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كمال الجزولي : مِزاجُ الجَّماهِير
نشر في حريات يوم 22 - 04 - 2018


ورقةٌ مستعادةٌ من رُزنامة قديمة
مِزاجُ الجَّماهِير
كمال الجزولي
(1)
أنماط التفكير الميكانيكي وحدها هي التي تعتبر "الأيديولوجيا" المحضة، كتركيبة صارمة من النُّظريَّات والنُّظم والعقائد، المكوِّن الوحيد ل "الوعي الاجتماعي" بمعزل عن "السَّايكولوجيا الاجتماعيَّة"، في حين أن "الوعي الاجتماعي"، كمقولة "سوسيولوجيَّة"، يفوق "الأيديولوجيا" المحضة وسعاً وعمقاً، من حيث الطابع المعقَّد وغير المنتظم لتشكيل طبقاته layers، ومن حيث إحاطته، ليس، فقط، بالدِّين، والفلسفة، والعلوم الاجتماعيَّة والطبيعيَّة، بل وبحياة الشَّعب النَّفسيَّة، والعاطفيَّة، والأخلاقيَّة، بحيث أن ما يندرج ضمنه من المضامين، ومن بينها موضوعة "المزاج"، أكثر بكثير مِمَّا يندرج ضمن "الأيديولوجيا" المحضة. غير أن هذا لا يعني، قطعاً، أن "السَّايكولوجيا الاجتماعيَّة" لا تتأثَّر ب "الأيديولوجيا"، إنَّما يعني، فقط، أنَّها تمتاز عنها بالسَّبق، من النَّاحية التَّاريخيَّة، وبالتَّجلي في مستوى الخصوصيَّة الدَّقيقة للنَّسيج الثَّقافي والنَّفسي الذي يشكِّل، على نحو عفوي، جماع المشاعر العامَّة، والانفعالات، والأذواق، والعادات، والسُّلوكيَّات، مِمَّا يمكن أن ينسب إلى جماعة ما، أو إلى طبقة أو فئة اجتماعيَّة، أو إلى شعب أو أمَّة.
ولأن "مزاج" الشَّعب ليس حالة معزولة عن مستوى "وعيه الاجتماعي"، فمن يولون اعتباراً خاصَّاً لاستقصاء هذا "المزاج" في العمل السِّياسى يلاحظون أن مؤشِّراته ظلت تسجِّل، منذ فجر الحركة الوطنيَّة في بلادنا، ميلاً قوياً باتِّجاه تكاتف، ووئام، ووحدة الصَّفِّ الوطني، ونفوراً واضحاً من الخلاف، والفرقة، والشِّقاق، حول القضايا الأساسيَّة، وأهمها إحلال السَّلام، وبناء النِّظام الدِّيموقراطي، وبسط الحريَّات والحقوق، وضمان العدالة والمساواة، وتجنيب البلاد التَّمزُّق والانقسام، وأوضاع التَّبعيَّة للقوى الأجنبيَّة، مِمَّا يتجلى، أكثر ما يتجلى، في الأغاني، والأهازيج الوطنيَّة، وسائر تعبيرات الوجدان الشَّعبي، والعقل الجَّمعي للجَّماهير. ولعلَّ في ذلك تفسيراً أوليَّاً سديداً لخلود "عزة الخليل"، مثلاً، على الصَّعيد الإبداعي، وانطفاء العشرات غيرها من القصائد والأناشيد التى سعت لتمجيد أحوال سياسيَّة أضيق من "مزاج" الجَّماهير التى توجَّهت إليها، ولا أبرِّئ نفسي، فقد كنت مِمَّن حسبوا "نحاس" مايو "ذهباً"، أوَانَ غَرارةٍ إبداعيَّةٍ باكرة!
وهكذا، فإن أيَّة محاولة للتعرُّف على الإرادة الشَّعبية العامَّة بالاستناد، فقط، إلى أنماط القياسات الميكانيكيَّة المبسَّطة، لدرجة انعكاس العلاقات الاقتصاديَّة الاجتماعيَّة من مستوى البنية التَّحتيَّة infrastructure إلى مستوى البنية الفوقيَّة superstructure، وإهمال الحالة الرُّوحيَّة الأخلاقيَّة التى تلعب الدَّور الأكثر حسماً في تحديد "مزاج" الجَّماهير الشَّعبيَّة، لهي محاولة محكوم عليها بالفشل الذَّريع، بل إنها لتتساوى، فى نتائجها النِّهائيَّة، مع عدم الإقرار، أصلاً، بجدوى التَّعرُّف على هذه الإرادة الشَّعبيَّة لدى تحديد الخيار أو الموقف السِّياسى.
(2)
بمستطاعنا إيراد ما لا حصر له من النَّماذج للتَّدليل على صِحَّة هذا الحكم. على أننا سنكتفي، هنا، بنموذجين ساطعين:
النموذج الأوَّل: الحساب غير الدَّقيق الذي أجراه الشِّيوعيُّون السُّودانيُّون ل "المزاج" الشَّعبى العام الذي أحاط ب "اتفاقيَّة الحكم الذَّاتي" التي وقَّعتها الحكومتان البريطانيَّة والمصريَّة، أواخر فبراير 1953م، مع كلِّ الأحزاب السُّودانيَّة، ما عدا "الحركة السُّودانيَّة للتَّحرُّر الوطني حستو"، حيث لم يروا فيها غير أنها أرجَأت لثلاث سنوات، هى فترة الحكم الذَّاتي، تحقيق مطلب الجَّلاء النَّاجز، وحقِّ تقرير المصير، وبناء وطن ديموقراطيٍّ حر، وضربت، فوق ذلك، قيوداً إضافيَّة على الحريَّات، ووفَّرت للحاكم العام البريطاني من السُّلطات والصَّلاحيَّات ما يمكِّنه من تدعيم النُّفوذ الاستعماري، وممارسة شتَّى أساليب الضَّغط على البرلمان. مع ذلك كان "مزاج" الشَّعب قد التفَّ، بقوَّة، حول الاتفاقيَّة، إلى حدِّ أنه لم يعُدْ مستعداً لتقبُّل أىِّ موقف ناقد لها، بالغاً ما بلغ من الدَّوافع الوطنيَّة، كالموقف الذى اتخذته "حستو"، مثلاً، وتضمَّنه كتيِّب "الاتفاقيَّة في الميزان" للشَّهيد قاسم أمين.
فبصرف النَّظر عن معقوليَّة الأساس الذى انبنى عليه ذلك النَّقد، من حيث التَّشكُّك فى نوايا الاستعمار الحقيقيَّة، انطلاقاً من هاجس الحدب على تجنيب قضيَّة الدِّيموقراطيَّة والحريَّات في الدَّولة الوطنيَّة المستقلة مزالق المؤامرات الاستعماريَّة، وبعيداً عن المعايير الموضوعيَّة "الباردة" ل "الصَّواب" و"الخطأ" فى ذلك الموقف، ورغم نضالات الشِّيوعيين في استنهاض طاقات الجَّماهير، آنذاك، ودفعهم لجهود بناء المنظمات النقابيَّة، والفئويَّة، وما خاضوا من دواس ضروس في سبيل ذلك مع الإدارة البريطانيَّة، وأجهزة مخابراتها، على شحِّ إمكاناتهم الماديَّة، وسقوط أنبل أبنائهم، كالشَّهيد قرشى الطيِّب، في معارك "الجَّمعيَّة التَّشريعيَّة" فى الخرطوم وعطبرة وغيرهما، بل ورغم تكفُّل الأيَّام وحدها بإثبات أن تلك الشُّكوك لم تكن بلا أساس، حيث أقدمت تلك الإدارة، فعلاً، بين يدي الشُّروع في تطبيق "الاتفاقيَّة"، خلال النِّصف الثَّانى من 1953م، على سنِّ "قانون النَّشاط الهدَّام"، تمهيداً لتأسيس دولة بوليسيَّة تجرِّد الاستقلال من معناه، ومع كلِّ ما تحمَّل الشِّيوعيون من قمع وتضييق في معركة إلغاء ذلك القانون، ليس في مواجهة البريطانيين وحدهم، بل وفي مواجهة بعض السَّاسة "الوطنيين!" الذين ألحفوا في المناشدات الوضيعة للمستعمرين كى "يساعدوهم!" فى القضاء على الشِّيوعية، مِمَّا فضحته وثائق المخابرات البريطانيَّة التي جرى الكشف عنها لاحقاً؛ بصرف النَّظر عن ذلك وغيره، فإن موقف "حستو" النَّاقد للاتفاقيَّة اعتبر، فى الحساب الختامي، مفارقاً ل "المزاج" الجَّماهيري الذي انفتح على آخره لاحتضانها، ما حدا بالحزب لتعديل موقفه إلى قبولها، عبر نقد ذاتي علني، خلال ما لا يزيد على أسبوع واحد (دورة اللجنة المركزيَّة، مارس 1953م).
(3)
النموذج الثانى: الأداء غير المحسوب جيِّداً، والذى انتهجته الأحزاب السِّياسيَّة التَّقليديَّة، بالمصادمة ل "المزاج" العام الذي خرجت به الجَّماهير، في كلِّ مرَّة، على صهوات انتصاراتها المؤزَّرة على الشُّموليَّة، واستعادة الديموقراطيَّة، لتجابه ذات القضايا الشَّاخصة في جبهات العمل السِّياسي والاقتصادي والاجتماعي كافَّة؛ أى "مزاج" التَّشوُّق لاستمرار "وحدة" نفس القوى التى نازلت الاستعمار، ودكتاتوريتي عبود والنميري، كي "تتجانس" مواقفها إزاء إيقاف حرب الجَّنوب، وتحدِّيات التَّنمية، وتعميق مفاهيم الوحدة الوطنيَّة، والسَّلام، والدِّيموقراطيَّة. ومن نافلة القول أن ذلك لم يكن ليعني تطابق المواقف، بقدر ما يعني إحسان التَّدافع على قاعدة مشروعيَّة الاختلاف، لا الخلاف، باتِّجاه بناء الدَّولة التَّعدُّديَّة الحديثة.
وإذن، فإن "وحدة" الارادة التي تجلت في أبهى حُللها لحظة إعلان الاستقلال من داخل البرلمان في ديسمبر 1955م، والتي ما انفكَّ الوجدان الشَّعبي يستحلبها كأنضر اللحظات في تاريخه المعاصِر، إن لم تكن أنضرها طرَّاً، هي جوهرة التَّاج في تكوين "مزاج" الجَّماهير الذي احتقب المطالبة ب "وحدة" الحركة الوطنيَّة والدِّيموقراطيَّة طوال السَّنوات اللاحقة. غير أن نكوص القوى التَّقليديَّة، عقب ثورة أكتوبر 1964م، إلى ذات الممارسة الشَّكلانيَّة للدِّيموقراطيَّة، والتي سبق أن وفَّرت مقدِّمات الشِّقاق اللازمة لانقلاب أرستقراطيَّة الجَّيش بقيادة عبود فى نوفمبر 1958م، هو الذى قعد بقدراتها السِّياسيَّة عن بلوغ أيِّ أفق أبعد من مصادمة "جبهة الهيئات"، وتصفية حكومة أكتوبر الأولى، ومعاداة القوى الصَّاعدة من الأحزاب، والنِّقابات، والمنظمات الجَّماهيريَّة، وتدبير حلِّ الحزب الشِّيوعي، وطرد نوابه من البرلمان، ثمَّ الاستهانة باستقلال القضاء، والانشغال، عموماً، بالتأسيس لدكتاتوريَّة مدنيَّة من فوق ما أسمته "الدُّستور الإسلامي"، مثلما أعجزها الأثر الضَّاغط لذهنيَّة القطاع التَّقليدي على هشاشة التَّجربة الدِّيموقراطيَّة عن تجاوز ضيق التَّشرذم الطائفي، والصِّراعات الحزبيَّة، وانشقاقات الأجنحة، ومكائد الاستقطاب الدَّاخلي، بكلِّ ما يلزم من عدائيَّات، ومجابهات، ومصادمات، فتَّت فى عضد التَّجربة الدِّيموقراطيَّة، وسمَّمت مناخ الفعل السِّياسى، وأسلمت الجَّماهير إلى "مشاعر" اليأس المُمِضِّ، و"مزاج" الإحباط الثَّقيل، باسم نفس الدِّيموقراطيَّة التي "هبَّت الخرطوم فى جُنح الدُّجى" تستعيدها بالمُهَج والأرواح في أكتوبر 1964.
وبعد أقلِّ من خمس سنوات انفتحت الأبواب على مصاريعها، مرَّة أخرى، لشيوع "المزاج" المعاكس الذى استقبل به الشَّارع "انقلاب الرُّوَّاد" فى مايو 1969م، أملاً في طريق آخر ل "الخلاص"، أو كما أنشد محجوب شريف "بعد يا مايو ما يئسنا"! ومعلوم أن المبدعين إنَّما يعبِّرون عن "مزاج" الشَّعب عفو الخاطر، لا عن البرامج السِّياسيَّة تمكُّثاً!
لكن، وكالعادة، ما أن تكشَّف "مايو" عن نظام شموليٍّ بغيض، حتَّى عادت الجَّماهير تتحمَّل عبء المجابهة للشُّموليَّة، واسترداد الدِّيموقراطيَّة. على أن المشهد القديم نفسه ما لبث أن عاد ليتكرَّر، للمرَّة الثَّالثة، منذ تلك الأمسية التي وقف فيها المرحوم عمر نور الدائم متحدِّثاً، ضمن كوكبة من قادة الأحزاب والنِّقابات، على منبر أوَّل مهرجان نصبته الجَّماهير بالميدان الشَّرقي لجامعة الخرطوم، احتفالاً بعُرس الدِّيموقراطيَّة المستعادة في أبريل 1985م، لتقاطعه الحشود، بما فيها قطاع كبير من جماهير حزب الأمَّة نفسه، باستهجان ساخط، وإرزام عنيف، لمَّا أفصح، في حديثه، عن نسبة ذلك الانجاز إلى حزب الأمَّة وحده، غير آبهٍ ل "المزاج" العام المنفعل من حوله ببشارات "التجمُّع الوطني الدِّيموقراطي" الذي كانت الجَّماهير قد عدَّته، بحق، أحد أهمِّ عوامل نصرها الغالي.
وهكذا تداعت الانهيارات، وتواتر نفض الأيدي عن "التجمُّع"، فتراكمت عوامل الفرقة لتسلم الجَّماهير إلى حالة مريعة أخرى من اليأس والاحباط، مِمَّا لم تكن ما سمِّيت "حكومة الوحدة الوطنيَّة"، فى الأسابيع الأخيرة من عمر "الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة"، مؤهلة لتبديده، كون تشكيلها نفسه وقع فى سياق تداعيات "مذكرة الجَّيش" التي مهَّدت لانقلاب الثَّلاثين من يونيو 1989م.
(4)
رغم كلِّ تلك النَّازلات ثبت أن الاستمساك بالدِّيموقراطيَّة، والذَّود عن الحريَّات العامَّة، والحقوق الأساسيَّة، قد تكرَّس، نهائيَّاً، كقانون ثابت لتطوُّر الثَّورة في بلادنا. ولهذا فإنه لمن سوء التَّدبير عدم إيلاء الحركة السِّياسيَّة الوطنيَّة والدِّيموقراطيَّة الاعتبار اللازم لأخطائها في تفسير "مزاج" الجَّماهير الذي قد يبدو متناقضاً، للوهلة الأولى، من حيث انفعاله، للتوِّ، بنصره المؤزَّر على الدِّكتاتوريَّة، واستعادة النِّظام الدِّيموقراطي البرلماني، ثمَّ "تعاطفه" الذي ما يلبث أن يتراءى للنَّظر المتعجِّل مع فعل الانقلاب التَّالي على هذا النِّظام الدِّيموقراطي نفسه، إما بالتَّرحيب الفصيح، ولو إلى حين، كما حدث تجاه انقلاب مايو 1969م، أو باللامبالاة السَّالبة، ولو إلى حين أيضاً، كما حدث بإزاء انقلاب يونيو 1989م، أو بخليط متفاوت من هذين الإيجاب والسَّلب، كما حدث، قبل ذلك، لدى استقبال القطاعات الشَّعبية لانقلاب نوفمبر 1958م.
على أن ذلك "التَّعاطف" ليس، في حقيقته، غير تمظهر خادع ل "المزاج" العام المُحبَط واليائس جرَّاء التَّشقُّقات، والانقسامات، والصِّراعات، مِمَّا ظلَّ يورث الجَّماهير، في كلِّ مرَّة، حالة "مزاجيَّة" من الإحباط، والملل، والسَّأم، والعزوف، واللامبالاة، مِمَّا لا يلبث أن ينفجر سخطاً عامَّاً على الأوضاع في ظلِّ النُّظم الدِّيموقراطيَّة نفسها، فلكأنَّها ليست هي ذات الجَّماهير التي خرجت البارحة لاستعادتها. وبالنتيجة يذوي الحماس، وتتبدَّد الحيويَّة، ويروح يستغرق الجَّماهير، المرَّة تلو المرَّة، ركام متكاثف من الكلس السِّياسي، بينما انتظارها لا ينفكُّ يتطاول، دون جدوى، لمعجزة تعيد الرُّشد، قبل أن تدُقَّ السَّاعة الخامسة والعشرون، إلى هذا الصَّفِّ الوطني والدِّيموقراطي المتشاكس، كيما يتوحَّد على إنجاز ما لا يزال عالقاً في فضاء قضاياها المُلحَّة، ولو كمردود مستحقٍّ، على الأقل، لتضحياتها الجِّسام في استعادة الدِّيموقراطيَّة.
ويشمل هذا الحكم أداء القوى الوطنيَّة والدِّيموقراطيَّة، تحت ظلال الأنظمة الدِّيموقراطيَّة أو الشُّموليَّة، حيث ظلَّ "المزاج" الشَّعبى يستمسك ب "وحدة" هذه القوى، ويستهجن تشاكسها، سواء في إطار التَّصدي لمهام البناء الدِّيموقراطي، أو في مستوى التَّصدِّي لمقاومة الشُّموليَّة.
ولأن ذلك كذلك، فمن المدهش، بل من المُحَيِّر، أن يعوِّل الشُّموليُّون على بعض أشكال "التَّمظهر الخيدع" فى تبرير شرعيَّتهم، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، مما يُعَدُّ قراءة خاطئة أخرى ل "مزاج" الجَّماهير! ولعلنا نجد التَّعبير الأوفى عن هذه القراءة الحولاء ل "شرعيَّة" مايو 1969م، مثلاً، فى تباهي النِّميري بالمواكب الحاشدة التي قال إنَّها خرجت "ترحِّب" بانقلابه بعد أسبوع واحد من وقوعه (جعفر نميرى؛ النَّهج الإسلامي لماذا، ص 85 86).
(5)
ليس "رضا" الجَّماهير، إذن، أو سخطها، بشاشتها أو غضبها، أملها أو يأسها، استبشارها أو إحباطها، إقبالها أو إدبارها، هو محض انعكاس "فوقي"، فحسب، لعلاقات الاقتصاد والاجتماع في قاع البنية "التَّحتيَّة"، بل إن جزءاً كبيراً منه ليشكِّل بعض وضعيَّة "مزاجيَّة" تندرج ضمن مباحث "السايكولوجيا الاجتماعيَّة".
والأمر كذلك فإن المرء ليحارُ كيف لم تتشكَّل، بعد كلِّ هذه الخبرات، كتلة ذات ثقل مرموق بين أذكياء الحركيين الإسلامويين، تحسن النَّظر في هذه الوضعيَّة، وتجيد الإصغاء إلى وجيب جلجلتها. ولو كانوا فعلوا، منذ البداية، لما كانوا ركلوا كلَّ ما وقع لهم من كسب فى ظلِّ الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة، فباتوا على ساعة من فعل عسكريٍّ خاطف، ليصبحوا على "مزاج" شعبي مُعَكَّر يصُمُّ آذانه عن أطنان من الشُّروحات، بينما يفتحها، عن آخرها، لسؤال واحدٍ فاره البساطة، بليغ العفويَّة، ألقى به الطيِّب صالح ذات خريف بعيد: "من أين جاء هؤلاء النَّاس"؟! وليت لكثير من السِّياسيين بعض فراسة المبدعين، فالأخيرون هم، من قبل ومن بعد، أدرى النَّاس ب (أمزجة) النَّاس!
كمال الجزولي.
ضاحية شمبات الهجرة.
2003م
***


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.