وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    عبد الله يونس.. الصورة الناطقة..!!    الأهلي الأبيض يبدع ويمتع ويكسب الهلال بثلاثية    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مِزاجُ الجَّماهِير .. بقلم: كمال الجزولي
نشر في سودانيل يوم 02 - 11 - 2016

أنماط التفكير الميكانيكي وحدها هي التي يمكن أن تتورَّط في اعتبار (الأيديولوجيا) المحضة، كتركيبة صارمة من النُّظريَّات والنُّظم والعقائد، هى المكوِّن الوحيد ل (الوعي) الاجتماعي) بمعزل عن (السَّايكولوجيا الاجتماعيَّة)، في حين أن (الوعي الاجتماعي)، كمقولة سوسيولوجيَّة، يفوق (الأيديولوجيا) المحضة وسعاً وعمقاً، من حيث الطابع المعقَّد وغير المنتظم لتشكيل طبقاته layers، ومن حيث شموله، ليس للدِّين والفلسفة والعلوم الاجتماعيَّة والطبيعيَّة، فحسب، بل ولحياة الشَّعب النَّفسيَّة والعاطفيَّة والأخلاقيَّة أيضاً، بحيث أن ما يندرج ضمنه من المضامين، ومن بينها موضوعة (المزاج)، أكثر مِمَّا يندرج ضمن (الأيديولوجيا) المحضة بما لا يقاس. غير أن هذا لا يعني، قطعاً، أن (السَّايكولوجيا الاجتماعيَّة) لا تتأثَّر (بالأيديولوجيا)، إنَّما يعني، فقط، أنَّها تمتاز عنها بالسَّبق، من النَّاحية التَّاريخيَّة، وبالتَّجلي في مستوى الخصوصيَّة الدَّقيقة للنَّسيج الثَّقافي والنَّفسي الذي يشكِّل، على نحو عفوي، جماع المشاعر العامَّة، والانفعالات و(الأمزجة) والأذواق والعادات والسُّلوكيَّات، مِمَّا يمكن أن ينسب إلى جماعة ما، أو إلى طبقة أو فئة اجتماعيَّة، أو إلى شعب أو أمَّة .. الخ.
ولأن (مزاج) الشَّعب لا يتمظهر كحالة معزولة عن مستوى (وعيه الاجتماعي) خلال الحقبة التَّاريخية المعيَّنة من حياته، فإن الذين يولون اعتباراً خاصَّاً لاستقصاء هذا (المزاج) في العمل السِّياسى يلاحظون، ولا بُدَّ، أن مؤشِّراته ظلت تسجِّل، منذ فجر الحركة الوطنيَّة في بلادنا، وحتى يوم الناس هذا، ميلاً قوياً باتِّجاه (تكاتف) و(وئام) و(وحدة) الصَّفِّ الوطني، ونفوراً واضحاً من (الخلاف) و(الفرقة) و(الشِّقاق) حول القضايا الأساسيَّة، وأهمها إحلال السَّلام، وبناء النِّظام الدِّيموقراطي، وبسط الحريَّات والحقوق، وضمان العدالة والمساواة، وتجنيب البلاد التَّمزُّق والانقسام، وأوضاع التَّبعيَّة للقوى الأجنبيَّة، مِمَّا يتجلى، أكثر ما يتجلى، في الأغاني، والأهازيج الوطنيَّة، وسائر تعبيرات الوجدان الشَّعبي، والعقل الجَّمعي للجَّماهير. ولعلَّ في ذلك تفسيراً أوليَّاً سديداً لخلود (عزة الخليل)، مثلاً، على الصعيد الإبداعي، وانطفاء العشرات غيرها من القصائد والأغنيات التى سعت لتمجيد أحوال سياسيَّة أضيق من (مزاج) الجَّماهير التى توجَّهت إليها، ولا أبرِّئ نفسى، فقد كنت مِمَّن حسبوا (نحاس) مايو (ذهباً) أوَانَ غَرارةٍ ابداعيَّةٍ باكرة!
وهكذا ، فإن أيَّة محاولة للتعرُّف على (الإرادة) الشَّعبية العامَّة بالاستناد، فقط، إلى أنماط القياسات الميكانيكيَّة المبسَّطة، لدرجة انعكاس العلاقات الاقتصاديَّة الاجتماعيَّة من مستوى البنية التحتيَّة infrastructure إلى مستوى البنية الفوقيَّة superstructure، وإهمال الحالة الرُّوحيَّة الأخلاقيَّة التى تلعب الدَّور الأكثر حسماً في تحديد (مزاج) الجَّماهير الشَّعبيَّة، لهي محاولة محكوم عليها بالفشل الذَّريع، بل إنها لتتساوى، فى نتائجها النِّهائيَّة، مع عدم الإقرار، أصلاً، بجدوى التعرُّف على هذه (الإرادة) الشَّعبيَّة لدى تحديد الخيار أو الموقف السِّياسى.
(2)
وإذا كان التَّدليل على صِحَّة هذا الحكم لازماً فباستطاعتنا إيراد ما لا حصر له من النَّماذج، على أننا سنكتفي، هنا، ولأغراض هذه المقالة، بنموذجين ساطعين، أحدهما من معسكر المعارضة، والآخر من معسكر الحكم:
النموذج الأول: هو حسابنا غير الدَّقيق، كشيوعيين، ل (المزاج) الشَّعبى العام الذي أحاط ب (اتفاقيَّة الحكم الذَّاتي) أواخر فبراير 1953م. فعلى الرغم من أن تلك الاتفاقيَّة التي وقَّعتها الحكومتان البريطانيَّة والمصريَّة مع كلِّ الأحزاب السُّودانيَّة، ما عدا (الحركة السُّودانيَّة للتَّحرُّر الوطني حستو)، قد أرجأت، ولمدَّة ثلاث سنوات هى فترة الحكم الذَّاتي، تحقيق مطالب الشَّعب بالجَّلاء النَّاجز، وحقِّ تقرير المصير، وبناء وطن ديموقراطي حر، وضربت، فوق ذلك كله، قيوداً إضافيَّة على الحريَّات، ووفَّرت للحاكم البريطاني العام من السُّلطات والصَّلاحيَّات ما يمكِّنه من تدعيم النُّفوذ الاستعماري، وممارسة شتَّى أساليب الضَّغط على البرلمان، إلا أن (مزاج) الجَّماهير والرأي الشَّعبي العام كان قد التفَّ، وقتها، بقوَّة حول تلك الاتفاقيَّة، استناداً إلى تصوُّرها مستجيبة لأشراطه، إلى حدِّ أنه لم يعُدْ مستعداً لتقبُّل أىِّ موقف معارض أو ناقد لها، بالغاً ما بلغ من الدَّوافع الوطنيَّة، كالموقف الذى اتخذته (حستو)، مثلاً، وتضمَّنه كتيِّب (الاتفاقيَّة في الميزان) للشَّهيد قاسم أمين.
فبصرف النَّظر عن معقوليَّة الأساس الذى انبنى عليه ذلك النَّقد وتلك المعارضة، من حيث الشُّكوك فى نوايا الاستعمار الحقيقيَّة تجاه المطالب الشَّعبيَّة، انطلاقاً من هاجس الحدب على تجنيب قضيَّة الدِّيموقراطيَّة والحريَّات في الدَّولة الوطنيَّة المستقلة مزالق المؤامرات الاستعماريَّة، وبعيداً عن المعايير الموضوعيَّة (الباردة) للصَّواب والخطأ فى ذلك الموقف، وبرغم نضالات الشِّيوعيين المشهودة، طوال السَّنوات السَّابقة على الاتفاقيَّة، فى سبيل الاستقلال، وإسهامهم غير المنكور في استنهاض طاقات الجَّماهير باتِّجاهه، ودفعهم الدءوب لجهود بناء المنظمات النقابيَّة والمهنيَّة والفئويَّة لأجله، وما لازم ذلك من دواس ضروس خاضوه، على شحِّ إمكاناتهم الماديَّة، مع آلة الإدارة الاستعماريَّة وأجهزة مخابراتها، وسقوط أنبل أبنائهم، كالشَّهيد قرشى الطيِّب، في سوح معارك (الجَّمعيَّة التَّشريعيَّة) فى الخرطوم وعطبرة وغيرهما، بل وعلى الرُّغم من أن الأيَّام وحدها قد تكفَّلت بإثبات أن تلك الشُّكوك لم تكن بلا أساس، حيث أقدمت الإدارة البريطانيَّة، فعلاً، وبين يدي البدء في تطبيق (الاتفاقيَّة) خلال النِّصف الثَّانى من عام 1953م، على سنِّ (قانون النَّشاط الهدَّام) تمهيداً لتأسيس دولة بوليسيَّة تجرِّد الاستقلال من معناه، ومع كلِّ ما تحمَّل الشِّيوعيون من قمع وتضييق في معركة إلغاء ذلك القانون، ليس في مواجهة البريطانيين وحدهم، بل وفي مواجهة بعض السَّاسة (الوطنيين!) الذين ألحفوا في المناشدات الوضيعة للمستعمرين كى (يساعدوهم!) فى القضاء على الشِّيوعية في السُّودان، وما إلى ذلك مِمَّا فضحته وثائق المخابرات البريطانيَّة التي جرى الكشف عنها خلال السَّنوات الماضية، بصرف النَّظر عن كلِّ هذا وغيره، فإن موقف (حستو) من تلك الاتفاقيَّة قد اعتبر، فى الحساب الختامي، مفارقاً ل (المزاج) الجَّماهيري الذي كان قد انفتح على آخره لاستقبالها بالتَّرحاب، الأمر الذي حدا بالحزب لممارسة النقد الذَّاتي العلني، وتعديل موقفه من رفضها إلى قبولها خلال ما لا يزيد على أسبوع واحد (دورة اللجنة المركزيَّة، مارس 1953م).
النموذج الثانى: هو الأداء السِّياسي غير المحسوب جيِّداً، والذى انتهجته الأحزاب والقوى السِّياسيَّة التَّقليديَّة، بالمصادمة ل (المزاج) العام الذي كانت الجَّماهير تخرج به، في كلِّ مرَّة، على صهوات انتصاراتها المؤزَّرة، لتجابه ذات القضايا الكبرى الشَّاخصة في جبهات العمل السِّياسي والاقتصادي والاجتماعي كافَّة، عبر الفترات التَّاريخيَّة الثَّلاث التي أعقبت يناير 1956م، وأكتوبر 1964م، وأبريل 1985م؛ أى (مزاج) التَّشوُّق الدائم لاستمرار (وحدة) نفس القوى التى نازلت الاستعمار، ودكتاتوريتي عبود والنميري، و(تجانس) مواقفها حول مهام إعادة البناء، ابتداءً من إيقاف الحرب الأهليَّة في الجَّنوب والتَّصدِّي الجَّاد لتحدِّيات التَّنمية، وانتهاءً بتعميق مفاهيم الوحدة الوطنيَّة والسَّلام والدِّيموقراطيَّة. ومن نافلة القول أن تلك الوحدة، وذلك التَّجانس، لا يعنيان، بالضَّرورة، تحقيق التَّطابق أو الانصهار، بقدر ما يعنيان إحسان الصِّراع والتَّدافع على قاعدة مشروعيَّة التَّعدُّد والاختلاف (لا الخلاف)، بحيث تتكامل الجُّهود في ما يتوجَّب الاتِّفاق حوله، وما أكثره، في وعي الجَّماهير بطبيعة مهام المرحلة، وبمستوى التَّجانس المفترض بين قواها الوطنيَّة والدِّيموقراطيَّة، بحيث تتحرَّك، على (تعدُّدِها)، عبر مساحة متَّسعة، نسبيَّاً، من اتِّفاق الحدِّ الأدنى حول تلك القضايا الأساسيَّة، وعلى رأسها بناء الدَّولة الدِّيموقراطيَّة الحديثة.
(وحدة) الارادة الشَّعبية التي تجلت في أبهى حُللها لحظة إعلان الاستقلال من داخل البرلمان عام 1955م، والتي ما انفكَّ الوجدان الجَّمعي يستحلبها كأنضر اللحظات في تاريخه المعاصِر، إن لم تكن أنضرها طرَّاً، هي، إذن، جوهرة التَّاج في تكوين (مزاج) الجَّماهير التي احتقبت المطالبة ب (وحدة) الحركة الوطنيَّة والدِّيموقراطيَّة خلال تلك الفترات الثَّلاث. غير أن استدارة القوى التَّقليديَّة، مجدَّداً، عقب ثورة أكتوبر 1964م، إلى ذات الممارسة الشَّكلانيَّة للدِّيموقراطيَّة، والتي سبق أن وفَّرت المقدِّمات اللازمة لانقلاب أرستقراطيَّة الجَّيش بقيادة كبار الجَّنرالات فى نوفمبر 1958م، من حيث مفارقتها ل (شروط) الرؤية الشَّعبيَّة ل (الوحدة)، هو الذى قعد بقدراتها السِّياسيَّة عن بلوغ أيِّ أفق أبعد من مصادمة (جبهة الهيئات)، وتصفية حكومة أكتوبر الأولى، ومعاداة القوى الصَّاعدة من الأحزاب والنقابات والاتحادات المهنيَّة والمنظمات الجَّماهيريَّة في المدن الكبيرة ومناطق الانتاج الحديث، وتدبير حلِّ الحزب الشِّيوعي، وطرد نوابه من البرلمان، والاستهانة باستقلال القضاء، والانشغال، عموماً، بالتأسيس لدكتاتوريَّة مدنيَّة من فوق ما أسمته (الدُّستور الإسلامي)، مثلما أعجزها الأثر الضَّاغط لذهنيَّة القطاع التَّقليدي على هشاشة التَّجربة الدِّيموقراطيَّة عن أن تتجاوز، قيد أنملة، ضيق تشرذمها الحزبي، وصراعاتها الدَّاخليَّة، وانشقاقات أجنحتها، ومكائدها في الاستقطاب والاستقطاب المضاد، بكلِّ ما يلزم من عدائيَّات ومجابهات ومصادمات فتَّت فى عضد التَّكاتف المرغوب فيه، وأضعفت التَّجربة الدِّيموقراطيَّة، وسمَّمت مناخ الفعل السِّياسى، وأسلمت الجَّماهير، بما في ذلك قطاعات واسعة من جماهير تلك القوى التَّقليديَّة نفسها، إلى (مشاعر) اليأس المُمِضِّ، و(مزاج) الاحباط الثَّقيل، باسم نفس الدِّيموقراطيَّة البرلمانيَّة التى "هبَّت الخرطوم فى جُنح الدُّجى" لاستعادتها بالمُهَج والأرواح في أكتوبر، مِمَّا فتح الأبواب على مصاريعها، مرَّة أخرى، لشيوع (المزاج) المعاكس الذى استقبلت به الجَّماهير (انقلاب البكباشى جعفر نميرى) فى مايو 1969م، أملاً في طريق آخر ل (الخلاص)، أو كما أنشد محجوب شريف: "بعد يا مايو ما يئسنا"! ومعلوم أن المبدعين يعبِّرون عن (مزاج) الشَّعب عفو الخاطر، لا عن البرامج السِّياسيَّة تمكُّثاً!
ونستطيع أن نقرِّر، باطمئنان تام، للأسف الشَّديد، أن المشهد نفسه عاد ليتكرَّر، للمرَّة الثَّالثة، مع فارق التَّفاصيل هنا أو هناك، منذ تلك الأمسية التي وقف فيها د. عمر نور الدائم متحدِّثاً، ضمن كوكبة من قادة الأحزاب والنقابات، على منبر أوَّل مهرجان نصبته الجَّماهير بالميدان الشَّرقى لجامعة الخرطوم احتفالاً ب (عُرس) الدِّيموقراطيَّة المستعادة في أبريل 1985م، لتقاطعه الحشود، باستهجان ساخط، وإرزام عنيف، كونه حاول نسبة ذلك الانجاز إلى حزبه (حزب الأمَّة)، غير آبهٍ، ولا منتبهٍ حتى، ل (المزاج) العام المنفعل من حوله، أوان ذاك، ببشارات (التجمُّع الوطني الدِّيموقراطي) الذي عدَّته الجَّماهير، بحق، أحد أهمِّ عوامل نصرها الغالي. ومن ثمَّ تداعت الانهيارات، وتواتر نفض الأيدي عن (التجمُّع)، باعتباره قد استنفد أغراضه، ولمَّا يكن قد استنفدها، بعدُ، حقيقة، في وعي الجَّماهير و(مزاجها) العام، فتراكمت عوامل الفرقة والشَّتات ذاتها لتسلم تلك الجَّماهير إلى حالة مريعة أخرى من اليأس والاحباط، مِمَّا لم تكن (حكومة الوحدة الوطنيَّة) التي تشكَّلت فى الأسابيع الأخيرة من عمر (الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة) مؤهلة بما يكفى لتبديده، كون تشكيلها نفسه وقع فى سياق تداعيات (مذكرة الجَّيش)، لا بقناعة تلك القوى، الأمر الذى مهَّد لانقلاب الجَّبهة الإسلاميَّة القوميَّة في الثَّلاثين من يونيو 1989م.
(3)
مع ذلك، وبرغم كل تلك النَّازلات، تكفَّلت الأيَّام بإثبات أن الاستمساك بالدِّيموقراطيَّة، والذَّود عن الحريَّات العامَّة والحقوق الأساسيَّة قد تكرَّس، نهائيَّاً، كقانون ثابت لتطوُّر الثَّورة والحراك الجَّماهيري في بلادنا. ولهذا فإنه لمن فساد النَّظر، وسوء التَّدبير، عدم إيلاء الحركة السِّياسيَّة الوطنيَّة الاعتبار اللازم لأخطائها في تفسير (مزاج) الجَّماهير الذي قد يبدو متناقضاً، للوهلة الأولى، من حيث انفعاله، للتوِّ، بنصره المؤزَّر على الدِّكتاتوريَّة، واستعادة النِّظام الدِّيموقراطي البرلماني، ثمَّ (تعاطفه) الذي ما يلبث أن يتراءى للنَّظر المتعجِّل مع فعل الانقلاب التَّالي على هذا النِّظام الدِّيموقراطي نفسه، إما بالتَّرحيب الفصيح، ولو إلى حين، كما حدث تجاه انقلاب مايو 1969م، أو باللامبالاة السَّالبة، ولو إلى حين أيضاً، كما حدث بإزاء انقلاب يونيو 1989م، أو بخليط متفاوت من هذين الإيجاب والسَّلب، كما حدث، قبل ذلك، لدى استقبال القطاعات الشَّعبية لانقلاب نوفمبر 1958م.
على أن ذلك (التَّعاطف) لا يعدو أن يكون، في حقيقته، محض تمظهر خادع ل (المزاج) العام المُحبَط واليائس جراء التَّشقُّقات والانقسامات والصِّراعات في صفِّ العمل الوطني والديموقراطي المفترض، الأمر الذى ظلَّ يورث الجَّماهير، في كلِِّّ مرَّة، حالة (مزاجيَّة) من الإحباط والملل والسَّأم والعزوف واللامبالاة، مِمَّا لا يلبث أن ينفجر سخطاً عامَّاً على الأوضاع في ظلِّ النُّظم الدِّيموقراطيَّة نفسها، فلكأنَّها ليست هي ذات الجَّماهير التي خرجت البارحة لاستعادتها. وبالنتيجة يذوي الحماس، وتتبدَّد الحيويَّة، ويروح يستغرق الجَّماهير، المرَّة تلو المرَّة، ركام متكاثف من الكلس السِّياسي، بينما انتظارها لا ينفكُّ يتطاول، دون جدوى، لمعجزة تعيد الرُّشد، قبل أن تدُقَّ السَّاعة الرابعة والعشرون، إلى هذا الصَّفِّ الوطني والدِّيموقراطي المتشاكس، كيما يتوحَّد على إنجاز ما لا يزال عالقاً في فضاء قضاياها المُلحَّة، ولو كمردود مستحقٍّ، على الأقل، لتضحياتها الجِّسام في استعادة الدِّيموقراطيَّة.
وليس ببعيد عن الصَّواب، أيضاً، ما سبق أن ألمحنا إليه من أن هذا الحكم لا يقتصر على أداء القوى السِّياسيَّة تحت ظلال الأنظمة الدِّيموقراطيَّة، فحسب، بل ويشمل أداءها، أيضاً، في أزمنة المعارضات. لقد ظل (المزاج) الشَّعبى يستمسك ب (وحدة) القوى الوطنيَّة والدِّيموقراطيَّة، سواء في إطار التَّصدي لمهام البناء الدِّيموقراطي الكبرى، أو في مستوى التَّصدِّي لمقاومة الشُّموليَّة.
ولئن كان ذلك كذلك، فلربَّما كان من المدهش، بل من المُحَيِّر حقاً، تعويل الشُّموليين، بالمقابل، على بعض أشكال (التَّمظهر الخادع) فى تبرير شرعيَّتهم، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، مما يُعَدُّ قراءة خاطئة أخرى ل (مزاج) الجَّماهير. ولعلنا نجد التَّعبير الأوفى عن هذه القراءة الحولاء ل (شرعيَّة) انقلاب مايو 1969م، مثلاً، فى قول النِّميري عن مواكب التَّرحيب التي استقبلته، بعد أسبوع واحد من وقوعه: ".. إن إجراءات عنيفة قد تمَّ اتخاذها، إعتقلنا العشرات من القيادات الحزبيَّة والطائفيَّة، ألغينا الأحزاب وواجهاتها المختلفة، وكان من الواضح أن هناك شعوراً بين الناس (بالرضى)، أو على الأقلِّ، ليس منهم من (أعلن) احتجاجاً على أىٍّ من هذه الاجراءات. ولكن هل يكفي ذلك لكي يكون دليلاً على (مناصرة) الزَّحف؟! .. تسربت أيام شهر مايو .. وتباطأت ساعات يونيو .. مرَّ اليوم الأول ، وفى صبيحة اليوم الثاني .. كان (الهدير). عشرات الآلاف (تهدر) ، مئات الآلاف (تهتف)، جموع العاملين (تزحف) ، من حيث تعمل ومن حيث تقيم. ولقد كان ذلك اليوم (المجيد) يوم (النصر) فى يقينى" (أقواس التَّشديد من عندنا جعفر نميرى؛ النَّهج الإسلامي لماذا، ص 85 86).
(4)
ليس (رضا) الجَّماهير، إذن، أو سخطها، بشاشتها أو غضبها، أملها أو يأسها، استبشارها أو إحباطها، إقبالها أو إدبارها، هو محض انعكاس (فوقي)، فحسب، لعلاقات الاقتصاد والاجتماع في قاع البنية (التَّحتيَّة)، بل إن جزءاً كبيراً منه ليشكِّل بعض وضعيَّة (مزاجيَّة) تندرج ضمن مباحث (السايكولوجيا الاجتماعيَّة).
والأمر كذلك فإن المرء ليحارُ كيف لم تتشكَّل، بعد كلِّ هذه الخبرات، كتلة ذات ثقل مرموق بين الحركيين الإسلاميين، تحسن النَّظر في تضاريس هذه الوضعيَّة، وتجيد الإصغاء إلى وجيب جلجلتها، ولو فعلت لوضعت أقدام الحركة بأسرها على أوَّل الطريق المفضي إلى الاصلاح. بل لو كانوا فعلوا، منذ البداية، لما كانوا ركلوا كلَّ ما وقع لهم من كسب فى ظلِّ الدِّيموقراطيَّة الثَّالثة، فباتوا على ساعة من فعل عسكري خاطف، ليصبحوا على (مزاج) شعبى مُعَكَّر يصُمُّ آذانه، بعناد، عن أطنان من الشُّروحات، بينما يفتحها، عن آخرها، لسؤال واحدٍ فاره البساطة، بليغ العفويَّة، ألقى به الطيِّب صالح ذات خريف بعيد: "من أين جاء هؤلاء النَّاس"؟! وليت لكثير من السِّياسيين بعض فراسة المبدعين، فالأخيرون هم، من قبل ومن بعد، أدرى النَّاس ب (أمزجة) النَّاس!
(من أرشيف الكاتب 2003م)
***
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.