أحلقت الطائرة فوق المطار المكسيكي، ألقت نظرة من النافذة فغطى بصرها ضبابٌ كثيف من أدخنة المصانع الكثيرة. زمت شفتيها وهى تفكر بتصميم ؛ فهي متأكدة من كونها، على الأقل، ستخلص الهواء من دخان مصنع واحد. لقد حضرت الأمريكية من أصل أفريقي “جوان شارب" لمواصلة معركتها التي بدأت بمصنع كانت تعمل به في شمال ولاية كارولينا الأمريكية حيث اكتشفت أن عمل المصنع يفرز غازات وكيماويات سامة تسببت في وفاة أكثر من 30 عاملاً وعاملة، وقادت حركة واسعة لإيقاف عمل المصنع ساعدتها فيها مجموعات كثيرة على رأسها تنظيم ” العمال السود من أجل العدالة” ونجحوا في إخراج المصنع من كل الولاياتالمتحدة. ولكنها علمت في مارس 1992م إن المصنع أعيد تشغيله في منطقة “التكت” بالمكسيك حيث العمالة أرخص والرقابة البيئية منعدمة، فنظمت جوان حركة شعارها “ليس المهم أن تدفن النفايات خلف بيتي فانا أعارضها حيثما يتم دفنها”، وفارقت أسرتها وهى تعرض نفسها للكثير متوجهة إلى المكسيك ومعها 200 صفحة من المستندات لتبدأ حملتها في تبصير المكسيكيين بالأخطار التي تحيط بهم دون أن يعلموا… ونجحت في إيقاف المصنع مرة أخرى.. لينتصر حب هذا الكون على الخراب والتدهور والجشع الأعمى .. صوت الموجات القوية الممازحة للشاطئ مختلطاً بأصوات الأطفال الراكضين السعيدين بالنزهة مفاجئة كان هو ما تسمعه بقرب النهر الكبير، “نهر النارمادا” في الهند، حيث نصبت “مدما ياتكار” خيمتها برفقة أخريات. وقفت المحتجات بين النهر وبين الآليات الثقيلة التي تم حشدها على ضفة النهر تمهيداً لعمل الردميات الأولية لسد كبير سيغير حركة جريان النهر وسيهجر الكثير من القرى حوله ويدمر نشاط الأهالي الاقتصادي. نظمت “مدما” حركة مناهضة قوية ضد السد، قائمة على الالتحام الطبيعي بين ما هو أمومي وما هو بيئي، حشدت لأجلها الآلاف من النساء ومئات التوقيعات من الجمعيات الناشطة، وفى ختام الأمر قررن الاعتصام بأسرهن قرب النهر حتى يتم سحب الآليات.. وفى ذات صباح سمع الأطفال النائمين هدير الآليات وهى منسحبة من الضفة “بحجة مزيد من الدراسة لمشروع السد”، صرخ الأطفال فرحاً وركضوا مهللين خلف السيارات الضخمة ملوحين ببراءة للسائقين الساخطين، وارتفع صوت التصفيق الهادر فوق صوت الآليات، تصفيق قوى ومتناغم مع خشخشة أساور النساء المنتصرات.. في ليلة حزينة من ليالي شهر ديسمبر عام 1984م تسربت 40 طناً من الغازات السامة من مصنع في منطقة بوبال بالهند، ليستيقظ السكان فيجدون أنفسهم مختنقين بالغازات وبالعبرات والدموع على فقد 3 آلاف شخص. كان الموت في كل مكان في الأسرة والشوارع وحتى حظائر الحيوانات، ركض 4 آلاف آخرين وهم متأثرين بشكل مباشر من الغازات السامة وبقى الموت حائماً.. ولازالت المعاناة من هذه الكارثة مستمرة.. ومباشرةً نظمت الهندية “ماهيلا أديوف” حملة لتحقيق العدالة بمحاكمة كل النظام الذي سمح بوجود المصنع وكل المتورطين في هذه الكارثة، وشاركتها النشاط “حميدابى” وهى هندية مسلمة من منطقة “الباستيس” وهى إحدى المناطق التي تأثرت بالكارثة بشكل كبير، وماطلت السلطات منح التعويضات للمتضررين الذين أصاب ألفاً منهم الفشل الكلوي والكبدي والعمى وأمراض أخرى ستلازمهم طوال حياتهم، وترى الشركة أن التعويضات يجب أن تتناسب ومستوى الهند الاقتصادي وليس ما تفرضه القوانين الأمريكية لهذه الحالات، وترى الناشطات أنه حتى ولو تم حسم الخلاف حول التعويضات فلن ينهى هذا المعركة إذ تقول حميدابى: ” لن نتوقف عن كفاحنا ضد تدمير البيئة حتى تتوقف النار المشتعلة بقلوبنا، إن نارنا تغذيها أجساد 3 ألف ضحية، لذا لن تهمد حتى تتحقق العدالة”. دوى صوت انفجار قوى في المكان وارتفعت سحابة سوداء كثيفة على الرؤوس لم يستطع المذعورين تلمس طريقهم في وسط الدخان الكثيف، سقط الآلاف وذلك عقب انفجار لمحطة توليد للطاقة الكهربائية تستخدم الوقود النووي في مدينة “شرنوبل” شمال أوكرانيا، وتعتبر هذه الكارثة التي حدثت في 26 ابريل 1986م الأسوأ إذ فاق تأثيرها قنبلة هيروشيما، حيث تأثرت بالإشعاع النووي المباشر مساحة تعادل مساحة دولة الكويت، وتم ترحيل أكثر من مليون مواطن من المناطق المتاخمة، ولازالت الأعراض والأمراض تظهر على المواطنين. وانتظمت النساء في حملة ضخمة جمعت غالب الناشطات وأعلنت شعارها بوضوح: “إن الرجال لا يفكرون بالحياة أنهم مشغولين على الدوام بهزيمة الأعداء والطبيعة..لذا فلتنتظم النساء لحماية هذا الكون..” إن علاقة النساء بالكون علاقة أصيلة ولها ما يدعمها، فالنساء كحافظات للنوع الإنساني يجدن أنفسهن أكثر حرصاً على نقاء وسلام هذه الأرض، لذلك ابتدرت الألمانية ماريا ميس وهى باحثة اجتماعية، والهندية “فاندانا شيفا” المتخصصة في الفيزياء النظرية، الكتابة حول موضوع النسوية البيئية، ورغم اختلاف خلفياتهما حيث تأتى “ماريا” من العالم الأول و”فاندانا” من العالم الثالث إلا إنهما تتفقان تماماً في حرصهما على خلق عالم نظيف ومتوازن ومتكافئ. ورغم إن التفكير في الدراسات البيئية عموماً كفرع متخصص قد بدأت مؤخراً، إذ بدأ الاهتمام بها في الستينات وتبلورت تماماً كمدرسة بحثية منفصلة في بداية الثمانيات من القرن العشرين، إلا أن النساء اندرجن فيها بسرعة إذ إن مؤتمر “المرأة والحياة في الأرض” الذي أقيم في مدينة “امهرست” في أمريكا كان في نهاية الثمانيات من القرن العشرين وأرخ لبداية الحركة النسوية البيئية. إن النسويات البيئيات يرين أن رأس المال العالمي تسيطر عليه رؤى ذكورية لا تضع اعتباراً لشيء سوى مضاعفة أرباحها، وأن العقلية الذكورية هذه دمرت البيئة وهي تؤسس نفسها وتستبقيها عبر استعمارها للأرض، وأن البديل للنمط الاستهلاكي الذي تفرزه هذه الرأسمالية الذكورية هو نمط أنتاج معيشي يعتمد الاكتفاء الذاتي، وأن تحرير النساء يتم عبر توحدهن على تحرير الأرض والطبيعة من التدمير البيئي، وأن النضال تجاه الرأسمالية التي تطحن فقراء العالم هو نضال تجاه الذكورية التي تسود الكون، فالرأسمالية تحاول إخضاع الطبيعة للإنسان وللرجل بالذات. وبذلك تشيع نمط تفكير بأنه لابد من إخضاع الطرف الثاني في أي علاقة ومن ثم تؤسس لظلم وقهر النساء. وفى ذات الاتجاه تنتقد البيئيات الحركات النسوية المطالبة بالمساواة لأنهن يعدن إنتاج ذات طريقة التفكير عندما يطالبن بأن تتفوق النساء على الرجال وترين أمان النساء يكمن في هزيمة الرجل وإخضاعه وأن التقدم لا يتم إلا بإلحاق الهزيمة بالآخر. وترين أيضاً أن النساء المطالبات بالمساواة المطلقة يردن أن يتقاسمن مع الرجال الثروات المادية لهذه الطبيعة، وأن التجربة أثبتت إن محاولة النساء لمقاسمة الرجال غنائمهم في البرلمانات أو العمل لم يكن ذا أثر على أوضاع النساء لأنه يتم تحت مظلة استغلال أكبر هي استغلال الرجل للكون، بل إن المطالبة بالمساواة العمياء جعلت من النساء جزء من الجيش والأساطيل الحربية التي تخرب هذا العالم وتدمره، ولذلك ترفض النسويات البيئيات بشدة المساواة القائمة على الاستغلال والقهر. وتبشر النسويات البيئيات بنموذج للحياة يعترف بأن الحياة هي الطبيعة، وأن هذه الحياة تقوم على التعاون والإحساس الإيجابي بالآخرين وتقوم على الود والحب والفهم المشترك وقبول وحدة العالم رغم تنوعاته واختلافاته، ويستخدمن مصطلحات “إعادة نسيج العالم ومعافاة الجروح…”، ويرين أن انتهاك الطبيعة مشابه لانتهاك الرجل للمرأة إذ تقول إحدى الناشطات في الحركة النسوية البيئية “إن رفضنا للحرب يتلازم مع كفاحنا من أجل الحرية.. أننا لم نلاحظ من قبل العلاقة الواضحة بين الرجولية وبين العنف والاغتصاب، هذا ما نتذكره كنساء من الحرب، وليس صدفة إن الحرب التي يقوم بها الرجال باستمتاع تشبه إلى حد كبير العلاقات الجنسية التقليدية بين الرجال والنساء، وما يعتريها من عنف وإخضاع وامتلاك وسيطرة هو ذات العنف الذي يسيطر به الرجال على الطبيعة والأرض. وترفض البيئيات فكرة إن حرية الإنسان وسعادته تعتمد على المنطق والعقلانية فقط، لذا اتجهن للبعد الروحاني للحياة، إذ اكتشفن الترابط والتشابك بين كل عناصر هذا الكون ووحدته، ويعتقدن أن الرأسمالية الشرهة قد أبعدت كل ما هو روحاني للسيطرة على الكون، ويجدن صلة بين ما هو مادي وما هو روحاني، فالروحانية في حنايا كل إنسان وهي التي تربط كل الحياة بحلقة متماسكة. إن الروح مندغمة في الجسد فهي متصلة به لا منفصلة عنه، وأن النساء بطبيعة تجاربهن هن الأقرب للروحانية. والتركيز الذي تعطيه البيئيات للروحانية هو إعادة لاكتشاف قدسية الحياة التي نادت بها كل الأديان السماوية، لذلك يرين أن هذا البعد الروحي يجب أن يتجلى في ممارسة حياتهن اليومية وبأشكال الاحتفاء المختلفة من غناء وموسيقى وعمل. إن تجربة النسويات البيئيات تستحق النظر والتقدير، وعلى الناشطات السودانيات دراستها بعمق والاستفادة منها، إن حبلنا السري يقطع مع الأم ليتصل مع هذه الأرض التي تستحق أن نساعد في شفائها لأنها أمنا الأرض هادية حسب الله [email protected]