مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    اكتمال عقد الجهاز الفني للكمال    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    شاهد بالفيديو.. نجمة السوشيال ميديا السودانية هبة الجندي تعود للظهور بعد غياب طويل بتقرير إخباري عن الأحداث السودانية وتطورها    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حريات تنشر مداخلتي الدكتور صديق امبدة المهمتين في لقاء الدوحة التفاكري
نشر في حريات يوم 09 - 10 - 2012

اللقاء التفاكري في الدوحة – سبتمبر 2012
مداخلة أولي: هموم النخبة وهموم غمار الناس : الدستور أم المعايش؟
د.صديق امبده
أسبقيات المثقفين – كما نشهدها الآن – تتمركز في مفاهيم وأشواق بعينها كالديمقراطية, وبسط الحريات, والتداول السلمي للسلطة, والدولة المدنية ,ووضع الدستور, وهل يكون علمانياً أم إسلامياً , وتطبيق الشريعة, وأسلمه المجتمع وغيرها. أما أسبقيات العامة (خاصة فقراء الريف والمدن) فهي غير (كما يقول أهل الخليج). وتتمركز في الحاجيات الأساسية من توفير الخبز, والرعاية الصحية, والمياه, والتعليم, والسكن, والمواصلات, وهي تمثل لهم الهموم الحياتية. وفيما يرون فان حقوق الإنسان تبدأ بتوفر وجبة الإفطار(كما جاء في مثل إفريقي).
كما نلاحظ فإن هموم النخبة هي أسبقيات الميسورين والذين يعيشون فوق خط الفقر (أي الشبعانين). بعضهم يدعوا الي تطبيق الشريعة ويعمل علي إقناع المحرومين بأن أخطاء الساسة التي تركتهم في مسغبة هي ابتلاء من الله, ويسوقونهم الي الموت جهاداً أو دفاعاً عن شرع الله (وتمكينه) لأغراض سياسية, وهم تحت المراوح والمكيفات .فأين يذهب هؤلاء يوم الموقف العظيم ؟ هؤلاء المحرومين والمسلمين بالفطرة ما هي همومهم ؟ علي سبيل المثال ,(امسك) قبائل التماس مع دولة الجنوب ,والنازحين واللاجئين في دارفور وجبال النوبة ,هل أسبقياتهم العودة الي ديارهم وانسياب التجارة والمصالح والبهائم والحدود مع دولة الجنوب ,أم تطبيق الحدود الشرعية علي المخالفين؟ إذا طبقت الشريعة- بأي فهم – أو لم تطبق , فهم مسلمون وتهمهم المعايش أولاً.
وتضج الساحة الآن بالجدل حول الدستور, وتنعقد الندوات حوله وتنفص وهو مهم لا شك. لكن هل هو أسبقية ؟منذ الاستقلال لم يحكم السودان بدستور دائم وهناك العديد منها (ربما أقل من عشرة بقليل), فهل تم احترام أي منها حتي في العهود الديمقراطية ؟ حتي الحكومات الشمولية لم تحترم الدساتير التي وضعتها هي وفصلتها وفق ما تريد(من دستورالنميري 1973 الي دستور التوالي 1998). هل حاكمنا العسكريين علي الانقضاض علي الوضع الديمقراطي والانقلاب عليه؟ وهل حاسبنا الأحزاب – في الأوضاع الديمقراطية – علي خرق الدستور أو عدم المحافظة عليه والتفريط فيه؟ هل حاسبنا المثقفين الذين ساعدوا الحكومات الشمولية ونظروا لها وتمرغوا في أوحال سلطتها وأموالها؟ كانت هناك دساتير تقنن جميع الحقوق في ألمانيا النازية وايطاليا الفاشية وكذلك في عهد صدام ومبارك, وكذلك في عهود الشمولية في السودان . لم تحمي تلك الدساتير شعوبها وحدث ما نعلمه جميعاً أليس كذلك؟.
الدستور مهم . نعم. وكذلك الديمقراطية والحريات الأساسية . لكن سرعان ما يلتفت الناس الي جوهر التغيير وهل أدي تحقيق الحرية والديمقراطية الي تغيير في حياة الناس الي الأفضل أم لا بما في ذلك العيش الكريم ورفع الظلم وتوفر الأمن في المال والنفس؟ أي تحقيق العدالة ورفع المظالم الفردية والجماعية. إن الأزمة الوطنية هي أزمة حكم وشعور بالظلم. إن ما يولد الأزمة هو الظلم , وهو الإقصاء والإفقار المتعمد والفساد والتوجهات العنصرية للدولة , أي سوء الحكم مما جميعه. باختصار غياب الحكم الراشد, وشعور البعض بأنهم ليسوا مواطنين كاملي الحقوق في وطنهم. وحتي الإنقاذ لو قسمت الظلم بالمساواة لاختلفت الأمور.
نعود لدجاجة السياسة وبيضها, أيهما الأول ؟ الدستور يصنع الاستقرار ام ان للاستقرار شروطاً مسبقة ليس أولها الدستور؟ اذا كان الهدف هو استدامة السلام المبني علي العدالة والمشاركة والتنمية المتوازنة , فيجب مسبقاً الاستعداد لإعادة هيكلة الحكم (بتفاصيل الشيطان) من يأخذ ماذا وكيف؟ لمن تكون المناصب السيادية والقيادية الأخري في الدولة في الفترة القادمة وعلي أي أساس يتم الاختيار لها والبرامج التي تضع لبنات العدالة الاجتماعية وازالة الفوارق التنموية والفترة الانتقالية (الطويلة) التي تهيئ للاستقرار بتطمين الجميع الي ان الأوضاع لن تكون كما كانت ؟ يمكن أن يجئ ذلك بمساومة تاريخية تعتمد الهبوط الناعم اذا توفرت الرغبة والإرادة السياسية من قبل المركز بحكومته وقواه الديمقراطية في المعارضة – علي السواء – علي إفساح المجال للمتظلمين تاريخياً من عدم المشاركة. افساح المجال لهم ليأخذوا دورهم في إدارة الدولة (كل الأحزاب ترشح أو تدعم مرشحين من الهامش لرئاسة الجمهورية مثلاً من بين أشياء أخري) (لأن الكل عايز كد َّة في السلطة) . ويقيني فإن هذه اللَفتة ستسحب نسبة هائلة من التوتر والاحتقان وتهيئ الجو لأي تفاوض.
وهنالك تحديات يجب إعطاء التعامل معها أسبقية (وتحتاج الي فترة طويلة نسبياً) قبل أي انتخابات تنافسية. ومنها كيف نضمن الأمن في سودان ما بعد المساومة التاريخية في ظل ما خلفه نظام الإنقاذ من توزيع للسلاح وتجييش للقبائل وعنصرية متصاعدة وإقصاء متعمد بالتمكين وتقسيم لبعض مستويات الحكم (المحليات) قبلياً, وتكسير للخدمة المدنية وفقدان قوميتها و كذلك حزبية القوات النظامية - علي الأقل في مستوي قياداتها العليا والوسيطة. أي كيف يفكك ويعاد تركيب النظام الذي خلفته الإنقاذ بما يمكِن من الاستقرار مستقبلاً وفي كم من الزمن يمكن ان يتم ذلك عملياً ؟ فالمطلوب هو إعادة هيكلة الدولة لتصبح دولة مواطنة فعلاً لا مجازاً وعكس التمكين – بالتفضيل الايجابي للمتظلمين – حتي يشعر الجميع أنهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات( أي الاتفاق علي وثيقة حقوق مثلما هو موجود في دستور 2005). ربما يتطلب الاستقرار كذلك ديمقراطية توافقية ,وربما أيضا حواراً حول فكفكة الأحزاب نفسها ومحاولة إقناعها بإعادة هيكلة أجهزتها لتواكب الأوضاع السياسية الجديدة اذا رأت ذلك . مثلاً تقليل هيمنة المكاتب السياسية علي مواقف الحزب بان تكون كلمة جماهير الحزب الممثلة في نوابه المنتخبين ديمقراطياً هي العليا. والسبب انه ومن واقع التجربة فان الأحزاب - خاصة الكبيرة منها – تاريخيا– لم تكن أسبقيات قياداتها هي دائماً أسبقيات جماهيرها, وتتأثر هذه الأسبقيات واختيار ممثلي الحزب في الحكومة ومؤسساتها باستلطافات النخبة وعلاقاتها المتشعبة واهتماماتها الكبيرة (الدولية والاقليمية فلسطين وغيرها) وهموم المدينة علي وجه العموم.
لقد انحسرت ثقة الهامش كثيراً (وربما نهائياً) في المركز وله أدلته الدامغة. فعلي سبيل المثال ماذا فعلنا كمثقفين – جميعاً حتي نحن الذين أتينا من ذلك الهامش – في أزمات الوطن الكبرى؟. ماذا كانت مواقفنا في حرب الجنوب التي استمرت أكثر من أربعة عقود؟ هل قمنا بجمع تبرعات مادية وعينية (لمجاعة عام 1984 في كردفان ودارفور), كما فعل الخواجات (بوب غيلدوف وغيره)؟ حرب دارفور وسنواتها العشر, والحرب المستمرة في جبال النوبة والنيل الأزرق, ماذا فعل أغلبنا؟ هل شعرنا بما يعانيه مواطنونا من الجياع والنازحين واللاجئين علي مر السنين ,أم أن إحساسنا كان متبلداً وكأن هذه المحن تحدث في أمريكا الجنوبية؟.
ان القيمة المضافة لمثل هذه اللقاءات للمثقفين هي أن تقدم مقترحات تخرج كل الفرقاء السياسيين من صناديقهم. ما هو التنازل الذي يمكن , أو يجب أن يقدمه كل منهم مقدماً ودون تفاوض ثمناً واستحقاقاً لمساومة تاريخية تحفظ ما تبقي من الوطن ,وترفع الظلم التاريخي عن بعض أهله, لننعم جميعاً بالسلام ونشمِر عن سواعد سياسية ومهنية تخط ِّط وتبني, تحقق العدالة وتحافظ علي وضع ديمقراطي يدير تعددنا الثقافي والأثني والديني والاجتماعي بذكاء يسمح بالتعايش في وطن لا شك يسع الجميع؟.
صديق امبده
اللقاء التفاكري الدوحة- سبتمبر 2012
مداخلة ثانية
التعليم في السودان : من التدهور الي الانهيار
د. صديق امبده
ان التعليم بوجه عام والجيد المجاني منه علي وجه الخصوص , هو بالنسبة للشرائح الفقيرة من المجتمع, السبيل الوحيد لصعود السلم الاجتماعي والخروج من دائرة الفقر والحاجة, ودونك الأجيال الأولي والوسيطة من المتعلمين. والأجيال الوسيطة هذه تشمل الحكام الحاليون والرأسماليون المرتبطون بالنظام من نفس الفئة العمرية , وتشمل كذلك أغلب المثقفين الفاعلين حالياً والمهنيين في دول المهجر الذين تبدل حالهم وأصبحوا من الميسورين . نحن نتحدث عن معدل العائد الخاص للفرد فقط وليس عن معدل العائد الاجتماعي الذي يبدل حال الدول والخروج بها بالكلية من دول فقيرة الي نادي الدول صاحبة اليد العليا. وعلي سبيل المثال فهناك كوريا وسنغافورة ,وماليزيا التي نسمع بها ويعرفها البعض, وهي الدول التي استثمرت في التعليم بكثافة وبعد نظر. وحتي في العالم العربي يمكن الاستشهاد بتونس وعراق صدام حسين وكلاهما استثمر في التعليم بوعي كامل لدوره في عملية التحول والتنمية.
لكن شرط تعظيم العائد الاجتماعي للتعليم هو ديمقراطيتة , أي توفيره للأفضلين أكاديمياً وليس القادرين مادياً فقط, بحيث ,لا نعاقب الفقراء علي فقرهم ونحبسهم في سجنهم ذاك بحرمانهم من الفرصة الوحيدة للخروج من محنة الفقر , ونحرمهم من المساهمة في بناء الوطن . فما الذي حدث في السودان فيما يختص بمجانية التعليم وصرف الدولة عليه وتوفيره. وماذا حدث لجودته, فيما يختص بالمناهج ومواكبتها للعصر وتقدم العلم؟ لننظر الي بعض المؤشرات.
جاء في صحيفة الأحداث عدد يوم 10/06/2012 أن وزير التربية والتعليم في ولاية الخرطوم أشار في حديثه في منتدى حماية المستهلك الي ان الصرف علي التعليم يبلغ 2.8% من الميزانية العامة و0.8%(أقل من 1%) من الناتج المحلي الاجمالي. وفي ولاية الخرطوم – كما تشير الصحيفة. تقوم مجالس الآباء بتغطية 94% من التكلفة الجارية وتساهم جهات أخري غير حكومية بحوالي 2.5% (والباقي تدفعه الدولة!!). وبانحسار توفير التعليم المجاني كما هو واضح, وتدهور البيئة التعليمية – وجودة التعليم , تحول عدد كبير من المواطنين بأبنائهم الي التعليم الخاص. فإرتفع عدد المدارس الخاصة في ولاية الخرطوم من 128 مدرسة في عام 1997 الي نحو 1500 مدرسة في عام 2011. ويضخ التعليم الخاص نحو ثلاثة مليار جنيه(بالقديم) سنوياً لخزانة ولاية الخرطوم (رسوم تجديد و2% من رسوم أي تلميذ) كما يقول رئيس إتحاد المدارس الخاصة. أما رسوم التلاميذ فتتراوح بين 500-2500 جنيه سوداني في المتوسط الي 15000 (مليون بالقديم) للتلميذ الواحد في بعض المدارس الفاخرة (مناهج بها لغة انجليزية وغيرها).
بالنسبة للتعليم الفني والذي يشكل الأساس لأي نهضة تنموية فتبلغ نسبة طلابه فقط 4.7% من طلاب التعليم الاكاديمي, والطاقة الاستيعابية لمدارس التلمذة الصناعية والتدريب الحرفي تستوعب أقل من 1% من الفاقد التربوي.
أما قطاع الرحل(2.7 مليون نسمة يشكلون 8.5% من السكان وجلهم (80%) في كردفان ودارفور) فتبلغ نسبة الاستيعاب فيه 30% وتنخفض النسبة حتي 14% لرحل شمال كردفان. اما في شمال دارفور فينخفض عدد تلاميذ الأساس (2009-2010) من 6134 في السنة الأولي الي 229 في الفصل الثامن (بانخفاض96%)- ربما لعدم وجود داخليات وغيرها. ويبلغ العجز في المعلمين نحو 40%. فأين يذهب الفاقد التربوي هذا(96%). في ظل الانتشار الحالي السلاح والانفلات الأمني فإن خياراته تتراوح علي الأرجح بين الجنجويد والنهب المسلح, فهل نحن منتبهون؟.
لقد كان قطاع التعليم هو الخاسر الأكبر في سنوات الانقاذ علي وجه الخصوص, فقد تم سحب الدعم منه ومجانية التعليم للفقراء, ثم تدخل النظام بشكل ضار في كل مفاصل العملية التعليمية ,فقلل سنوات الدراسة ,ومدد تعليم الأساس الي ثمانية سنوات في مدرسة واحدة رغم كل المحاذير التربوية, وقام بأدلجة المناهج وتغيير اسمائها فاصبحت للجغرافيا والتاريخ اسماء مثل ( نحن والعالم المعاصر ونحن والعالم الاسلامي) وللعلوم اسماء مثل (الاشياء من حولنا والانسان والكون والعلم في حياتنا) لتتم القطيعة المعرفية بين الآباء وابنائهم وتنفرد بهم المدارس المؤدلجة لتتم اعادة صياغة الانسان السوداني كما يريده النظام. كما تم تديين البعض الاخر بحيث لا تفرق بين منهج اللغة العربية والتربية الاسلامية, وتم تهميش اللغة الانجليزية, والغيت امتحانات النقل بين الفصول فأصبح التلميذ , وهو في الفصل الثامن اقرب الي الأمي. وتمت تصفية المعهد المتخصص, القدم والأكثر تأهيلاً في وضع في المناهج (بخت الرضا) في فترة قياسية (أسابيع وليست شهور).
كذلك تم تركيز التعليم الحكومي علي مدارس بعينها – النموذجية – وبأفضل التلاميذ والمعلمين ومعينات التعليم, وتركت غالبية مدارس الحكومة الأخري كمستودع للآخرين غير المستطيعين . والنتيجة الطبيعية لسحب التلاميذ الي المدارس النموذجية والخاصة, هي أن يختل التعليم العام وتختل مخرجاته كما علق علي ذلك البروفيسير محمد زين العابدين (جامعة الزعيم الازهري) في ملاحظاته علي نتيجة الشهادة السودانية لعام 2012. فقد لاحظ أن من بين المائة الأوائل هنالك 93% من الخرطوم العاصمة و80% من هؤلاء من المدارس الخاصة. ويتساءل اين بقية تلاميذ السودان والريف الذي كانت تحتل مدارسه الثانوية المراتب الاولي في الشهادة السودانية؟ هل اصبحوا فجأة اغبياء, وهل اصبح ابناء الميسورين من العاصمة هم فقط الاذكياء؟ والواضح أن هناك خللاً كبيراً في التعليم, وان المنافسة ليست حرة (أو شريفة) كما كانت في الماضي . لقد تكدس افضل المعلمين في الخرطوم وكذلك المعينات المدرسية من مباني ومعامل وكتب ومعلمين خاصين وغيرها. ويعني هذا ان الطبقة الحاكمة ستعيد انتاج نفسها وسيرث المسئولين ابناؤهم الذين ادخلوا المدارس الخاصة وتعلموا فيها لغة العصر(الانجليزية) ومعارف العصر والعلوم الطبيعية (التي تؤهل لكليات الرغبة الأولي (هندسة/طب الخ).
اما التعليم العالي فربما الحال أسوأ, فقد تمت توسعته بصورة لا تقبل المنطق ولا تحقق الأهداف المتعارف عليها للتعليم العالي المنوط بخريجيه قيادة البلاد ومستقبلها. فارتفع عدد الجامعات والكليات الجامعية (معاهد التعليم العليا) من حوالي سته (حكومية واهلية) الي حوالي عدد 47 جامعة وكلية( 26 منها حكومية) في خلال سنوات معدودة واغلبها في سنة واحدة دون اعداد كافي أو غير كافي. في العشر سنوات الماضية خر َّجت هذه الجامعات عدد مهولاً من الخريجين وفي المتوسط حوالي 50 ألف بكالوريوس و15 ألف دبلوم. (في عام 2009/2010 كان هناك 65 ألف من الخريجين حاملي البكالوريوس و20الف من حاملي الدبلوم). واستيعاب سوق العمل في المتوسط كان 15-20 ألف .ونتيجة لذلك فقد ارتفعت بطالة الخريجين الي 80-90% في بعض التخصصات ,وهناك خريجون لم يعملوا منذ تخرجهم في عام 2000 كما جاء في إحدى الصحف . وللأسف فان الذين يجدون فرص العمل هم أبناء الميسورين ذوي العلاقات وليس اللذين لمرتب الوظيفة. و قد جاء في أحد البحوث أن 76% من الخريجين العاطلين هم من أسر فقيرة ( في الأكل و الشرب ) .
ليس ذلك بمستغرب إذا علمنا انه و في عام 2004/2005 كان 82% من طلاب السنة الأولى طب جامعة الخرطوم كانوا من الخرطوم و كذلك 72% من طلاب السنة الأولى صيدلة و 74% من طلاب طب الأسنان . و كما لاحظ البروفسير محمد الأمين التوم في كتابه حول التعليم العالي (2009) فقد تدهور التعليم العالي بشكل مريع . و يكفي أن نشير إلى أن مكتبة جامعة الخرطوم قد أوقفت الإشتراك في الدوريات المطبوعة منذ (1993) و أن نسبة الطلاب قد إرتفعت في جامعة الخرطوم من 16 :1 في عام 1970 و 25 :1 في 1980 الى 33 : 1 في عام 2004 /2005 و في بعض الجامعات إلى 405( النيلين) و 551 (القضارف ) . أما البحوث الأكاديمية فنادرة و جامعة الخرطوم لوحدها لها 77% من البحوث المنشورة ( فأين بقية الجامعات ) . و اختفت أو اختلفت الأسس المعلومة للتعيين و الترقي للأساتذة و التي كانت سمة احترام الجامعة في السودان . وأخيرا فقد سمح بالقبول الخاص 1997في عام (10%) ثم ارتفع إلى (25% ) و تداولت الصحف هذا العام ارتفاع النسبة إلى 50% .
إن تحديات العودة إلى تعليم ذو معنى كبيرة لا شك ، فبناء المواطنة يعتمد في الأساس على التعليم و أهدافه. كيف نعود للمدارس الثانوية القومية ( في الأقاليم و الولايات ) و قد كانت بوتقة انصهار حقيقي للطلاب و جعلت منهم السودانيون الذين نعرفهم ؟ كم تكلف ماليا, و هل يمكن إعادة توزيع و نقل المعلمين الممتازين إلى الأقاليم المختلفة ؟ و ماهي المحفزات من سكن و مرتبات و تعليم أبناء و غيرها ؟ كذلك اختفت – بفعل الزمن – الذاكرة المؤسسية حول التعليم العالي من حيث أسس القبول و إدارة الجامعات و عدالة الفرص و شروط الالتحاق بسلك التدريس و البعثات ( و تكلفتها ), و إعادة اللغة الانجليزية و نظم الترقي الأكاديمي . هنالك أيضا موضوع كيفية معالجة العدد الكبير من الجامعات و الكليات التي لم تتوفر لها الشروط اللازمة . هل يمكن دمج بعضها أو تصفية البعض الأخر و هل تقبل الأقاليم التي اعتبرتها مكاسب لها؟ شيئ أخير و على درجة من الخطورة و هو كيف يمكن اقتلاع أساتذة تسربوا لمناصب التدريس في الجامعات دون المؤهلات المتعارف عليها ؟ و هناك أحاديث متداولة عن انتخاب بعض منتسبي النظام من وقت مبكر لينضموا إلى سلك التدريس مستقبلا و لذلك ترفع درجاتهم في الفصول ما قبل النهائية ، ليحرزوا الشهادة المؤهلة لسلك التدريس ، فكيف يمكن فرز هؤلاء؟ و إن صح هذا فإن نتائجه ستكون كارثية لمستقبل التعليم العالي في السودان لأن مثل هؤلاء سوف لا ينتجون إلا تعليما مشوها خاليا من الدسم. اللهم لطفك.
صديق امبده


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.