في رحاب الرحمن الرحيم اللواء عبد العال محمود ..    النائب السابق لأمين جهاز السودانيين بالخارج في إفادات لأ(الراكوبة) حول حوافز المغتربين    الفشقة الجيش ينتزع معسكر يماني الاستيطاني    المنافسة بين أمريكا والصين تشتعل .. تطبيق جديد (يوتيوب شورت) .. هل يسحب البساط من تيك توك؟    القبض على افراد بالدعم السريع وحركة جيش تحرير السودان "جناح مني" يتاجرون بالمخدرات    السعودية تشترط تلقي لقاح كورونا لأداء الحج هذا العام    5 دول عربية بينها السودان تعاني من انهيار العملة    حميدتي يشكر الامارات علي دعمها السخي للسودان    الكاف يصدم المريخ قبل مباراة سيمبا التنزاني    الهلال السوداني يقترب من التعاقد مع مساعد مورينيو    حركة مسلحة تبدي قلقها حيال أعمال عنف قبلي في بلدة بجنوب دارفور    128 ألف جرعة لقاح كورونا تصل السودان.. وكشف طريقة التوزيع    فارس النور: شاركت حميدتي لصدقه ولا الوم من ردموني    الفريق صديق: مادبو وودعه اعتذرا عن ترشيحهما للتشريعي    الشغيل يقود الهلال أمام شباب بلوزداد    مساعد مورينيو مدربًا للهلال السوداني    وزير المالية مغرداً: في طريقنا إلى بورتسودان لحلحلة الإشكالات الخاصة بالميناء    حميدتي: الشباب السوداني أبهر العالم بسلمية ثورته    وزارة الخارجية تشرع في التحضير لمؤتمر باريس    الخزانة الأمريكية تفرض عقوبات على قياديين حوثيين    بنك السودان يكشف عن موعد انسياب 1.8 مليار دولار من تعهدات مؤتمر برلين    البرهان في زيارة جديدة لاكمال ملف التطبيع مع اسرائيل    رئيس مجلس ادارة شركة كوماتس يحول مبلغ 10 مليون درهم بالبنك    دراسة جديدة: تناول اللحوم يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والالتهاب الرئوي    صادر الماشية.. البروتوكول مقابل التصدير    السيسي في الخرطوم.. زيارة الملفات الساخنة    الخسف .. بقلم: عوض محمد صالح    قراءة في كتاب "الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى الى ثورات الربيع العربي" .. بقلم: أ.د. أحمد محمد احمد الجلي    الغاء كافة الرسوم المفروضة على المغتربين والمهاجرين وتحديد رسم موحد    الهلال السوداني يحصل على رخصة دخول الجزائر    حريق هائل يقضي على أكثر من 50 منزلا في غرب كردفان    د. حمدوك يمتدح التنسيق بين وزارة الصحة واليونيسيف لوصول لقاح الكورونا    إشراقة سيد تنعى والدتها : رقد قلبي في قبرها و انطفأ نور عيني ..    الهلال يكتسح هلال الفاشر بسداسية    خطبة الجمعة    وهل أن سرقوا نسرق….. حاشا لله    أماندا قورمان…عوالم من الشِعر والدهشة !!    سيف الجامعة.. مشروع وسيم    (عفواً مبدعي بلادي )    قرار أمريكي بإعطاء الأولوية للسودانيين بالحصول على تأشيرة الهجرة    الكشف عن تفاصيل جديدة حول حرق مليارات الجنيهات في أمدرمان    رسالة هامة في بريد وزير الداخلية: معلومات ثمينة عن تجار العملة في الداخل والخارج    فيديو: صلاح مناع: البرهان وحميدتي منعا التحقيق مع وداد بابكر ... البرهان هو من أمر بإطلاق أوكتاي    الهاجري : الرياض قادرة على الدفاع عن سيادتها والحفاظ على امنها فى ظل التوحد بين القيادة والشعب    في عصر العملات الرقمية.. ماذا تعرف عن دوجكوين؟    مكارم بشير: : قرار البرهان بشأن فتح الصالات شجاع    من الصحافة الإسرائيلية: السودان على الطريق الصحيح ومن مصلحة الدول الأخرى اتباع مسارها    البشير في محكمة إنقلاب ال30 من يونيو: لست نادماً على شيء    السودان يندد بهجمات الحوثيين على السعودية ويصفها بالإرهابية والمنافية للأعراف    ترامب: في اول رد فعل غير مباشر علي اتهام صديقه العاهل السعودي .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    حِنّة ودُخّان، خُمْرة ودِلْكة وأحلى عطور.. ذوق وفهم و"كمال" استلم المجال .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    المجلات الثقافية المصرية.. الرسالة والأزمة .. بقلم: د. أحمد الخميسي    الجرح المنوسِر... بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الامين    وأخيرا ابتسم حمدوك .. سيد الاسم .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    هل الطموح الاِقليمي الأوروبي لإنقاذ النفس محكوم بالفشل، بينما يكون بقية العالم مضطرباً؟ لا مخرج من الوباء بدون تضامن .. تقديم وترجمة حامد فضل الله/برلين    كبر: اتهامي بغسل الأموال استند على ضخامة حسابين    ضبط شبكة أجنبية تُدخِل أبناء المغتربين بالجامعات في عالم الإدمان    مشرحة ود مدني .. موتي بلا قبور ! .. بقلم: نجيب ابوأحمد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المعرفة الاستعمارية وارث السودان السياسي … الاستاذ عبدالله الفكي البشير


ورقة بعنوان:……
المعرفة الاستعمارية وإرث السودان السياسي ….
قراءة في إسهامات البروفيسور عثمان النقدية …..
Colonial Knowledge and Sudan Political Heritage:
a Study of Prof. Osman El-Bieli's Critical Contributions
ندوة: جهود أ. د. عثمان البيلي العلمية وعطاءاته الإنسانية
Prof. El-Bieli: Scientific Efforts and Human Product (26 March 2012)
كلية الدراسات الإسلامية في قطر، مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع
مركز قطر الوطني للمؤتمرات، المدينة التعليمية، الدوحة، الاثنين 26 مارس 2012م
إعداد: عبدالله الفكي البشير
باحث سوداني مُقيم بدولة قطر
[email protected]
لمعرفة الاستعمارية وإرث السودان السياسي
قراءة في إسهامات البروفيسور عثمان النقدية
مدخل
تسعى هذه الورقة إلى تسليط الضوء على إسهامات البروفيسور عثمان البيلي في نقد إرث السودان السياسي، وإشاراته إلى المعرفة الاستعمارية ودورها في التكوين الفكري والمعرفي للمثقفين، ومن ثم تحكمها في تحديد مسار السودان. تثبت الورقة النصوص النقدية من مصادرها في كتابات البيلي، ثم تقدم ملاحظات تحليلية حولها من خلال الاستقراء في تاريخ السودان وإرثه السياسي. تحاول الورقة مستصحبة كتابات البيلي، أن تقف على دور المعرفة الاستعمارية في خلق اطار معرفي، من أهم ملامحه غرس الصراع وتأجيجه واستمراره في دوائر المثقفين، الأمر الذي انعكس سلباً على مسار السودان، وأدى إلى استمرار حالة الفشل في تحقيق التسوية الوطنية، ومن ثم وضع السودان في موضع القابلية للتشظي. تخلص الورقة إلى أن تحقيق التسوية الوطنية، والاستقرار وتفادي تشظي السودان، يتطلب القيام بمراجعات واسعة للإرث السياسي، ونقد شامل وعميق لإرث الاستعمار المعرفي بغرض تحرير العقول وتفكيك البناء المعرفي الاستعماري للمفاهيم والتصورات لطبيعة القضايا وجذور المشكلات. ولتحقيق هذه الأغراض فقد تهيكلت الورقة في المحاور التالية:
 كتابات البيلي في الشأن السوداني El-Bieli's Writings on Sudan Affairs
 التعليم في السودان: من شراب الحروف إلى الوقوف في الطابور
Education in Sudan: from Drinking Letters in “Khalwa” to Standing in the Morning Queue at School
 المعرفة الاستعمارية والمثقفون: Colonial Knowledge and the Intellectuals
 تعليم الجدل ومنع العمل Learning Argumentation and Disrupting Work
 تهيئة المناخ الصفوي وتعميق الانبتات الثقافي
Creation of Elite Environment and Deepening of Cultural Alienation
 تخفيض السقف المعرفي وصناعة القادة Lowering Knowledge Ceiling and Making Leaderships
 تجميد حركة التغيير Freezing Change Movement
 المعرفة الاستعمارية وإرث السودان السياسي Colonial Knowledge and Sudan Political Heritage
 المعرفة الاستعمارية والثأرات السياسية: سياستي التطهير والتمكين
Colonial Knowledge and Political Vengeance: Purging and Empowerment Policies
 خاتمة Conclusion
 قائمة المصادر والمراجع References
 ملاحق Annexes
 سيرة ذاتية مختصرة للبيلي El-Bieli: Brief Biography
 بعض ما نشره البيلي El-Bieli: Some Publications in Arabic and English
كتابات البيلي في الشأن السوداني
نشر المؤرخ والمحقق، البروفيسور عثمان البيلي بالإضافة لما كتبه باللغتين العربية والإنجليزية في مجال تخصصه في تاريخ الإسلام والشرق الأوسط، نشر العديد من الأوراق العلمية والمقالات التي تتناول الشأن السوداني. اتسمت كتاباته عن السودان بالطابع النقدي، وبالتنوع والكثرة برغم ترديده الدائم لعبارة “أنا لست متخصصاً في السودان”. أبقى بعض تلك الكتابات في مظانها في الدوريات السودانية والعربية والأفريقية، وجمع بعضها الآخر في كتابين. وسم الكتاب الأول ب: بعض أوراق هموم عربي إفريقي، ونشره عام 1992م، ووسم الثاني ب: جوانب من الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا، ونشره عام 2005م. علَّل سبب اختياره لوسم كتابه الأول قائلاً: (وقد وصفت المجموعة بهموم “عربي أفريقي” لأن ذلك واقعي وما أردت أن تعكسه هذه الأوراق…). وعن محتوى أوراق هموم عربي إفريقي، وعن طبيعة الاهتمام فيها، ووحدة المجموعة الأولى منها، كتب في المقدمة قائلاً: (ووحدة تلك المجموعة هي الاهتمام بأمور العلم والتعليم والسياسة من باب دور المثقف في اطار انتماء السودان العربي الأفريقي). نشر أوراق هذه المجموعة أول مرة ما بين 1965م-1969م. الشاهد أن البيلي كتب باكراً في الشأن السوداني، وبرؤية نقدية. فقد نقد المعرفة الاستعمارية ودورها في تكوين المثقفين والقادة في السودان وفي العالم الثالث، وتحدث عن آثار المعرفة الاستعمارية في إرث السودان السياسي. ففي عام 1968م، كتب مقالة عن المثقفين بعنوان: “المثقفون في العالم الثالث” ، أشار فيها إلى المعرفة الاستعمارية، وقدم تعريفاً لمفهوم المعرفة، جدير بتسليط الضوء عليه لاحقاً. قبل ذلك وفي عام 1965م، كان قد تعرض للمثقفين وللمعرفة الاستعمارية حينما استعرض وعلّق على كتاب: أعتبوا على التاريخ ، للكاتب الإفريقي بلوك مويسين . وفي عام 1966م والعام الذي يليه، قام بنشر ترجمة وتعليق على محاضرة ل س. ب. أسنو، بعنوان: “الثقافتان والثورة العلمية”، في أربع حلقات، أشار فيها من خلال تعليقاته إلى دور الاستعمار وأثر التعليم، وتحدث عن الحاجة إلى اصلاح التعليم وقضايا أخرى. وعن الاستعمار ودوره في إرث السودان السياسي، وعن التصوف في السودان، ظل البيلي يكتب وباستمرار حتى انتقاله إلى الدار الآخرة. ففي عام 1965م كتب ورقة بعنوان: “المديح وخلفيته ومحتواه التاريخيّ والدينيّ”، وفي العام 1970م نشر كتاب: الختمية والأنصار . وفي العام 2007م ترجم كتاب الوصية، للشيخ عبد المحمود الحفيان بن الشيخ الجيلي إلى اللغة الإنجليزية. لقد أهتم البيلي بتقييم المصادر والكتب والتعليق عليها، فإلى جانب تقييمه لكتاب: أعتبوا على التاريخ، الذي وردت الإشارة إليه آنفاً، فقد نشر في عام 2000م ورقة حول كتاب: حركة الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد السوركتي في إندونيسيا، الذي عكف البروفيسور أحمد إبراهيم أبوشوك على تحقيقه والتقديم له. ونُشر الكتاب في عام 2000م من مركز الأبحاث، بالجامعة الإسلاميّة العالميّة بكوالا لمبور بماليزيا. استعرض البيلي هذا الكتاب وعلَّق عليه بورقة كان عنوانها: “أضواء على كتاب تاريخ الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد سوركتي” . أيضاً قدم البيلي تقييماً ومراجعة لكتاب: مذكرات يوسف ميخائيل عن التركيّة والمهديّة والعهد الثنائي، الذي حققه وقدم له أيضاً، البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك، ونشره عام 2004م، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان. كما نشر البيلي في عام 2002م تقييماً وتعليقاً على كتاب: السودان الوحدة أم التمزق، الذي ألفه نديده وصديقه الإداري عبدالرحمن عبدالله .
وحول تاريخ السودان السياسي وعن دور الاستعمار في أزمة التسوية الوطنية وعن قضايا التعليم والهوية وانفصال جنوب السودان عن شماله كتب البيلي العديد من المساهمات. ففي عام 1971م كتب: “نظرة على تاريخنا السياسي المعاصر في السودان”، وفي العام 1972م نشر ورقة بعنوان: “السودان وبلاد السودان في الكتابات العربية الأولى في العصور الوسطي (بالإنجليزية)، وفي عام 1999م، كتب ورقة بعنوان: “في شأن الوفاق السوداني، لننظر بلا تشنج في أمر الدولة والدين وتقنين الشريعة” ، وفي عام 1980 قدم ورقة بعنوان: “جامعة الخرطوم والصراع بين الطلاب: الحركة الطلابية 1952م- 1979م” . وفي عام 2008م استدعى واستحضر فترة تقلده لوزارة التربية والتوجيه (1982م-1985م)، وطرح رؤاه التي لم تُحقق في شأن التعليم، وتساءل هل من الممكن أن تتجدد؟ قدم ذلك في ورقة كان عنوانها: “في شأن التعليم العام والعالي في السودان: رؤى لم تُحقق فهل تتجدد (1982م-1985م)” . وانسجاماً مع تكوينه الصوفي وقناعاته الفكرية وخلاصاته كمؤرخ نظر إلى السودان وإفريقيا بمدخل تخصصه في تاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية، برزت عند البيلي دعوة أهل السودان إلى ضرورة العودة إلى السلطنة الزرقاء/ الفونج، وإرثها، وضرورة تغيير العاصمة السودانية، الخرطوم، واستبدالها بعاصمة السلطنة الزرقاء، مدينة سنار. وحول هذا نشر البيلي عدداً من المساهمات. ففي عام 2002م كتب: “أعود إلى السلطنة الزرقاء؟! خواطر حول مشاكوس والتشاوكس” ، وفي عام 2006م، كتب ورقة بعنوان: “سودان وادي النيل بين الهوية والوطنية، والديمقراطية والإثنوقراطية” . وعن الوحدة بين شمال السودان وجنوبه كان البيلي يرى أن الوحدة: (هي الأوسع للجميع، وهي الأنفع للجميع)، فقد كتب في عام 2011م ورقة بعنوان: “توحدوا من أجل الشمال والجنوب” ، تحدث البيلي فيها بتوسع عن الوحدة والمستقبل، ونادى بالوحدة وبأهميتها وذكَّر بحاجة شعوب السودان إليها.
أيضاً، كتب البيلي عن المكونات الفكرية والمعرفية لبني جيله من خلال ورقتين عن صديقين من أصدقائه، هما الروائي الطيب صالح، والمؤرخ البروفيسور عون الشريف قاسم (1933م-2006م). كانت الورقة الأولى بعنوان: “مع الطيب صالح في الدوحة” ، وكانت الورقة الثانية بعنوان: “في ذكرى أربعين الأستاذ الدكتور الشريف عون بن الشريف قاسم عليه رحمة الله، زمالة في طلب العلم والعمل في جامعة الخرطوم، وصداقة في مجالات الحياة الخاصة والعامة ومواقف مشتركة في شئون الجامعات والوطن” .
الشاهد أن البيلي برغم عدم تخصصه في السودان، إلا أن كتاباته في الشأن السوداني كانت عديدة ومتنوعة. تميزت بأنها كانت ذات طابع نقدي، وتناولت جوانباً ومجالات لا تزال الكتابات حولها قليلة. ولعل ما أوردته أعلاه لا يمثل كل كتابات البروفيسور عثمان البيلي في الشأن السوداني، وإنما هي بعض كتابات البيلي التي ستعتمد عليها هذه الورقة، ولعل ثبت المراجع والمصادر لهذه الورقة يتضمن إشارات لكتابات أخرى للبيلي، غير تلك التي وردت الإشارة إليها آنفاً.
التعليم في السودان: من شراب الحروف إلى الوقوف في الطابور
ينتمي البروفيسور عثمان البيلي إلى الجيل الذي كان يشرب الحروف. فقد سمعته مرة في أمسية أُقيمت لإحياء ذكرى صديقه الروائي العالمي الطيب صالح (1929م- 2009م)، وهو يتحدث عن المكونات الفكرية والمعرفية للطيب صالح ولجيلهما من السودانيين، سمعته يقول : (نحن شربنا الحروف) . الإشارة هنا إلى التعليم في الخلوة، وإلى نوع التعليم ونُظمه فيها. كما هو معلوم، فقد كان التعليم في السودان في دولة الفونج (1504م- 1821م) وفي العهد التركي/ المصري (1821م-1885م)، تعليماً دينياً محوره اللغة العربية والعلوم الشرعية، وقوامه الكُتاب والخلوة والمسجد والمسيد ومجالس العلماء والأزهر . ولأن التعليم ارتبط بالتصوف كانت الخلوة هي المكان الوحيد الذي يتم فيه تعليم القرآن . ترجع الخلوة في إنشائها إلى أواسط القرن الرابع عشر الميلادي عنددما قدم غلام الله اليمني إلى دنقلا . يقول البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م): لا جدال في أن المؤسسة التعليمية الكبرى والمهمة والتي نشأت بجانب المسجد والمسيد هي الخلوة. فالخلوة كان لها مدلولاً في السودان غير الذي كان سائداً في البلدان الإسلامية، حيث الاعتزال عن الناس بقصد الوصول إلى الحقيقة، والتقرب إلى الله. بينما كانت في السودان تعني المكان الذي تؤدي فيه وظائف التعليم الديني من تعلم للكتابة والقراءة وتحفيظ القرآن ثم دراسة العلوم الدينية من فقه وتوحيد وسائر علوم العربية . حافظ العهد التركي المصري على التعليم الديني والخلاوي كمصدر رئيس للتعليم، مع انتشارها في أجزاء كثيرة من السودان. كما أنشأ الحكم التركي عدداً من المدارس الابتدائية في كل من الخرطوم وبربر ودنقلا وكردفان وكسلا وسواكن وسنار وجوبا بغرض تعليم أبناء الأتراك والمصريين العاملين في الجيش والإدارة، وتخريج عدد قليل من السودانيين للعمل في دواوين الحكومة في الوظائف الصغرى… وفي عهد الدولة المهدية (1885م-1898م) استمرت الخلاوي مصدراً رئيسياً لتعليم الصغار والكبار. كما شجعت المهدية تعليم القرآن والحديث وقراءة الراتب من خلال حلقات التدريس التي نشأت في الأحياء المتعددة في أم درمان، ومن خلال الخلاوي التي كانت تقوم بتعليم القرآن والكتابة والحساب .
شهد مطلع القرن العشرين ومع بداية الحكم الثنائي الإنجليزي/ المصري (1898م-1956م) قيام مؤسسات التعليم الحديث. لقد أوضح سير جيمس كري، أول مدير للتعليم في السودان، أن الهدف من المؤسسات التعليمية هو تعليم الحِرَف وشئ من المعرفة يمكِّن الأهالي من التعرف على أغراض الحكومة ونظام الإدارة وتدريب بعضهم لكي يتمكنوا من شغل الوظائف الصغيرة . بناء على هذه الأهداف سارت السياسة التعليمية وكان إنشاء المؤسسات التعليمية. لم تُعنى السياسة التعليمية بالتعليم العالي وإنما أولت كل اهتمامها للتعليم الابتدائي والمتوسط، بهدف تخريج من يستطيع القيام بمهام فنية وكتابية صغيرة. تبع تلك السياسات حزمة من التعليمات والتحذيرات الداعية لتجنب التعليم العالي، لا سيما تعليمات وتحذيرات اللورد كرومر المندوب السامي البريطاني في القاهرة. كتب الدكتور خالد الكد عن سياسة الإدارة البريطانية في التعليم، وعن تحذيرات كرومر، كتب الكد قائلاً: (إن سياسة الإدارة البريطانية فيما يختص بالتعليم كانت حذره جداً، وتعمل بتعليمات اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في مصر. كانت توجيهات كرومر تقوم على التحذير من التعليم العالي والذي اسماه: “عملية صناعة الغوغائية”،…) . الشاهد أنه بناء على هذه السياسة التعلمية، أُنشئت كلية تدريب المعلمين والقضاة بأم درمان في عام 1900م، ومدرسة الصناعة بأم درمان، وافتتحت كلية غردون التذكارية عام 1902م، والمدرسة الحربية (مدرسة الخرطوم الحربية) عام 1905م، وافتتحت مدرسة كتشنر الطبية عام 1924م. وكان الحاكم العام قد أنشأ عام 1902م، مجلساً للعلماء ينظم التدريس في الجامع الكبير بأم درمان ويمهد لإنشاء المعهد العلمي. وفي عام 1912م أنشىء المعهد العلمي بأم درمان على غرار الأزهر ، وعُين الشيخ أبوالقاسم أحمد هاشم (1856م– 1934م) شيخاً له .
وصف الشاعر الكبير محمد المهدي المجذوب (1918م-1982م) عملية التحول في السودان من التعليم التقليدي إلى التعليم الحديث، من خلال رحلة انتقاله في الدراسة من الخلوة في القرية حيث شراب الحروف إلى المدرسة في المدينة حيث الوقوف في الطابور، وصف المجذوب تلك الرحلة قائلاً: (وهاجر طالب القرآن الصغير من خلوته الزاهدة المستبشرة إلى مدرسة في الخرطوم عاصمة الترك في السودان السناري، وأوقفوه في الطابور… كان التلاميذ في المدرسة من أعاجيب المدينة، يضحكون من لهجته القروية، وكان لا يشك في كفر من يدخن سجارة- وبدأت خلوته مع نفسه في منفاه- لم يكن له صديق، ولا يزال واقفاً في ذلك الطابور يخرجه منه الشعر وتعيده إليه لقمة العيش) .
من المهم الإشارة إلى أن طلائع المتعلمين في السودان، دخلوا تلك المؤسسات التعليمية الحديثة، والسودان في حالة إنفصال عن إرثه الحضاري في كوش والممالك النوبية، وفي حالة اضطراب وجداني وفكري في علاقته بإرثه الحضاري في سلطنة الفونج. فسنار التي قامت على التصوف والإسلام الشعبي المتداخل مع المروثات والمعتقدات والشرائع المحلية …إلخ، سقطت أمام الغزو التركي المصري. كان سقوط سنار إيذاناً بالاضطراب الحضاري وبداية الارتباك في المسار الطبيعي لحركة تطور المجتمع السوداني. لقد أدخل الغزو التركي المصري المؤسسة الفقية الرسمية واللغة العربية الفصحى والشريعة والنظم الأزهرية وحول القِبلة الفكرية والثقافية إلى القاهرة. أدى كل ذلك إلى تغيير المزاج الديني والفكري. وعندما جاء البريطانيون عززوا دور الفقهاء والعلماء على حساب المتصوفة. كتب الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد (1942م- 2004م) وهو يتحدث عن إنشاء الحكم الثنائي ل “لجنة العلماء”، كتب قائلاً: إن الهدف من إنشاء مجلس العلماء الذي أُطلق عليه اسم “لجنة العلماء” في عام 1902م هو الإمعان في تقليص نفوذ قادة الطرق الصوفية وتقوية جانب المدرسة الفقهية المنافسة، من خلال تركيز فكر سني معارض للصوفية وداعم لمركز علماء الفقه والسنة كغطاء ديني للسلطة البريطانية من ناحية ولموازنة نفوذ الفكر الصوفي من ناحية أخرى . وعندما أنشأت الإدارة البريطانية المدارس والكليات والمعاهد التعليمية الحديثه في السنوات الأولى من القرن العشرين، دخلها أبناء السودان وهم في حالة إنفصال عن إرثهم الحضاري البعيد، وفي حالة اضطراب في إرثهم الحضاري القريب.
إن الانفصال الحضاري عن كوش والممالك النوبية، والاضطراب الفكري والوجداني الذي صاحب انهيار سنار، إلى جانب نوع التعليم الحديث، كانت من أهم العوامل التي تحكمت في التكوين المعرفي والفكري لدى طلائع المتعلمين، والذين أصبحوا فيما بعد صُناع القرار ومحددي مسار الشعوب السودانية. إن التكوين المعرفي والفكري إذا لم ينسجم وبعمق مع الإرث الحضاري، فإنه لا يحقق الوعي بالذاتية، بل يدهور صحة العقول والوعي والفهوم ويؤدي إلى التغييب والتضليل، ويقود إلى الصراع ويُؤخر من فرص بناء الأمة. الشاهد إنه في ظل التعليم المنفصل عن الإرث الحضاري –كما هو الحال منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا- يكون من العسير البناء الجماعي للوطن، ويكون من العسير كذلك البناء الجماعي للمستقبل، ويكون من العسير أيضاً، صناعة قيادات راشدة للشعوب، أو تحقيق حالة من التجاوب والتفاعل بين المتعلمين والجماهير، وتبقى المبادرات الإبداعية جهود فردية عبر التعلُم الذاتي، مصيرها دوماً الرفض والحرب من قبل المجتمع.
الشاهد أن مؤسسات التعليم الحديث التي أنشأتها الإدارة البريطانية في مطلع القرن العشرين، رفدت واقع الحياة السودانية بطلائع المتعلمين، الذين أطلق عليهم “الأفندية”. وكما هو معروف، فإن أهم مساهمات الحكم الثنائي هي خلق “طبقة الأفندية”، أولئك الشباب الذين أعطتهم إدارة الحكم الثنائي تعليماً غربياً حديثاً . ومفردة أفندي ترادف في معناها مفردة متعلم/ مثقف. لقد اتخذ وسم الحامل للمعرفة، والمنتج لها، والمساهم في مجمل الحركة الاجتماعية، في السودان، بعد دخول التعليم الحديث، عدة وسوم، منها: “الخريج” و”الأفندي”. كانت كلمة خريج في البداية تعني خريج كلية غردون التذكارية وخريج المدارس الابتدائية (الوسطى) ثم توسعت الكلمة لتشمل حتى خريج المدرسة الأولية . كانت كلمة (خريج) مرادفة لكلمة (مثقف) . وكانت كلمة أفندي أيضاً مرادفة لكلمة (مثقف). إن التعريف لكلمة مثقف له مداخل عديدة، ومن ثم جاءت تعريفات كثيرة. فالمثقف عند الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م) هو الذي يجسد وحدة الفكر والقول والعمل، ويعني ذلك ارتباط المعرفة عند الأستاذ محمود بالاستقامة والأخلاق وتقويم الاعوجاج، فكلمة ثقافة تشير في اللغة العربية إلى التقويم والتهذيب، وهذا أمر كما يرى الأستاذ محمود يشير إلى الأخلاق . وهناك من يرى أن المثقف هو من تتوفر فيه بعض الشروط التالية: المعرفة وعمق بعضها، وإنتاج المعرفة، والمساهمة في مجمل الحركة الاجتماعية . وهناك من يرى أن المثقف هو الإنسان المنخرط –بطريقة أو بأخرى- في عملية إنتاج الوعي . وعرَّف كمال الجزولي الانتلجينسيا السودانية، بأنها هي الفئة الاجتماعيَّة السودانيَّة التي تمتهن أو تختص بالعمل الذهني من مداخله التعليميَّة (الحديثة) . أما المثقف عند البيلي كما ورد تعريفه في مقالة له، نُشرت في عام 1968م ، كتب البيلي قائلاً:
إن الثقافة لا تكون بلا علم وتعليم لكن الذي لا اختلاف عليه أيضاً، أن التعليم وحده والانجازات مهما تعددت وتنوعت لا تخلق المثقف، بل ما أكثر الذين يشغلون أنفسهم بواقع الإنسان ومصيره ويلعبون دور ذلك المثقف الحق دون أن يعرفوا الكتابة
وأضاف البيلي قائلاً: (ليس هذا تعريف جديد للمثقف ولكنه تأكيد لمبدأ أن المعرفة عمل … فالمعرفة فقط، هي العلم الذي لا ينفع أما العلم الذي ينفع فهو ذاك الذي يدفعك إلى التأمل والتفكير والتدبر والعمل) . إن المعرفة عند البيلي، هي العمل.
المعرفة الاستعمارية والمثقفون
تعليم الجدل ومنع العمل
برز خطاب نقد الآثار الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والحاجة لتفكيك الذاكرة الاستعمارية، وضرورة إعادة النظر في البناء الاستعماري للمفاهيم والتصورات لطبيعة القضايا وجذورها، التي خلفتها مرحلة الاستعمار على الشعوب والدول التي خضعت للاستعمار، بما في ذلك نقد التعليم الاستعماري، والدعوة للتحرر من الإرث المعرفي للاستعمار، برز هذا الخطاب حديثاً مع أطروحات فكر ما بعد الحداثة. وقد تمظهر الخطاب في مدرسة دراسات الاستعمار، ومدرسة دراسات ما بعد الاستعمار. ففي السودان يُعد البروفيسور عبدالله علي إبراهيم أستاذ التاريخ الأفريقي والإسلامي بجامعة ميسوري بكولمبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، على حد علمي، من أوائل الذين دشَّنوا نقد المعرفة الاستعمارية، إذ نشر كتاباً عن التعليم والاستعمار في عام 2010م. قال في المقدمة: (وتقع هذه الدراسة بصورة أخص في حيز دراسات الاستعمار والمناهج المدرسية) . أشار البروفيسور عبدالله في كتابه إلى المفكر إدوارد سعيد، مُطلق عقال مدرسة دراسات ما بعد الاستعمار، وإلى الدكتورة لند سميث، التي دعت شعب الماروي النيوزيلندي للتحرر من الاستعمار كمعرفة تشربها . كما أشار إلى كتاب: المنهاج الإمبريالي: العقائد العرقية والتعليم في التجربة الاستعمارية البريطانية، لمؤلفه ج. أ. ماقمان، الذي قال: إننا لم ندرس بصورة كافية الجذور العرقية في التعليم الاستعماري. فالمدارس حقاً تعلم معارفاً ومهارات ولكن فقط في صور تضمن الخضوع للأيدولوجية السائدة وطغيان ممارساتها . كتب البروفيسور عبدالله في كتابه قائلاً: خلص الباحثون إلى أن الاستعمار مشروع ثقافي بعيد المدى. وأضاف قائلاً: فلقد تهافت البرنامج الوطني ل “محو آثار الاستعمار” لأننا فهمنا خطأ أن الاستعمار “يتبخر” بالاستقلال ،… لقد ظنت الحركات الوطنية أن بوسع الأمة التي تحررت أن تعيد صلتها بتاريخها وثقافتها كأن الاستعمار لم يكن. إن الإحاطة بالاستعمار كإرث ثقافي متين يلزم في حربه البأس الفكري الشديد . الشاهد أن نقد المعرفة الاستعمارية في السودان، أمر لم يحظ حتى اليوم بالاهتمام اللازم، على الرغم أن السودان يسير في مختلف المجالات وبشكل واضح، وفقاً لتلك المعرفة. فقد تجلت المعرفة الاستعمارية في الثنائيات: القضاء الشرعي والقضاء المدني، التعليم المدني والتعليم الديني، السوق العربي والسوق الأفرنجي… إلخ. أما في المسار والإرث السياسي فهي أكثر وضوحاً ولا تزال تهيمن على مسار السودان حتى اليوم، وسيرد الحديث عن ذلك.
انتبه البيلي باكراً، لآثار التعليم الاستعماري، ونبه لخطورة جرعات المعرفة الاستعمارية التي تشربها مثقفو الدول المستعمَرة، وأشار إلى أنهم تشربوا معرفة (علمتهم الجدل ومنعتهم العمل). وتحدث بتوسع في تعليقه على محاضرة: “الثقافتان والثورة العلمية”، عن أن المثقفين في الدول المستعمَرة كانوا نتاج ثقافة منشطرة . ففي أكتوبر من عام 1968م كتب البيلي قائلاً: (وبعد الاستقلال الذي تم في أغلبية بلدان العالم الثالث، … ما أكثر ما يقال في العالم الثالث بين المثقفين من الحديث عن التغيير دون التحرك والعمل على التغيير، ذلك لأن أولئك المثقفين يمرحون في قيد ثقافتهم التي تعلمهم الجدل وتمنعهم العمل) . ويؤكد هذا المعنى البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م) حينما تحدث عن ميل المتعلمين إلى السفسطة، وكتب عن نمو اتجاه الحسد عندهم، كأحد مخلفات نوع التعليم، الذي غاب فيه التطوير للملكات النقدية، كتب البروفيسور محمد قائلاً: (والتعليم الذي حظي به المتعلمون لم يستطع أن يطور ملكاتهم النقدية. إذ خَلَّفَ اتجاهاً عقلياً يبلغ في دركه الأسفل الحسد. وفي أحسن صوره إحساساً بالانحراف صوب السفسطة والرومانسية) . أضاف البيلي وهو يتحدث عن المشكلة الأساسية التي تعاني منها البلدان التي خضعت للاستعمار، أضاف قائلاً: (… ومع ازدياد خريجي المعاهد والمدارس والجامعات في تلك البلاد. نجد أن مشكلة (الثقافة) و”المثقفين” هي المشكلة الأساسية التي تعاني منها هذه البلاد. يصدق هذا عن مواجهتها لمشكلة الحكم، أو مواجهة مشاكل التطور…، كما يصدق على السياسة الداخلية والخارجية التي ترضي الطموح وتؤمن الاستقلال. لقد وضح أن الاستقلال شيء وأن مواجهة تحدياته شيء آخر…) . كان الأستاذ محمود محمد طه، رئيس الحزب الجمهوري قد أشار لهذا الأمر باكراً، فقد كتب عام 1958م قائلاً:
وحين كان الجمهوريون في مناشيرهم وكتيباتهم يهاجمون الحركة الوطنية بنفس القدر الذي يهاجمون به الاستعمار الإنجليزي وينعون عليها جهلها [ووصوليتها] كانوا أيضاً يتنبأون بمصير الاستقلال الذي لا تتولاه أحزاب واعية ذات برامج اصلاحية مدروسة ومذهبية في الحكم محدودة: وكنا نقول أنه ما ينبغي أن يكون قصارانا محاربة الاستعمار وبكل سبيل كما كان الشعار الشائع في ذلك الوقت وكنا نقول أن الإنجليز قد يجلون غداً ثم لا نجد أنفسنا أحراراً ولا مستقبلين، لأن الاستقلال والحرية لا تجىء إلا نتيجة للحكم الواعي الرشيد وذلك أمر لا يتفق اتفاقاً وإنما يجىء عن تعمد وتوخ ودراسة واعية وكانت صيحاتنا تذهب أدراج الرياح .
تحدث البيلي عن العجز المتوقع للمثقفين في قيامهم بواجب تطوير بلدانهم بعد نيل تلك البلدان للاستقلال. كتب البيلي قائلاً: (… فالذين شبوا وهدفهم التخلص من وضع ليرثوه، لا نتوقع منهم أن يذهبوا أكثر من ذلك ليطوروه…) . وعن الاستعمار ودوره في تشويه التاريخ، وعلاقة المعرفة الاستعمارية بالهويات، كتب البيلي قائلاً: (… والاستعمار ليس فقط نهباً للثروات وتسخيراً للعباد وإنما هو مسخ للهوية وتشويه للتاريخ) . الشاهد أن البيلي فطن مبكراً لدور الاستعمار في تشويه التاريخ ومسخ الهوية، ونبه لعجز المثقفين عن البناء والتطوير، وفي هذا المشهد لا نتوقع في البلدان التي تتمتع بالتنوع الثقافي كما هو حال السودان، لا نتوقع سوى انفجار الصراعات بسبب الهويات وتراكم المظالم وغياب العدل الثقافي والتنمية.
المعرفة الاستعمارية: تخفيض السقف المعرفي وصناعة القادة
دخل السودان القرن العشرين تحت الحكم الثنائي البريطاني/ المصري (1898م-1956م)، حاملاً في فضائه السياسي تفاعلات القرن التاسع عشر. لقد كان القرن التاسع عشر قرن الأحداث الجسام في السودان. يقول البيلي: (فلقد كان القرن التاسع عشر بحق هو قرن الدين والسياسة في السودان. فالقرن التاسع عشر شهد دخول الطريقة “الختمية” السودان وانتشارها فيه، والقرن التاسع عشر شهد دخول الأتراك السودان (1821م-1885م)، والقرن التاسع عشر شهد في خمسه الأخير “الثورة المهدية”) (1881م-1885م). وفي عاميه الأخيرين جاء الحكم الثنائي البريطاني المصري. ولعل كل ما أشار إليه البيلي مما شهده القرن التاسع عشر كان حاضراً في القرن العشرين.
منذ أن دخلت الإدارة البريطانية سعت من خلال المؤسسات التعليمية التي أنشأتها إلى غرس معرفة تناقض أرث السودان التاريخي وتتنافر مع ثقافات مجتمعه. قامت تلك المعرفة على الصفوية في مؤسساتها وأساليبها وأدواتها. وسعت إلى غرس الصراع بين الطوائف والجماعات وبناء الجدارات العازلة بين الثقافات. كان التعليم يهدف إلى تحقيق الأغراض الاستعمارية، المتمثلة في توفير الوظائف الكتابية والفنية بمعزل عن الدور القيادي المستقبلي للمتعلمين. يقول الدكتور خالد الكد: كانت الإدارة البريطانية تعامل الأفندية كأتباع، لا حلفاء مستقبليين، هذا على الرغم من أن أغلبية المدرسين البريطانيين، كانوا شباباً من خريجي أكسفورد وكمبردج، ولكنهم لم يرتبطوا بأي عمل يمكن أن يدفع بتطوير هؤلاء “الأفندية” أو دفعهم في الخط البريطاني. كان هؤلاء المدرسون كما يقول إدوارد عطية: (أعضاء في الخدمة السياسية. كان دورهم مزدوجاً، كمعلمين وحكام، وغلبت صفتهم الثانية على الأولى. ولم يطلبوا من التلاميذ مجرد طاعة التلميذ لأستاذه، وإنما خضوع التابع لسيده) . كتب البيلي كثيراً عن سلبيات التكوين الفكري والمعرفي للمثقفين، وأشار إلى أن التعليم كان يهدف لخدمة مصالح الإدارة الاستعمارية، ولا يخدم المهام القيادية المستقبلية. ففي تعليقه على كتاب: السودان الوحدة أم التمزق، تحدث عن الميراث البريطاني الإداري الذي لم يشفع للسودانيين لمواصلة الحكم بفاعلية، مشيراً لحديث بازل ديفيدسون الذي أورده مؤلف الكتاب، قال ديفيدسون: (إنه في أغلب الحالات في المستعمرات “فإن التعليم كان من أجل تثبيت الأمر الواقع، والأمر الواقع الاستعماري على وجه التحديد”… وأن نفوذ من احتلوا المواقع استمر “لأن المكاتب التي جلسوا عليها، هي نفسها المكاتب القديمة، وكذلك الملفات التي يعملون عليها، فقد تغيّر الحكام ولم تتغير مؤسسات الحكومة الكولونيالية”) . كما أشار البيلي إلى علاقة الإدارة الاستعمارية بالمتعلمين، وعن ظروف عدم تهيئتهم لمهام المستقبل في تعليقه على كتاب: السودان الوحدة أم التمزق من خلال ما عَبّر عنه السير جيمس روبرتسون، آخر سكرتير إداري في السودان، والذي أورده مؤلف الكتاب، عَبّر روبرتسون قائلاً: (إن النظرة للسودانيين المتعلمين كانت ملأى بالشك، ولم يكن يسمح لهم بالتعبير عن أفكارهم، كما لم يهيأوا لمهام مستقبلية…) . الشاهد أن الإدارة الاستعمارية كانت تُحدد نوع التعليم وطبيعة الجرعات التعليمية بما يضمن تخريج فنيين وكتبة للقيام بالمهام الخدمية. كما سعت إلى تخفيض السقف المعرفي فاكتفت بالتعليم الابتدائي والمتوسط ولاحقاً الثانوي. لم تسعى إلى إنشاء مؤسسات تعليم عالي، فقد كان المندوب السامي البريطاني في القاهرة اللورد كرومر، كما وردت الإشارة آنفاً، كان يُحذر من التعليم العالي، ونظر إليه وسماه ب : “عملية صناعة الغوغائية”.
المعرفة الاستعمارية: تهيئة مناخ الصفوية وتعميق الانبتات الثقافي
اتسم نوع التعليم الاستعماري ومؤسساته وجرعاته بالصفوية والانبتات عن الثقافات المحلية والبيئات المحيطة. فجاءت مخرجاته صفوية في مزاجها وفوقيه في تعاطيها مع المجتمع وقضاياه. إن الشواهد على صفوية مزاج المثقفين وانفصالهم عن الواقع، كثيرة ومتنوعة، وقد أشار لها عدد كبير من المؤرخين والكُتاب كما سيرد لاحقاً. ففي تصويره لعلاقة الأفندي بالناس والمجتمع، كتب الشاعر الكبير محمد المهدي المجذوب من خلال شهادة عن نفسه بعد أن تخرج في كلية غردون، كتب قائلاً: (وتخرج من كلية غردون التذكارية، وصار أفندياً ولبس القبعة، واستهواه عيش الفرنجة، وأسقط الحواجز وتخطى فإذا قطع شوطاً وقف يتأمل، ثم يبدأ شوطاً آخر من جديد، وكان لقب الأفندي شيئاً عظيماً، يمر صاحب اللقب فيقف له الناس ويتصايحون: فلان أفندي! مرحبْ.. حبَابَك.. اتْفَضّل، ولا يتفضل الأفندي، فهو ذاهب إلى نادي الموظفين يتذوق مثله العليا.. الطمع الثقافي.. الترقية والكيد وخدمة الطائفة والأنس بالحاكم، وثبت لي أن الفتى المهاجر لم يكن ذا ولاء لزيه الإفرنجي، وعرفتُ في وقت مبكر أنه كان يتنكر ويمر بجواز غير دقيق التزييف) . كان من بين أهم العوامل التي عززت المزاج الصفوي لدى المتعلمين، هو ما تبع فشل ثورة عام 1924م من إجراءات قامت بها الإدارة الاستعمارية. لقد أحكمت الإدارة البريطانية الطوق على حركة المثقفين بإجراءات مكثفة ضدهم، وتبع ذلك تعسف في كلية غردون، ووضعت سياسات لاحتواء المثقفين بالإغراء أو القهر. قادت تلك الإجراءات جيل الشباب المتعلم إلى ابتكار تنظيم جماعات القراءة في الأحياء والجمعيات الأدبية، التي انزووا فيها. كانت “جمعية أبوروف” أول هذه الجمعيات وتكونت ممن تخرجوا من كلية غردون في عامي 1924م و1925م. و”جماعة الهاشماب” (أولاد الموردة) وقد عرفت فيما بعد بمدرسة الفجر، إشارة إلى مجلة الفجر التي أصدرتها الجماعة في عام 1934م، و”جمعية ود مدني الأدبية”، و”جماعة الأشقاء”، و”جمعية الآداب والفنون والمناظرة”، و”جماعة مكولي” ، وغيرها.
لقد ساهمت جماعات القراءة في الأحياء والجمعيات الأدبية في التعلُم الذاتي الذي اكتسبه المثقفون من حواراتهم ولقاءاتهم؛ إلا أنها عمقت من المزاج الصفوي، وضعَّفت من فرص التفاعل مع الواقع. يقول الدكتور محمد سعيد القدال (1935م-2008م) عن جماعات القراءة في الأحياء والجمعيات الأدبية أنها كانت: (تعكس المزاج الصفوي للمثقفين. ولكن حصيلتها من التراكم المعرفي قادت إلى بلورة أفكار اجتماعية وسياسية فكانت هي القنطرة التي وصلت العمل الثقافي بالنشاط السياسي) . وقد أشار الدكتور القدَّال إلى المزاج الصفوي لدى النخبة، في معظم كتبه. وتحدث أيضاً البروفسير محمد إبراهيم أبوسليم (1927م-2004م) في دراسته عن محمد أحمد المحجوب (1908م- 1976م) والتي ضمنها كتابه: أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان، الذي نشرته دار الجيل، بيروت، عام 1991م، وقال واصفاً المحجوب: (كان مترفعاً على الناس لاحساسه القوي بتفوقه ومقدراته ومكانته، ولأنه لا يؤمن إلا بالخاصة، وهم المثقفون عموماً والعلماء خاصة…) . أيضاً، وسم البروفيسور عبدالله علي إبراهيم إحدى مقالاته بوسمٍ تضمن وصفاً طريفاً لعلاقة النخبة السودانية بالواقع. وسم البروفيسور عبدالله مقاله ب: صفوتنا: ضيوف ثقلاء على الواقع .
كتب البيلي عن دور المعرفة الاستعمارية في الانبتات والانفصال عن ثقافة المجتمع، ومن ثم الغربة، فقد كتب قائلاً:
إن المتعلمين في العالم الثالث يعيشون في غربة أشبه بغربة المثقفين في العالمين الآخرين، لا لأنهم يعانون من نفس المشاكل ولكن، لأنهم، وبسبب التعليم، تخلوا عن أسلوب مجتمعاتهم في الحياة دون أن يفهموا أسلوب عالم اليوم “عام 1968م” أو ينسجموا فيه .
لهذا المعنى أشار البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م)، وهو يتحدث عن ملاحظة أحد الدارسين الغربيين، أشار البروفيسور محمد قائلاً: لقد لاحظ أحد الدارسين الغربيين أن المتعلمين السودانيين أتوا إلى مؤسسات التعليم الحديث من مجتمعات بسيطة، وبيئات فقيرة وقاحلة، وبعد نيلهم للتعليم الحديث، اصبحوا بعيدين عن مجتمعاتهم، محتقرين لبيئاتهم التي أتوا منها . كان البروفيسور عبدالله علي إبراهيم قد وقف في كتابه: بخت الرضا: التعليم والاستعمار، عند مفهوم البركة في التعليم الذي طرحه البروفيسور عبدالله الطيب (1921م-2003م)، عندما كان يتحدث عن بخت الرضا وعن ما أصاب التعليم فيها من “خلط عظيم”، وتغريب عن بيئة الطالب. علَّق عبدالله الطيب على بعض الجمل التي يتعلمها الأطفال في بخت الرضا، وقال أنها جمل مصطنعة بلا بركة. وأوضح عبدالله علي إبراهيم أن عبدالله الطيب كان يعني بالبركة أن تكون للعبارة جذور في لغة المنزل وروح الثقافة. وصف البروفسيور عبدالله إبراهيم هذا المفهوم بأنه مفهوم ثوري عن البركة في التعليم. وهي بركة تنجم عن تناغمه مع المجتمع. وهو مفهوم يرى أن في مجتمع الطالب ثقافة صالحة تكيف بها الطالب قبل بلوغه عتبة المدرسة. وواجب المدرسة أن تبدأ تعليمه من حيث وقف المجتمع .
نظر البروفيسور عبدالله على إبراهيم إلى بخت الرضا، ووقف على ملابسات نشأتها وفلسفتها، وتفحص جرعات علومها التي يتلقاها الطلاب، وقال:
لا خلاف أن “بخت الرضا” منشأة استعمارية… وصارت هذه المؤسسات موضوع نقد صارم كما طلب ماقمان في أدبيات مدرسة ما بعد الاستعمار العائدة للدكتور إدوارد سعيد. إلا أنه مما يزعج أن معهد التربية ببخت الرضا، مهما قلنا عن حسناته، اكتسب صفة القداسة. فلا نقد يطاله لأنه التعليم الخاتم عند الجيل من التربويين وغيرهم .
بينما رأي البيلي في بخت الرضا غير الذي رآه البروفيسور عبدالله علي إبراهيم، كتب البيلي قائلاً:
ما كانت “بخت الرضا” معهداً استعمارياً جامداً فالعلوم الاساسية كاللغات والعلوم والرياضيات يصعب فيها الغش والخداع وإن كان يمكن أن يكون في تقديمها تحديد وتحجيم وتقصير. والشاهد على نجاح “بخت الرضا” ونجاعتها المستوى الرفيع المتميز الذي عرف به المعهد وخريجوه، ليس في داخل القطر بل عالمياً .
المعرفة الاستعمارية وتجميد حركة التغيير
مثَّلت المعرفة الاستعمارية أحد أهم عوامل تجميد حركة التغيير في السودان، أشار البوفيسور عثمان لهذا المعنى في تعليقه على كتاب الأستاذ عبدالرحمن عبدالله، السودان: الوحدة أم التمزق، أشار البيلي لقول الأستاذ عبدالرحمن الذي كتب قائلاً: (وفي حقيقة الأمر فإن الميراث البريطاني الإداري لم يشفع للسودانيين لمواصلة الحكم بفاعلية، وكما حدث في الهند فلقد أرسوا دعائم حكم القانون، ولكن، ورغم المظهر الخارجي، كما قال نهرو “جمدوا حركة التغيير”) . إن المعنى الذي تحدث عنه نهرو، وأبرزه الأستاذ عبدالرحمن عبدالله في كتابه، وعلَّق عليه البيلي في مقاله عن الكتاب، هذا المعنى في واقع الأمر أشار إليه البيلي في كتاباته عام 1968م. في ذلك العام كتب البيلي متحدثاً عن فشل المثقفين في إحداث التغيير، برغم ارتفاع أصواتهم بضرورة التغيير (دون التحرك والعمل على التغيير) . كان الأستاذ محمود محمد طه حينما نشر كتابه: الثورة الثقافية، لفت الانتباه إلى حاجة المتعلمين لإعادة تعليمهم. كتب الأستاذ محمود في مقدمة كتابه قائلاً: (هذا كتاب عن الثورة الثقافية، نخرجه للناس، ونستهدف به إحداث التغيير الجذري في حياة الأفراد والجماعات، وذلك عن طريق إعادة التعليم إعادة تعليم المتعلمين، وغير المتعلمين…) .
أرجع البيلي سبب فشل المثقفين الى نوع المعرفة التي تشربوها، كما ورد آنفاً، فهي، كما أشار، معرفة علمتهم الجدل ومنعتهم العمل. وتحدث البيلي عن أن تغيير الحكام في الدول المستعمرة بعد الاستقلال، لا يعني تغير الاتجاه أو الخطط، كتب البيلي قائلاً:
الشاهد أن الأقطار التي سارت في خط التطور المرسوم لتناول الاستقلال، متمشية إلى حد بعيد وفق خطة مستعمريها السابقين، لم تفلح في كثير من الأحيان أن تفك نفسها من أسر ذلك التخطيط ومرماه. تغيَّر الحكام ولم يتغير الاتجاه. فالثقافة الممثلة في طبقة المتعلمين، والتي تركها الاستعمار بعد أن خطط وضبط لها الاتجاه، لا يمكن تأتي إلا بمثل هذا. بل العجيب أن يتوقع منها غير ذلك، وهي ضرب من التدريس يخلق، في الغالب الأعم، المتعلم لا العالم، وينتج الذي يعنى بالقشور دون اللباب، والذي يعيش في ازدواج غريب بين ما تؤهله له مكانته ودراسته، وبين ما يؤكده سلوكه الرسمي والاجتماعي ونظرته للحياة والناس.
من المهم الإشارة إلى أن موضوع الهويات في السودان، وفي غيره من البلدان المستعمرة سابقاً، لا ينفصل عن المعرفة الاستعمارية ولا ينفصل عن لحظات ما بعد انتهاء الاستعمار. كما أن موضوع الهوية بمداخله المختلفة يتصل بالاسم الذي تم اختياره للدولة (السودان)، عقب انتهاء فترة الاستعمار. وللبيلي رأي في هذا. فمن المعروف، أن السودان اتخذ اسمه من تسمية أطلقها المؤرخون والجغرافيون العرب وهي (بلاد السودان). أُطلقت التسمية على معظم القارة الأفريقية ولا سيما وسطها. وعندما شاع استخدام اسم السودان في المكاتبات الرسمية منذ حوالي عام 1870م، شمل كل الأقاليم الواقعة شمال البحيرات العظمى وحتى القرن الأفريقي والسواحل الصومالية . وعن اختيار شعوب وادي النيل لاسم السودان كتب البيلي قائلاً:
السودان هم كل سكان إفريقيا… والإشارة أصلاً لبلاد السودان… وفي فترة الاستعمار الأوروبي كان هناك السودان الفرنسي، والسودان الإنجليزي المصري. سقطت كلمة بلاد. وبعد الاستقلال عادت بلاد السودان الفرنسي لأسمائها القديمة، بينما أبقى سودان وادي النيل اسم السودان لجمهوريتهم بعد الاستقلال .
وفي تقديري أن المقاربة في موضوع هوية الدولة السودانية، لا تتخذ مسارها السليم والصحيح إلا بإدارة الحوار وتوجيهه نحو البحث والتنقيب عن الذاتية السودانية والمرتكز الحضاري للسودان من داخله ومن عمق تاريخه. إذ لا يستقيم عندي أن يكون المرتكز الحضاري للسودان من خارجه. ففي واقع الأمر أن الارتكاز الحضاري للسودان من خارجه، يعمق التناقض، ويُهيئ للصراع واللا تعايش. لقد انفصل السودان عن مرتكزه ومرجعيته الحضارية في كوش والممالك النوبية والثقافات الأفريقية، فأضحى يسير قسراً في وجهة تناقض آركيوليوجيته الثقافيه وتناطح إرثه الحضاري وتصادم تركبيته الوجدانية. لذا كانت الحصيلة التاريخية لجهود تحقيق حالة سودانية متجانسة متناغمة، حتى هذه اللحظة، جهوداً قاصرة في رؤيتها وضعيفة في آلياتها. ولهذا، ليس هناك سودان بعد، وإنما هناك بحث عن السودان. ولكي ما نجد السودان، ولكي ما نبني السودان المرغوب والمتصور، لابد من قتل السودان الحالي الموروث، المضطرب، بحثاً، ولا بد من تحليل واقعه تحليلاً عميقاً وشاملاً، ولا بد من نقد والتمحيص لإرثه ومساره السياسي.
المعرفة الاستعمارية وإرث السودان السياسي
لقد تجلت المعرفة الاستعمارية، بشكل سافر في إرث السودان السياسي، وكان أوضح تجلياتها في الصراع العنيف والعقيم بين النخبة السودانية، ومن ثم الفشل في تحقيق التسوية الوطنية، وغياب ثقافة البناء الجماعي للوطن وللمستقبل، إلى جانب تفشي ثقافة الثأرات في الممارسة السياسية السودانية. وهذه كلها أمور لا تزال ماثلة في واقع السودان السياسي. وفي تقديري أن أسبابها تعود وبقدر كبير للمعرفة الاستعمارية وإلى الفشل في التحرر منها. يدعم هذا القول الاعتراف الذي قدمه السير جيمس روبرتسون . قال روبرتسون إنهم كحكام: (… شجعوا على التنافس المحموم بين الطائفتين الدينيتين وزعيميهما، وهي سياسة يعترف بآثارها السلبية على السياسة السودانية) . إن قول روبرتسون هذا يجد سنده في الإرث السياسي والواقع الراهن، بل لم يخذل ساسة السودان السير جيمس روبرتسون. فمنذ قيام مؤتمر الخريجين بعد توقيع اتفاقية 1936م، ومع نشوء الحرب العالمية 1939م-1945م، بدأت تتشكل مرحلة جديدة في تطور الحركة الوطنية السودانية. فقد خرجت من المؤتمر مذكرة الخريجين الشهيرة عام 1942م التي طالبت الإدارة البريطانية بحق تقرير المصير بعد الحرب. ولكن سرعان ما برزت الفرقة، وظهر انقسام الخريجين، وتجلت صراعاتهم، ودخل النفوذ الطائفي والديني بثقله، ليبعثر تجمع الوعي القومي، يقول البروفسير عثمان:
كان “مؤتمر الخريجين” يتبلور نشاطه الاجتماعي اسماً لتتشكل اتجاهات الخريجين السياسية والتي برزت عند ظهور الأحزاب في جماعتي “الوحدويين” و “الاستقلاليين”. كانت الحركة السياسية الوطنية السودانية تعكس إلى حد بعيد التطورات السياسية العالمية في دول العالم الثالث في مواجهتها لمعسكر الاستعمار. ولكن سرعان ما انفرط عقد وحدة الخريجين بعد ذلك. واخذ النفوذ الديني المتمثل في “الختمية” و “الانصار” يتخذ الموقف المناسب له مع ما يناسبه من أحزاب… ومنذ عام 1944م تظهر الاحزاب، “الاشقاء” عام 1944م، حزب “الأمة” عام 1945م وحول هذين تبلورت الحركة السياسية الوحدوية والاستقلالية .
كان الاستعمار هو القاعدة التي أرتكز عليها التطور السياسي في السودان من خلال تطور الطائفتين الدينيتين “الختمية” و “الأنصار”. يقول البيلي:
الاستعمار يشكل القاعدة التي أرتكز عليها تطور كل من الجماعتين لتجد أولاهما تعبيراً سياسياً ومن ثم وزناً سياسياً مع الوحدويين ولتجد الثانية مثال ذلك عند “حزب الأمة” الذي هو في الواقع وجه “الأنصار” السياسي. ونظرة “الأنصار” للسياسة لاشك لا يحددها تصورهم الديني المجرد للحياة الدينية فقط بل ولكن يحددها أيضاً تاريخهم كمؤسسين “لدولة المهدية” ونظرتهم من خلال ذلك للسلطة والسلطان .
لقد خضع تكوين الأحزاب عام 1944م إلى الصراع والتنافس المحموم بين طائفتي “الختمية” و “الأنصار” وبين زعيميهما، وبين المثقفين وهم يسعون لاسترضاء الزعيمين، وهو صراع غرسته الإدارة الاستعمارية، وأصبح فيما بعد سمة الممارسة السياسية السودانية. تسرب ذلك الصراع إلى عقول المثقفين ونفوسهم، وتحكم في حياتهم ومساهماتهم، وقد أصبحوا فيما بعد قادة السودان وصُناع قراره. كان الأستاذ محمود محمد طه قد نبه باكراً لخطورة الصراع بين المثقفين ورجال الحركة الوطنية والنتائج المترتبة عليه. ففي عام 1958م قدم استقراءً لطابع الحركة الوطنية، وتحدث في ذلك الاستقراء عن المثقفين وعن رجال الحركة الوطنية، ووسمهم بضعف الوعي، ونعى عليهم جهلهم وغفلتهم وانصرافهم إلى التهريج الرخيص وتمليقهم للجماهير واسترضاءهم رجال الطائفية. ووصف الأحزاب جميعها بأنها طائفية، كتب الأستاذ محمود قائلاً عن الأحزاب: (… فهي جميعها طائفية.. تفكر تفكيراً طائفياً فتضلل الناس وتستغلهم وتهمل مصالحهم وتجعل حكومتها سيدة الشعب لا خادمته وتهمل الدراسة وتحتقر العقول وتزيَّف القيم…) . وتحدث الأستاذ محمود عن الصراع بين جماعتي الاستقلاليين والاتحاديين، وتناول آثاره الخطيرة التي ترتبت على مسار الحركة الوطنية آنئذ، وبالتالي ترتيب على مسار السودان السياسي حتى يومنا هذا. كتب الأستاذ محمود قائلاً: (… وكانت الحركة الوطنية بين هؤلاء وهؤلاء [الاستقلاليين والاتحاديين] لا تجد فرصة للدرس والتفكير والنضوج: بل لا تجد فرصة حتى لإشاعة روح الزمالة والثقة المتبادلة والشعور بوحدة المصير) . في الواقع كانت خسائر السودان كبيرة من ذلك الصراع ولايزال السودان يعاني من آثار ونتائج ذلك الصراع.
الشاهد أن الصراع بين المثقفين تأجج وتوسع وزاد بشكل عنيف بعد أن جاءت إلى السودان النظريات والمدارس السياسية وتمددت فيه (الشيوعية –وهي الأسبق- والإخوان المسلمون، القوميون/ البعثيون). كانت النظريات أكثر ضرراً على الصحة السياسية في السودان، فقد زادت من حدة الصراع وعنفه، ووجهته في وجهة أشد قسوة، كما بددت الطاقات والإمكانيات، وعمقت من الفرقة والشتات. تحدث البيلي عن غرس الصراع والشتات والفرقة والانقسامات وعلاقة ذلك بمضمون التعليم الاستعماري، كتب البيلي قائلاً:
ذلك التعليم الذي استنه الرجل الأبيض المعلم والمبشر لا ليمسخ شخصية الرجل الأفريقي فقط، ولكن ليباعد بينه وبين أخيه الأفريقي من خلال ما يغرس في نفسه وفهمه من تقسيمات جنسية، وقبلية، ودينية، وتاريخية، وبقدر ما يكرسه من عداء بين الأفريقيين .
لقد وجدت النظريات والمدارس السياسية الوافدة (الشيوعية، والإخوان المسلمون، والقوميون/ البعثيون)، ذلك الإرث من الصراع السياسي، والترحيب من المثقفين وحماستهم الوافرة لها، مع الإطمئنان إلى القناعات الفكرية التي طرحتها تلك النظريات. أخذ الصراع بين معتنقي النظريات شكل التباري في التخريب أكثر من التباري في البناء، ففي حوار تلفزيوني جرى قبل بعضة شهور مع الأستاذ عبدالله زكريا، وهو من جيل البيلي، قال زكريا:
كنا في السنة الرابعة بمدرسة حنتوب الثانوية، وكنت عضواً في الحركة الإسلامية “حركة التحرر الإسلامي”. كان الصراع بين الإسلاميين والشيوعين شديداً. وكنا نحن الإسلاميين كلما أتي الشيوعيون بشئ أتينا بأكبر منه. إذا قالوا نعمل إضراب نقول: لا.. نعمل اعتصام.. وإذا قالوا نعمل إضراب عن الطعام.. نقول: لا.. نكسر السفرة.. وهكذا لقد كان الصراع شديداً .
الشاهد أن أصحاب النظريات سعوا إلى الاستعانة بالقوات المسلحة أو دعم انقلاباتها وتبادلوا الأدوار في ذلك، من أجل تحقيق برامجهم، ورؤاهم الثورية من أجل التغيير. ونتيجة لحماسة المثقفين للنظريات، وإرث الصراع المتراكم، والطمأنينة إلى القناعات الفكرية، والرغبة المتعجله في التغيير، أخذ ذلك الصراع يتحكم في مسار السودان وشعوبه حتى يومنا هذا. وفي هذا تحدث البيلي وهو يعلق على فترة تأرجح الحكم في السودان بين الأحزاب والعسكر، تحدث وأشار إلى: دور المثقفين بأحزابهم وأيدولوجياتهم المختلفة في وأد الديمقراطية وعسكرة الحكم مع الجرأة اللامتناهية في الحديث عن الديمقراطية وحسناتها مع العمل على هدمها مع سبق الإصرار . ظل المثقفون، وحتى اليوم مرتهنين لصراع النظريات، الأمر الذي أوجد حواجز كثيفة بينهم، وعاق فرص تعارفهم وتحاورهم، وإكتشاف بعضهم بعضاً. أيضاً، كان صراع النظريات، السبب الأساس في ضعف مساهماتهم، وهدر طاقاتهم، وتبديد جهودهم، وغيابهم عن الواقع واحتياجاته. أكثر من ذلك، لقد فقدت شعوب السودان من جراء ذلك الصراع العقيم –الذي بدأ منذ مهرجان تكون الأحزاب، وتعمق مع دخول النظريات- خيار أبنائها، وعظام قادتها ومفكريها نتيجة لإستخدام العنف العنيف الذي يصل حد التصفية الجسدية. أيضاً، أدى ذلك الصراع -ولا زال- إلى تدمير المؤسسات ذات العائد التنموي (مشروع الجزيرة، النقل النهري، هيئة السكك الحديد…إلخ)، وتخريب الموروثات الثقافية، والتشويه لتاريخ السودان وإنسانه. كتب البيلي عن حالة الفشل المستمر التي مني بها السودان منذ مرحلة الاستقلال وحتى اليوم، وقدم اعترافاً مشيراً إلى أن ما يعيشه السودان يعود إلى فشل جيله، كتب البيلي قائلاً: (وما نعيشه اليوم من بعد الاستقلال عام 1956م يعود إلى فشل جيلنا بعد الاستقلال في إدراك خبايا ومرامي سياسات الاستعمار ومزايا وإيجابيات أسلوب الحكم وإدارة البلاد أيامه) .
الشاهد أن جيل البيلي، برغم أهمية ما قام به من جهود تنويرية وعطاءات معرفية، فشل كما أعترف البيلي، في إدراك خبايا ومرامي سياسات الاستعمار. تبع ذلك الفشل التعاطي السطحي مع قضايا السودان، وغياب الاتجاه النقدي لمشكلات الواقع السوداني، إلى جانب استجابة المثقفين لسياسات الاستعمار القائمة على غرس الصراع وتأجيجه. لقد تسرب الصراع إلى عقول المثقفين ونفوسهم، وتنزل إلى واقع الناس، وأصبح مرتكز الممارسة السياسية السودانية. فمنذ استقلال السودان وحتى اليوم، خاب ظن غمار الناس في المتعلمين، ولاتزال الخيبة مستمرة. يقول الدكتور حسن موسى:
لقد دفع السودانيون غالياً ثمن قصور قادة الرأي السياسي عن الانتباه النقدي لمشكلات الواقع السياسي السوداني، بما فيها مشكلات طاقم القيادة السياسية السودانية نفسها. والسودانيون يدفعون اليوم ثمن الجهل بواقع البلاد من قبل غالبية القادة السياسيين الذين تعودوا على ارتجال التدبير السياسي بفقر مدقع في الفكر وبضيق مقذع في الخيال السياسي وبحظ مبدع في الالتواء الاخلاقي .
لقد ضاعت آمال شعوب السودان، وأشواقها، وهي تراهن وتفاخر بمتعلميها. بل فقدت مكتسباتها التاريخية، وموروثاتها العظيمة مثل قيم التعايش والتسامح، التي كانت تباصر وتسير بها حياتها. إذ نقل المتعلمون حياة شعوب السودان من الهدوء والتعايش إلى الصراع والعنف. ظل الصراع من أجل الحكم عنيفاً، وكان حاصله في الواقع وفي إحداث التغيير دون الصفر. شُنق على منصة مشنقة كوبر شرفاء السودان، من القادة والمفكرين، أصحاب المبادئ السامية والقامات السامقة. كما حصدت المحاكم العسكرية منذ عام 1958م وحتى اليوم عدداً كبيراً من الجنرالات الكبار والعظماء، في مواقفهم وفي وطنيتهم، وهناك كمية من البشر قتلت في نواحي السودان المختلفة، لا يستطيع أحد إحصائها ولا يعلم أحد عددها بالضبط. الشاهد أن الصراع وعنفه بين المثقفين لم يترك فضيلة واحدة في الإرث السياسي يمكن أن يُعتد بها في التسوية الوطنية، أو المراهنة عليها في المسار المستقبلي. فالثأرات التي كانت ولاتزال بين اليسار واليمين في السودان هي التي تتحكم في مسار السودان السياسي. إن أوضح ما تكون عليه تلك الثأرات، هو ذلك الصراع من أجل الانتصار للنظرية، والذي تجلى في سياستي التطهير والتمكين.
المعرفة الاستعمارية والثأرات السياسية: سياستي التطهير والتمكين
سياسة التطهير هي سياسة أخذت بها حكومة مايو برئاسة جعفر محمد نميري (1930م-2009م) في بداية قيامها عام 1969م، هدفت إلى تطهير المؤسسات من المعارضين والمختلفين مع توجهات النظام ذات الطبيعة اليسارية آنئذ، فخسر الإسلاميون في السودان من جراء تلك السياسة الكثير. أما سياسة التمكين فهي سياسة أخذت بها حكومة الإنقاذ عند قيامها عام 1989م. هدفت السياسة إلى تمكين الكوادر الإسلامية والكوادر الموالية للحكومة في مؤسسات الدولة، فخسر اليسار السوداني من جراء تلك السياسية الكثير. الشاهد أن سياستي التطهير والتمكين، تعبر بوضوح عن روح الثأرات السياسية، كما أنها تدل وبفصاحة أيضاً، عن مدى نجاح الإدارة الاستعمارية في غرس ذلك الصراع والتنافس المحموم بين الطائفتين “الأنصار” و “الختمية”، وقد اعترف بذلك السير جميس روبرتسون، آخر سكرتير إداري للسودان، كما ورد آنفاً. استمر ذلك الصراع بعد أن تسرب إلى عقول المثقفين، واخلصوا في تبنيه، بوعي وبدون وعي (مع ترك مساحة لحسن النية) من خلال المنافسة السياسية والصراع حول السلطة. نتج عن ذلك الصراع الثأرات السياسية بين مختلف الأحزاب والأيدويولوجيات، لا سيما اليسار واليمين. ظلت الثأرات السياسية تتحكم في مسار السودان حتى يومنا هذا. الشاهد إن الواقع ينوء بالعلل الموروثة، حيث الثأرات السياسية، وضعف الحاضنات الحزبية، وانخفاض السقوف المعرفية لبعض القادة، وفي ظل تجدد مصالح القوى الدولية وتوسعها، ودخول حقبة ما بعد الحداثة بما لها من آثار، لا سيما، سؤال الأخلاق الذي أغفلته حقبة الحداثة، ويعيد طرح نفسه الآن في مستوى جديد، وفي ظل تراكم المظالم على أطراف السودان المختلفة، وتنامي الوعي بالذاتية، وتوسع فرص التعلم الذاتي بمعزل عن سياسات الدولة التعليمية، فإنه لا مخرج للسودان إلا بتواضع الأطراف المختلفة وإعلان عزمهم على تحقيق التسوية الوطنية القائمة على العدل والمساواة والحرية ودولة القانون. نظر البيلي في معطيات الواقع الراهن، حيث سؤال الهوية، والصراع بين المركز والهامش …إلخ فكتب قائلاً:
إن نظرة موضوعية متعمقة لتوكد أن التخلف العمراني والاقتصادي الذي يشمل كل أقاليم السودان، وكل أهله، لم يكن نتاج تهميش متعمد من مجموعة عرقية بعينها، بل كان نتاج سياسات قاصرة، وظروف اقتصادية سيئة، وحروب طاحنة، وأوضاع حكومات مضطربة متخبطة. وإن كان ثمة تهميش متعمد فهو ذلك الإقصاء والفصل الذي طال الكثيرين، باسم التطهير وباسم التمكين، الذي مارسته وتمارسه قبائل اليسار واليمين فيمن ليسوا منهم من المواطنين. فلنسمع للمواطنة الشاملة للاثنيات والهويات الجهوية، ولنعمل للديمقراطية لا الإثنوقراطية، ولنمكن للعدل والمساواة والتنمية المستدامة مع الاعتبار لمعايير الاقتصاد والتعايش في عالمنا الكبير المفتوح .
وفي ظل تنوع السودان الثقافي، ومن أجل وقف النزيف، ومن أجل تحقيق التسوية الوطنية والوفاق الوطني، وبناء المستقبل على أسس الديمقراطية والتعددية، كتب البيلي قائلاً:
لتكن الدولة للجميع وبالجميع، دستوراً، وقانوناً، نصاً، وروحاً. والشريعة للمسلم جزء من عقيدته ودينه. فبلا تشنج أيضاً لننظر في أمر تقنينها. وإذا كان المستقبل مع الديمقراطية والتعددية ومؤسسات المجتمع المدني، فالمسلمون هم الأسبق في ذلك تاريخاً وعقيدة ولولا ذلك لما إنتشر الإسلام الدين أكثر مما إنتشرت دولة الخلافة، ولما سادت ثقافته. … على المسلمين أن يعيدوا النظر في مسار تلك الثقافة وحضارتها وأسرار قوتها وعظمتها .
خاتمة
إن الإرث المعرفي الاستعماري لا يزال ماثلاً في واقع السودان السياسي والثقافي والاجتماعي والثقافي، بل يمكننا أن نذهب أبعد من ذلك ونقول بكل إطمئنان إن المعرفة الاستعمارية لا تزال تسيطر على عقول مثقفي السوداني وقادته، وبالتالي فهي لا تزال تتحكم في مسار السودان السياسي. ولهذا فإن الحاجة ماسة وملحة إلى نقد الإرث المعرفي للاستعمار في السودان. والحاجة ماسة أيضاً، إلى ضرورة تفكيك البناء الاستعماري المعرفي للمفاهيم والتصورات لطبيعة القضايا وجذور المشكلات. والحاجة ماسة كذلك، لضرورة تفكيك الذاكرة الاستعمارية التي أصبحت ضمن ذواكر أخرى تتفاعل في ثنايا السيرورة التاريخية. لا شك أن هناك بعض الجهود قد تمت باكراً في نقد الإرث الاستعماري في السودان، ومن بين تلك الجهود، جهود البروفيسور عثمان البيلي. لقد اتخذت كتابات البيلي في الشأن السودان منحىً نقدياً. وتميزت بالتنوع وطرقت مجالات وجوانب لم يكتب عنها، أو كانت الكتابات عنها قليلة. غلب علي كتابات البيلي الاهتمام بالشأن السياسي والاهتمام بالتصوف والتعليم ودراسة معطيات التكوين الفكري والمعرفي للمثقفين والقادة، إلى جانب دراسة الاستعمار وفكره. كان مدخله للدراسات السودانية والإفريقية هو تخصصه التاريخ العباسي بخاصة وتاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية بعامة. كان على الدوام يُعبر عن احترامه للتخصص، إذ كان يشير حينما يكتب عن السودان، قائلاً: “أنا لست متخصصاً في السودان”، أو حينما يكتب عن إفريقيا فهو ينبه القارئ قائلاً: “ولعله من المناسب أن أشير إلى تخصصي وهو التاريخ العباسي بخاصة وتاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية بعامة. ولن يغيب عن فطنة القارئ أن ذلك هو مدخلي لما أقدم هنا في مجال له أهله من المتخصصين في “التاريخ الإفريقي” . كان البيلي صاحب مدرسة في دراسة التاريخ، وكان لهذه المدرسة دعائم ومرتكزات. تحدث عالم الآثار السوداني البروفيسور علي عثمان محمد صالح ، وهو تلميذ للبروفيسور عثمان، تحدث البروفيسور علي صالح عن مدرسة البيلي في التاريخ، وأشار إلى أن مدرسته لها دعائم منها أن البيلي كان يعطي المكان اهتماماً، على الرغم من المكان هو موضع الاهتمام الأكثر في مجال الآثار، والزمان هو موضع الاهتمام الأكثر في التاريخ. وفي ظل اهتمامه بالمكان كان البيلي من دعاة تغيير العاصمة السودانية من الخرطوم لتكون في مدينة سنار، عاصمة السلطنة الزرقاء/ الفونج (1504م-1821م). وكان يرى أن تغيير مكان العاصمة سيساهم في حل الكثير من قضايا السودان. فالبيلي من المحتفين بسنار وبالسلطنة الزرقاء إرثاً وتاريخاً ومن المحتفين بدورها في التكوين الفكري والوجداني لشعوب السودان.
كشف البيلي من وقت باكر عن أهداف المعرفة الاستعمارية ومراميها، وكتب حولها مفككاً مفاهيمها ودراساً لنتائجها، وقدم مفهوماً للمعرفة جدير بالتسييل والحوار حوله، ذلك حينما قال: الاستعمار شرَّب المتعلمين معرفة علمتهم الجدل ومنعتهم العمل. ثم قدم تعريفاً للمعرفة قائلاً: المعرفة هي العمل. كان قد أهدى أحد كتبه قائلاً: (إلى الذين يعملون ويرضيهم أن يعمل الناس) . ووصلاً بهذا المعنى، معنى المعرفة وهو العمل، فقد استمعت كثيراً إلى البيلي وهو يردد مفردة الإتقان. كان رحمه الله مشغولاً بالعمل والإتقان، يلتزم الإتقان في عمله، ويُعجبه العمل والعمل المتقن، وكان يُوصي أبناءه وتلاميذه بالعمل وبإتقانه.
تدعو هذه الورقة بهذه المناسبة، مناسبة تأبين البروفيسور عثمان البيلي المؤرخ الكبير والعالم الجليل، وبمناسبة إقامة هذه الندوة العلمية لتسييل علمه وعطاءاته الإنسانية، وهو الذي كان مسكوناً بالسودان ومشغولاً بنقد المعرفة الاستعمارية، تدعو هذه الورقة المؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث والدراسات في السودان إلى ضرورة تبني عقد مؤتمر أو ندوة حول المعرفة الاستعمارية، ليس بهدف الفحص والتمحيص لقيمة هذا الإرث المعرفي فحسب؛ وإنما بغرض الكشف عن آثاره وأبعاده الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية في واقع السودان الراهن. إن الإرث الاستعماري في السودان بحاجة لدراسات مكثفة ومعمقة، وقد قطعت المؤسسات الأكاديمية في العالم شوطاً كبيراً في دراسة هذا المجال. كتب البروفيسور عبدالله على إبراهيم في خاتمة كتابه : بخت الرضا: الاستعمار والتعليم، منبهاً لهذا الأمر، مشيراً إلى ضرورة الاهتمام به، في الوقت الذي تسود بين غيرنا مدرسة دراسات ما بعد الاستعمار وتكتشف في الاستعمار سوءات تقعد بنا دون التحرر والسيادة وكانت فاتت على الحركة الوطنية نفسها.
قائمة المصادر والمراجع
جيمس روبرتسون، السودان من الحكم البريطاني المباشر إلى فجر الاستقلال، تعريب مصطفى عابدين الخانجي، دار الجيل، ط1، بيروت، 1996م.
خالد حسين عثمان الكد، الأفندية ومفاهيم القومية في السودان، ترجمة محمد عثمان مكي العجيل، ط1، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، 2011م.
عبد الغفار محمد أحمد، السودان والوحدة في التنوع: تحليل الواقع واستشراف المستقبل، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 1992م.
عبدالرحمن عبدالله، السودان: الوحدة أم التمزق، ترجمة الفاتح التجاني، شركة رياض الريس للكتب والنشر، ط1، 2002م، بيروت، لبنان، المصدر السابق.
عبدالله زكريا، برنامج مراجعات، حوار الطاهر التوم، قناة النيل الأزرق الفضائية، الخرطوم، الاثنين 20/6/2011م، الساعة 23:10.
عبدالله علي إبراهيم، بخت الرضا: التعليم والاستعمار، سلسلة كاتب الشونة، ط1، دار المصورات للنشر، 2010م.
عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، “أضواء على كتاب تاريخ الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد سوركتي”، مجلة التربية، اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، العدد: 133-134، الدوحة، 2000م.
عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، “أعود إلى السلطنة الزرقاء؟! خواطر حول مشاكوس والتشاوكس”، تحت النشر ضمن كتاب يضم مجموعة من الأوراق، تكفلت كلية الدراسات الإسلامية في قطر، بطباعته في اطار تنظيمها لتأبين البروفيسور عثمان البيلي.
عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، “جامعة الخرطوم والصراع بين الطلاب: الحركة الطلابية 1952م- 1979م”، ورقة قدمت إلى لجنة عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم عن ظاهرة العنف، في فبراير 1980م.
عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، “سودان وادي النيل بين الهوية والوطنية، والديمقراطية والإثنوقراطية”، صحيفة الخرطوم، 30 يوليو 2006م، الخرطوم، السودان.
عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، “في شأن التعليم العام والعالي في السودان: رؤى لم تُحقق فهل تتجدد (1982م-1985م)”، ورقة غير منشورة.
عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، “فى شأن الوفاق السودانى – لننظر بلا تشنج فى أمر الدولة والدين وتقنين الشريعة”، تحت النشر ضمن كتاب يضم مجموعة من الأوراق، تكفلت كلية الدراسات الإسلامية، بطباعته في اطار تنظيمها لتأبين البروفيسور عثمان البيلي.
عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، “مع الطيب صالح في الدوحة”، (ندوة)، تجربة الروائي السوداني الطيب صالح في قطر، رابطة الإعلاميين السودانيين في دولة قطر، ضمن احتفالية الدوحة عاصمة الثقافة العربية 2010، الدوحة، 3 أكتوبر 2010م.
عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، الختمية والأنصار، الشركة السودانية للتوزيع المحدودة، الخرطوم، 1970م.
عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، بعض أوراق هموم عربي إفريقي، ج 1، مكتبة المتنبي للنشر والتوزيع، الدوحة، 1992م.
عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، جوانب من الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في أفريقيا، مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، جامعة أم درمان الأهلية، 2005م.
عزالدين الأمين، نقد الشعر في السودان حتى بداية الحرب العالمية الثانية، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، ط1، 1999م.
قاسم عثمان نور، أضواء على الحركة الوطنية السودانية: جماعات القراءة والجمعيات الأدبية ومؤتمر الخريجين 1925م-1938م، وزارة الثقافة ومركز قاسم للمعلومات، الخرطوم، 2004م.
كمال الجزولي، إنتليجنسيا نبات الظل، باب في نقد الذات الجمعي، مدارك للطباعة والنشر، الخرطوم، 2008م.
محمد إبراهيم أبوسليم، أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان، دار الجيل، بيروت، ط1، 1991م.
محمد أبو القاسم حاج حمد، السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل، دار بن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1996م.
محمد المهدي المجذوب، الشرافة والهجرة، (ديوان شعر)، دار الجيل ببيروت وشركة المكتبة الأهلية بالخرطوم، ط2، 1982م.
محمد عمر بشير، التعليم في السودان في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (1820م-1956م)، مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، جامعة أم درمان الأهلية، أم درمان، 2005م.
محمد عمر بشير، تاريخ الحركة الوطنية في السودان (1900م-1969م)، ترجمة هنري رياض وآخرون، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، د. ت.
محمود محمد طه، “بيانات الحزب الجمهوري على الموقف الداخلي”، صحيفة أنباء السودان، العدد 166، بتاريخ 1/11/1958م.
محمود محمد طه، الثورة الثقافية، ط1، أربجي، 1972م.
نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2000م.
يحيي محمد إبراهيم، تاريخ التعليم الديني في السودان، ط1، دار الجيل، 1987م
سيرة ذاتية مختصرة للبروفيسور عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي (1930م-2011م)
من مواليد قرية منصور كوتي بشمال السودان.
كان يعمل منذ 1995م وحتى فاته يوم الاثنين 14 مارس 2011م مديراً مركز الشيخ محمد بن حمد آل ثاني لإسهامات المسلمين في الحضارة، كلية الدراسات الإسلامية، مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، الدوحة، قطر
الدرجة العلمية:
(بروفسير) أستاذ تاريخ الإسلام والشرق الأوسط
جامعة الخرطوم – السودان
جامعة أحمد بل– نيجيريا
جامعة قطر– قطر
عضو مدى الحياة-جامعة كمبردج-المملكة المتحدة
المؤهلات العلمية:
ليسانس آداب (شرف) كلية الدراسات الشرقية والإفريقية، جامعة لندن، 1958م
دكتوراه فلسفة (تاريخ) كلية الدراسات الشرقية والإفريقية، جامعة لندن، 1963م
شهادة الدراسات الفرنسية، بتورين في فرنسا عام 1961م
شهادة اللغة الألمانية، جامعة ماكسيملان، ميونيخ 1963م.
الخبرات العملية:
أستاذ جامعي منذ عام 1956م.
وزير التربية والتعليم، السودان (1982م-1985م)
عضو المجلس التنفيذي لليونسكو– باريس (1982م- 1985م)
رئيس اللجنة الوطنية لليونسكو – السودان (1982م- 1985م)
عميد الطلاب – جامعة الخرطوم ، السودان (1964م-1966م)
رئيس اللجنة القومية لمنظمة الخدمات الجامعية العالمية (1964م-1966م)
مدير مركز أبحاث تاريخ شمال نيجيريا-جامعة أحمد بل-نيجيريا(1972-1976)
عميد كلية الآداب – جامعة الخرطوم (1979م-1980م)
مدير مركز الوثائق والدراسات الإنسانية – جامعة قطر (1985م-1995م)
بعض منشورات البروفيسور عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي
باللغة العربية: الكتب
المعتصم وعسكرة الخلافة العباسيّة، سلسلة دراسات في تاريخ الخلافة العباسيّة، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2004م.
ثلاثيّة الحكم في العصور العباسيّة: الخلافة، والسلطة، والدولة”، سلسلة دراسات في تاريخ الخلافة العباسيّة، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2004م.
جوانب التاريخ والحضارة في العصور العباسيّة، سلسلة دراسات في تاريخ الخلافة العباسيّة، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2006م.
الكشاف الميسّر، لفهارس كتاب العِبرَ وديوان المبتدأ
والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، تأليف عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، الشهير بإبن خلدون، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت،2010م.
فهرست المخطوطات العربية: مشروع بحث تاريخ شمال نيجيريا، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 1984م.
جوانب من الإسلام والثقافة العربيّة الإسلاميّة في إفريقيا، مركز محمد عمر بشير للدراسات السُّودانية، جامعة أم درمان الأهلية، أم درمان، 2005م.
هذا إلى جانب عدد كبير من الأوراق العلمية والمقالات التي نُشرت في الدوريات العربية والإفريقية باللغة العربية.
كما أشرف البيلي خلال الفترة ما بين 1985م وحتى 1995م على عدد من طلاب الدكتوراه والماجستير في جامعتي الخرطوم، السودان وجامعة جامعة أحمد بل، نيجيريا.
باللغة الإنجليزية
Books
Prelude to the Generals: A Study of Some Aspects of the Reign of the Eighth Abbasid Caliph, Al-Mutasim Bi-Allah (218-277Ah/833-842Ad)
The Bequest (Al-Wasiyya), Al-Shaykh Abd Al-Mahmud al-Hafyan, Reading: Garnet Publishing, 2007.
Some Aspect of Islamic in Africa, Reading: ITHAC Press, 2008.
Research and papers
 Review of Ibn Al-Murtada, Tabagat A1Mutazilla (ed. S.D. Wilzer), (English) B.S.O.A.S., London, 1962.
 Mutasim and the Turks (English), H.S.O.A.S., London, 1966.
 Histriographical Traditions of African Islam (English) in T. Ranger (ed.) Emerging Themes of African History, London and Nairobi (Comment on Contributions P.XI.), 1968.
 Short entries tor Encyclopedia Africana, Vol. VI. Progress Report No. 12 and 13, Accra, 1965, 1967.
 The Founding of a New Capital, Samarra (English), B.S.O.A.S., London, 1968.
 AI-Mamun and the Caliphate.*
 Sources for the Early Abbasid History*, Arabists Conference, lrevan, Armenia, U.S.S.R. (English).
 History and Modern Nation Building (English). Sudan Philosophical Society 16th Annual Conference, Khartoum, January 1971. English.
 As-Sudan and Bilad as-Sudan in early and medieval Arabic writings (English). Bulletin of Cairo University, Khartoum, 1972. Also Kano Studies. Bayero University, Kano. 1974.
 Ifriqiya and Sudan in Arabic Sources. (English). A.B.U. Arewa House. Seminar Papers, Kaduna, 1976.
 Literary Sources for the Modern Period of the History of Sudan. (English). Savana, Zaria, 1972.
 NHRS Second Interim Report. A.RU. Zaria, 1973.
 NHRS Third Interim Report. A.B.H. Zaria, 1975.
 lslamization and Arabization in Africa up to 1200 A.D. (English)
 Al-Muwahids and their Successors, 1200 – 1500 A.D., (English)
 *NB: Both “Atlas of African History”, J.F.A. Ajayi and M. Crowder (ed.) Longmans, 1975. (Maps and text of 500 words jointly done with Dr. I.U.A. Musa).
 Edition and translation of M. Bello's “AI-Qawl AI-Mawhub”.
 Edition and translation of. M. Bello's “AI-Ghayth AI-Shibub”.*
 The Growth of Islamic Culture in Africa up to 1800 A.D., (English) lhsan Abbas Festshrift, Beirut, 1980.
 Dan Fodio and the Mahdi Movements (Arabic), Dirasat Afriqiyya, Khartoum 1986.
 A tale of two cities and the Abhasid Caliphate (English). Bulletin of the Faculty of Arts and Social Sciences. University of Qatar. Vol. 17. PP. 31-42. 1994.
 Review of al-Malik a1-Ashraf almanac. (English). Bulletin of the Gulf Folklore Center. Vol. 38. Doha, Qatar 1995.
 The Other Tabari. (English). Tabari Conference. University of St. Andrews. 30th August – 2nd September. 1995. (English). Conference papers to appear in Brill, Leiden 1996.
*, ورقة قدمت في تأبين الأستاذ الدكتور عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي (1930م-2011م)
مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع
Qatar Foundation for Education, Science and Community Development (QF)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.