وزير الثقافة والإعلام السوداني: حريصون على تعزيز دور المرأة    السودان..التعليم العالي تعلن عن فتح فرص لمعالجة مشاكل الطلاب    المملكة المتحدة المبعوث البريطاني الخاص للقرن الأفريقي سيتولى مهام السفارة في الخرطوم    المخابز في الخرطوم تتوقف عن العمل بسبب انعدام الغاز    تجمع المصرفيين يهدد بتصعيد مفتوح حال عدم إقالة محافظ البنك المركزي    لاعب من القمة كاف يعلن التشكيل المثالي لجولة دوري الأبطال    بيتاي .. "النم السخت شاردتو" .. بقلم: البدوي يوسف    عيد المرأة ... أثقال على ضمير الوردة .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    ليتَ أيَّامُنَا كُلّها ثمانيّة آذاريَّة! .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    وكيل الانجليزي كلارك يؤكد نجاحه مع المريخ    الجمعية العمومية 13 مارس تدافع جماهيري بالاحمر في آخر ايام تجديد العضوية    الإطاحة بقطاع الشباب بالمريخ ومادبو رئيساً    ليتَ أيَّامُنَا كُلّها ثمانيّة آذاريَّة!    إصابة بشار الأسد وزوجته بفيروس كورونا    ميغان "ساورتها أفكار انتحارية" والأمير هاري"لم يجد من يلجأ اليه"    (حمدوك) خارج المكتب..!    تتناسب مع الموجهات العامة للبلاد الإذاعة و التلفزيون تضع اللمسات الأخيرة لبرمجة رمضان    الساحر السينمائي: كيروساوا    جوكر الحكومة الجديدة    وزارة الحج تنفي خبر «حجز عمرة رمضان» على مرحلتين    فتاة روسية تروي ما حدث لها بعد أن تقدمت بطلب الزواج من الرئيس بوتين    زهير السراج يكتب : معركة بنك السودان !    في أول تصريح له بعد إطلاق سراحه.. جمال فرفور: حزنت لإفساد فرحة الفنان محمد ميرغني.. على الفنانين اتخاذ موقف حاسم    بعد قبض فرفور في حفل تكريمه الفنان محمد ميرغني: قررت الهجرة من بلد لا تحترم الفن ولا الفنانين    مدرب المريخ السابق: لا أعرف سبب إقالتي    دراسة تكشف معاناة مصابي كورونا بعد التعافي    الثلاثاء..بدء التطعيم بلقاح كورونا في السودان    معلومات جديدة حول تهريب تاجر المخدرات من مستشفي الشرطة    10 جوالات متوسط إنتاجية زهرة الشمس بهيئة الرهد الزراعية    قضية الشهيد حسن محمد.. تفاصيل جديدة    وزير الطاقة: لا مبرّر لصفوف الوقود المتطاولة    قضية كوشيب تتصدر لقاء النائب العام بوفد المحكمة الجنائية    القبض على الفنان طه سليمان في العمارات    فيما نجا حسين الصادق وإنصاف مدني القبض على الفنان (ودراوة) في حفل ميلاد ابنة الفنانة هاجر كباشي    حريق بمتاجر اسبيرات يتسبب في وفاة مواطن بالمنطقة الصناعية بحري    استقرار في السكر المستورد وشح المحلي    ارتفاع مشتريات النقد الأجنبي ل(500) ألف دولار بعدد من المصارف    رئيس المريخ يوجه بإيقاف أمير كمال وتحويله للتحقيق    مطالبة بإعفاء طلاب المناصير من الرسوم الجامعية    تجمع المهندسين الزراعيين يحذر من تعرض 18 الف فدان مزروعة بالقمح للتلف    نفاد 41 % من مخزون الامدادات الطبية والصيادلة يدخلون في إضراب    أشرف خليل يكتب: دي (المنصورة) مابتبالي من الرش !!!    السعودية.. تطعيم مستمر وعودة تدريجية للحياة الطبيعية    عديم إحساس..!!    الدعم السريع.. مراكز اعتقال خاصة    تحلُّل جثث بمشرحة بشائر    مالك "لو فيغارو" وحفيد صانع ال"رافال".. نائب فرنسي يلقى مصرعه بتحطم مروحية    غضب في السعودية بعد نشر أمانة الرياض فيديو "صادما"!    برمضان المقبل.. بن لادن يطل على الصائمين    «حبة» تقضي على «كورونا» في 5 أيام !    الحرب في اليمن: طائرات مسيرة تابعة للحوثيين تشن هجوما على منشآت نفطية سعودية    في يوم المرأة العالمي 2021 المرأة كاملة عقل    توقيف (36) معتاد إجرام بينهم أجنبي يزور الدولار بنيالا    3 إخوة يرفضون تسلُّم جثة شقيقتهم في مصر    حيدر المكاشفي يكتب : أصلو غلطت في البخاري    محجوب مدني محجوب يكتب: لا بد من فقه سياسي    أمريكا : سنعطي أولوية تأشيرة الهجرة للسودانيين المتأثرين بحظر ترامب    ترامب: في اول رد فعل غير مباشر علي اتهام صديقه العاهل السعودي .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تأبين الأستاذ الدكتور عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي (1930م-2011م) (1): المعرفة الاستعمارية وإرث السودان السياسي.. قراءة في إسهامات البروفيس�
نشر في الأحداث يوم 31 - 03 - 2012

تسعى هذه الورقة إلى تسليط الضوء على إسهامات البروفيسور عثمان البيلي في نقد إرث السودان السياسي، وإشاراته إلى المعرفة الاستعمارية ودورها في التكوين الفكري والمعرفي للمثقفين، ومن ثم تحكمها في تحديد مسار السودان. تثبت الورقة النصوص النقدية من مصادرها في كتابات البيلي، ثم تقدم ملاحظات تحليلية حولها من خلال الاستقراء في تاريخ السودان وإرثه السياسي. تحاول الورقة مستصحبة كتابات البيلي، أن تقف على دور المعرفة الاستعمارية في خلق اطار معرفي، أهم ملامحه غرس الصراع وتأجيجه واستمراره في دوائر المثقفين، الأمر الذي انعكس سلباً على مسار السودان، وأدى إلى استمرار حالة الفشل في تحقيق التسوية الوطنية، ومن ثم وضعه في موضع القابلية للتشظي. تخلص الورقة إلى أن تحقيق التسوية الوطنية، والاستقرار وتفادي تشظي السودان، يتطلب القيام بمراجعات واسعة للإرث السياسي، ونقد شامل وعميق للإرث المعرفي للاستعمار بغرض الاسهام في تحرير العقول وتفكيك البناء الاستعماري للمفاهيم والتصورات لطبيعة القضايا وجذور المشكلات.
تهيكلت الورقة في المحاور التالية:
كتابات البيلي في الشأن السوداني
التعليم في السودان: من شراب الحروف إلى الوقوف في الطابور
المعرفة الاستعمارية والمثقفون:
تعليم الجدل ومنع العمل
تهيئة المناخ الصفوي وتعميق الانبتات
خفض السقف المعرفي وصناعة القادة
تجميد حركة التغيير
المعرفة الاستعمارية وإرث السودان السياسي
المعرفة الاستعمارية وسياسات التطهير والتمكين
خاتمة
قائمة المصادر والمراجع
ملحق: سيرة ذاتية مختصرة وبعض ما نشره البيلي
كتابات البيلي في الشأن السوداني
نشر المؤرخ والمحقق، البروفيسور عثمان البيلي بالإضافة لما كتبه باللغتين العربية والإنجليزية في مجال تخصصه في تاريخ الإسلام والشرق الأوسط، نشر العديد من الأوراق العلمية والمقالات التي تتناول الشأن السوداني. اتسمت كتاباته عن السودان بالطابع النقدي، وكانت متنوعة وكثيرة برغم ترديده الدائم لعبارة «أنا لست متخصصاً في السودان». أبقى بعض تلك الكتابات في مظانها في الدوريات السودانية والعربية والأفريقية، وجمع بعضها الآخر في كتابين. وسم الكتاب الأول ب: بعض أوراق هموم عربي إفريقي، ونشره عام 1992م، ووسم الثاني ب: جوانب من الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا، ونشره عام 2005م. علل سبب اختياره لوسم كتابه الأول قائلاً: (وقد وصفت المجموعة بهموم «عربي أفريقي» لأن ذلك واقعي وما أردت أن تعكسه هذه الأوراق...). وعن محتوى أوراق هموم عربي إفريقي، وعن وحدة المجموعة الأولى منها، كتب في المقدمة قائلاً: (ووحدة تلك المجموعة هي الاهتمام بأمور العلم والتعليم والسياسة من باب دور المثقف في اطار انتماء السودان العربي الأفريقي). نشر أوراق هذه المجموعة أول مرة خلال الفترة ما بين 1965م-1969م. الشاهد أن البيلي كتب باكراً، وبرؤية نقدية، عن المثقفين والمعرفة الاستعمارية، وعن إرث السودان السياسي. ففي عام 1968م، كتب مقالة عن المثقفين بعنوان: «المثقفون في العالم الثالث»، أشار فيها إلى المعرفة الاستعمارية، وقدم تعريفاً لمفهوم المعرفة، جدير بتسليط الضوء عليه لاحقاً. وقبل ذلك وفي عام 1965م، كان قد تعرض للمثقفين وللمعرفة الاستعمارية حينما استعرض وعلّق على كتاب: اعتبوا على التاريخ، للكاتب الإفريقي بلوك مويسين. وفي عام 1966م والعام الذي يليه، قام بنشر ترجمة وتعليق على محاضرة ل س. ب. أسنو، بعنوان: «الثقافتان والثورة العلمية»، في أربع حقات، أشار فيها من خلال تعليقاته إلى الاستعمار والتعليم، وإلى الحاجة إلى اصلاح التعليم وقضايا أخرى. وعن الاستعمار ودوره في إرث السودان السياسي، وعن التصوف ودوره في السودان، ظل البيلي يكتب وباستمرار حتى انتقاله إلى الدار الآخرة. ففي عام 1965م كتب ورقة بعنوان: «المديح وخلفيته ومحتواه التاريخيّ والدينيّ»، وفي العام 1970م كتب: «الدين والسياسة ونشأة وتطور «الختمية» و»الأنصار». وفي عام 2000م نشر ورقة قدم فيها إضاءات وتعليقات حول تحقيق وتقديم البروفيسور أحمد إبراهيم أبوشوك لكتاب: حركة الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد السوركتي في إندونيسيا، الذي نُشر عام 2001م من مركز الأبحاث، بالجامعة الإسلاميّة العالميّة بكوالا لمبور بماليزيا. استعرض البيلي وعلَّق عليه في ورقة بعنوان: «أضواء على كتاب تاريخ الإصلاح والإرشاد وشيخ الإرشاديين أحمد محمد سوركتي» . كما قدم مراجعة لكتاب ثان حققه وقدم أيضاً، البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك والكتاب هو: مذكرات يوسف ميخائيل عن التركيّة والمهديّة والعهد الثنائي، الي نشره عام 2004م، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان. وفي العام 2007م ترجم كتاب الوصية، للشيخ عبد المحمود الحفيان بن الشيخ الجيلي إلى اللغة الإنجليزية.
وحول تاريخ السودان ودور الاستعمار في أزمة التسوية الوطنية وعن قضايا التعليم الهوية والانفصال كتب البيلي العديد من المساهمات. ففي عام 1971م كتب: «نظرة على تاريخنا السياسي المعاصر في السودان»، وفي العام 1972م نشر ورقة بعنوان: «السودان وبلاد السودان في الكتابات العربية الأولى في العصور الوسطي (بالإنجليزية)، وفي عام 1999م، كتب ورقة بعنوان: «في شأن الوفاق السوداني، لننظر بلا تشنج في أمر الدولة والدين وتقنين الشريعة» ، وفي عام 1980 قدم ورقة بعنوان: «جامعة الخرطوم والصراع بين الطلاب: الحركة الطلابية 1952م- 1979م» . وفي عام 2008م استحضر فترة تقلده لوزارة التربية والتوجيه، وطرح رؤاه التي لم تُحقق في شأن التعليم، وتساءل هل من الممكن أن تتجدد؟ قدم ذلك في ورقة بعنوان: «في شأن التعليم العام والعالي في السودان: رؤى لم تُحقق فهل تتجدد (1982م-1985م)» . وفي عام 2002م كتب: «أعود إلى السلطنة الزرقاء؟! خواطر حول مشاكوس والتشاوكس» ، وفي نفس العام نشر تقييماً وتعليقاً على كتاب: السودان الوحدة أم التمزق، الذي ألفه صديقه الإداري عبدالرحمن عبدالله . وفي عام 2006م، كتب ورقة بعنوان: «سودان وادي النيل بين الهوية والوطنية، والديمقراطية والإثنوقراطية» . وفي عام 2011م كتب: «توحدوا من أجل الشمال والجنوب» . كما كتب عن المكونات الفكرية والمعرفية لبني جيله من خلال ورقة بعنوان: «مع الطيب صالح في الدوحة» ، قدمها في ندوة عقدت بمدينة الدوحة حول: تجربة الروائي الطيب صالح في قطر، في أكتوبر 2010م، ضمن احتفالية الدوحة عاصمة الثقافة العربية 2010م. وكان قد كتب كلمة في يوم 9 فبراير 2006م في ذكرى أربعين صديقه البروفيسور عون الشريف قاسم (1933م-2006م)، جاءت بعنوان: «في ذكرى أربعين الأستاذ الدكتور الشريف عون بن الشريف قاسم عليه رحمة الله، زمالة في طلب العلم والعمل في جامعة الخرطوم، وصداقة في مجالات الحياة الخاصة والعامة ومواقف مشتركة في شئون الجامعات والوطن». الشاهد أن البيلي على الرغم من أنه لم يتخصص في السودان، إلا أن مساهماته حول الشأن السوداني كانت عديدة ومتنوعة. تميزت بأنها كانت ذات طابع نقدي، وتناولت جوانباً ومجالات لا تزال الكتابات حولها قليلة. ولعل ما ورد أعلاه ما هو إلا نماذج من الكتابات التي ستعتمد عليها هذه الورقة، بيد أنها لا تمثل كل كتابات البيلي في الشأن السوداني، ولعل ثبت راجع ومصادر هذه الورقة يتضمن إشارات لكتابات أخرى، غير تلك التي وردت الإشارة إليها آنفاً.
التعليم في السودان: من شراب الحروف إلى الوقوف في الطابور
ينتمي البروفيسور عثمان البيلي إلى الجيل الذي كان يشرب الحروف. فقد سمعته مرة في أمسية أُقيمت لإحياء ذكرى صديقه الروائي العالمي الطيب صالح (1929م- 2009م)، وهو يتحدث عن المكونات الفكرية والمعرفية للطيب صالح ولجيلهما من السودانيين، سمعته يقول : (نحن شربنا الحروف) . في إشارة إلى نوع ونُظم التعليم في الخلوة. لقد كان التعليم في السودان في دولة الفونج (1504م- 1821م) وفي العهد التركي/ المصري (1821م-1885م)، تعليماً دينياً محوره اللغة العربية والعلوم الشرعية، وقوامه الكُتاب والخلوة والمسجد والمسيد ومجالس العلماء والأزهر. ولأن التعليم ارتبط بالتصوف كانت الخلوة هي المكان الوحيد الذي يتم فيه تعليم القرآن . ترجع الخلوة في إنشائها إلى أواسط القرن الرابع عشر الميلادي عندما قدم غلام الله اليمني إلى دنقلا . يقول البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م): لا جدال في أن المؤسسة التعليمية الكبرى والمهمة والتي نشأت بجانب المسجد والمسيد هي الخلوة. فالخلوة كان لها مدلولاً في السودان غير الذي كان سائداً في البلدان الإسلامية، حيث الاعتزال عن الناس بقصد الوصول إلى الحقيقة، والتقرب إلى الله. بينما كانت في السودان تعني المكان الذي تؤدي فيه وظائف التعليم الديني من تعلم للكتابة والقراءة وتحفيظ القرآن ثم دراسة العلوم الدينية من فقه وتوحيد وسائر علوم العربية . حافظ العهد التركي المصري على التعليم الديني والخلاوي كمصدر رئيس للتعليم، مع انتشارها في أجزاء كثيرة من السودان. كما أنشأ الحكم التركي عدداً من المدارس الابتدائية في كل من الخرطوم وبربر ودنقلا وكردفان وكسلا وسواكن وسنار وجوبا بغرض تعليم أبناء الأتراك والمصريين العاملين في الجيش والإدارة، وتخرج عدد قليل من السودانيين للعمل في دواوين الحكومة في الوظائف الصغرى... وفي عهد الدولة المهدية (1885م-1898م) استمرت الخلاوي مصدراً رئيسياً لتعليم الصغار والكبار. كما شجعت المهدية تعليم القرآن والحديث وقراءة الراتب من خلال حلقات التدريس والتعليم التي نشأت في الأحياء المتعددة في أم درمان، ومن خلال الخلاوي التي كانت تقوم بتعليم القرآن والكتابة والحساب .
شهد مطلع القرن العشرين ومع بداية الحكم الثنائي الإنجليزي/ المصري (1898م-1956م) قيام مؤسسات التعليم الحديث. لقد أوضح سير جيمس كري، أول مدير للتعليم في السودان، أن الهدف من المؤسسات التعليمية هو تعليم الحِرَف وشئ من المعرفة يمكِّن الأهالي من التعرف على أغراض الحكومة ونظام الإدارة وتدريب بعضهم لكي يتمكنوا من شغل الوظائف الصغيرة . قامت السياسة التعليمية على إنشاء مؤسسات تعليمية ابتدائية ومتوسطة وليس مؤسسات عليا، وذلك لتخريج من يقوم بمهام فنية وكتابية صغيرة. كتب الدكتور خالد الكد قائلاً: (إن سياسة الإدارة البريطانية فيما يختص بالتعليم كانت حذره جداً، وتعمل بتعليمات اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في مصر. كانت توجيهات كرومر تقوم على التحذير من التعليم العالي والذي اسماه: «عملية صناعة الغوغائية»،...) . بناء على هذه السياسة التعلمية، أُنشئت كلية تدريب المعلمين والقضاة بأم درمان في عام 1900م، ومدرسة الصناعة بأم درمان، وافتتحت كلية غردون التذكارية عام 1902م، والمدرسة الحربية (مدرسة الخرطوم الحربية) عام 1905م، وافتتحت مدرسة كتشنر الطبية عام 1924م. وكان الحاكم العام قد أنشأ عام 1902م، مجلساً للعلماء ينظم التدريس في الجامع الكبير بأم درمان ويمهد لإنشاء المعهد العلمي. وفي عام 1912م أنشىء المعهد العلمي بأم درمان على غرار الأزهر ، وعُين الشيخ أبوالقاسم أحمد هاشم (1856م– 1934م) شيخاً له .
وصف الشاعر الكبير محمد المهدي المجذوب (1918م-1982م) عملية التحول في السودان من التعليم التقليدي إلى التعليم الحديث، من خلال رحلة انتقاله في الدراسة من الخلوة في القرية حيث شراب الحروف إلى المدرسة في المدينة حيث الوقوف في الطابور، وصف المجذوب تلك الرحلة قائلاً: (وهاجر طالب القرآن الصغير من خلوته الزاهدة المستبشرة إلى مدرسة في الخرطوم عاصمة الترك في السودان السناري، وأوقفوه في الطابور... كان التلاميذ في المدرسة من أعاجيب المدينة، يضحكون من لهجته القروية، وكان لا يشك في كفر من يدخن سجارة- وبدأت خلوته مع نفسه في منفاه- لم يكن له صديق، ولا يزال واقفاً في ذلك الطابور يخرجه منه الشعر وتعيده إليه لقمة العيش).
من المهم الإشارة إلى أن أبناء السودان دخلوا تلك المؤسسات التعليمية الحديثة وهم في حالة إنفصال عن إرثهم الحضاري في كوش والممالك النوبية، وفي حالة اضطراب في إرثهم الحضاري في مملكة الفونج. نتج الاضطراب الوجداني والفكري والديني في إرث الفونج الحضاري من جراء ما أتي به الحكم التركي المصري من فقهاء وإعادة نظر إلى جانب دعم الحكم الثنائي البريطاني/ المصري للفقهاء على حساب المتصوفة. كتب الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد (1942م- 2004م) وهو يتحدث عن إنشاء الحكم الثنائي ل «لجنة العلماء»، كتب قائلاً: إن الهدف من إنشاء مجلس العلماء الذي أُطلق عليه اسم «لجنة العلماء» في عام 1902م هو الإمعان في تقليص نفوذ قادة الطرق الصوفية وتقوية جانب المدرسة الفقهية المنافسة، من خلال تركيز فكر سني معارض للصوفية وداعم لمركز علماء الفقه والسنة كغطاء ديني للسلطة البريطانية من ناحية ولموازنة نفوذ الفكر الصوفي من ناحية أخرى.
إن التكوين المعرفي والفكري إذا لم ينسجم وبعمق مع الإرث الحضاري، فإنه لا يحقق الوعي بالذاتية، بل يدهور صحة الوعي والعقول والفهوم ويؤدي إلى التغييب والتضليل، ويقود إلى الصراع. ويكون من العسير في ظل التعليم المنفصل عن الإرث الحضاري – كما هو الحال منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا- انتاج عقول غير قادرة على تقديم مبادرات تخدم التجدد والتقدم وتبعث بالحيوية في جسم المجتمع. وبالتالي لا يتوقع من ذلك التعليم صناعة قيادات راشدة للشعوب، أو تحقيق حالة من التجاوب والتفاعل بين المتعلمين والجماهير، وتبقى المبادرات الإبداعية جهود فردية عبر التعلُم الذاتي، مصيرها دوماً الرفض والحرب من قبل المجتمع.
الشاهد أن مؤسسات التعليم الحديث التي أنشأتها الإدارة البريطانية في مطلع القرن العشرين، رفدت واقع الحياة السودانية بطلائع المتعلمين، الذين أطلق عليهم «الأفندية». وكما هو معروف، فإن أهم مساهمات الحكم الثنائي هي خلق «طبقة الأفندية»، أولئك الشباب الذين أعطتهم إدارة الحكم الثنائي تعليماً غربياً حديثاً . ومفردة أفندي ترادف في معناها مفردة متعلم/ مثقف. لقد اتخذ وسم الحامل للمعرفة، والمنتج لها، والمساهم في مجمل الحركة الاجتماعية، في السودان، وفقاً لنُظم التعليم الحديث، عدة وسوم، منها: «الخريج» و»الأفندي». كانت كلمة خريج في البداية تعني خريج كلية غردون التذكارية وخريج المدارس الابتدائية (الوسطى) ثم توسعت الكلمة لتشمل حتى خريج المدرسة الأولية . كانت كلمة (خريج) مرادفة لكلمة (مثقف) . وكانت كلمة أفندي أيضاً مرادفة لكلمة (مثقف). إن كلمة مثقف لها الكثير من التعريفات. فالمثقف عند الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م) هو الذي يجسد وحدة الفكر والقول والعمل، ويعني ذلك ارتباط المعرفة بالاستقامة وتقويم الاعوجاج، فكلمة ثقافة تشير في اللغة العربية إلى التقويم والتهذيب، وهذا أمر يشير إلى الأخلاق . وهناك من يرى أن المثقف هو من تتوفر فيه بعض الشروط التالية: المعرفة وعمق بعضها، وإنتاج المعرفة، والمساهمة في مجمل الحركة الاجتماعية . وهناك من يرى أن المثقف هو الإنسان المنخرط –بطريقة أو بأخرى- في عملية إنتاج الوعي . وعرَّف كمال الجزولي الانتلجينسيا السودانية، بأنها هي الفئة الاجتماعيَّة السودانيَّة التي تمتهن أو تختص بالعمل الذهني من مداخله التعليميَّة (الحديثة) . أما تعريف المثقف عند البيلي كما ورد في مقالة له عام 1968م ، حيث كتب قائلاً: (أن الثقافة لا تكون بلا علم وتعليم لكن الذي لا اختلاف عليه أيضاً، أن التعليم وحده والانجازات مهما تعددت وتنوعت لا تخلق المثقف، بل ما أكثر الذين يشغلون أنفسهم بواقع الإنسان ومصيره ويلعبون دور ذلك المثقف الحق دون أن يعرفوا الكتابة)، وأضاف قائلاً: (ليس هذا تعريف جديد للمثقف ولكنه تأكيد لمبدأ أن المعرفة عمل ... فالمعرفة فقط، هي العلم الذي لا ينفع أما العلم الذي ينفع فهو ذاك الذي يدفعك إلى التأمل والتفكير والتدبر والعمل) . الشاهد أن مفهوم المعرفة عند البيلي، هو أن المعرفة هي العمل.
المعرفة الاستعمارية والمثقفون
تعليم الجدل ومنع العمل
برز خطاب نقد الآثار الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي خلفتها مرحلة الاستعمار على الشعوب والدول التي خضعت للاستعمار، بما في ذلك نقد التعليم الاستعماري، والدعوة للتحرر من الإرث المعرفي للاستعمار، برز هذا الخطاب حديثاً مع أطروحات فكر ما بعد الحداثة. تمظهر الخطاب في مدرسة دراسات الاستعمار، ومدرسة دراسات ما بعد الاستعمار. في السودان يُعد البروفيسور عبدالله علي إبراهيم أستاذ التاريخ الأفريقي والإسلامي بجامعة ميسوري بكولمبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، على حد علمي، من أوائل الذين دشَّنوا نقد المعرفة الاستعمارية، إذ نشر كتاباً عن التعليم والاستعمار في عام 2010م. قال في المقدمة: (وتقع هذه الدراسة بصورة أخص في حيز دراسات الاستعمار والمناهج المدرسية). أشار البروفيسور عبدالله في كتابه إلى المفكر إدوارد سعيد، مُطلق عقال مدرسة دراسات ما بعد الاستعمار، وإلى الدكتورة لند سميث، التي دعت شعب الماروي النيوزيلندي للتحرر من الاستعمار كمعرفة تشربها. كما أشار إلى كتاب: المنهاج الإمبريالي: العقائد العرقية والتعليم في التجربة الاستعمارية البريطانية، لمؤلف ج. أ. ماقمان، الذي قال: إننا لم ندرس بصورة كافية الجذور العرقية في التعليم الاستعماري. فالمدارس حقاً تعلم معارفاً ومهارات ولكن فقط في صور تضمن الخضوع للأيدولوجية السائدة وطغيان ممارساتها. كتب البروفيسور عبدالله في كتابه قائلاً: خلص الباحثون إلى أن الاستعمار مشروع ثقافي بعيد المدى. وأضاف قائلاً: أن الاستعمار لا يتبخر بالاستقلال، لقد ظنت الحركات الوطنية أن بوسع الأمة التي تحررت أن تعيد صلتها بتاريخها وثقافتها كأن الاستعمار لم يكن. إن الإحاطة بالاستعمار كإرث ثقافي متين يلزم في حربه البأس الفكري الشديد. الشاهد أن نقد المعرفة الاستعمارية في السودان، أمر لم يحظ حتى اليوم بالاهتمام اللازم، على الرغم أن السودان يسير في مختلف المجالات وبشكل واضح، وفقاً لتلك المعرفة. فقد تجلت المعرفة الاستعمارية في الثنائيات: القضاء الشرعي والقضاء المدني، التعليم المدني والتعليم الديني، السوق العربي والسوق الأفرنجي... إلخ. أما في المسار والإرث السياسي فهي أكثر وضوحاً ولا تزال تهيمن على مسار السودان حتى اليوم، وسيرد الحديث عن ذلك.
انتبه البيلي باكراً، لآثار التعليم الاستعماري، ونبه لخطورة جرعات المعرفة الاستعمارية التي تشربها مثقفو الدول المستعمَرة، وأشار إلى أنهم تشربوا معرفة (علمتهم الجدل ومنعتهم العمل). وتحدث بتوسع في تعليقه على محاضرة: «الثقافتان والثورة العلمية»، عن أن المثقفين في الدول المستعمَرة كانوا نتاج ثقافة منشطرة . ففي أكتوبر من عام 1968م كتب البيلي قائلاً: (وبعد الاستقلال الذي تم في أغلبية بلدان العالم الثالث،... ما أكثر ما يقال في العالم الثالث بين المثقفين من الحديث عن التغيير دون التحرك والعمل على التغيير، ذلك لأن أولئك المثقفين يمرحون في قيد ثقافتهم التي تعلمهم الجدل وتمنعهم العمل) . ويؤكد هذا المعنى البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م) حينما تحدث عن ميل المتعلمين إلى السفسطة، وكتب عن نمو اتجاه الحسد عندهم، كأحد مخلفات نوع التعليم، الذي غاب فيه التطوير للملكات النقدية، كتب البروفيسور محمد قائلاً: (والتعليم الذي حظي به المتعلمون لم يستطع أن يطور ملكاتهم النقدية. إذ خَلَّفَ اتجاهاً عقلياً يبلغ في دركه الأسفل الحسد. وفي أحسن صوره إحساساً بالانحراف صوب السفسطة والرومانسية) . أضاف البيلي وهو يتحدث عن المشكلة الأساسية التي تعاني منها البلدان التي خضعت للاستعمار، أضاف قائلاً: (... ومع ازدياد خريجي المعاهد والمدارس والجامعات في تلك البلاد. نجد أن مشكلة (الثقافة) و»المثقفين» هي المشكلة الأساسية التي تعاني منها هذه البلاد. يصدق هذا عن مواجهتها لمشكلة الحكم، أو مواجهة مشاكل التطور...، كما يصدق على السياسة الداخلية والخارجية التي ترضي الطموح وتؤمن الاستقلال. لقد وضح أن الاستقلال شيء وأن مواجهة تحدياته شيء آخر...) . ويضيف قائلاً: (... فالذين شبوا وهدفهم التخلص من وضع ليرثوه، لا نتوقع منهم أن يذهبوا أكثر من ذلك ليطوروه...). وعن دور الاستعمار في تشويه التاريخ، وعلاقة المعرفة الاستعمارية بالهويات، يقول البيلي: (... والاستعمار ليس فقط نهباً للثروات وتسخيراً للعباد وإنما هو مسخ للهوية وتشويه للتاريخ) .
باحث سوداني مُقيم بدولة قطر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.